–+–
ذات مرة في أرض بعيدة كان هناك شاب ماهر في سرد القصص.
سافر من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى أخرى بينما يعزف على قيثارته ويصنع قصة بعد قصة.
سمح للناس بسماعهم مقابل وجبة ومكان للنوم وقد فعل ذلك كل يوم.
ذات يوم بينما يغني بالقرب من حانة بالقرية كما يفعل دائمًا جاء إليه رسول مشبوه مع عباءة سوداء تغطي جسمه بالكامل.
بدا رأسه ذو الغطاء المشدود بعمق كما لو يحتوي على نتوءات تشبه القرن تحته ووجهه مظلل بحيث لا يمكن رؤيته.
” سيدتي سمعت عنك سُمعتك وترغب بسماع قصصك… سيدتي لا يمكنها أن تترك قصرها لذا تعال معي “.
” إذا كانت ترغب في سماع قصصي فهي عميل ثمين إذا دعنا نذهب “.
حاول القرويون منعه لكن الشاب تبع بهدوء خلف الرسول.
المكان الذي أخذه إليه هو قصر قديم في أعمق أعماق الغابة والسيدة التي أخبره عنه هي ساحرة شريرة.
كانت جميلة للغاية وذات معرفة لكنها لم تفعل سوى الأشياء السيئة لذلك سئم الإله منها في النهاية وحبسها في قصرها.
أثناء مروره بالردهة فوجئ الشاب برؤية الساحرة سبب ذلك هو أن النصف السفلي من جسدها قد تحول إلى حجر.
بقيت عالقة في مقعد رائع مناسب للملكة لم تكن الساحرة قادرة حتى على الوقوف.
” أنا سعيدة لأنك أتيت فكما ترى أشعر بالملل بشكل لا يصدق وحتى لو كنت أرغب في اللعب قليلاً فأنا لا أستطيع حتى إلتقاط سمندل واحد لذا لم لا تستريح الآن وتدعني أسمع إحدى قصصك؟ “.
على الرغم من أن نصفها قد تحول لحجر إلا أن الشاب وجدها جميلة عندما إبتسمت وأومأت له.
أخذ الرجل القيثارة في يده وجلس عند قدمي الساحرة.
” سيدتي أشكرك على دعوتك لكن ما نوع القصة التي تتمنينها اليوم؟ قصة كوميدية مشرقة وممتعة؟ قصة حب حلوة وساحرة؟ أو ربما قصة مغامرة وشجاعة؟ “.
” أعرف بالفعل كل القصص في العالم لقد طلبتك هنا لأنني سمعت أنك تصنع قصصًا جديدة لذا أريدك أن تخبرني بقصة لم أسمعها من قبل “.
” إذا كان الأمر كذلك فسألتزم بذلك بكل سرور “.
ألقى الشاب نظرة حول الغرفة وبإستخدام كل ما يلفت إنتباهه كمكونات صاغ قصة في غمضة عين.
تحولت فتحة الفأر على الحائط إلى ممر سري… جلس شبح عجوز على الكرسي الفارغ… وأصبح الرسول المشبوه أشجع الفرسان…
القصة التي جمعها الشاب غير مكتملة وغير مكررة وطفولية لكنها لامعة بشكل مثير للفضول ولديها القدرة على جذب إنتباه من سمعها.
حتى الساحرة التي عرفت كل القصص في العالم وجدت نفسها مفتونة.
من ناحية أخرى – بالنسبة للشاب – الساحرة مستمع بلا نظير.
لن تسخر في منتصف حكايته أو تبكي أو تصرخ بكلمات تافهة مثل “أسرع” أو “هذا هراء”.
تستمع فقط وعيناها تلمعان وتضحك على المشاهد السعيدة وتترك عينيها تدمعان على المشاهد الحزينة.
تحدث الإثنان وإستمعا لبعضهما بينما يقضيان وقتًا ممتعًا.
أعدت الساحرة الراضية وليمة للشاب وتركته في غرفة تناسب الملك.
حتى لو لم تستطع الساحرة التحرك فهناك العديد من خدمها في القصر لرعايته.
في اليوم التالي إستمعت الساحرة لقصص الشاب وتلاشت سنواتها الطويلة من الملل تمامًا شعرت أنها عادت إلى أيامها القديمة.
بمجرد أن حدث ذلك بدأت العادة السيئة للساحرة بالظهور وأرادت إحتكار قصص الشاب الرائعة.
” ماذا عن هذا… لم لا تبقى هنا إلى الأبد وتصنع قصصًا لي وحدي؟ “.
قالت الساحرة لذلك للشاب وأظهرت له وعاءًا.
” من الآن فصاعدًا كل قصصك ستصبح ملك لي ويتم إخفائهم في هذه اليقطينة السحرية، عندما تتقدم في العمر يومًا ما وتموت ستظل روحك محبوسة هنا إلى الأبد وسأكون قادرة على الإستماع إلى قصصك بقدر ما أريد، إذا قلت نعم في المقابل أعدك بأنني لن أترك لك أي ذكريات مؤلمة ولن تضطر أبدًا إلى طرق أبواب الحانة بمعدة فارغة أو البقاء تحت المطر لقضاء لياليك “.
تفاجأ الشاب لكن دون التفكير كثيرا أومأ بنعم.
” ممتاز… من الآن فصاعدًا سأبقى هنا للأبد وأصنع قصصًا للسيدة وحدها “.
إلى جانب كتابة القصص وروايتها لم يكن الشاب جيدًا على الإطلاق في أي شيء آخر.
لم يكن قادرًا على عد النقود التي توسل للحصول عليها ولم يستطع حتى وضعها في محفظته لإستخدامها بإعتدال.
حتى عندما تشابك مع السكارى الرهيبين أو سمع الشكاوى من قصصه أو تعرض للضرب بسببهم لم يكن قادرًا على فعل أي شيء في المقابل.
بالنسبة للشاب حتى عندما وجد السعادة في الأوقات الجيدة هناك العديد من المرات أين صرخ بسبب مصائبه المخيفة.
الأن لن يضطر إلى المرور بهذه المشاعر مرة أخرى ولم يكن هناك شخص يستحق سرد القصص له في العالم أكثر من الساحرة.
” حسنا إنه وعد لن تحكي أي قصة لأحد غيري ولن أتركك تمر بأي ألم “.
إبتسمت الساحرة وسحبت الفلين من اليقطينة.
منذ ذلك الحين قضى الشاب سنوات طويلة في قصر الساحرة.
أخبرته الساحرة بأشياء مختلفة حول عوالم بعيدة وعن أناس من الماضي.
إمتلك القصر مكتبة حتى يستطيع الشاب قراءة الكتب بقدر ما يريد.
شيئًا فشيئًا أصبح الشاب ذكيًا وأصبحت القصص التي جمعها أعمق وأكبر.
بغض النظر عن القصة التي رواها الشاب لن تخبره الساحرة أبدًا أنها ليست جيدة أو مملة.
سيستمتعان بوقتهما معًا وبمجرد إنتهاء القصة سيتحدثان ويناقشا كل قطعة ظهرت في الحكاية.
بسبب ذلك أصبحت قصص الشاب أكثر وفرة وإمتلأ وقتهما سويًا بالسعادة لكن عندما أصبح الشاب رجلا سأل فجأة.
” سيدتي… إذا أخلف أحدنا بالوعد فماذا سيحدث؟ “.
” ما هذا؟ هل تفكر في الذهاب للخارج ليسمع الكثيرون القصص التي تحكيها؟ “.
أصبحت الساحرة في مزاج سيء لكن الرجل إبتسم وهز رأسه نافيا.
” منذ البداية لم أكن أبدًا أصنع قصصي لتكون مشهورة، لا يوجد هناك مستمع أفضل من السيدة لذا لم أفكر مطلقًا في إخبار قصصي لشخص آخر “.
” إذن لماذا تقول مثل هذا الشيء؟ “.
حدقت الساحرة في الرجل بإهتمام وسألته بقلق.
” هل يمكن أن حياتك هنا صعبة؟ إذا كنت ترغب في الخروج يمكنك الذهاب بشرط أن لا تسمح لأي شخص آخر بسماع قصصك، إذا وعدت بالعودة فأخرج متى ما أردت سواء كان ذلك شهرًا أو عامًا سأنتظر هنا مهما طال الوقت “.
” كلا لا أشعر بأي ألم لكن دعيني أرى… إذا كان من المناسب لي أن أذهب للخارج فهل يجب أن أبحث عن هدية تسعدين بها؟ ” ضحك الرجل وأجاب.
في النهاية دون أن يذهب إلى أي مكان إستمر في قضاء وقته بجانب الساحرة بينما إستمرت اليقطينة السحرية في الإمتلاء بالقصص.
القصص التي رواها الرجل قوية جدًا ونابضة بالحياة كل واحدة منها مثل النار المشتعلة.
في بعض الأحيان تقوم الساحرة بإستخراج القصة الأولى التي رواها لها ليصبح وجه الرجل الذي كان شابًا في يوم من الأيام أحمر اللون بسبب الحرج.
ولكن دون أن يطلب منها التخلي عن مثل هذا العادة وجنبًا إلى جنب مع الساحرة كان من دواعي سروره أن يستمع إلى القصة.
قبل أن ينتبه أي شخص أصبح الرجل شيخًا.
تكسر الصوت الذي يروي حكاياته وإختفت النيران المشتعلة للقصص وحل محلها محيط هادئ.
ما كان سيستغرق يومين أو ثلاثة ليقوله أصبح يستغرق أكثر من عشرة أو حتى عشرين يوما لروايته.
ولكن حتى مع ذلك بدون تغيير فإن الساحرة ما زالت ترضي أذنها بالإستماع لقصص الرجل العجوز.
عندما أصبح الرجل العجوز طريح الفراش أعدت له الساحرة سريرًا بجوار كرسيها.
” اليوم الذي تغادر فيه روحك إلى هنا لا يمكن أن يكون بعيدًا “.
تحدثت الساحرة بصوت عالٍ قليلاً وهي تداعب اليقطينة السحرية.
علمت أن الأمر سيصل إلى هنا وبمجرد وفاة الرجل العجوز لن تكون قصصه ملكًا لشخص آخر.
ومع ذلك لم تكن الساحرة سعيدة بذلك حتى لو أن روحه بين يديها فسيكون شيئًا مختلفًا عن ذلك الذي يعيش ويتنفس أمام عينيها.
من المؤكد أن اليقطينة السحرية ستروي قصصه إلى الأبد بسبب روحه لكن لن تولد أي حكاية جديدة.
بينما الساحرة عابسة تحدث العجوز الذي يرقد على السرير.
” سيدتي ربما لن تضعي يديك على روحي “.
” ماذا؟ هل تخطط لتعيش 100 عام أخرى؟ “.
عندما رأت الساحرة شعلة حياة الرجل العجوز على وشك الخروج مازحت عمداً.
لأجل هذه الساحرة أرسل الرجل العجوز نظرة مشفقة وإبتسم بحزن.
” كلا هذا لأنك أخلفت بوعدنا “.
” عفوا؟ “.
” أنت من قال أنك لن تسمحي لي أبدًا بالمرور بأي ذكريات مؤلمة… من المؤكد أن كل يوم قضيته حتى الآن كان مليئًا بالسعادة لكنه لن يستمر… سيدتي سأقولها الآن… أنا أتألم “.
نزلت الدموع من عيني الرجل العجوز وإنخفضت على وجهه لتشكل بقع على وسادته.
في يد الساحرة بدأت اليقطينة السحرية في التشقق والإهتزاز.
” حقيقة أنني يجب أن أفترق عنك هي أشد إيلامًا من الموت… أنا لا أستطيع أن أخبرك قصصي بعد الآن ولم يعد بإمكاني رؤية حزنك أو سعادتك عند كل كلمة من كلماتي بهذه العيون… هذا أمر مؤلم بما يكفي حتى روحي ستتمزق…! “.
في اللحظة التي إنتهى فيها الرجل العجوز من إخراج صوته طفت اليقطينة السحرية في الهواء وأعطت بريقًا لامعًا ثم تحطمت بعيدًا.
كل الحكايات التي خزنتها على مدى عقود عديدة قد ركبت الريح وحلقت بعيدًا.
تلك الحكايات المتلألئة والرائعة مثل الأوراق الجديدة وتلك الحكايات النارية المتوهجة وتلك الحكايات الهادئة مثل المحيط تناثرت شظايا اليقطينة السحرية المحطمة عبر حضنها البارد من الحجر.
نظرت الساحرة فوقهم عالقة في ذهول لبعض الوقت وفي النهاية بدأت الدموع تتساقط بهدوء.
طوال القرون التي ظلت فيها على قيد الحياة هذه أول مرة تذرف فيها دموعا دافئة.
رفعت الساحرة صوتها وبكت وبكت وبكت…
عندما لاحظت أن ساقاها تتحركان وقفت الساحرة منذهلة وأسرعت للإمساك بالرجل العجوز لكن جفنيه وشفتيه أصبحتا مغلقتين بلا حركة.
الصوت الذي يستخدمه لإخبارها قصصه والطريقة التي يناديها بها (سيدتي) لن تسمعها مرة أخرى.
تم إطلاق القصص من اليقطينة السحرية إلى القريب والبعيد راكبين الريح.
الكوميديا المشرقة والممتعة وقصة الحب الحلوة والساحرة وحكاية المغامرة والشجاعة تحطموا لشظايا لا حصر لها ورقصوا بلطف عبر قلوب الناس مظهرين لهم أحلام العظمة.
من بين الناس أولئك الذين قاموا بسرد القصص أمالوا رؤوسهم متسائلين لم يتذكرون مثل هذه القصص ويغنونها كأغاني ثم يضعونها في الكتب… لكن ما خطر ببالهم هو شكل الساحرة.
شعرت الساحرة المتحررة بالملل مرة أخرى.
بعد أن تمكنت الآن من الذهاب إلى أي مكان لم تعد ترغب في المغادرة وقضت بقية أيامها في قصرها.
ظلت تجلس بجانب القبر المصنوع في الفناء وغالبًا ما تحدق فيه بهدوء من الفجر حتى الغسق لم يعد أي شيء تفعله ممتعًا.
في الماضي ستخرج إلى القرى لتقوم بأشكال مختلفة من الأذى.
كانت تجعل اليقطين في الحقول يغني طوال الليل أو تربط أطراف الحدوات أو تسحر شباب القرية قبل أن تتحول فجأة إلى عجوز قبيحة لكن الآن حتى لو فكرت في مثل هذا الأذى فلن يجلب لها أدنى إبتسامة.
في أحد الأيام جلست الساحرة أمام القبر مرة أخرى.
لا زالت تتذكر القصص التي كان يرويها لها وتتمتم بها لنفسها لكنها لم تعد شيئًا سوى حكايات مملة فقدت قوتها.
عندما تنهدت سمعت بعض الأصوات الصاخبة في إتجاه القصر.
” من يمكن أن يكون؟ ” عبست الساحرة بينما تقف.
لم يكن لديها أي زوار في العادة وعندما يتجمع الحشد حول قصر الساحرة لم يكن ذلك من أجل أي شيء جيد ففي بعض الأحيان يتذكر البشر أن الساحرة هنا ويأتون لمهاجمتها.
إستعدت الساحرة لرمي قنبلة العطس عليهم ودارت حول مقدمة القصر قبل أن تطرف عينيها منجذبة إلى مكانهم.
تجمع العديد من الناس هناك من مختلف الأعمار.
من القرويين ذوي الشعر الأسود إلى ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء.
عندما حدقت فيهم الساحرة لاحظها أحد الشباب وإبتسم.
” إنها السيدة! يسعدني أن ألتقي بك! “.
إستدار هؤلاء الأشخاص مندهشين أنها لم تعد حجرًا وبدأوا يتحدثون فيما بينهم.
تجمعوا حول الساحرة بأعداد كبيرة ناهيك عن الخوف بدوا سعداء للغاية.
هذه أول مرة يحدث شيء من هذا القبيل مما جعل عيناها مفتوحتان على مصرعيهما.
نظرت الساحرة إلى البشر حولها.
” ماذا تفعلون هنا؟ أنتم تعرفون أن هذا قصر الساحرة أليس كذلك؟ “.
” نعم يا سيدتي أعتذر عن المداخلة فجأة لقد تلقينا جميعًا قصصًا من اليقطينة السحرية “.
عندما أجاب الشاب بإبتسامة تقدمت فتاة مغنية إلى الأمام وداعبت أوتار القيثارة الموسيقية.
كان هذا الصوت بداية لقصة محتجزة في اليقطينة السحرية.
” عندما سقطت القصة من السماء دهشت لكن بينما كنت أغني تعرفت عليك لهذا السبب جئت إلى هنا “.
بعد ذلك وقف رجل عالم بجانبها رافعًا كتابا.
الإسم هو أحد العناوين التي فكرت بها الساحرة ذات مرة.
” لإستمرار القصة جئت من أجلك… لتسمعي قصة جديدة… “.
لم تستطع الساحرة الرد فقط بكت وبكت ومرة أخرى لم تتوقف الدموع.
أحاط الجميع بالساحرة بلطف ونادوا عليهم بإبتسامة متسائلين: من سيخبر قصته أولاً؟.
لم تحاول الساحرة صنع اليقطينة السحرية مرة أخرى.
بدلاً من ذلك كلما جاء أي شخص أظهرت له طريقًا في الغابة وتركت بوابات القصر مفتوحة على مصراعيها.
من حينها أصبحت الساحرة محاطة بالعديد من القصص الحية وقضت أيامها في سعادة.
–+–
