“أميرة إقليم الإنباير”
بهذا اللفظ، وبنبرة شابتها الحماسة قليلاً، قدم المعلم الطالبة الجديدة.
“شاليتير أكيديا”
بالطبع، أبدى الطلاب سروراً واضحاً انعكس في ملامحهم، بعد كل شيء كانت تلك الفاتنة الواقفة أمامهم بشعرها القرمزي الطويل وأعينها البنفسجية التي لن ترغب في ابعاد بصرك عنها، أميرة.
وقفت الأميرة أمام الصف ناظرةً لأسفل، وعلى عكس ابناء الطبقة النبيلة والعوائل الملكية لم يبدو أنها من النوع المتغطرس.. لا، لا وبل بدا عليها التوتر قليلاً، مع نظرات المعلم المُلحة والطلاب المترقبين، نطقت بصوت أقرب إلى الهمس قائلة بتردد:
“سُ.. سُررت.. بالتعرف.. إليكم”
صوتها فحسب، كان بمثابة عودِ ثقاب أشعل حماسة الصف، وبعبارة واحدة اكتسبت زخمًا… اكتسحت الأميرة قلوبهم أيضاً.
“الآن. أين ستجلس شاليتير؟
تسائل المعلم، ناظرًا إلى الطلاب الذين بدت اوجههم اكثر من مرحبةً بها.
لم يشعر أحد بالإستغراب عندما رأوا هارومو يقوم بدفع صديقه العملاق في نفس الدرج، إسحاق، نحوا الطرف حتى يستطيع إفساح مجال ملائم، على الرغم من ان الطاولة نفسه، ا بها إثنين آخرين بخلاف هيرومو وإسحاق.
بينما كان بعض الفتيان يفعلون مثل ما كان هيرومو يفعل، ستجد ان الفتيات كُن بنفس مستوى الحماس، وسرعان ما تفسحن للجوانب حتى يخلقن مساحةً ملائمةً لشاليتير.
ولكن وبينما شعر المعلم بضحكة قوية تتراقص داخل معدته، تحركت شاليتير بقدميها فجأةً، مخترقةً الصفوف بهدوء، متجهةً نحوا نهاية الفصل.. نحوا الدرج الوحيد بالخلف.
امام هذه التحركات المفاجئة، والتي كانت منطقية للبعض، بحكم كونها أميرةً بالطبع، وربما لا تشعر بالراحة تمامًا بالجلوس وسطهم وهي لازالت طالبة جديدة.
كونه احد الأشخاص الذين كانوا يفكرون بالطريقة الثانية، وافق المعلم بهدوء وسمح لشاليتير بالجلوس هناك بمفردها.
توالت الدروس بالطبع، ولكن الأميرة توارت عن الأنظار كذلك، لربما لا تحب لفت الانتباه؟
ولكن، ذاك الشعر المُحمر الطويل لا تخطئه الأعين، بالطبع كان الطلاب يحاولون التودد إليها، ولكنها كانت تصدهم بطريقة خجولة أقرب منها إلى التوجس مما جعلهم يظنون أنها ربما تحتاج وقتاً للتأقلم بعد رفضها كل دعوات الغداء في الإستراحة، ففضلوا تركها إلى أن تشعر بأنها ترغب بالتواصل معهم.
وهكذا إنقضى يومها الأول، والثاني كذلك بدون اي إحتكاك مباشر، فما إن تدخل الصف وحتى آخر اليوم وفي الدروس الميدانية كانت بعيدةً كل البعد عن الطلاب، وكشخص يعاني من وسواس قهري من نوع ما، كانت تتجنب المصافحة وأي قرب مفرط من اي شخص.
….
في إستراحة اليوم الثالث لشاليتير، وفي أثناء سيرها الحثيث مخافةَ أن يلمحها أحد الطلاب، سمعت صوتاً هادئاً ورزيناً خلفها، ولكنه بدا متحفظاً وواضحاً مما جعلها تلتف بسرعة وهي تدس يديها الرقيقتين خلفها.
“إن كنتِ لا تمانعين. يوجد شيء ارغب بالحديث عنه… شاليتير. أنا شين سانجيرو، أحد طلاب صفك”
تراجعت شاليتير بخطوات متباطئة للخلف، وازدرت ريقها قليلاً ونظرت بحيرة واضحة، مما جعل شين يشير بإبهامه لكفيها اللائي اختفيا تماماً خلف ظهرها.
جحظت أعين شاليتير قليلاً ولاحت ملامح ذهول في طيات وجهها وبدأت في التراجع قليلاً.
“أعتقد ان الحديث هنا سيلفت الإنتباه، ولا أظن كلينا يريد هذا. ما رأيك بالتحرك قبل ان تنتهي الإستراحة؟”
بدت ملامحه ثابتة وهو ينطق بكلماته تلك، وما إن انهاها حتى بدأ بالتحرك من مكانه، مما اضطرها للسير خلفه دون أن تنطق بحرف حتى، على الرغم من انه لم يجبرها على ذلك.
بدت وكأنها تجاهد فقط لكي لا تنهار، واقدامها المتثاقلة لا تقوى على حملها. وصلا إلى الحديقة التي بدت خاليةً من الطلاب وهناك، سمحت لنفسها بالإرتياح قليلاً على ذاك المقعد الخشبي. متذكرةً حركة شين السابقة، كانت تنظر لكفيها بإحتقار وتقزز ولو أن لها، لبترتهما وخلصت نفسها من ذاك العناء الذي كان يثقل كاهلها.
“إذن.. فأنتِ ملعونة؟” بشكل مباشر، وكأنه يعلم ان إطالة الأمر لن يؤدي إلى اي نتيجة، القى شين بتلك الكلمات نحوا الأميرة، التي استقبلتها بإرتعاش خفيف، عنين متوسعتين قليلًا، تلتها حركة حزينة مألوفة، حيث قامت بإخفاض رأسها نحوا الأسفل، ناظرةً نحوا يديها المنكمشتان والقابضتان لزيها اعلى افخاذها.
“أ… أنا لا.. لا أريد إذاء أحد”
بتعابيرها المتخوفة التي لم يستطع شين رؤيتها بوضوح بسبب شعرها الطويل، والذي غطى جانب وجهها، الا ان الخوف بدا واضحاً في صوتها، مع أنفاسها التي بدأت تتعالى، كانت منكمشةً على نفسها كقط أصابه البلل. (اوعى تكوني كشحتي موية في غارف؟ )
أمام كلمات شاليتير تلك، لم يقم شين سوى بإغماض عينيه للحظة من الزمان، متأكدًا من معلوماته الآن، تحدث بصوته الهادئ المعتاد.
“لا بأس بذلك ما دمتي لا تسببين الاذى لأحد. ولكن عدم معرفتهم بالأمر نفسه أمر خطير لجميع الأطراف”
“ولكن.. كيف لك ان..؟”
بصوت متحشرج، إستطاع بصعوبةٍ الوصول، ألقت بسؤالها الذي يبدو وكأنه هز كل كيانها ليخرج فقط.
متفهمًا إستعجالها بمعرفة الطريقة التي جعلته يكتشف لعنتها، لم يتردد شين بتمرير الإجابة.
“قرأت سابقاً عن عدة أنواع من اللعنات المتوارثة، وشعرت بشيء غريب تجاه انطواءك، أغرب من كونه رهاب اجتماعي لأميرة ما، ولكن وجودك هنا لوحدك بدون حُراس او شيء كهذا محط ريبة دون حاجة لذكر الأمر”
متفهمةً نوعًا ما. بالطبع، اصبحت الآن تدرك وجود هذا الشخص شديد الملاحظة، والذي قام وبإستخدام بضعة معلومات عن اللعنات المتوارثة، من إقصاء جميع الإحتمالات اللانهائية لعزلتها عن البقية، واختار هذا السبب بالتحديد.
اعادت شاليتير النظر نحوا الأسفل، غير متأكدة تمامًا ما إن كانت معرفة شين بالأمر شيء جيد ام سيء، وماذا سيحدث إن علم البقية، رغم كل هذا، كان هنالك سؤال واحد وحيد، يتردد برأس شاليتير حاليًا.
“ستخبرهم….ألا…يقتربوا…؟”
“إن كان هذا ما تريدينه. من جانبي، لا ارغب بالضغط عليكِ بالنظر إلى نوع اللعنة التي تحملينها، ولكن كطالبة في الصف، اعتقد بأننا سنحتاج إلى تعاونك بوقت ما. ”
التعاون.
التعاون مع البقية بالفصل.
لم يكن الأمر انها لا تريد مساعدتهم فعليًا، ولكن بالنظر إلى حالها الآن، كان الأمر شبه مستحيل فقط.
ولكن ورغم ذلك، كأنها ترغب بإظهار نيتها السليمة، تحدثت شاليتير بالكلمات الوحيدة التي احتاج شين لسماعها الآن حتى يستطيع تحديد موقف هذه الأميرة.
“إن كنت… استطيع.. فعل ذلك دون الإقتراب…. كثيرًا…”
مستمعًا لكلماتها، لم يقم شين سوى بالإماء بشكل راضٍ، قبل ان يستأذن للذهاب.
من بعد ذهابه، اخذت شاليتير وقتاً في لملمة شتات نفسها فقط لتقف على قدميها مجدداً.
صِدقاً أحياناً حتى التنفس يصبح عِبئاً ثقيلاً لا يُحتمل، ولكن العيش بلعنة من نوع ما، تحتم عليك الإنغلاق على نفسك؟ هذا… أشبه بالموت البطيء، وإن لم تمت فعلياً فسيموت شيء بداخلك بلا أدنى شك.
عادت شاليتير إلى الصف، وهذه المرة وبطريقة تدعو للتوتر وجدت جميع الانظار صوبها مما دفعها للتراجع قليلاً.
“أووي، حان الوقت لتتعرفي علينا سُموّك! نحن زملاء بعد كل شيء وأرى أن شين حظي بالفرصة هذه!”
صاح أحد الطلاب، الذي يبدو أنه وبطريقة ما، رأى شين وهو يتحدث معها، وقد فهم الأمر بشكل خاطئ تماماً.
في لحظات، بدأ الطلاب وبكل حسن نية، بالتقدم نحو شاليتير التي ظنوا بأنها تحتاج فقط دَفعة لتتغلب على ما بدأ وكأنه خجل مفرط.
“لا…توقفوا… لا تقتربوا.. ”
بنبرة تفوح بالرهبة والتردد، وبصوت اقربللهمس، أغمضت شاليتير عينيها، وبدأت تتراجع إلا أن وصلت لزاوية بمقدمة الصف، وهناك، أحاط بها الطلاب الذين تدافعوا بإبتسامات عريضة محاولين كسر ذاك الحاجز الحائل بينهم وبين أميرتهم الخجولة تلك.
بدت على وشك البكاء وهي تقول:
“أرجو..كم.. لا.. لا”
“لا داعي لكل هذا يا فتاة! نحن زملاء ولدينا الكثير من الأوقات لنقضيها معاً!”
“هيا الآن ايتها الأميرة!”
وفي تلك اللحظة بالذات، وفي غمرة الطلاب تلك… تجرأ أحدهم ومد يده وصافح الأميرة بحرارة.
لتنبري حينها ثلاث صرخات…
الأولى من شاليتير الخائفة، والثانية من باب الصف حيث وصل شين متأخرًا، ولم تسقط عيناه على اي شيء سوى تلك اليد الطائشة، بينما خرجت منه صرخة يائسة يقول فيها “لاااا!! “بملئ صوته.
والثالثة، لذاك الذي ذابت يده التي لامست الأميرة، وقد إستحالت سائلاً اسوداً..
فاغراً فاهه لأقصاه، صارخاً بكل قواه، وصل صوت ذاك الطالب لآخر بقعة في أكاديمية بالادين، مخترقة لكل أذن داخل حرمها. نهاية مأساوية بعد كل شيء، كلفه ملمس تلك الكفة الناعمة.. يده بأكملها.
في وسط الصرخات والملامح المصدومة، أبتعد الجميع عن تلك الأميرة التي إحمرت مقلتاها وبدأتا بإفراغ ما فيهما. كانت تلك النظرات المرعوبة، والمتفاجئة كذلك تنسف كل شيء بقي بداخلها.
بعد تدخل المشرفين وتهدئة الوضع وإسعاف ذاك الذي لم يتوقف عن الصراخ بطريقة ستشعرك كم لو أنه كان يتعرض لافظع انواع التعذيب.
إنهارت شاليتير بعد ذلك تماماً إذ كانت تتجنب كل السيناريوهات المؤدية لمثل هذا الوضع الآن، وقد حدث ما تخشاه.
مع شرح الوضع للطلاب بخصوص لعنة شاليتير التي تصيب فرداً من عائلتها كل عشر سنوات، كانت أحاديث الأكاديمية كلها حول الأميرة التي تسببت في فقدان طالب من صفها أحد أطرافه، بالتأكيد كان لهذا الأثر الاكبر في انكماشها حول ذاتها حتى بعد عودتها لمزاولة دروسها، ولكن هذا فحسب كان لديه ندبةً عميقة الأثر في قلب هذه الأميرةاليافعة .
لم تظن شاليتير يوماً أنها قد تتجاوز لعنتها هذه، أو أن كاتب اقدارها قد يشفق عليها ويسوق لها ضوءاً في آخر النفق، لكن أحياناً.. يكون لطرف الخيط رأيٌ آخر.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.