الفخ (4)
تفجّر الدم من الجرح الذي سبّبته طعنة النصل الأسود في جسد خوان. وللحظة، لم يستطع خوان أن يستوعب الموقف أمامه، وفي الوقت نفسه، كان يفهمه أكثر من أيّ شخص آخر — لقد كان نفس ما حدث حينها.
ومع ذلك، ظلت أجواء حصن بيلديف أكثر حيوية قليلًا مقارنة بأجواء الجيش الشمالي. كان فرسان فنرير والجيش الشمالي في حالة كآبة شديدة، لدرجة أن البعض اعتقد أنهم يُقيمون جنازة.
كان خوان يعلم جيدًا أن جرارد قد خانه—فهو من اغتاله. لكنه، في الوقت نفسه، كان يأمل أن يكون لدى جرارد عذر لفعل ما فعله، وكان يتمنى أن تكون هناك أسباب قوية وحتمية وراء تصرفاته. ازداد هذا الأمل أكثر بعد لقائه مع راس.
عندها، زاد خوان من كمية الحرارة التي كان يطلقها.
لا يزال خوان لم ينسَ الهراء الذي تفوّه به جرارد المرتجف في ليلة الاغتيال. بل إنه شعر أحيانًا أن جرارد ربما كان تحت تأثير مؤامرة أو لعنة ما.
“ماذا؟” شكّت هيلا في سمعها. “ما المشكلة؟”
لم يهاجم جرارد خوان في هايفدن، بل أنقذه أيضًا من تأثير تاج اللهب في دورغال. وجرارد الذي ظهر لينقذ قرويي أربالد كان بالضبط كما يتذكره خوان من الماضي. وقد جعل هذا الأمر خوان يشعر بعاطفة شديدة.
تبددت الضبابية التي كانت تغطي الأرض مع كل خطوة يخطوها خوان. كان الضباب كثيفًا إلى حد أن خوان شعر وكأنه يسبح داخل الماء. وعندما دفع الضباب مبتعدًا عبر إشعاع بعض الحرارة، جفّ الضباب على الفور وكشف ما حوله.
كان خوان يريد أن يصدق أن جرارد ربما كان قد أُسيء فهمه أيضًا، تمامًا كما حدث مع راس.
“ما الأمر، يا سير والتر؟ هل هناك مشكلة في المهمة؟” سألت هيلا.
سبلات!
وكان ذلك بسبب اختفاء نيينا مع خوان.
لكن في هذه اللحظة، طعن جرارد خوان مرة أخرى في ظهره، وكأنه يسخر من أمله.
“جلالتك، لا يمكننا تنفيذ حكم الإعدام على القرويين،” أجاب والتر بتعبير معقّد على وجهه.
سبلات! كراك! سكولتش! شنك!
وفي تلك اللحظة، أمسك شيء ما بمعصمه بقوة. وعندما فتح خوان عينيه، رأى عيني نيينا المرعوبتين. ثم كان الإحساس التالي الذي شعر به هو نفسه يطفو في الهواء.
دخل نصل إلكيهل وخرج مرارًا وتكرارًا عبر جرح خوان—كما لو أن طعنة واحدة لم تكن كافية. كان خوان يرتجف بلا حول ولا قوة في كل مرة يغرس فيها جرارد النصل في جسده.
“لكن…”
استطاع خوان أن يرى نيينا وهي تصرخ بيأس وتركض نحوه، لكنه كان يعلم بالفعل أنها لن تستطيع إنقاذه، حتى لو وصلت.
“الجنرال نيينا أيضًا تم سحبها إلى الشق،” قالت هيلا بحزم.
في الواقع، كان يشعر بذلك بشكل حدسي منذ اللحظة التي طُعن فيها بإلكيهل. لقد كان الأمر مطابقًا تمامًا لليلة اغتياله—لم يكن هناك مفرّ من هذا. كان خوان يشعر بقوته تتلاشى في كل مرة ينغرز فيها النصل الأسود في صدره.
نظرت هيلا إلى والتر باستغراب عندما لاحظت أن يديه نظيفتان تمامًا. ففي الواقع، كان من المفترض أن تكون يداه ملوثتين، إذ كانت هيلا قد أوكلت مهمة تطهير قرويي أربالد إلى فرسان أمر فنرير بعد اختفاء جرارد وخوان. لكن لم يكن على يدي والتر قطرة دم واحدة. أمالت هيلا رأسها بدهشة؛ فقد كانت تتوقع من فرسان فنرير أن يقتلوا جميع القرويين.
‘ماذا كنت أتوقع؟’
‘لا بد أن هذه هي كَرمَة جلالته—أن يُجرّ من حوله إلى مصير كدوّامة لا مفر منها.’
ضحك خوان بسخرية من نفسه؛ كان يشعر بوضوح أن مانا تالتير، وضباب غرونبالد، وجوهر نيغرارتو، ولعنة الأفعى الشريرة، كلها تغادر جسده مع الدماء المتدفقة. اختفت كميات هائلة من المانا من خوان في لحظة واحدة فقط. الموت كان يحدق في عينيه، وكان يشعر بنفسه يُسحب بيد جرارد.
“أخبِريني إن احتجتِ أي شيء، وتذكّري أنكِ مرحّب بك دائمًا لتنضمّي إليّ. وأيضًا…”
وفي تلك اللحظة، أمسك شيء ما بمعصمه بقوة. وعندما فتح خوان عينيه، رأى عيني نيينا المرعوبتين. ثم كان الإحساس التالي الذي شعر به هو نفسه يطفو في الهواء.
“أنوي التوجّه مباشرة إلى العاصمة الآن. سمعت أن الكنيسة بدأت تتغير حول القديسة الحالية. كما يُقال إن عائلة هيلوين بدأت تستعيد نفوذها من جديد. لن يكون من الصعب أن نحشد صفوفنا. وعندما نحصل على القوة الكافية…” أمسكت هيلا بيد سينا. “سأُعيد فتح التحقيق في حادثة اغتيال جلالته من البداية. لن تُستثنى لا شرور الكنيسة المتجذّرة، ولا حتى الوصي على العرش. قد يلعنني الناس ويقولون إنني خرفت، وقد أضطر حتى إلى إراقة الدماء. لكن أعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنني بها رد الجميل لجلالته والجنرال نيينا. وهذا المسار يتطلب الكثير من الأشخاص الموهوبين. أريدكِ أن تكوني جزءًا منه يا سينا. ما ترغبين في معرفته والحصول عليه هو بالضبط ما أريده أنا أيضًا.”
***
“لكن…”
حدّقت سينا بشرود في الكرة السوداء الموضوعة على الطاولة. لم يسبق لها أن رأت شيئًا مثل هذا من قبل، لكنها كانت تعرف تمامًا ما هو—كان جوهر نيغرارتو. اعتاد خوان أن يُطلق عليه اسم “أومبرا”. ومنذ أن تحطّم خنجر تالتير القصير، كان خوان يستخدم الأومبرا كدرع وسلاح في آنٍ واحد.
لا يزال خوان لم ينسَ الهراء الذي تفوّه به جرارد المرتجف في ليلة الاغتيال. بل إنه شعر أحيانًا أن جرارد ربما كان تحت تأثير مؤامرة أو لعنة ما.
“هل هذا ما تركه راس خلفه؟”
فتح خوان فمه بصوت منخفض بعد أن تأمل جسد الإله لبرهة.
أومأت سينا برأسها بشرود عند سماع سؤال هيلا.
وفي تلك اللحظة، سمعَت كلّ من سينا وهيلا طرقًا على باب المكتب. توقفت هيلا عن الحديث؛ كانت قد أخبرت الآخرين أن يطرقوا الباب فقط في حال وجود أمر عاجل. الرجل الذي دخل الغرفة كان والتر، أحد فرسان أمر فنرير.
“…على حد علمي، نعم. هذا ما قاله لي أحد فرسان الهيكل الذين أعرفهم من هايفدن.”
“لا يمكن أن يكون خوان قد انخدع بهجوم مباغت بسيط كهذا. ثم، ألم تقولي إن الجنرال نيينا كانت قد هزمت جرارد في تلك اللحظة؟ هل هناك احتمال أن يكون خوان قد تظاهر بالتعرّض للخديعة من أجل أن…”
لقد منح كميل، النائب السابق لأمر الكراو البيضاء، سينا الكثير من المعلومات عن خوان، إلى جانب السيف المقدس. وكان من بين تلك المعلومات ما يتعلق بجوهر نيغرارتو الذي سلّمه راس إلى خوان. إلى جانب ذلك، كانت سينا قد شاهدت خوان وهو يقاتل باستخدام الأومبرا من قبل.
“سينا،” أمسكت هيلا بكتف سينا. “هل تعلمين من هو أكثر شخص يرغب في الموت الآن؟ إنه أنا. لقد فقدت ابني، وزوجي، وأحبائي، وأولئك الذين كنت أحترمهم على هذه الأرض.”
لم تكن تدرك أن الأومبرا يمكن أن ينفصل عن خوان، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد—خوان لم يكن ليتخلى عن الأومبرا أبدًا لو كان لا يزال حيًا. فالأومبرا كان آخر ما تركه له ابنه راس.
‘لا بد أن هذه هي كَرمَة جلالته—أن يُجرّ من حوله إلى مصير كدوّامة لا مفر منها.’
التزمت هيلا الصمت عند إدراكها مدى أهمية الأومبرا بالنسبة لخوان.
في تلك اللحظة، شعر خوان بحضور خافت—كان ذلك حضور كبير السحرة. بدأ خوان يسير ببطء نحو الاتجاه الذي شعر بالحضور قادمًا منه. وكلما تقدم، ازداد الضباب كثافة. حاول خوان إزاحة الضباب باستخدام الحرارة، لكن الكمية الهائلة من الضباب كانت تحجب رؤيته باستمرار.
كان جو الحصن بيلديف غريبًا إلى حد ما. فالوضع الرسمي لخوان يجب أن يكون إما سجينًا أو قائدًا لوحدة العقاب. ومع ذلك، لم يعتبره أحد هنا سجينًا—خصوصًا وحدة العقاب. فقد ظل أفراد وحدة العقاب متجمّدين بلا حراك وبتعابير متصلّبة عندما سمعوا ما حدث لخوان.
“لم يتأثر أحد بالشق؟”
ولم تكن الأجواء مختلفة كثيرًا بالنسبة لبقية جنود الفرقة الرابعة، لا سيما مع انتشار شائعة تقول إن خوان هو الإمبراطور العائد. انتشرت شائعات مشؤومة في كل مكان.
تبددت الضبابية التي كانت تغطي الأرض مع كل خطوة يخطوها خوان. كان الضباب كثيفًا إلى حد أن خوان شعر وكأنه يسبح داخل الماء. وعندما دفع الضباب مبتعدًا عبر إشعاع بعض الحرارة، جفّ الضباب على الفور وكشف ما حوله.
ومع ذلك، ظلت أجواء حصن بيلديف أكثر حيوية قليلًا مقارنة بأجواء الجيش الشمالي. كان فرسان فنرير والجيش الشمالي في حالة كآبة شديدة، لدرجة أن البعض اعتقد أنهم يُقيمون جنازة.
ولم يكن أي من فرسان أمر فنرير قادرًا على اتخاذ قرار حاسم بشأن الإجراءات المستقبلية، إذ لم يكن أحد يتوقع أنهم سيواجهون أزمة بهذا الحجم في الشرق. كان المتمردون الشماليون مجرد فراخ مقارنة بوحوش الشق التي اعتاد أمر فنرير مواجهتها، ولم يتصور أحد أنهم سيفقدون الجنرال في معركة كهذه. وتزايد إحباط الفرسان مع مرور الوقت.
وكان ذلك بسبب اختفاء نيينا مع خوان.
“سأخبركِ بما أنوي فعله الآن. حتى الآن، كنت مقيدة في الشرق، لكن الشرق حظي بفرصة جديدة بفضل الجنرال نيينا وجلالته. بالإضافة إلى ذلك، لدينا ورقة ضغط تُدعى سوفول تساعدنا في الضغط على العاصمة. وهناك احتمال كبير أن الجيش الشمالي سينضم إلينا إن تمكّنا من إقناعهم.”
“هل قلتِ إن جرارد جاين هو من طعن خوان؟” سألت سينا.
وجاء رد والتر ليزيد من ارتباك هيلا.
“نعم. رأيتُ ذلك بعيني. كان وجهه مغطى بالضمادات، لكنه بالتأكيد كان يملك نفس ملامح الشخص الذي أنقذني في السابق. استطعت التعرّف عليه من خلال التنين، وأسلوبه في القتال، وطريقة مشيه، وكذلك نظراته. طعن خوان عدة مرات في ظهره، وكأنه يحاول التعويض عن فشله في المرة الماضية،” ضحكت هيلا بذهول. “يبدو أنه لم يُرِد منح خوان فرصة أخرى للبعث هذه المرة.”
“أنتِ من قلتِ إنه كان شخصًا يجعل الناس يكرسون حياتهم كلها لأجله، يا جلالتكِ،” قالت سينا بابتسامة حزينة.
هزّت سينا رأسها نافية.
سبلات! كراك! سكولتش! شنك!
“لا يمكن أن يكون خوان قد انخدع بهجوم مباغت بسيط كهذا. ثم، ألم تقولي إن الجنرال نيينا كانت قد هزمت جرارد في تلك اللحظة؟ هل هناك احتمال أن يكون خوان قد تظاهر بالتعرّض للخديعة من أجل أن…”
ولم تكن الأجواء مختلفة كثيرًا بالنسبة لبقية جنود الفرقة الرابعة، لا سيما مع انتشار شائعة تقول إن خوان هو الإمبراطور العائد. انتشرت شائعات مشؤومة في كل مكان.
“الجنرال نيينا أيضًا تم سحبها إلى الشق،” قالت هيلا بحزم.
“أنتِ من قلتِ إنه كان شخصًا يجعل الناس يكرسون حياتهم كلها لأجله، يا جلالتكِ،” قالت سينا بابتسامة حزينة.
كان البحث لا يزال جاريًا عن نيينا وخوان عند الساحل. لم تكن هناك أي فرصة لأن تجد هيلا خوان أو نيينا قرب البحر؛ فقد رآهم الجميع يُسحبون إلى الشق أمام أعينهم. لكن هيلا كانت تبحث عنهم بيأس؛ لم تكن قادرة على السيطرة على الجيش الشمالي.
“أظهر نفسك، دورموند. أعتقد أن لديك ما تقوله لي،” قال خوان.
ولم يكن أي من فرسان أمر فنرير قادرًا على اتخاذ قرار حاسم بشأن الإجراءات المستقبلية، إذ لم يكن أحد يتوقع أنهم سيواجهون أزمة بهذا الحجم في الشرق. كان المتمردون الشماليون مجرد فراخ مقارنة بوحوش الشق التي اعتاد أمر فنرير مواجهتها، ولم يتصور أحد أنهم سيفقدون الجنرال في معركة كهذه. وتزايد إحباط الفرسان مع مرور الوقت.
“أرجوك، توقف عن إشعاع الحرارة، جلالتك!” قال أحدهم من داخل الضباب بنبرة مستعجلة. توقّف خوان عن زيادة الحرارة، لكنه لم يُنقص من كميتها أيضًا.
لكن سينا لم تكن قد استسلمت.
‘ماذا كنت أتوقع؟’
“لديه سابقة في العودة من الموت. ربما يعود هذه المرة أيضًا.”
ولم يكن أي من فرسان أمر فنرير قادرًا على اتخاذ قرار حاسم بشأن الإجراءات المستقبلية، إذ لم يكن أحد يتوقع أنهم سيواجهون أزمة بهذا الحجم في الشرق. كان المتمردون الشماليون مجرد فراخ مقارنة بوحوش الشق التي اعتاد أمر فنرير مواجهتها، ولم يتصور أحد أنهم سيفقدون الجنرال في معركة كهذه. وتزايد إحباط الفرسان مع مرور الوقت.
“جلالته لم يتمكن من العودة إلا بعد مرور خمسين سنة تقريبًا، وحتى ذلك الحين عاد بهيئة طفل، على الرغم من امتلاكه قوة شبه مطلقة. أما هذه المرة، فقد طُعن عدة مرات، وسُحب إلى الشق. لا يمكنكِ مقارنة الوضع بما حدث في الماضي.”
لقد منح كميل، النائب السابق لأمر الكراو البيضاء، سينا الكثير من المعلومات عن خوان، إلى جانب السيف المقدس. وكان من بين تلك المعلومات ما يتعلق بجوهر نيغرارتو الذي سلّمه راس إلى خوان. إلى جانب ذلك، كانت سينا قد شاهدت خوان وهو يقاتل باستخدام الأومبرا من قبل.
“لكن…”
وجاء رد والتر ليزيد من ارتباك هيلا.
“سينا،” أمسكت هيلا بكتف سينا. “هل تعلمين من هو أكثر شخص يرغب في الموت الآن؟ إنه أنا. لقد فقدت ابني، وزوجي، وأحبائي، وأولئك الذين كنت أحترمهم على هذه الأرض.”
لا يزال خوان لم ينسَ الهراء الذي تفوّه به جرارد المرتجف في ليلة الاغتيال. بل إنه شعر أحيانًا أن جرارد ربما كان تحت تأثير مؤامرة أو لعنة ما.
تذكّرت هيلا أنها طلبت من خوان التحدث إلى جرارد قبل معاقبته. كان طلبًا بسيطًا، لكنها فقدت خوان ونيينا معًا نتيجة لذلك.
“أنتِ موهبة ثمينة كان جلالته يقدّرها. لا أعلم ما الذي رآه فيكِ، لكن لا أعتقد أنه كان يتوقع أن تنهاري وتنكرِي الواقع مثل الناس العاديين.”
“فكرت في أن ألقي بنفسي من على أسوار بيلديف لعل جرارد يظهر مجددًا لينقذني ويشرح لي ما حدث. لكن لا يمكنني حتى فعل ذلك، لأن هناك الكثير من المسؤوليات التي تقع على عاتقي.”
“أريد أن أكون معكِ. لكن…” فتحت سينا فمها بشفاه مرتجفة وكأنها مترددة. “لا أظن أن خوان قد مات بعد. أود أن أمنح نفسي بعض الوقت لأفكر بالأمر، حتى أتيقّن من موته.”
“جلالتكِ…”
‘لا بد أن هذه هي كَرمَة جلالته—أن يُجرّ من حوله إلى مصير كدوّامة لا مفر منها.’
“أنتِ موهبة ثمينة كان جلالته يقدّرها. لا أعلم ما الذي رآه فيكِ، لكن لا أعتقد أنه كان يتوقع أن تنهاري وتنكرِي الواقع مثل الناس العاديين.”
شعر خوان بانقباض في معدته وسحب الحرارة التي كان يطلقها. سرعان ما ملأ الضباب المسافة بينهما من جديد، لكن خوان اتجه نحو مصدر انبعاث الضباب. فظهرت كتلة باهتة من خلال الضباب. وعندما وضع خوان يده عليها، بدأ الضباب يتبدد بسرعة.
عضّت سينا شفتها وبقيت صامتة، بينما استمرت هيلا بالكلام بنظرة حازمة في عينيها.
“سينا،” أمسكت هيلا بكتف سينا. “هل تعلمين من هو أكثر شخص يرغب في الموت الآن؟ إنه أنا. لقد فقدت ابني، وزوجي، وأحبائي، وأولئك الذين كنت أحترمهم على هذه الأرض.”
“سأخبركِ بما أنوي فعله الآن. حتى الآن، كنت مقيدة في الشرق، لكن الشرق حظي بفرصة جديدة بفضل الجنرال نيينا وجلالته. بالإضافة إلى ذلك، لدينا ورقة ضغط تُدعى سوفول تساعدنا في الضغط على العاصمة. وهناك احتمال كبير أن الجيش الشمالي سينضم إلينا إن تمكّنا من إقناعهم.”
“أظهر نفسك، دورموند. أعتقد أن لديك ما تقوله لي،” قال خوان.
كانت كلمات هيلا مفعمة بالإصرار. وسرعان ما أدركت سينا خطة هيلا.
“هل هذا ما تركه راس خلفه؟”
“أنوي التوجّه مباشرة إلى العاصمة الآن. سمعت أن الكنيسة بدأت تتغير حول القديسة الحالية. كما يُقال إن عائلة هيلوين بدأت تستعيد نفوذها من جديد. لن يكون من الصعب أن نحشد صفوفنا. وعندما نحصل على القوة الكافية…” أمسكت هيلا بيد سينا. “سأُعيد فتح التحقيق في حادثة اغتيال جلالته من البداية. لن تُستثنى لا شرور الكنيسة المتجذّرة، ولا حتى الوصي على العرش. قد يلعنني الناس ويقولون إنني خرفت، وقد أضطر حتى إلى إراقة الدماء. لكن أعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنني بها رد الجميل لجلالته والجنرال نيينا. وهذا المسار يتطلب الكثير من الأشخاص الموهوبين. أريدكِ أن تكوني جزءًا منه يا سينا. ما ترغبين في معرفته والحصول عليه هو بالضبط ما أريده أنا أيضًا.”
في الواقع، كان يشعر بذلك بشكل حدسي منذ اللحظة التي طُعن فيها بإلكيهل. لقد كان الأمر مطابقًا تمامًا لليلة اغتياله—لم يكن هناك مفرّ من هذا. كان خوان يشعر بقوته تتلاشى في كل مرة ينغرز فيها النصل الأسود في صدره.
عضّت سينا شفتها ولزمت الصمت. ثم سحبت يدها بلطف وابتعدت قليلًا، ما جعل هيلا تشعر بخيبة أمل.
‘ماذا كنت أتوقع؟’
“أريد أن أكون معكِ. لكن…” فتحت سينا فمها بشفاه مرتجفة وكأنها مترددة. “لا أظن أن خوان قد مات بعد. أود أن أمنح نفسي بعض الوقت لأفكر بالأمر، حتى أتيقّن من موته.”
“…أجل، معك حق.”
“لكن قد يستغرق منك ذلك عمرًا كاملًا لتتأكدي.”
فتح خوان فمه بصوت منخفض بعد أن تأمل جسد الإله لبرهة.
“أنتِ من قلتِ إنه كان شخصًا يجعل الناس يكرسون حياتهم كلها لأجله، يا جلالتكِ،” قالت سينا بابتسامة حزينة.
كانت كلمات هيلا مفعمة بالإصرار. وسرعان ما أدركت سينا خطة هيلا.
“…أجل، معك حق.”
***
‘لا بد أن هذه هي كَرمَة جلالته—أن يُجرّ من حوله إلى مصير كدوّامة لا مفر منها.’
وفي تلك اللحظة، أمسك شيء ما بمعصمه بقوة. وعندما فتح خوان عينيه، رأى عيني نيينا المرعوبتين. ثم كان الإحساس التالي الذي شعر به هو نفسه يطفو في الهواء.
ضحكت هيلا بمرارة على أفكارها. فالناس من حول خوان كانوا يطاردونه وينجذبون إلى دوّامة مصير لا ترحم، بينما كان هو يتصرف كما يشاء ويضحك ساخرًا على مصيره. وكانت حقيقة تمكّنه من الحفاظ على هذا الموقف دائمًا تجعل هيلا تشعر بالغيرة منه.
في تلك اللحظة، شعر خوان بحضور خافت—كان ذلك حضور كبير السحرة. بدأ خوان يسير ببطء نحو الاتجاه الذي شعر بالحضور قادمًا منه. وكلما تقدم، ازداد الضباب كثافة. حاول خوان إزاحة الضباب باستخدام الحرارة، لكن الكمية الهائلة من الضباب كانت تحجب رؤيته باستمرار.
“أخبِريني إن احتجتِ أي شيء، وتذكّري أنكِ مرحّب بك دائمًا لتنضمّي إليّ. وأيضًا…”
“جلالتكِ…”
وفي تلك اللحظة، سمعَت كلّ من سينا وهيلا طرقًا على باب المكتب. توقفت هيلا عن الحديث؛ كانت قد أخبرت الآخرين أن يطرقوا الباب فقط في حال وجود أمر عاجل. الرجل الذي دخل الغرفة كان والتر، أحد فرسان أمر فنرير.
لقد منح كميل، النائب السابق لأمر الكراو البيضاء، سينا الكثير من المعلومات عن خوان، إلى جانب السيف المقدس. وكان من بين تلك المعلومات ما يتعلق بجوهر نيغرارتو الذي سلّمه راس إلى خوان. إلى جانب ذلك، كانت سينا قد شاهدت خوان وهو يقاتل باستخدام الأومبرا من قبل.
نظرت هيلا إلى والتر باستغراب عندما لاحظت أن يديه نظيفتان تمامًا. ففي الواقع، كان من المفترض أن تكون يداه ملوثتين، إذ كانت هيلا قد أوكلت مهمة تطهير قرويي أربالد إلى فرسان أمر فنرير بعد اختفاء جرارد وخوان. لكن لم يكن على يدي والتر قطرة دم واحدة. أمالت هيلا رأسها بدهشة؛ فقد كانت تتوقع من فرسان فنرير أن يقتلوا جميع القرويين.
كانت كلمات هيلا مفعمة بالإصرار. وسرعان ما أدركت سينا خطة هيلا.
“ما الأمر، يا سير والتر؟ هل هناك مشكلة في المهمة؟” سألت هيلا.
كان جو الحصن بيلديف غريبًا إلى حد ما. فالوضع الرسمي لخوان يجب أن يكون إما سجينًا أو قائدًا لوحدة العقاب. ومع ذلك، لم يعتبره أحد هنا سجينًا—خصوصًا وحدة العقاب. فقد ظل أفراد وحدة العقاب متجمّدين بلا حراك وبتعابير متصلّبة عندما سمعوا ما حدث لخوان.
“جلالتك، لا يمكننا تنفيذ حكم الإعدام على القرويين،” أجاب والتر بتعبير معقّد على وجهه.
“أنتِ موهبة ثمينة كان جلالته يقدّرها. لا أعلم ما الذي رآه فيكِ، لكن لا أعتقد أنه كان يتوقع أن تنهاري وتنكرِي الواقع مثل الناس العاديين.”
“ماذا؟” شكّت هيلا في سمعها. “ما المشكلة؟”
“ماذا؟” شكّت هيلا في سمعها. “ما المشكلة؟”
وجاء رد والتر ليزيد من ارتباك هيلا.
‘لا بد أن هذه هي كَرمَة جلالته—أن يُجرّ من حوله إلى مصير كدوّامة لا مفر منها.’
“لم يتأثر أي من القرويين بالشق، جلالتك. كان أمر الجنرال نيينا هو إنقاذ من طالتهم عدوى الشق، لكن لم يعد هناك سبب لإنقاذهم. كنتُ أود طلب إعادة النظر من الجنرال نيينا، لكني مضطر لطلب قرارك، بما أن مقعد الجنرال شاغر.”
ولم تكن الأجواء مختلفة كثيرًا بالنسبة لبقية جنود الفرقة الرابعة، لا سيما مع انتشار شائعة تقول إن خوان هو الإمبراطور العائد. انتشرت شائعات مشؤومة في كل مكان.
“لم يتأثر أحد بالشق؟”
عضّت سينا شفتها وبقيت صامتة، بينما استمرت هيلا بالكلام بنظرة حازمة في عينيها.
كان القرويون لا يعيشون في الشمال الشرقي فحسب، بل كانوا يعيشون إلى جانب محاربي أربالد أيضًا. ومن الطبيعي أن يكونوا قد تأثروا بالشق، حتى لو كان بأقل درجة. كانت هيلا قد وجدت حتى آثارًا تشير إلى أن القرويين قد طالتهم العدوى من قبل، عندما صادفتهم أثناء المعركة أكثر من مرة.
“أخبِريني إن احتجتِ أي شيء، وتذكّري أنكِ مرحّب بك دائمًا لتنضمّي إليّ. وأيضًا…”
وفجأة، شعرت هيلا بالقشعريرة عندما أدركت متأخرة أن أيا من القرويين على الساحل لم يكن يغني ترنيمة أو يتمتم باسمٍ منحه لهم الشق. وإذا تبيّن فعلًا أن القرويين لم يُمسّوا بالشق، فإن نيينا والجيش الشمالي كادوا أن يذبحوا أكثر من ألف مواطن بريء. وكان من المؤكد أن هذه المأساة كانت ستقع لولا تدخّل جرارد.
“فكرت في أن ألقي بنفسي من على أسوار بيلديف لعل جرارد يظهر مجددًا لينقذني ويشرح لي ما حدث. لكن لا يمكنني حتى فعل ذلك، لأن هناك الكثير من المسؤوليات التي تقع على عاتقي.”
لم تعرف هيلا كيف تتعامل مع هذا الوضع.
“هل هذا ما تركه راس خلفه؟”
“سيتوقف تنفيذ الإعدام، لكني أطلب من أمر فنرير التحقيق مع جميع القرويين. لا تنسوا أن تتحققوا ممن التقوا بهم، وما الذي مرّوا به بعد أن طُردوا من القرية.”
***
***
أومأت سينا برأسها بشرود عند سماع سؤال هيلا.
تبددت الضبابية التي كانت تغطي الأرض مع كل خطوة يخطوها خوان. كان الضباب كثيفًا إلى حد أن خوان شعر وكأنه يسبح داخل الماء. وعندما دفع الضباب مبتعدًا عبر إشعاع بعض الحرارة، جفّ الضباب على الفور وكشف ما حوله.
فتح خوان فمه بصوت منخفض بعد أن تأمل جسد الإله لبرهة.
كانت الجدران المحيطة به هي جدران برج السحر، رغم أنها لم تكن واضحة بالكامل أمامه. لم يكن الهاوية واسعة بما يكفي لاستيعاب البرج، خاصة عند أخذ جميع الأشياء المخزنة في الهاوية إلى جانب البرج بعين الاعتبار—فالسحرة الذين في البرج لم يرغبوا في التخلص من أي من موادهم البحثية الثمينة. أما كبير السحرة على وجه الخصوص، فقد توسّل إلى خوان ألا يدمر برج السحر.
دخل نصل إلكيهل وخرج مرارًا وتكرارًا عبر جرح خوان—كما لو أن طعنة واحدة لم تكن كافية. كان خوان يرتجف بلا حول ولا قوة في كل مرة يغرس فيها جرارد النصل في جسده.
في تلك اللحظة، شعر خوان بحضور خافت—كان ذلك حضور كبير السحرة. بدأ خوان يسير ببطء نحو الاتجاه الذي شعر بالحضور قادمًا منه. وكلما تقدم، ازداد الضباب كثافة. حاول خوان إزاحة الضباب باستخدام الحرارة، لكن الكمية الهائلة من الضباب كانت تحجب رؤيته باستمرار.
“لكن…”
عندها، زاد خوان من كمية الحرارة التي كان يطلقها.
ظهر ساحر ذو شعر أبيض بحذر من بين الضباب، وكان يحمل بين ذراعيه شيئًا ملفوفًا بقطعة قماش كبيرة. انحنى الساحر أمام خوان.
“أرجوك، توقف عن إشعاع الحرارة، جلالتك!” قال أحدهم من داخل الضباب بنبرة مستعجلة. توقّف خوان عن زيادة الحرارة، لكنه لم يُنقص من كميتها أيضًا.
“لديه سابقة في العودة من الموت. ربما يعود هذه المرة أيضًا.”
“أظهر نفسك، دورموند. أعتقد أن لديك ما تقوله لي،” قال خوان.
“لا يمكن أن يكون خوان قد انخدع بهجوم مباغت بسيط كهذا. ثم، ألم تقولي إن الجنرال نيينا كانت قد هزمت جرارد في تلك اللحظة؟ هل هناك احتمال أن يكون خوان قد تظاهر بالتعرّض للخديعة من أجل أن…”
ظهر ساحر ذو شعر أبيض بحذر من بين الضباب، وكان يحمل بين ذراعيه شيئًا ملفوفًا بقطعة قماش كبيرة. انحنى الساحر أمام خوان.
حدّقت سينا بشرود في الكرة السوداء الموضوعة على الطاولة. لم يسبق لها أن رأت شيئًا مثل هذا من قبل، لكنها كانت تعرف تمامًا ما هو—كان جوهر نيغرارتو. اعتاد خوان أن يُطلق عليه اسم “أومبرا”. ومنذ أن تحطّم خنجر تالتير القصير، كان خوان يستخدم الأومبرا كدرع وسلاح في آنٍ واحد.
“أنا أستطيع تحمّل الحرارة، لكن هذا الطفل لا يستطيع. أرجوك ارحمه، جلالتك.”
“أنا أستطيع تحمّل الحرارة، لكن هذا الطفل لا يستطيع. أرجوك ارحمه، جلالتك.”
“طفل.”
كان جو الحصن بيلديف غريبًا إلى حد ما. فالوضع الرسمي لخوان يجب أن يكون إما سجينًا أو قائدًا لوحدة العقاب. ومع ذلك، لم يعتبره أحد هنا سجينًا—خصوصًا وحدة العقاب. فقد ظل أفراد وحدة العقاب متجمّدين بلا حراك وبتعابير متصلّبة عندما سمعوا ما حدث لخوان.
شعر خوان بانقباض في معدته وسحب الحرارة التي كان يطلقها. سرعان ما ملأ الضباب المسافة بينهما من جديد، لكن خوان اتجه نحو مصدر انبعاث الضباب. فظهرت كتلة باهتة من خلال الضباب. وعندما وضع خوان يده عليها، بدأ الضباب يتبدد بسرعة.
لكن في هذه اللحظة، طعن جرارد خوان مرة أخرى في ظهره، وكأنه يسخر من أمله.
وكُشف ما وراء الضباب—تمثال لإنسان برأس نسر مصنوع من جميع أنواع المواد وأشكال الطاقة: الجليد، الحجر، النار، الرياح، الخشب، والمعدن. في المنطقة التي يُفترض أن يكون فيها القلب، كانت اللهب المتصاعدة والجليد الهائج يتصادمان ليسحبوا الضباب إلى جسده.
“أرجوك، توقف عن إشعاع الحرارة، جلالتك!” قال أحدهم من داخل الضباب بنبرة مستعجلة. توقّف خوان عن زيادة الحرارة، لكنه لم يُنقص من كميتها أيضًا.
فتح خوان فمه بصوت منخفض بعد أن تأمل جسد الإله لبرهة.
“…على حد علمي، نعم. هذا ما قاله لي أحد فرسان الهيكل الذين أعرفهم من هايفدن.”
“ما الذي كنتم تفعلونه ببقايا مانانن ماكلير؟”
“جلالته لم يتمكن من العودة إلا بعد مرور خمسين سنة تقريبًا، وحتى ذلك الحين عاد بهيئة طفل، على الرغم من امتلاكه قوة شبه مطلقة. أما هذه المرة، فقد طُعن عدة مرات، وسُحب إلى الشق. لا يمكنكِ مقارنة الوضع بما حدث في الماضي.”
سبلات!
