الفصل الثالث والسبعون: مؤسسة الأفق الأسود
في هذه اللحظة، كان الناس لا يزالون يتهامسون فيما بينهم بينما أعينهم تتموضع على الرجال الخمسة، لكن بنظرة واحدة من النادل حوّلوا أعينهم إلى مكان آخر.
وهو يتأمل في يوسافير، رفع النادل عملة معدنية غريبة لا تشبه “السولار” أبداً.
“ماذا ستختار، القمر أو الشمس؟” سأل الرجل.
حدق يوسافير في العملة الغريبة، لم يفهم لماذا هذا السؤال، لكن عليه أن يجيب: “الشمس.”
رفع النادل القطعة في الهواء، وبعد عدة لفات استقرت في يده وأطبق عليها اليد الأخرى.
“قلت شمس، أليس كذلك؟”
أومأ يوسافير برأسه: “نعم.”
فتح النادل يده ببطء، فإذا بنقش لشمس ظاهر على العملة.
بعد تأمله في القطعة نظر إلى يوسافير: “لديك خصم النصف على أسئلتك أيها الصبي.”
يوسافير لم يقل شيئاً واكتفى بالنظر إلى الرجل أمامه.
“إذًا فلنبدأ، ما هو سؤالك الأول؟”
فتح يوسافير فمه فوراً وهمس بصوت خافت: “تاريخ هذه المدينة.”
فاجأ سؤال يوسافير النادل، حيث ضيّق عينيه وأمسك لحيته الصغيرة ثم بدا وكأنه يفكر، وبعد مدة قصيرة تحدث: “بخصوص تاريخ هذه السلطنة فلا يمكنني الجزم، لكنني متأكد أنها موجودة منذ الألفية السابقة أو الألفية الأولى.”
“سمعت أن سلطان هذه المدينة لم تمر مدة طويلة منذ بدأ بالحكم، وسمعت أيضاً أنه صعد بعد سقوط العائلة السابقة، متى كان ذلك؟”
صمت النادل وحدق في يوسافير مطولاً، ثم نظر إلى الرجال المعلقين في الهواء؛ كانوا في هذه اللحظة يتحركون يميناً وشمالاً يريدون الإفلات لكن دون جدوى.
ضم النادل يديه إلى صدره بشكل متقاطع واتكأ للخلف بينما أجاب: “العائلة المالكة أمسكت بزمام الأمور قبل خمس وعشرين سنة.”
“ما هو سبب سقوط العائلة السابقة؟” سأل يوسافير فوراً.
“هناك أحاديث كثيرة تدور حول هذا الموضوع، لكن لا أظن أحداً يعرف الحقيقة التي أدت إلى سقوط العائلة السابقة. لكن الحديث الذي يدور، والسبب على حسب ما يقولون، هو الخيانة أو عدم إطاعتهم لكنيسة اتحاد الأمم، وهذا أدى إلى سقوطهم.”
“هل توجد آثار قديمة في هذه المدينة؟ وأين توجد؟”
“الآثار الوحيدة الموجودة في هذه المدينة توجد في المقبرة أو في قصر السلطان. بما أنك مولع بالتاريخ فلا أنصحك بالذهاب إلى ذلك المكان؛ لأن الجيش يحاصرون المكان، ولا ننسى مؤسسة الأفق الأسود الذين يراقبون كل شيء، حتى دخولك إلى هذا المطعم فقد تمت ملاحظته، ومن الآن فصاعداً ستتم ملاحقتك حتى يتأكدوا من نواياك.”
“مؤسسة الأفق الأسود؟ ما هي هذه؟”
ابتسم النادل بخبث: “هذا سؤال وعليك دفع ثمنه.”
ابتسم يوسافير أيضاً: “فقط أجب على سؤالي.”
“المهم، مؤسسة الأفق الأسود هم ثوار في الأصل، لكن يمكن أن تقول منظمة في نفس الوقت؛ لأن لديهم رايتهم الخاصة.”
“لم أسمع بهم من قبل”، تمتم يوسافير ببطء.
“هذا أفضل لك أيها الفتى، فبعض الأشياء عدم معرفتها هو إنقاذ للنفس.”
“لماذا؟” سأل يوسافير.
“من الأفضل أن لا تعرف.”
عدم إجابة النادل جعلت يوسافير يغير سؤاله: “ماذا يفعل هؤلاء الثوار أو هذه المنظمة؟ ولماذا لم يتدخل الجيش لقمعها بما أنه يقمع جميع الثوار؟”
ابتسم الرجل: “أسئلة كثيرة تعني أموالاً كثيرة.”
“فقط أجب على الأسئلة أيها العجوز.”
“وهل لديك المال للدفع أيها الصبي؟ هذه الأسئلة ستكلفك الكثير، فكل سؤال بسولار نحاسي.”
وضع يوسافير يده داخل ردائه، أخرج ستة سولارات نحاسية ووضعها أمام النادل، ثم وضع أمامه خمسة أخرى.
ابتسم النادل: “الآن يمكن أن نتحدث أيها الصبي. أما بالنسبة لأسئلتك، فالجيش لا يتدخل في أمور المؤسسة، وكذلك تفعل المؤسسة، فلكل طريقه الخاص.
أما عن سبب عدم تدخلهم لقمع مؤسسة الأفق الأسود، فهذا يعد حرباً لا يريد الجيش إشعال فتيلها؛ لأن هذه المؤسسة لها أتباع في كل مكان. أما عما يفعلونه، فالأشياء التي يقومون بها هناك إشاعات تدور على أنهم يبحثون عن المكان الذي يقضي فيه المؤسس سباته لإيقاظه، فالنبوءة ‘الليل البنفسجي’ قد اقتربت.”
“نبوءة الليل البنفسجي؟ ما هذا؟”
“ليس عليك أن تعرف يا فتى، فهذه الأمور تبقى مجرد إشاعات يتداولها الناس، حتى أنا لا أعرف ما هو هذا الليل البنفسجي.”
بدأ يوسافير يعالج المعلومات التي تدخل لرأسه، ورغم غضبه إلا أنه تم كبته بسبب المعلومات التي دخلت عقله، وبعد مدة سأل مرة أخرى: “ماذا عن إيقاظ المؤسس من سباته؟ كيف ذلك؟”
“لقد قلت لك، عدم معرفة بعض الأشياء هو إنقاذ للنفس، هل هناك سؤال آخر؟”
بلع يوسافير ريقه: “هل هذه المؤسسة موجودة فقط في هذه المدينة؟”
أجاب النادل فوراً: “ليس كذلك، فهم منتشرون في كل مكان مثل الجيش، مقرهم الأصلي غير معروف.”
فكر يوسافير قليلاً ثم سأل: “هل هناك منظمات أو مؤسسات مثلها؟”
رد الرجل بعد أن تقدم للأمام: “نعم، والكثير.”
أمسك يوسافير برأسه: “لقد كدت أنسى ما جئت لأجله”، نظر إلى الرجل: “أخبرني، ما هو إرث هذه السلطنة؟”
رفع الرجل حواجبه البيضاء بينما ضيّق عينيه: “أنت تبدو مشكوكاً في أمرك قليلاً أيها الفتى، ما الذي تنوي القيام به؟”
ابتسم يوسافير ثم أجاب: “لا شيء، فقط الفضول.”
“فضول؟ هل تظنني أرضع إصبعي يا فتى؟ إن لم يكن في عقلك شيء ما كنت لتأتي إلى هنا، من أخبرك بالمجيء إلى هنا؟”
ابتسم يوسافير ولم يجب.
تنهد الرجل: “حسناً حسناً، صراحة لا أعرف، فبعد صعود العائلة الجديدة قد أخفوا كل شيء عن أعين الناس، لهذا لا أعلم شيئاً.”
تلك السولارات الخمس التي كانت أمام يوسافير دفعها إلى الأمام، رفعها النادل ببطء وهو يبتسم، ثم أخرج يوسافير قطعة فضية ووضعها أمام النادل.
“شكراً لك أيها العجوز.” كانت هذه القطعة الأخيرة التي وضعها يوسافير هي ثمن الطعام وشكراً للرجل على إجابته على أسئلته، وربما قد يعود مرة أخرى.
حدق النادل في العملة أمامه وهو يبتسم: “هذا كثير أيها الفتى، إن كان لديك بعض الأسئلة فلا تنسَ أن تأتي مرة أخرى.”
هذه الكلمات التي تفوه بها الرجل هي سبب وضع يوسافير تلك القطعة الفضية أمامه، وهي أن يضمن مكانه في المطعم.
التفت يوسافير إلى الرجال الخمسة المعلقين، كان غضبه قد استقر بعد تحدثه مع الرجل، وكأن ما كان ناقصاً قد مُلئ بسبب كلامه.
أما بالنسبة للخمسة، فقد فقدوا أملهم في النجاة منذ مدة، كانوا ينتظرون موتهم فقط؛ ممسوس قد أمسك بهم، ماذا ينتظرون؟ هذا ما كان يجوب في ذهنهم.
يوسافير، وهو جالس مع الرجل، شعر ببعض الكويرات الحمراء وهي تختفي، أحس بشعور غريب؛ كان نصف الكويرات قد اختفى منذ مدة طويلة، أما الآن فقد اختفى البعض أيضاً.
كان يوسافير يريد الصعود للمستوى الثاني بسرعة؛ لأن أعداءهم يزدادون قوة مع تقدمهم في رحلتهم، ليس يوسافير وحده بل المجموعة كاملة كانت تريد صعود السلم بسرعة. ولكن، كان ولا بد من خوضهم لعدة تحديات للارتقاء بسرعة.
وقف يوسافير، ومع وقوفه وقف النادل، وترامت عليهم النظرات من كل الجهات مرة أخرى.
أطلق يوسافير الخمسة فسقطوا أرضاً في نفس الوقت، بدأوا يمسكون أعناقهم وهم يتنفسون بصعوبة بالغة، وكانوا يسعلون بقوة حتى أن بعضهم سعل دماً.
حدق فيهم يوسافير مطولاً، ثم همّ بالخروج من المطعم.
نهاية الفصل
