Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 5

السجل الباقي
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

السجل الباقي

بدأت القرية، خلال الأسابيع التالية، تتغير بطريقة لم يكن أورِن ليلاحظها لو لم يكن يرى القوائم بنفسه كل يوم تقريبًا في الأرشيف. لم يكن التغير صاخبًا؛ لم تتوقف الحياة، ولم تمتلئ الشوارع بالبكاء كما تخيل مرة حين كان صغيرًا يسمع كلمة “حرب” دون أن يفهم معناها الحقيقي. كان التغير أقرب إلى فراغات صغيرة تتراكم دون ضجيج: مقعد فارغ هنا، متجر مغلق هناك، اسم يُذكر في حديث عابر بصيغة الماضي دون أن ينتبه أحد للحظة التي تحول فيها الفعل من المضارع إلى الماضي.

 

 

 

لاحظ أن دكان صانع الملابس القريب من بيتهما أُغلق منذ أسبوعين تقريبًا، بابه الخشبي موصد بقفل لم يعتد رؤيته هناك من قبل. سأل مارِن عن السبب ذات مساء، فأجابته ببساطة أن الرجل غادر مع الدفعة الأخيرة، وأن ابنه الصغير أصبح يعمل الآن مع خاله في المزرعة ريثما يعود والده، “أو حتى يقرر أحد شيئًا آخر”، أضافت بنبرة لم تحمل قسوة، بل ذلك النوع من الواقعية التي تعلمتها القرية كلها منذ سنوات الحرب الطويلة.

حين وصلت النار إلى أطراف أصابعه تقريبًا، أفلت ما تبقى منها على الأرض الحجرية، تركها تكمل احتراقها هناك حتى تحولت بالكامل إلى رماد دقيق، ذرّته الريح الباردة بين الحجارة قبل أن يمسح يديه ويعود إلى البيت ، ودخل غرفته دون أن يوقظ أحدًا.

 

أشعل عود ثقاب كان قد أحضره معه، وقرّب لهبه من زاوية الورقة.

في السوق، بدأ يسمع أحاديث لم تكن موجودة قبل أشهر قليلة بهذا الوضوح. امرأة تسأل جارتها إن كانت قد سمعت من ابنها منذ آخر رسالة وصلت قبل شهر، وجارتها تجيب بأن الرسائل تتأخر كثيرًا هذه الأيام، لا شيء يدعو للقلق أكثر من المعتاد. شاب في عمر أورِن تقريبًا يحمل حقيبة صغيرة إلى عربة واقفة عند طرف الساحة، ووالده يساعده برفع صندوق ثقيل، والشاب يمزح بصوت عالٍ عن أنه سيعود “قبل أن تنتهوا من الشكوى من غيابي”، وضحك خفيف يتردد بين من حوله، ضحك حقيقي، لا مصطنع، لكنه لا يخفي تمامًا الشيء الثقيل الذي يجلس خلفه.

 

 

هزّ الرجل كتفيه دون اهتمام يذكر، وهو يواصل عمله الخاص. “ستجد هذا كثيرًا في السجلات القديمة. كانت الأسماء تُكتب بطرق مختلفة قبل أن تُوحَّد قواعد الكتابة الرسمية. لا تقلق بشأنها، فقط انسخ الصيغة الأحدث واترك القديمة كما هي.”

في الأرشيف، كان التغير أكثر وضوحًا من أي مكان آخر. لم تعد القوائم تصل مرة كل أسبوعين كما كانت في البداية، بل أصبحت تصل كل بضعة أيام، دفعات جديدة من أسماء الشباب الذين غادروا بالفعل، وأخرى من أسماء لا تزال قيد المراجعة، وثالثة تحمل تصحيحات على أسماء سابقة، وكأن الحرب نفسها بدأت تتسارع في مكان بعيد، وتنعكس آثارها هنا في شكل ورق أكثر وحبر أكثر ووقت عمل أطول.

“العمل كثير هذه الأيام. القوائم لا تتوقف.”

 

“يبدو ثقيلاً.”

قال المشرف ذات صباح، وهو يضع كومة جديدة على طاولة أورِن دون أن يرفع نظره عنها طويلاً: “ابدأ بهذه أولًا. المحكمة تريد نسخة مؤكدة من كل أسماء المنطقة قبل نهاية الأسبوع.”

 

 

 

بدأ أورِن العمل، وبعد ساعة تقريبًا، وصل إلى الصفحة التي تخصه.

 

 

في أحد الأيام التالية، أثناء فرزه لسجلات قديمة تعود لعقود مضت، طلب منه المشرف مراجعة مجموعة من سجلات السكان القديمة لمقارنتها بقوائم جديدة تحتاجها المحكمة لأسباب لم يشرحها بالتفصيل. كان العمل مملاً بطبيعته، مقارنة أسماء وتواريخ ميلاد وأرقام سجلات، لكنه توقف عند اسم واحد ظهر في سجلين مختلفين بصيغتين غير متطابقتين تمامًا؛ في أحدهما كُتب الاسم بحرف إضافي في نهايته، بينما ظهر في الآخر أقصر بحرف واحد، رغم أن باقي التفاصيل، تاريخ الميلاد ورقم البيت واسم الأب، كانت متطابقة تمامًا بما لا يدع مجالًا للشك أنه الشخص نفسه.

لم تكن قائمة أولية هذه المرة، بل نسخة رسمية من أمر المراجعة، تحمل اسمه كاملاً، ورقم سجله في القرية، وتاريخ الموعد المحدد، وملحقًا صغيرًا في الأسفل يوضح أن نسخة من هذا الأمر ستُرسل إلى المستدعى نفسه خلال الأيام القادمة، ليحتفظ بها حتى موعد المراجعة.

 

 

“تفعله تمامًا.” عادت إلى الحياكة دون أن تشرح أكثر. “على أي حال، لن ينتهي قبل أسابيع، فلا تلحّ.”

جلس ينظر إلى الورقة لفترة أطول مما يحتاجه تصنيفها الفعلي. لم يكن الأمر مفاجئًا بالضبط؛ كان يعرف منذ أسابيع أن اسمه موجود، لكن رؤيته الآن بهذا الشكل الرسمي، بختم واضح وتاريخ محدد، جعلت الأمر يبدو أثقل مما كان في القائمة الأولى، وكأن المسافة بين المعرفة المجردة والواقع القادم قد ضاقت فجأة.

في الأرشيف، كان التغير أكثر وضوحًا من أي مكان آخر. لم تعد القوائم تصل مرة كل أسبوعين كما كانت في البداية، بل أصبحت تصل كل بضعة أيام، دفعات جديدة من أسماء الشباب الذين غادروا بالفعل، وأخرى من أسماء لا تزال قيد المراجعة، وثالثة تحمل تصحيحات على أسماء سابقة، وكأن الحرب نفسها بدأت تتسارع في مكان بعيد، وتنعكس آثارها هنا في شكل ورق أكثر وحبر أكثر ووقت عمل أطول.

 

 

صنّف الورقة وحفظها في مكانها، كما فعل مع كل ورقة أخرى ذلك اليوم.

بدأ أورِن العمل، وبعد ساعة تقريبًا، وصل إلى الصفحة التي تخصه.

 

 

لم يخبر مارِن.

 

 

نظرت إليه لحظة، وكأنها تزن الإجابة، ثم هزّت رأسها وعادت إلى طبقها. “طبيعي، افترضت ذلك. الجميع يتحدث عن الأمر هذه الأيام.” لم تُلحّ أكثر، وانتقل الحديث بسرعة إلى شيء آخر، امرأة قابلتها في السوق تشتكي من ارتفاع سعر الصوف.

لم يكن قرارًا مدروسًا بقدر ما كان تأجيلًا متكررًا؛ في كل مساء كان يظن أنه سيقول شيئًا، ثم يجد نفسه يتحدث عن شيء آخر أخف، عن سعر البيض أو عن مارتن وأخطائه المتكررة في تصنيف الأختام، وتنتهي الليلة دون أن يقول الجملة التي يحملها طوال اليوم.

“أسماء. تسجيلات.” أجاب بإيجاز مقصود، دون أن يكذب تمامًا، ودون أن يقول شيئًا ذا معنى حقيقي. “الأرشيف مزدحم أكثر من المعتاد بسبب الأوضاع.”

 

 

لاحظت هي أن شيئًا يشغله، بالطريقة التي تلاحظ بها هذه الأشياء دائمًا.

مشى بعيدًا عن البيوت، متجهًا نحو المخزن القديم المهجور عند طرف القرية، ذلك الذي توقف الناس عن استخدامه منذ أن بُني مخزن أحدث أقرب إلى السوق. كان المكان معتمًا تمامًا، لا ضوء فيه سوى ما يصل من نجوم الليل الصافي، والهواء باردًا بما يكفي ليشعر به عبر معطفه.

 

وصلت النسخة الشخصية بعد أربعة أيام؛ ألقاها موظف المحكمة على طاولته عند باب الأرشيف باقتضاب وانصرف دون أن يطلب توقيعاً، كمن يؤدي مهمة روتينية ثقيلة يريد التخلص منها بسرعة. طواها ووضعها في جيبه الداخلي، وواصل عمله حتى نهاية الدوام بشكل طبيعي تمامًا، وكأن الورقة مجرد وثيقة أخرى من الوثائق العشرات التي تمر بين يديه كل أسبوع.

“أنت شارد منذ أيام،” قالت ذات مساء وهي تضع أمامه طبق العشاء. “أكثر من المعتاد.”

 

 

 

“العمل كثير هذه الأيام. القوائم لا تتوقف.”

 

 

 

“أي قوائم؟”

قال المشرف ذات صباح، وهو يضع كومة جديدة على طاولة أورِن دون أن يرفع نظره عنها طويلاً: “ابدأ بهذه أولًا. المحكمة تريد نسخة مؤكدة من كل أسماء المنطقة قبل نهاية الأسبوع.”

 

“أنت شارد منذ أيام،” قالت ذات مساء وهي تضع أمامه طبق العشاء. “أكثر من المعتاد.”

“أسماء. تسجيلات.” أجاب بإيجاز مقصود، دون أن يكذب تمامًا، ودون أن يقول شيئًا ذا معنى حقيقي. “الأرشيف مزدحم أكثر من المعتاد بسبب الأوضاع.”

بدأت القرية، خلال الأسابيع التالية، تتغير بطريقة لم يكن أورِن ليلاحظها لو لم يكن يرى القوائم بنفسه كل يوم تقريبًا في الأرشيف. لم يكن التغير صاخبًا؛ لم تتوقف الحياة، ولم تمتلئ الشوارع بالبكاء كما تخيل مرة حين كان صغيرًا يسمع كلمة “حرب” دون أن يفهم معناها الحقيقي. كان التغير أقرب إلى فراغات صغيرة تتراكم دون ضجيج: مقعد فارغ هنا، متجر مغلق هناك، اسم يُذكر في حديث عابر بصيغة الماضي دون أن ينتبه أحد للحظة التي تحول فيها الفعل من المضارع إلى الماضي.

 

لم يقتنع أورِن تمامًا بالتفسير، لا لأنه بدا كاذبًا، بل لأن شيئًا فيه بدا أبسط مما ينبغي لفارق بدا له، للحظة، وكأنه ليس مجرد خطأ كتابي عابر. لكنه لم يجد سببًا كافيًا لإثارة الأمر أكثر من ذلك، فصنّف السجلين كما طُلب منه، وانتقل إلى الأوراق التالية.

نظرت إليه لحظة، وكأنها تزن الإجابة، ثم هزّت رأسها وعادت إلى طبقها. “طبيعي، افترضت ذلك. الجميع يتحدث عن الأمر هذه الأيام.” لم تُلحّ أكثر، وانتقل الحديث بسرعة إلى شيء آخر، امرأة قابلتها في السوق تشتكي من ارتفاع سعر الصوف.

صنّف الورقة وحفظها في مكانها، كما فعل مع كل ورقة أخرى ذلك اليوم.

 

وصلت النسخة الشخصية بعد أربعة أيام؛ ألقاها موظف المحكمة على طاولته عند باب الأرشيف باقتضاب وانصرف دون أن يطلب توقيعاً، كمن يؤدي مهمة روتينية ثقيلة يريد التخلص منها بسرعة. طواها ووضعها في جيبه الداخلي، وواصل عمله حتى نهاية الدوام بشكل طبيعي تمامًا، وكأن الورقة مجرد وثيقة أخرى من الوثائق العشرات التي تمر بين يديه كل أسبوع.

جلس أورِن يأكل ببطء، ممتنًا في صمته أنها لم تسأل أكثر، وشاعرًا في الوقت نفسه بثقل صغير إضافي، ذلك الذي يأتي من إخفاء شيء عمن يثق بهم أكثر من أي أحد آخر.

لم يكن ما قاله كذبًا، ولم يكن الحقيقة كاملة أيضًا؛ كان أقرب إلى المساحة الضيقة بينهما، تلك التي يقف فيها أورِن هذه الأيام بلا يقين كامل بشيء، سوى أنه، حتى اللحظة، لا يزال هنا.

 

 

في تلك الليلة، بعد أن نامت مارِن، جلس في غرفته يفكر، لا في المحكمة ولا في الحرب بشكل مباشر، بل في أشياء صغيرة جدًا: حذاؤها القديم الذي رآه قبل أسابيع يتشقق من الأمام، والمال الذي بدأت تدخره بصمت لحلمها البعيد، والسقف في زاوية غرفة الجلوس الذي يحتاج إصلاحًا منذ الشتاء الماضي ولم يجد وقتًا كافيًا لإتمامه بعد.

“لماذا تسألين؟”

 

احترقت ببطء في البداية، ثم بسرعة أكبر، واللهب يضيء وجهه لحظات قصيرة قبل أن يخفت من جديد إلى العتمة المحيطة. لم يكن هناك شيء غريب في المشهد؛ لا ريح مفاجئة، لا صوت غير مألوف، فقط شاب يجلس وحده خلف مخزن قديم، يراقب ورقة تتحول إلى رماد بين أصابعه.

فكر فيها وحدها في هذا البيت، تتدبر أمورها كما اعتادت دائمًا، لكن بلا أحد يساعدها في الأشياء الثقيلة، بلا أحد يعرف متى تكون متعبة أكثر مما تظهر، بلا أحد يذكّرها أن تأكل حين تنسى وهي منشغلة بعمل يشغلها.

توقف قلمه عن الحركة للحظة.

 

 

لم يكن يعرف إن كان قرارًا صائبًا أم لا. لم يكن يعرف حتى إن كان هناك قرار حقيقي بالمعنى الكامل للكلمة، أكثر من كونه رفضًا بسيطًا لفكرة أن يترك كل هذا معلقًا خلفه دون أن يفعل شيئًا على الأقل.

لاحظ أن دكان صانع الملابس القريب من بيتهما أُغلق منذ أسبوعين تقريبًا، بابه الخشبي موصد بقفل لم يعتد رؤيته هناك من قبل. سأل مارِن عن السبب ذات مساء، فأجابته ببساطة أن الرجل غادر مع الدفعة الأخيرة، وأن ابنه الصغير أصبح يعمل الآن مع خاله في المزرعة ريثما يعود والده، “أو حتى يقرر أحد شيئًا آخر”، أضافت بنبرة لم تحمل قسوة، بل ذلك النوع من الواقعية التي تعلمتها القرية كلها منذ سنوات الحرب الطويلة.

 

في تلك الليلة، بعد أن نامت مارِن، جلس في غرفته يفكر، لا في المحكمة ولا في الحرب بشكل مباشر، بل في أشياء صغيرة جدًا: حذاؤها القديم الذي رآه قبل أسابيع يتشقق من الأمام، والمال الذي بدأت تدخره بصمت لحلمها البعيد، والسقف في زاوية غرفة الجلوس الذي يحتاج إصلاحًا منذ الشتاء الماضي ولم يجد وقتًا كافيًا لإتمامه بعد.

فكر في الورقة.

 

 

 

لم يكن يظن أن حرقها سيغير شيئًا جوهريًا؛ كان يعرف، من عمله نفسه في الأرشيف، أن السجل الأصلي يبقى محفوظًا هناك، في تلك الرفوف التي رتبها بيديه مئات المرات، بعيدًا عن متناوله الآن. لكن الورقة التي بحوزته، تلك التي ستصله خلال الأيام القادمة كنسخة شخصية يحتفظ بها حتى الموعد، كانت الشيء الوحيد الملموس الذي يستطيع فعل شيء حياله. لم يكن يملك خطة أبعد من ذلك. كان يعرف فقط أنه إذا لم تكن الورقة موجودة معه حين يطلبونها، فسيكسب وقتًا، ولو قليلاً، دون أن يعرف بالضبط ماذا سيفعل بهذا الوقت.

“العمل كثير هذه الأيام. القوائم لا تتوقف.”

 

 

وصلت النسخة الشخصية بعد أربعة أيام؛ ألقاها موظف المحكمة على طاولته عند باب الأرشيف باقتضاب وانصرف دون أن يطلب توقيعاً، كمن يؤدي مهمة روتينية ثقيلة يريد التخلص منها بسرعة. طواها ووضعها في جيبه الداخلي، وواصل عمله حتى نهاية الدوام بشكل طبيعي تمامًا، وكأن الورقة مجرد وثيقة أخرى من الوثائق العشرات التي تمر بين يديه كل أسبوع.

 

 

“لا شيء يخصك بعد،” ردّت بابتسامة، دون أن تكشف عنه أكثر.

في تلك الليلة، بعد أن تأكد أن مارِن نامت، خرج من البيت بهدوء، يرتدي معطفه الثقيل، والورقة لا تزال في جيبه الداخلي.

في السوق، بدأ يسمع أحاديث لم تكن موجودة قبل أشهر قليلة بهذا الوضوح. امرأة تسأل جارتها إن كانت قد سمعت من ابنها منذ آخر رسالة وصلت قبل شهر، وجارتها تجيب بأن الرسائل تتأخر كثيرًا هذه الأيام، لا شيء يدعو للقلق أكثر من المعتاد. شاب في عمر أورِن تقريبًا يحمل حقيبة صغيرة إلى عربة واقفة عند طرف الساحة، ووالده يساعده برفع صندوق ثقيل، والشاب يمزح بصوت عالٍ عن أنه سيعود “قبل أن تنتهوا من الشكوى من غيابي”، وضحك خفيف يتردد بين من حوله، ضحك حقيقي، لا مصطنع، لكنه لا يخفي تمامًا الشيء الثقيل الذي يجلس خلفه.

 

 

مشى بعيدًا عن البيوت، متجهًا نحو المخزن القديم المهجور عند طرف القرية، ذلك الذي توقف الناس عن استخدامه منذ أن بُني مخزن أحدث أقرب إلى السوق. كان المكان معتمًا تمامًا، لا ضوء فيه سوى ما يصل من نجوم الليل الصافي، والهواء باردًا بما يكفي ليشعر به عبر معطفه.

“لا أفعل ذلك.”

 

 

جلس على حجر كبير خلف المخزن، بعيدًا عن أي طريق قد يمر منه أحد في هذه الساعة، وأخرج الورقة من جيبه.

 

 

لاحظت هي أن شيئًا يشغله، بالطريقة التي تلاحظ بها هذه الأشياء دائمًا.

فتحها في الظلام، وإن لم يستطع قراءة الكلمات بوضوح كامل، كان يعرفها عن ظهر قلب من كثرة ما نظر إليها في الأيام الماضية: اسمه، ورقم سجله، وتاريخ الموعد.

 

 

 

بقي ممسكًا بها لدقيقة كاملة تقريبًا، دون أن يفعل شيئًا، يشعر ببرودة الحجر تحته وثقل الورقة الخفيف بين أصابعه وكأنها أثقل بكثير مما ينبغي لقطعة ورق واحدة.

 

 

 

أشعل عود ثقاب كان قد أحضره معه، وقرّب لهبه من زاوية الورقة.

لم يقتنع أورِن تمامًا بالتفسير، لا لأنه بدا كاذبًا، بل لأن شيئًا فيه بدا أبسط مما ينبغي لفارق بدا له، للحظة، وكأنه ليس مجرد خطأ كتابي عابر. لكنه لم يجد سببًا كافيًا لإثارة الأمر أكثر من ذلك، فصنّف السجلين كما طُلب منه، وانتقل إلى الأوراق التالية.

 

 

احترقت ببطء في البداية، ثم بسرعة أكبر، واللهب يضيء وجهه لحظات قصيرة قبل أن يخفت من جديد إلى العتمة المحيطة. لم يكن هناك شيء غريب في المشهد؛ لا ريح مفاجئة، لا صوت غير مألوف، فقط شاب يجلس وحده خلف مخزن قديم، يراقب ورقة تتحول إلى رماد بين أصابعه.

لم يكن يظن أن حرقها سيغير شيئًا جوهريًا؛ كان يعرف، من عمله نفسه في الأرشيف، أن السجل الأصلي يبقى محفوظًا هناك، في تلك الرفوف التي رتبها بيديه مئات المرات، بعيدًا عن متناوله الآن. لكن الورقة التي بحوزته، تلك التي ستصله خلال الأيام القادمة كنسخة شخصية يحتفظ بها حتى الموعد، كانت الشيء الوحيد الملموس الذي يستطيع فعل شيء حياله. لم يكن يملك خطة أبعد من ذلك. كان يعرف فقط أنه إذا لم تكن الورقة موجودة معه حين يطلبونها، فسيكسب وقتًا، ولو قليلاً، دون أن يعرف بالضبط ماذا سيفعل بهذا الوقت.

 

لم يقتنع أورِن تمامًا بالتفسير، لا لأنه بدا كاذبًا، بل لأن شيئًا فيه بدا أبسط مما ينبغي لفارق بدا له، للحظة، وكأنه ليس مجرد خطأ كتابي عابر. لكنه لم يجد سببًا كافيًا لإثارة الأمر أكثر من ذلك، فصنّف السجلين كما طُلب منه، وانتقل إلى الأوراق التالية.

حين وصلت النار إلى أطراف أصابعه تقريبًا، أفلت ما تبقى منها على الأرض الحجرية، تركها تكمل احتراقها هناك حتى تحولت بالكامل إلى رماد دقيق، ذرّته الريح الباردة بين الحجارة قبل أن يمسح يديه ويعود إلى البيت ، ودخل غرفته دون أن يوقظ أحدًا.

 

 

نظرت إليه لحظة، وكأنها تزن الإجابة، ثم هزّت رأسها وعادت إلى طبقها. “طبيعي، افترضت ذلك. الجميع يتحدث عن الأمر هذه الأيام.” لم تُلحّ أكثر، وانتقل الحديث بسرعة إلى شيء آخر، امرأة قابلتها في السوق تشتكي من ارتفاع سعر الصوف.

في الصباح، استيقظ في موعده المعتاد، وذهب إلى العمل كأي يوم آخر. لم يشعر بأنه أصبح فجأة شخصًا مختلفًا، ولا بأنه هارب من العدالة يخشى كل نظرة يلقاها عليه أحد في الطريق؛ شعر فقط، في مكان هادئ من صدره، أنه فعل شيئًا لا يمكن التراجع عنه، دون أن يعرف بعد ما إذا كان هذا كافيًا أو لا معنى له على الإطلاق.

 

 

 

عمل ذلك اليوم كالمعتاد، وتحدث مع مِرن عن أمور تافهة، وتناول غداءه في الوقت نفسه الذي يتناوله فيه كل يوم، وعاد إلى البيت حين حان وقت العودة.

 

 

 

في أحد الأيام التالية، أثناء فرزه لسجلات قديمة تعود لعقود مضت، طلب منه المشرف مراجعة مجموعة من سجلات السكان القديمة لمقارنتها بقوائم جديدة تحتاجها المحكمة لأسباب لم يشرحها بالتفصيل. كان العمل مملاً بطبيعته، مقارنة أسماء وتواريخ ميلاد وأرقام سجلات، لكنه توقف عند اسم واحد ظهر في سجلين مختلفين بصيغتين غير متطابقتين تمامًا؛ في أحدهما كُتب الاسم بحرف إضافي في نهايته، بينما ظهر في الآخر أقصر بحرف واحد، رغم أن باقي التفاصيل، تاريخ الميلاد ورقم البيت واسم الأب، كانت متطابقة تمامًا بما لا يدع مجالًا للشك أنه الشخص نفسه.

“لا أفعل ذلك.”

 

 

أشار إلى الأمر لموظف أكبر سنًا كان يعمل في القسم منذ زمن طويل، وسأله إن كان هذا خطأً يستدعي تصحيحًا رسميًا.

“لا أعرف. مجرد سؤال.” هزّت كتفيها بخفة. “الجميع يتحدثون عن أشياء كثيرة قادمة هذه الأيام، والأرشيف مزدحم كما تقول، والحرب أصبحت قريبة أكثر من أي وقت مضى.”

 

قال المشرف ذات صباح، وهو يضع كومة جديدة على طاولة أورِن دون أن يرفع نظره عنها طويلاً: “ابدأ بهذه أولًا. المحكمة تريد نسخة مؤكدة من كل أسماء المنطقة قبل نهاية الأسبوع.”

هزّ الرجل كتفيه دون اهتمام يذكر، وهو يواصل عمله الخاص. “ستجد هذا كثيرًا في السجلات القديمة. كانت الأسماء تُكتب بطرق مختلفة قبل أن تُوحَّد قواعد الكتابة الرسمية. لا تقلق بشأنها، فقط انسخ الصيغة الأحدث واترك القديمة كما هي.”

 

 

فكر في الورقة.

لم يقتنع أورِن تمامًا بالتفسير، لا لأنه بدا كاذبًا، بل لأن شيئًا فيه بدا أبسط مما ينبغي لفارق بدا له، للحظة، وكأنه ليس مجرد خطأ كتابي عابر. لكنه لم يجد سببًا كافيًا لإثارة الأمر أكثر من ذلك، فصنّف السجلين كما طُلب منه، وانتقل إلى الأوراق التالية.

 

 

 

في المساء، وجد مارِن جالسة في زاوية غرفة الجلوس، تحيك شيئًا بخيوط صوفية سميكة، سرعان ما أخفته جزئيًا تحت قماش آخر حين لاحظت دخوله.

 

 

 

“ما هذا؟” سأل، محاولاً النظر بفضول مصطنع.

 

 

 

“لا شيء يخصك بعد،” ردّت بابتسامة، دون أن تكشف عنه أكثر.

بقي ممسكًا بها لدقيقة كاملة تقريبًا، دون أن يفعل شيئًا، يشعر ببرودة الحجر تحته وثقل الورقة الخفيف بين أصابعه وكأنها أثقل بكثير مما ينبغي لقطعة ورق واحدة.

 

فتحها في الظلام، وإن لم يستطع قراءة الكلمات بوضوح كامل، كان يعرفها عن ظهر قلب من كثرة ما نظر إليها في الأيام الماضية: اسمه، ورقم سجله، وتاريخ الموعد.

“يبدو ثقيلاً.”

نظرت إليه قليلاً، وكأنها تحاول أن تقرأ شيئًا أكثر مما قاله فعلاً، ثم أومأت وعادت إلى الحياكة دون أن تسأل أكثر.

 

 

“الشتاء قادم، وأنت دائمًا تخرج دون أن تحمل شيئًا دافئًا يكفي. رأيتك أكثر من مرة ترتجف من البرد وتتظاهر بأنك لا تشعر به.”

جلس ينظر إلى الورقة لفترة أطول مما يحتاجه تصنيفها الفعلي. لم يكن الأمر مفاجئًا بالضبط؛ كان يعرف منذ أسابيع أن اسمه موجود، لكن رؤيته الآن بهذا الشكل الرسمي، بختم واضح وتاريخ محدد، جعلت الأمر يبدو أثقل مما كان في القائمة الأولى، وكأن المسافة بين المعرفة المجردة والواقع القادم قد ضاقت فجأة.

 

 

“لا أفعل ذلك.”

 

 

فكر فيها وحدها في هذا البيت، تتدبر أمورها كما اعتادت دائمًا، لكن بلا أحد يساعدها في الأشياء الثقيلة، بلا أحد يعرف متى تكون متعبة أكثر مما تظهر، بلا أحد يذكّرها أن تأكل حين تنسى وهي منشغلة بعمل يشغلها.

“تفعله تمامًا.” عادت إلى الحياكة دون أن تشرح أكثر. “على أي حال، لن ينتهي قبل أسابيع، فلا تلحّ.”

 

 

حين وصلت النار إلى أطراف أصابعه تقريبًا، أفلت ما تبقى منها على الأرض الحجرية، تركها تكمل احتراقها هناك حتى تحولت بالكامل إلى رماد دقيق، ذرّته الريح الباردة بين الحجارة قبل أن يمسح يديه ويعود إلى البيت ، ودخل غرفته دون أن يوقظ أحدًا.

جلس بالقرب منها، وأخرج دفتره الجديد، وبدأ يكتب سطرين قصيرين عن يومه كعادته، بينما تستمر هي في عملها بصمت مريح، الإبر تتحرك بإيقاع ثابت، والمصباح يلقي ضوءًا دافئًا على المكان الصغير الذي يشغلانه في هذا البيت.

 

 

بقي ممسكًا بها لدقيقة كاملة تقريبًا، دون أن يفعل شيئًا، يشعر ببرودة الحجر تحته وثقل الورقة الخفيف بين أصابعه وكأنها أثقل بكثير مما ينبغي لقطعة ورق واحدة.

بعد فترة، رفعت عينيها إليه دون أن تتوقف عن الحياكة. “هل ستبقى هنا خلال الأشهر القادمة؟”

لم يخبر مارِن.

 

 

توقف قلمه عن الحركة للحظة.

جلس أورِن يأكل ببطء، ممتنًا في صمته أنها لم تسأل أكثر، وشاعرًا في الوقت نفسه بثقل صغير إضافي، ذلك الذي يأتي من إخفاء شيء عمن يثق بهم أكثر من أي أحد آخر.

 

أشار إلى الأمر لموظف أكبر سنًا كان يعمل في القسم منذ زمن طويل، وسأله إن كان هذا خطأً يستدعي تصحيحًا رسميًا.

“لماذا تسألين؟”

 

 

 

“لا أعرف. مجرد سؤال.” هزّت كتفيها بخفة. “الجميع يتحدثون عن أشياء كثيرة قادمة هذه الأيام، والأرشيف مزدحم كما تقول، والحرب أصبحت قريبة أكثر من أي وقت مضى.”

 

 

فكر لحظة قبل أن يجيب. “لا أعرف بعد ما سيحدث بالضبط. لكنني هنا الآن.”

فكر لحظة قبل أن يجيب. “لا أعرف بعد ما سيحدث بالضبط. لكنني هنا الآن.”

نظرت إليه لحظة، وكأنها تزن الإجابة، ثم هزّت رأسها وعادت إلى طبقها. “طبيعي، افترضت ذلك. الجميع يتحدث عن الأمر هذه الأيام.” لم تُلحّ أكثر، وانتقل الحديث بسرعة إلى شيء آخر، امرأة قابلتها في السوق تشتكي من ارتفاع سعر الصوف.

 

لم يكن قرارًا مدروسًا بقدر ما كان تأجيلًا متكررًا؛ في كل مساء كان يظن أنه سيقول شيئًا، ثم يجد نفسه يتحدث عن شيء آخر أخف، عن سعر البيض أو عن مارتن وأخطائه المتكررة في تصنيف الأختام، وتنتهي الليلة دون أن يقول الجملة التي يحملها طوال اليوم.

نظرت إليه قليلاً، وكأنها تحاول أن تقرأ شيئًا أكثر مما قاله فعلاً، ثم أومأت وعادت إلى الحياكة دون أن تسأل أكثر.

“العمل كثير هذه الأيام. القوائم لا تتوقف.”

 

 

لم يكن ما قاله كذبًا، ولم يكن الحقيقة كاملة أيضًا؛ كان أقرب إلى المساحة الضيقة بينهما، تلك التي يقف فيها أورِن هذه الأيام بلا يقين كامل بشيء، سوى أنه، حتى اللحظة، لا يزال هنا.

 

 

في المساء، وجد مارِن جالسة في زاوية غرفة الجلوس، تحيك شيئًا بخيوط صوفية سميكة، سرعان ما أخفته جزئيًا تحت قماش آخر حين لاحظت دخوله.

وفي مكان آخر تمامًا، بعيدًا عن هذا البيت الدافئ وضوء المصباح الخافت، بقي اسمه محفوظًا في سجل لن تمحوه ورقة واحدة تحترق خلف مخزن مهجور، ينتظر بصبر الموعد الذي حدده، بغض النظر عما أحرقه أورِن تلك الليلة أو عما لم يحرقه.

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط