في الوقت المناسب
الفصل 56: في الوقت المناسب
هناك صوتٌ عند الباب، خارج نطاق التقاط الكاميرا. لقد تتبعتني موستانغ من الزفاف. تراقبُ المشهدَ بصمت. يجبُ عليَّ إطفاء العرض المجسم، وتركُ هذا المخلوق لنفسه، لكني لا أستطيعُ مفارقته. الفضولُ ذاته الذي جلبني إلى هنا يثبتني الآن في مكاني.
يجلسُ فوق كرسيٍّ بسيط في منتصف غرفة تدريبي الدائرية، مرتدياً معطفاً أبيضَ بأسدين ذهبيين على جانبي ياقته العالية. تبدو النجومُ فوق صورته المجسمة المتوهجة كبقعِ ضوءٍ باردة عبر قبة “الزجاج المقوى”. بُنيت هذه الغرفة للتدريب على الحرب، لذا هنا سأمنحُ عدوي مقابلة؛ لن أدعَه ينجسُ هذه السفينة حيث عاش روكي وحيث يحتفلُ أصدقائي برؤيته أو بوجوده في أي مكانٍ آخر.
“لماذا؟ أنا أملكُ كلَّ ما أحتاجه هنا تماماً.” أنظرُ للأسفل إلى قمة رأسها الذهبي وأرى قتامة جذور شعرها. أستنشقُ كامل عطرها. إذا انتهى الأمرُ غداً أو بعد ثمانين عاماً، فبإمكاني استنشاق عطرها بقية حياتي. لكني أريدُ المزيد، أحتاجُ المزيد. أرفعُ فكها النحيل بيدي لتنظر إليَّ. كنتُ سأقولُ شيئاً مهماً، شيئاً للذكرى، لكني نسيتُه في عينيها. تلك الفجوة التي فرقتنا لا تزالُ هناك، مليئة بالأسئلة واللوم والذنب، لكنَّ ذلك ليس سوى جزءٍ من الحب، جزء من كوننا بَشراً. كلُّ شيءٍ مشروخ، كلُّ شيءٍ ملطخٌ باستثناء اللحظات الهشة التي تتعلقُ كالبلور في الزمان وتجعلُ الحياة تستحقُّ العيش.
رغم أنه يبعدُ ملايين الكيلومترات، إلا أنني أكادُ أشمُّ رائحته التي تشبهُ نشارة أقلام الرصاص. وأسمعُ الصمتَ الشاسع الذي يملأُ به الغرفَ بينما أقفُ أمام صورته الرقمية. إنها نابضةٌ بالحياة لدرجة أنني لو لم أرها تتوهجُ لظننتُه هنا. الخلفيةُ وراءه مشوشة. يراقبني وأنا أدخلُ الغرفة؛ لا ابتسامة على وجهه، ولا تلطفٌ زائف، لكني أستطيعُ القول إنه مستمتع. يدورُ قلمُه الفضي في يده الوحيدة؛ العلامة الوحيدة على اضطرابه.
“رأيتُه.”
“أهلاً يا حاصد. كيف هي الاحتفالات؟” أحاولُ ألا أدعَ ضيقي يظهر. بالطبع يعرفُ بشأن الزفاف، فلديه جواسيس في أسطولنا؛ لا أستطيعُ معرفة مدى قربهم مني، لكني لا أدعُ تلك الفكرة تنتشرُ بخبثٍ في داخلي. لو استطاعَ الوصولَ إلينا وإيذاءنا هنا، لفعلَ ذلك بالفعل.
الفصل 56: في الوقت المناسب
“ماذا تريد؟” أسألُ.
“لم يكن روكي مثالياً، لكنه كان يهتمُّ بالذهبيين. كان يهتمُّ بالبشرية. كان يملكُ شيئاً يموتُ لأجله، وهذا ما يجعله رجلاً أفضل من معظم الناس،” أقولُ.
“لقد اتصلتَ بي في المرة السابقة، فظننتُ أن عليَّ ردَّ الجميل، خاصةً بالنظر إلى الرسالة التي أرسلتُها عن خالك. هل تلقيتَها؟” لا أقولُ شيئاً. “في النهاية، عندما تصلُ إلى المريخ، ستتحدثُ المدافعُ نيابةً عنا. قد لا نرى بعضنا مرةً أخرى. غريبٌ ذلك، أليس كذلك؟ هل رأيتَ روكي قبل أن يموت؟”
“مثلك؟” يسألُ بتهكم. “أحمر قذر؟”
“رأيتُه.”
يتلاشى الضوءُ الباهت للعرض المجسم بينما نغلقُ الاتصال، تاركاً إيانا للسقف الزجاجي والنجوم وراءه. “هل أنتِ بخير؟” أسألُ موستانغ. تومئُ برأسها وهي تمسحُ عينيها.
“وهل بكى طلباً لغفرانك؟”
“كلا.”
“كلا.”
“لقد قتلتُ باكس وخالك ولورن…”
يقطبُ جاكال حاجبيه. “ظننتُ أنه سيفعل. من السهل خداع الرومانسيين. فكرْ في أنه كان هناك تماماً عندما أخذتُ فتاته. لقد ركضتَ أنت في الردهة صارخاً باسم تاكتوس، فنظر هو في ارتباك. لقد غرزتُ شظيةً من جمجمة كوين بعمقٍ أكبر في دماغها بمبضعي. فكرتُ في تركها تعيش بضررٍ في الدماغ، لكنَّ فكرة سيلان لعابها في كل مكان أصابتني بالغثيان. هل تظنُّ أنه كان سيظلُّ يحبُّها لو سال لعابُها؟”
“رأيتُه.”
هناك صوتٌ عند الباب، خارج نطاق التقاط الكاميرا. لقد تتبعتني موستانغ من الزفاف. تراقبُ المشهدَ بصمت. يجبُ عليَّ إطفاء العرض المجسم، وتركُ هذا المخلوق لنفسه، لكني لا أستطيعُ مفارقته. الفضولُ ذاته الذي جلبني إلى هنا يثبتني الآن في مكاني.
“تريدُ أن تكون مكروهاً، أليس كذلك؟” أسألُ. “لهذا قتلتَ خالي بينما لم تكن بحاجةٍ لذلك. هذا يمنحُك غايةً. لهذا اتصلتَ بي؛ لتشعرَ بالأهمية. لكني لا أكرهُك.”
“لم يكن روكي مثالياً، لكنه كان يهتمُّ بالذهبيين. كان يهتمُّ بالبشرية. كان يملكُ شيئاً يموتُ لأجله، وهذا ما يجعله رجلاً أفضل من معظم الناس،” أقولُ.
“لقد اتصلتَ بي في المرة السابقة، فظننتُ أن عليَّ ردَّ الجميل، خاصةً بالنظر إلى الرسالة التي أرسلتُها عن خالك. هل تلقيتَها؟” لا أقولُ شيئاً. “في النهاية، عندما تصلُ إلى المريخ، ستتحدثُ المدافعُ نيابةً عنا. قد لا نرى بعضنا مرةً أخرى. غريبٌ ذلك، أليس كذلك؟ هل رأيتَ روكي قبل أن يموت؟”
“من السهل مسامحة الموتى،” يجيبُ جاكال. “أعرفُ ذلك.” يمرُّ تشنجٌ إنساني بسيط عبر شفتيه. قد لا يقولُ ذلك أبداً، لكن نبرة صوته ذاتها تخبرني أنه لا يخلو من الندم. أعرفُ أنه أرادَ نيلَ رضا والده، ولكن هل يمكنُ أن يكون مفتقداً للرجل حقاً؟ هل سامحَ والده في موته وهو الآن يحزنُ عليه؟
“لا تناديني بالأخ أيتها العاهرة. أنتِ لستِ أختاً لي؛ تفتحين ساقيكِ لهجين، لحيوان. هل الأوبسديان هم التاليون؟ أراهنُ أنهم جميعاً يصطفون بالفعل. أنتِ عارٌ على لونكِ وعلى منزلنا.”
يسحبُ عصاً ذهبيةً قصيرة من حجره. وبضغطة زر، تمتدُّ العصا لتصبح صولجاناً؛ صولجانٌ يعلوه جمجمة جاكال فوق هرم المجتمع. لقد كلفتُ بصنعه له منذ أكثر من عام. يقول: “لم أفارق هديتك”. يتتبعُ رأس الجاكال بإصبعه. “طوال حياتي لم أُمنح سوى الأسود. لا شيء يخصني. ماذا يقولُ ذلك عني، أنَّ ألدَّ أعدائي يعرفني أكثر من أي صديق؟”
“آلهة؟” أهزُّ رأسي. “لستَ إلهاً، لستَ حتى ذهبياً. أنت مجرد رجل يظنُّ أن اللقبَ سيجعله عظيماً، مجرد رجل يريدُ أن يكون أكثر مما هو عليه في الحقيقة. لكن كلَّ ما تريده حقاً هو الحب، أليس كذلك؟”
“لك الصولجان، و لي السيف،” أقولُ متجاهلاً سؤاله. “كانت تلك هي الخطة.” لقد أعطيتُه إياه لأنني أردتُه أن يشعرَ بأنه محبوب، أن يشعرَ بأنني كنتُ صديقه. وكنتُ سأكون كذلك حينها، كنتُ سأساعدُه على التغيّر كما فعلت موستانغ، وكما قد يفعلُ كاسيوس. “هل كان الأمرُ كما ظننتَه سيكون؟” أسألُ.
“مثلك؟” يسألُ بتهكم. “أحمر قذر؟”
“ماذا؟”
“آلهة؟” أهزُّ رأسي. “لستَ إلهاً، لستَ حتى ذهبياً. أنت مجرد رجل يظنُّ أن اللقبَ سيجعله عظيماً، مجرد رجل يريدُ أن يكون أكثر مما هو عليه في الحقيقة. لكن كلَّ ما تريده حقاً هو الحب، أليس كذلك؟”
“مقعدُ والدك.”
“يجبُ أن نعودَ للاحتفال،” تقولُ لي في النهاية.
يقطبُ حاجبيه، مفكراً في أي اتجاه يسلك. “كلا،” يقولُ أخيراً. “كلا، ليس هذا ما توقعتُه.”
“الحاكم الأعلى لكل المريخ، أحدُ أقوى الرجال في كل العوالم، تملكُ القوة لفعل أي شيء تريده؛ ومع ذلك فليس هذا كافياً. لا شيء كان كافياً بالنسبة لك قط، ولن يكون. يا أدريوس، أنت لا تحاولُ إثبات نفسك لوالدك، أو لي، أو لفرجينيا، أو للسيدة الحاكمة؛ بل تحاولُ أن تكون مهماً لنفسك، لأنك محطمٌ من الداخل، لأنك تكرهُ ما أنت عليه. تتمنى لو أنك ولدتَ مثل كلوديوس، مثل فرجينيا، تتمنى لو كنتَ مثلي.”
“تريدُ أن تكون مكروهاً، أليس كذلك؟” أسألُ. “لهذا قتلتَ خالي بينما لم تكن بحاجةٍ لذلك. هذا يمنحُك غايةً. لهذا اتصلتَ بي؛ لتشعرَ بالأهمية. لكني لا أكرهُك.”
“ماذا تريد؟” أسألُ.
“كاذب.”
يقطبُ جاكال حاجبيه. “ظننتُ أنه سيفعل. من السهل خداع الرومانسيين. فكرْ في أنه كان هناك تماماً عندما أخذتُ فتاته. لقد ركضتَ أنت في الردهة صارخاً باسم تاكتوس، فنظر هو في ارتباك. لقد غرزتُ شظيةً من جمجمة كوين بعمقٍ أكبر في دماغها بمبضعي. فكرتُ في تركها تعيش بضررٍ في الدماغ، لكنَّ فكرة سيلان لعابها في كل مكان أصابتني بالغثيان. هل تظنُّ أنه كان سيظلُّ يحبُّها لو سال لعابُها؟”
“لا أكرهُك.”
يسحبُ عصاً ذهبيةً قصيرة من حجره. وبضغطة زر، تمتدُّ العصا لتصبح صولجاناً؛ صولجانٌ يعلوه جمجمة جاكال فوق هرم المجتمع. لقد كلفتُ بصنعه له منذ أكثر من عام. يقول: “لم أفارق هديتك”. يتتبعُ رأس الجاكال بإصبعه. “طوال حياتي لم أُمنح سوى الأسود. لا شيء يخصني. ماذا يقولُ ذلك عني، أنَّ ألدَّ أعدائي يعرفني أكثر من أي صديق؟”
“لقد قتلتُ باكس وخالك ولورن…”
“الحاكم الأعلى لكل المريخ، أحدُ أقوى الرجال في كل العوالم، تملكُ القوة لفعل أي شيء تريده؛ ومع ذلك فليس هذا كافياً. لا شيء كان كافياً بالنسبة لك قط، ولن يكون. يا أدريوس، أنت لا تحاولُ إثبات نفسك لوالدك، أو لي، أو لفرجينيا، أو للسيدة الحاكمة؛ بل تحاولُ أن تكون مهماً لنفسك، لأنك محطمٌ من الداخل، لأنك تكرهُ ما أنت عليه. تتمنى لو أنك ولدتَ مثل كلوديوس، مثل فرجينيا، تتمنى لو كنتَ مثلي.”
“أشفقُ عليك.”
“لك الصولجان، و لي السيف،” أقولُ متجاهلاً سؤاله. “كانت تلك هي الخطة.” لقد أعطيتُه إياه لأنني أردتُه أن يشعرَ بأنه محبوب، أن يشعرَ بأنني كنتُ صديقه. وكنتُ سأكون كذلك حينها، كنتُ سأساعدُه على التغيّر كما فعلت موستانغ، وكما قد يفعلُ كاسيوس. “هل كان الأمرُ كما ظننتَه سيكون؟” أسألُ.
يتراجعُ للخلف. “شفقة؟”
أتحركُ بغضبٍ نحو صورته المجسمة، لكنَّ موستانغ تضعُ يدها في منتصف صدري وتلتفتُ ثانيةً لأخيها. “تظنُّ أنك لم تنل الحبَّ قط يا أخي، لكنَّ أمي أحبتك.”
“الحاكم الأعلى لكل المريخ، أحدُ أقوى الرجال في كل العوالم، تملكُ القوة لفعل أي شيء تريده؛ ومع ذلك فليس هذا كافياً. لا شيء كان كافياً بالنسبة لك قط، ولن يكون. يا أدريوس، أنت لا تحاولُ إثبات نفسك لوالدك، أو لي، أو لفرجينيا، أو للسيدة الحاكمة؛ بل تحاولُ أن تكون مهماً لنفسك، لأنك محطمٌ من الداخل، لأنك تكرهُ ما أنت عليه. تتمنى لو أنك ولدتَ مثل كلوديوس، مثل فرجينيا، تتمنى لو كنتَ مثلي.”
“مثلك؟” يسألُ بتهكم. “أحمر قذر؟”
“الحاكم الأعلى لكل المريخ، أحدُ أقوى الرجال في كل العوالم، تملكُ القوة لفعل أي شيء تريده؛ ومع ذلك فليس هذا كافياً. لا شيء كان كافياً بالنسبة لك قط، ولن يكون. يا أدريوس، أنت لا تحاولُ إثبات نفسك لوالدك، أو لي، أو لفرجينيا، أو للسيدة الحاكمة؛ بل تحاولُ أن تكون مهماً لنفسك، لأنك محطمٌ من الداخل، لأنك تكرهُ ما أنت عليه. تتمنى لو أنك ولدتَ مثل كلوديوس، مثل فرجينيا، تتمنى لو كنتَ مثلي.”
“لستُ أحمراً.” أريه يديَّ، الخاليتين من الشعارات. يثيرُ الأمرُ اشمئزازه.
يتراجعُ للخلف. “شفقة؟”
“ألم تتطور كفاية حتى لتملك لوناً يا دارو؟ مجرد إنسان يلعبُ في أملاك الآلهة.”
عيناها محمرتان، والـ “ماسكارا” التي وضعتها للزفاف تلطخت بالدموع. أنفُها المحمرُّ يقطرُ، لكني لم أرَ جمالاً بعمق جمالها الآن. كلُّ عفوية الحياة تتدفقُ من خلالها، كلُّ الشروخ والمخاوف التي تجعلها ما هي عليه مرسومةٌ في عينيها. غير مثالية وخشنة لدرجة أنني أريدُ احتضانها وحبها طالما استطعت. وللمرة الأولى، سمحت لي بذلك.
“آلهة؟” أهزُّ رأسي. “لستَ إلهاً، لستَ حتى ذهبياً. أنت مجرد رجل يظنُّ أن اللقبَ سيجعله عظيماً، مجرد رجل يريدُ أن يكون أكثر مما هو عليه في الحقيقة. لكن كلَّ ما تريده حقاً هو الحب، أليس كذلك؟”
“ماذا؟”
يشخرُ بازدراء. “الحبُّ للضعفاء. الشيء الوحيد المشترك بيني وبينك هو جوعنا. تظنُّ أنني لا أستطيعُ الاكتفاء، وأنني أتوقُ دائماً للمزيد؛ لكن انظر في المرآة وسترى الرجلَ نفسه يحدقُ فيك. قل لأصدقائك الحمر الصغار ما تشاء، لكني أعرفُ أنك فقدتَ نفسك بيننا. لقد تقتَ لتكون ذهبياً، رأيتُ ذلك في عينيك في المعهد، رأيتُ تلك الحمى في لونا عندما اقترحتُ أن نحكمَ معاً، رأيتُها عندما ركبتَ تلك العربة المنتصرة صاعداً نحو درجات القلعة. إنه ذلك الجوع الذي يجعلنا وحيدين للأبد.”
“يجبُ أن نعودَ للاحتفال،” تقولُ لي في النهاية.
وهناك يضربُ صميمي؛ ذلك الخوف السحيق الذي جعل الظلامُ منه واقعي، الخوف من أن أكون وحيداً، من ألا أجد الحبَّ ثانيةً. ولكن حينها تخرجُ موستانغ لتنضمَّ إليَّ. تقولُ: “أنت مخطئٌ يا أخي”.
يقطبُ جاكال حاجبيه. “ظننتُ أنه سيفعل. من السهل خداع الرومانسيين. فكرْ في أنه كان هناك تماماً عندما أخذتُ فتاته. لقد ركضتَ أنت في الردهة صارخاً باسم تاكتوس، فنظر هو في ارتباك. لقد غرزتُ شظيةً من جمجمة كوين بعمقٍ أكبر في دماغها بمبضعي. فكرتُ في تركها تعيش بضررٍ في الدماغ، لكنَّ فكرة سيلان لعابها في كل مكان أصابتني بالغثيان. هل تظنُّ أنه كان سيظلُّ يحبُّها لو سال لعابُها؟”
يميلُ جاكال للخلف عند رؤية أخته.
“أشفقُ عليك.”
“لقد كان لـ دارو زوجة، عائلةٌ أحبها. كان يملكُ القليل وكان سعيداً. أما أنت فقد ملكتَ كلَّ شيء، وكنتَ بائساً. وستظلُّ كذلك دائماً لأنك طمّاع.” تبدأُ قاعدة هدوئه في الانهيار. “لهذا قتلتَ أبي وكوين، لهذا قتلتَ باكس. لكنَّ هذه ليست لعبة يا أخي، هذه ليست إحدى متاهاتك…”
“مقعدُ والدك.”
“لا تناديني بالأخ أيتها العاهرة. أنتِ لستِ أختاً لي؛ تفتحين ساقيكِ لهجين، لحيوان. هل الأوبسديان هم التاليون؟ أراهنُ أنهم جميعاً يصطفون بالفعل. أنتِ عارٌ على لونكِ وعلى منزلنا.”
يجلسُ فوق كرسيٍّ بسيط في منتصف غرفة تدريبي الدائرية، مرتدياً معطفاً أبيضَ بأسدين ذهبيين على جانبي ياقته العالية. تبدو النجومُ فوق صورته المجسمة المتوهجة كبقعِ ضوءٍ باردة عبر قبة “الزجاج المقوى”. بُنيت هذه الغرفة للتدريب على الحرب، لذا هنا سأمنحُ عدوي مقابلة؛ لن أدعَه ينجسُ هذه السفينة حيث عاش روكي وحيث يحتفلُ أصدقائي برؤيته أو بوجوده في أي مكانٍ آخر.
أتحركُ بغضبٍ نحو صورته المجسمة، لكنَّ موستانغ تضعُ يدها في منتصف صدري وتلتفتُ ثانيةً لأخيها. “تظنُّ أنك لم تنل الحبَّ قط يا أخي، لكنَّ أمي أحبتك.”
“كاذب.”
“إذا كانت قد أحبتني فلماذا لم تبقَ؟” يسألُ بحدة. “لماذا رحلت؟”
“مثلك؟” يسألُ بتهكم. “أحمر قذر؟”
“لا أعرف،” تقولُ موستانغ. “لكني أحببتُك أنا أيضاً، وأنت ألقيتَ بذلك بعيداً. كنتَ توأمي، كنا مرتبطين مدى الحياة.” والدموعُ في عينيها. “لقد دافعتُ عنك لسنوات، ثم أكتشفُ أنك من أمرتَ بقتل كلوديوس.” ترمشُ من بين الدموع، وتهزُّ رأسها وهي تستجمعُ عزيمتها. “لا يمكنني أن أغفرَ ذلك، لا يمكنني. لقد نلتَ الحبَّ وأضعتَه يا أخي، تلك هي لعنتك.”
وهناك يضربُ صميمي؛ ذلك الخوف السحيق الذي جعل الظلامُ منه واقعي، الخوف من أن أكون وحيداً، من ألا أجد الحبَّ ثانيةً. ولكن حينها تخرجُ موستانغ لتنضمَّ إليَّ. تقولُ: “أنت مخطئٌ يا أخي”.
أخطو للأمام حتى أقفَ بمحاذاة موستانغ. “يا أدريوس، نحن قادمون إليك. سنحطمُ سفنك، وسنقتحمُ المريخ، وسننقبُ عبر جدران مخبئك. سنجدُك وسنحضركَ للعدالة. وحين تُشنقُ على المشنقة، وحين يفتحُ البابُ تحتك، وحين تؤدي قدماكَ ‘رقصة الشيطان’، حينها ستدركُ في تلك اللحظة أن كلَّ هذا كان بلا طائل؛ لأنه لن يتبقى أحدٌ ليسحبَ قدميك.”
“لماذا؟ أنا أملكُ كلَّ ما أحتاجه هنا تماماً.” أنظرُ للأسفل إلى قمة رأسها الذهبي وأرى قتامة جذور شعرها. أستنشقُ كامل عطرها. إذا انتهى الأمرُ غداً أو بعد ثمانين عاماً، فبإمكاني استنشاق عطرها بقية حياتي. لكني أريدُ المزيد، أحتاجُ المزيد. أرفعُ فكها النحيل بيدي لتنظر إليَّ. كنتُ سأقولُ شيئاً مهماً، شيئاً للذكرى، لكني نسيتُه في عينيها. تلك الفجوة التي فرقتنا لا تزالُ هناك، مليئة بالأسئلة واللوم والذنب، لكنَّ ذلك ليس سوى جزءٍ من الحب، جزء من كوننا بَشراً. كلُّ شيءٍ مشروخ، كلُّ شيءٍ ملطخٌ باستثناء اللحظات الهشة التي تتعلقُ كالبلور في الزمان وتجعلُ الحياة تستحقُّ العيش.
يتلاشى الضوءُ الباهت للعرض المجسم بينما نغلقُ الاتصال، تاركاً إيانا للسقف الزجاجي والنجوم وراءه. “هل أنتِ بخير؟” أسألُ موستانغ. تومئُ برأسها وهي تمسحُ عينيها.
عيناها محمرتان، والـ “ماسكارا” التي وضعتها للزفاف تلطخت بالدموع. أنفُها المحمرُّ يقطرُ، لكني لم أرَ جمالاً بعمق جمالها الآن. كلُّ عفوية الحياة تتدفقُ من خلالها، كلُّ الشروخ والمخاوف التي تجعلها ما هي عليه مرسومةٌ في عينيها. غير مثالية وخشنة لدرجة أنني أريدُ احتضانها وحبها طالما استطعت. وللمرة الأولى، سمحت لي بذلك.
“لم أتوقع أن أبدأ في البكاء هكذا. آسفة.”
“وهل بكى طلباً لغفرانك؟”
“للإنصاف، أعتقدُ أنني أبكي أكثر منكِ. لكن، أنتِ معذورة.”
يجلسُ فوق كرسيٍّ بسيط في منتصف غرفة تدريبي الدائرية، مرتدياً معطفاً أبيضَ بأسدين ذهبيين على جانبي ياقته العالية. تبدو النجومُ فوق صورته المجسمة المتوهجة كبقعِ ضوءٍ باردة عبر قبة “الزجاج المقوى”. بُنيت هذه الغرفة للتدريب على الحرب، لذا هنا سأمنحُ عدوي مقابلة؛ لن أدعَه ينجسُ هذه السفينة حيث عاش روكي وحيث يحتفلُ أصدقائي برؤيته أو بوجوده في أي مكانٍ آخر.
تحاولُ الابتسام. “هل تظنُّ حقاً أننا نستطيعُ فعل ذلك يا دارو؟”
“أهلاً يا حاصد. كيف هي الاحتفالات؟” أحاولُ ألا أدعَ ضيقي يظهر. بالطبع يعرفُ بشأن الزفاف، فلديه جواسيس في أسطولنا؛ لا أستطيعُ معرفة مدى قربهم مني، لكني لا أدعُ تلك الفكرة تنتشرُ بخبثٍ في داخلي. لو استطاعَ الوصولَ إلينا وإيذاءنا هنا، لفعلَ ذلك بالفعل.
عيناها محمرتان، والـ “ماسكارا” التي وضعتها للزفاف تلطخت بالدموع. أنفُها المحمرُّ يقطرُ، لكني لم أرَ جمالاً بعمق جمالها الآن. كلُّ عفوية الحياة تتدفقُ من خلالها، كلُّ الشروخ والمخاوف التي تجعلها ما هي عليه مرسومةٌ في عينيها. غير مثالية وخشنة لدرجة أنني أريدُ احتضانها وحبها طالما استطعت. وللمرة الأولى، سمحت لي بذلك.
أتحركُ بغضبٍ نحو صورته المجسمة، لكنَّ موستانغ تضعُ يدها في منتصف صدري وتلتفتُ ثانيةً لأخيها. “تظنُّ أنك لم تنل الحبَّ قط يا أخي، لكنَّ أمي أحبتك.”
“يجبُ علينا ذلك. أنا وأنتِ أمامنا حياةٌ كاملة،” أقولُ وأنا أجذبها إليَّ. يبدو من المستحيل لامرأةٍ كهذه أن ترغبَ يوماً في أن أحتضنها، لكنها تضعُ رأسها على صدري بينما ألفُّ ذراعيَّ حولها وأتذكرُ كم نناسبُ بعضنا تماماً ونحن نحتضنُ بعضنا، والنجومُ والدقائقُ تمرُّ بعيداً.
هناك صوتٌ عند الباب، خارج نطاق التقاط الكاميرا. لقد تتبعتني موستانغ من الزفاف. تراقبُ المشهدَ بصمت. يجبُ عليَّ إطفاء العرض المجسم، وتركُ هذا المخلوق لنفسه، لكني لا أستطيعُ مفارقته. الفضولُ ذاته الذي جلبني إلى هنا يثبتني الآن في مكاني.
“يجبُ أن نعودَ للاحتفال،” تقولُ لي في النهاية.
“ماذا؟”
“لماذا؟ أنا أملكُ كلَّ ما أحتاجه هنا تماماً.” أنظرُ للأسفل إلى قمة رأسها الذهبي وأرى قتامة جذور شعرها. أستنشقُ كامل عطرها. إذا انتهى الأمرُ غداً أو بعد ثمانين عاماً، فبإمكاني استنشاق عطرها بقية حياتي. لكني أريدُ المزيد، أحتاجُ المزيد. أرفعُ فكها النحيل بيدي لتنظر إليَّ. كنتُ سأقولُ شيئاً مهماً، شيئاً للذكرى، لكني نسيتُه في عينيها. تلك الفجوة التي فرقتنا لا تزالُ هناك، مليئة بالأسئلة واللوم والذنب، لكنَّ ذلك ليس سوى جزءٍ من الحب، جزء من كوننا بَشراً. كلُّ شيءٍ مشروخ، كلُّ شيءٍ ملطخٌ باستثناء اللحظات الهشة التي تتعلقُ كالبلور في الزمان وتجعلُ الحياة تستحقُّ العيش.
“إذا كانت قد أحبتني فلماذا لم تبقَ؟” يسألُ بحدة. “لماذا رحلت؟”
أخطو للأمام حتى أقفَ بمحاذاة موستانغ. “يا أدريوس، نحن قادمون إليك. سنحطمُ سفنك، وسنقتحمُ المريخ، وسننقبُ عبر جدران مخبئك. سنجدُك وسنحضركَ للعدالة. وحين تُشنقُ على المشنقة، وحين يفتحُ البابُ تحتك، وحين تؤدي قدماكَ ‘رقصة الشيطان’، حينها ستدركُ في تلك اللحظة أن كلَّ هذا كان بلا طائل؛ لأنه لن يتبقى أحدٌ ليسحبَ قدميك.”
