وجه الحرب
في صباح اليوم التالي لتعليق القوائم، بدا المعسكر مختلفًا رغم أن شيئًا لم يتغير في مظهره الخارجي. الخيام في مكانها، والساحات في مكانها، وأصوات الضباط ترتفع كما كانت دائمًا. لكن شيئًا في طريقة سير المجندين تغيّر، وكأن كل واحد منهم يحمل الآن رقمًا معلّقًا فوق رأسه، ثلاثة أيام لا أكثر، ثم رحيل إلى مكان لا يعرف عنه أحد سوى اسمه على الورق.
مرّ بجانبه صف من الجنود المصابين، يمشي بعضهم بمساعدة رفاقهم، بينما يُحمل آخرون على نقالات خشبية بسيطة نحو خيمة كبيرة عليها علامة تشير إلى أنها مخصصة للمعالجة. لاحظ أورِن وجه أحد المصابين، شابًا في مثل سنه تقريبًا، عينيه نصف مغمضتين وشفتيه جافتين، دون أن يصدر صوتًا وهو يُحمل.
استيقظ أورِن قبل الجرس كعادته، وسار إلى ساحة السرقة وهو يشعر بشيء يشبه الاستعجال، رغم أنه لم يستطع تحديد سببه بدقة. ربما كان يريد أن يستفيد من كل دقيقة تبقت له قبل أن يُترك وحده مع ما تعلمه، دون مارك يصحح له أخطاءه.
نزل أورِن من العربة، يشعر بتيبس في جسده من طول الجلوس، ووقف للحظة يستوعب المشهد من حوله.
“ثلاثة أيام،” قال مارك حين وصل، وكأنه يقرأ أفكاره. “لن أعلّمكم شيئًا جديدًا كثيرًا في هذا الوقت. سنعمل على ما تعرفونه بالفعل، حتى يصبح أسرع وأدق.”
في ساحة التحول، كان دارِن يواجه تحديًا مختلفًا. طلبت منه مدربته أن يجرب مع قطعة حديد صغيرة، أصعب بكثير من الخشب الذي بدأ به.
بدأ التمرين بالقطعة النحاسية المعتادة، لكن على مسافة أبعد من ذي قبل، ثم انتقل مارك بها إلى مسافة أبعد قليلًا كلما أتقن أورِن المسافة السابقة. بحلول نهاية اليوم الأول، كان أورِن قادرًا على نقل القطعة عبر مسافة تقارب ذراعين كاملتين، بسرعة أكبر بكثير من محاولاته الأولى المتعثرة قبل أيام .
وقف أورِن في طابور طويل أمام خيمة كبيرة مملوءة بالصناديق، حيث سلّمه جندي مسؤول عن التوزيع حزمة من الملابس العسكرية الجديدة، أثقل وأكثر متانة من ملابس التدريب التي اعتاد عليها، بالإضافة إلى حذاء جلدي، وحقيبة ظهر، وحزام جلدي فيه أماكن مخصصة لأدوات صغيرة.
“جرب هذا،” قال مارك في اليوم الثاني، وأخرج من جيبه سكينًا صغيرة بمقبض خشبي، ووضعها على الحجر أمام أورِن. “أثقل قليلًا مما تعوّدت عليه.”
“كلنا خائفون،” قال دارِن بهدوئه المعتاد، دون أن ينظر إليه مباشرة، وكأن الاعتراف بذلك كان كافيًا له دون الحاجة لمزيد من الكلام.
بحلول نهاية اليوم الثاني، نجح أخيرًا في تغيير درجة صلابة سطح القطعة قليلًا، تغيرًا طفيفًا جدًا لا يلاحظه أحد غيره وغير مدربته، لكنه كان كافيًا ليشعر بشيء يشبه الرضا العميق الذي عرفه من قبل حين يرى معدنًا يستجيب لمطرقته أخيرًا.
استغرق الأمر منه محاولات أكثر، وشعر بتعب أعمق بعد نجاحه الأول، لكنه نجح في النهاية في نقلها، ولو بمسافة أقصر من التي اعتاد عليها مع القطعة النحاسية.
أجاب المعلم العجوز بصبره المعتاد على بعض الأسئلة، ورفض التوسع في أخرى بجملة واحدة: “هذا خارج ما تحتاج معرفته الآن.” لكنه لاحظ، دون أن يعلّق، أن الأسئلة تكثر كلما اقترب موعد الرحيل.
“الوزن يهم إذن،” قال أورِن.
مدّ يده دون وعي منه إلى الجيب الداخلي، حيث تستقر رسالة مارِن بجانب القلادة القماشية والورقة التي تحمل اسمه، وضغط عليها بأصابعه للحظة، كأنه يتأكد أنها ما زالت هناك.
“ثلاثة أيام،” قال مارك حين وصل، وكأنه يقرأ أفكاره. “لن أعلّمكم شيئًا جديدًا كثيرًا في هذا الوقت. سنعمل على ما تعرفونه بالفعل، حتى يصبح أسرع وأدق.”
“كل شيء يهم. الوزن، والمادة، وحالتك أنت في تلك اللحظة.” أجاب مارك دون أن يتوسع أكثر، ثم أضاف بنبرة أقرب إلى الجدية من المعتاد: “لن تصبح خبيرًا خلال يومين. لكنك تعرف الآن الأساس بشكل جيد بما يكفي لتبني عليه لاحقًا. هذا كل ما أستطيع أن أعطيك إياه هنا.”
في صباح اليوم الثالث، بدأت مرحلة التجهيز.
كانت رائحة المكان مختلفة عن رائحة المعسكر السابق، مزيجًا من الدخان والمعدن والعرق، لا يشبه أي رائحة اعتاد عليها من قبل. سمع من بعيد أصوات لا يستطيع تحديد مصدرها بدقة، أشبه بانفجارات متقطعة، تتخللها أحيانًا ومضات ضوء خافتة تلمع فوق خط منخفض من التلال البعيدة.
لم يشرح مارك أكثر من ذلك، ولم يذكر شيئًا عن حدود المسار أو إمكانياته الأبعد. بقي فهم أورِن لمساره كما كان منذ اليوم الأول: نقل شيء من مكان إلى آخر دون لمسه. لم يفكر في أن هذا التعريف قد يكون ناقصًا؛ كان مشغولًا بما يكفي بمحاولة إتقان ما يعرفه فعلًا.
“يبدو أنه يستمتع بصوته،” همس سيلِن لأورِن بصوت منخفض جدًا، محاولًا أن يخفف عن نفسه شيئًا من التوتر بابتسامة صغيرة.
في ساحة التحول، كان دارِن يواجه تحديًا مختلفًا. طلبت منه مدربته أن يجرب مع قطعة حديد صغيرة، أصعب بكثير من الخشب الذي بدأ به.
بدأت العربات بالتجمع عند الطرف الشرقي من المعسكر، صفوفًا طويلة من العربات الخشبية المغطاة، تجرها خيول ضخمة تبدو معتادة على هذا النوع من الرحلات الطويلة.
“لن تنجح من أول مرة،” قالت له وهي تراقبه يمسك القطعة بين أصابعه. “الحديد يقاوم أكثر.”
جرّب دارِن مرارًا، يركّز على القطعة كما اعتاد، محاولًا أن يفهم بنيتها قبل أن يطلب منها أي تغيير. فشل في المرات الأولى، لكنه لم يبدُ منزعجًا كما كان يبدو بعض زملائه في الفشل؛ بل كان يراقب كل محاولة فاشلة وكأنها تعطيه معلومة جديدة عن طبيعة الحديد نفسه.
في صباح اليوم التالي لتعليق القوائم، بدا المعسكر مختلفًا رغم أن شيئًا لم يتغير في مظهره الخارجي. الخيام في مكانها، والساحات في مكانها، وأصوات الضباط ترتفع كما كانت دائمًا. لكن شيئًا في طريقة سير المجندين تغيّر، وكأن كل واحد منهم يحمل الآن رقمًا معلّقًا فوق رأسه، ثلاثة أيام لا أكثر، ثم رحيل إلى مكان لا يعرف عنه أحد سوى اسمه على الورق.
“كلنا خائفون،” قال دارِن بهدوئه المعتاد، دون أن ينظر إليه مباشرة، وكأن الاعتراف بذلك كان كافيًا له دون الحاجة لمزيد من الكلام.
بحلول نهاية اليوم الثاني، نجح أخيرًا في تغيير درجة صلابة سطح القطعة قليلًا، تغيرًا طفيفًا جدًا لا يلاحظه أحد غيره وغير مدربته، لكنه كان كافيًا ليشعر بشيء يشبه الرضا العميق الذي عرفه من قبل حين يرى معدنًا يستجيب لمطرقته أخيرًا.
“جيد،” قالت المدربة. “لن أطلب منك أكثر من هذا في الوقت المتبقي. تذكّر هذا الشعور، ستحتاجه لاحقًا.”
وقف أورِن مع دارِن وسيلِن قرب إحدى العربات المخصصة لوحدتهم، ينتظرون الأمر بالصعود. بدا المكان مزدحمًا بالضجيج، أصوات أوامر متقاطعة، صرير عجلات، صهيل خيول، وحديث منخفض بين المجندين يحاولون إخفاء توترهم كل بطريقته.
أما سيلِن، فقد استمر في تطوير قدرته على الربط بثبات ملحوظ. استطاع في اليومين الأخيرين أن يربط بين حجرين متباعدين بمسافة أكبر من ذي قبل، وأن يحافظ على الرابط لوقت أطول دون أن يتلاشى فجأة كما كان يحدث سابقًا.
لكن أثناء التدريب، بدأ يتحدث أكثر من المعتاد حتى بالنسبة له، يسأل معلمه أسئلة متتالية عن أشياء لا علاقة مباشرة لها بالتمرين أمامه: هل الربط يعمل بين الأحياء؟ هل يمكن أن يربط بين شخصين؟ ماذا يحدث إذا مات أحد طرفي الرابط؟
“احتفظ بها في مكان لا تفقده فيه،” قال الجندي المسؤول عن التوزيع. “إذا أُصبت، هذه الورقة هي ما يُعرّف بك.”
وقف الكاهن أمامهم، رجل في الستينيات تقريبًا، بصوت هادئ لكنه يصل إلى أطراف الساحة بوضوح دون أن يحتاج إلى الصراخ.
أجاب المعلم العجوز بصبره المعتاد على بعض الأسئلة، ورفض التوسع في أخرى بجملة واحدة: “هذا خارج ما تحتاج معرفته الآن.” لكنه لاحظ، دون أن يعلّق، أن الأسئلة تكثر كلما اقترب موعد الرحيل.
لكن أثناء التدريب، بدأ يتحدث أكثر من المعتاد حتى بالنسبة له، يسأل معلمه أسئلة متتالية عن أشياء لا علاقة مباشرة لها بالتمرين أمامه: هل الربط يعمل بين الأحياء؟ هل يمكن أن يربط بين شخصين؟ ماذا يحدث إذا مات أحد طرفي الرابط؟
في مساء اليوم الثاني، جُمع جميع المجندين ممن ورد اسمهم على القائمة في خيمة كبيرة، حيث وقف أمامهم ضابط متوسط الرتبة ليشرح طبيعة مهمتهم.
جرّب دارِن مرارًا، يركّز على القطعة كما اعتاد، محاولًا أن يفهم بنيتها قبل أن يطلب منها أي تغيير. فشل في المرات الأولى، لكنه لم يبدُ منزعجًا كما كان يبدو بعض زملائه في الفشل؛ بل كان يراقب كل محاولة فاشلة وكأنها تعطيه معلومة جديدة عن طبيعة الحديد نفسه.
“أنتم لستم مقاتلين بالمعنى المباشر،” بدأ دون مقدمات طويلة. “مساراتكم ليست مساراتٍ هجومية أساسًا، ودُرّبتم عليها لفترة قصيرة جدًا. مهمتكم هي دعم الوحدات القتالية، كل بحسب مساره.”
“لن تنجح من أول مرة،” قالت له وهي تراقبه يمسك القطعة بين أصابعه. “الحديد يقاوم أكثر.”
“هذا لا يعني أنكم بعيدون عن الخطر،” أضاف بنبرة أكثر جدية. “ستكونون قريبين من الجبهة، وأحيانًا داخلها. لكن دوركم مساند، لا هجومي مباشر. هذا كل ما يجب أن تعرفوه الآن.”
أوضح باختصار أن أصحاب مسار السرقة يُستخدمون أحيانًا في نقل معدات أو إمدادات صغيرة عبر مسافات لا يستطيع الجنود الوصول إليها بسرعة، وأن أصحاب مسار الربط يُستعان بهم أحيانًا في تثبيت أو ربط معدات ثقيلة أو أجزاء تحتاج تماسكًا إضافيًا، وأن أصحاب مسار التحول يساعدون في تعديل خصائص بسيطة في الأدوات أو المعدات حين يحتاج الأمر لذلك في الميدان.
لاحظ أورِن، بينما كان يستمع، أن بعض المجندين حوله يقفون بظهور مستقيمة، عيونهم لامعة بشيء يشبه الفخر، بينما وقف آخرون بصمت جامد، ينظرون إلى الأرض أكثر مما ينظرون إلى الكاهن. رأى أحد المجندين، شابًا صغير السن، يمسح دمعة بسرعة قبل أن يلاحظها أحد.
“هذا لا يعني أنكم بعيدون عن الخطر،” أضاف بنبرة أكثر جدية. “ستكونون قريبين من الجبهة، وأحيانًا داخلها. لكن دوركم مساند، لا هجومي مباشر. هذا كل ما يجب أن تعرفوه الآن.”
في صباح اليوم التالي لتعليق القوائم، بدا المعسكر مختلفًا رغم أن شيئًا لم يتغير في مظهره الخارجي. الخيام في مكانها، والساحات في مكانها، وأصوات الضباط ترتفع كما كانت دائمًا. لكن شيئًا في طريقة سير المجندين تغيّر، وكأن كل واحد منهم يحمل الآن رقمًا معلّقًا فوق رأسه، ثلاثة أيام لا أكثر، ثم رحيل إلى مكان لا يعرف عنه أحد سوى اسمه على الورق.
“أنتم اليوم لستم مجرد أبناء لقرى ومدن،” بدأ. “أنتم دروع تحمي من هم خلفكم، آباءكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم، وكل من ينام الليلة في أمان بفضل من يقف على الحدود بدلًا منه.”
لم يشرح أكثر من ذلك، ولم يذكر تفاصيل عن كيفية استخدام هذه القدرات في مواقف حقيقية. اكتفى المجندون بهذا القدر من الفهم، بعضهم شعر بارتياح خفيف لأنه لن يكون في الصفوف الأمامية مباشرة، وبعضهم بدا قلقًا من الغموض الذي ما زال يحيط بما ينتظرهم فعلًا.
“لن تنجح من أول مرة،” قالت له وهي تراقبه يمسك القطعة بين أصابعه. “الحديد يقاوم أكثر.”
كانت رائحة المكان مختلفة عن رائحة المعسكر السابق، مزيجًا من الدخان والمعدن والعرق، لا يشبه أي رائحة اعتاد عليها من قبل. سمع من بعيد أصوات لا يستطيع تحديد مصدرها بدقة، أشبه بانفجارات متقطعة، تتخللها أحيانًا ومضات ضوء خافتة تلمع فوق خط منخفض من التلال البعيدة.
في صباح اليوم الثالث، بدأت مرحلة التجهيز.
فكّر أنه لا يريد أن يموت، ليس لأنه يخشى الموت بمعناه المجرد، بل لأنه يعرف ما سيتركه خلفه إن حدث ذلك. تذكّر خبرًا سمعه قبل أشهر عن رجل من قرية مجاورة هرب من التجنيد أثناء الحرب، أُلقي القبض عليه بعد أيام قليلة، وأُعدم أمام وحدته كعبرة لغيره. لم يكن يفكر في الهروب فعليًا، لكن الفكرة مرّت في ذهنه بشكل عابر، مصحوبة فورًا بتذكّر تلك النهاية، وكأن عقله يغلق الباب على أي احتمال من هذا النوع بمجرد فتحه.
شعر أورِن بشيء غريب حين وقعت عيناه عليه، ليس خوفًا ولا فضولًا حادًا، بل إحساسًا بالألفة الغامضة، كأنه رأى شيئًا يشبهه من قبل في مكان آخر. حاول أن يتذكر أين، وبعد لحظة تذكّر معبد قريته الصغير، وذلك الجهاز المشابه الذي كان الكاهن العجوز هناك يستخدمه في طقوس معينة، مرة أو مرتين في السنة، دون أن يشرح أحد للأطفال الحاضرين ماهيته أو الغرض منه.
وقف أورِن في طابور طويل أمام خيمة كبيرة مملوءة بالصناديق، حيث سلّمه جندي مسؤول عن التوزيع حزمة من الملابس العسكرية الجديدة، أثقل وأكثر متانة من ملابس التدريب التي اعتاد عليها، بالإضافة إلى حذاء جلدي، وحقيبة ظهر، وحزام جلدي فيه أماكن مخصصة لأدوات صغيرة.
استمر يتحدث عن الإمبراطورية، عن الواجب الذي يقع على عاتق كل من يُدعى للدفاع عنها، عن الشرف في أن يكون المرء جزءًا من شيء أكبر من نفسه، وعن التضحية التي قد يقدمها البعض حتى يعود آخرون بأمان إلى بيوتهم.
استلم كل منهم أيضًا كمية من الطعام الجاف مغلفة بعناية، وأوراقًا رسمية صغيرة تحمل اسمه ورقم وحدته، تُطلب منهم حملها في جميع الأوقات.
“هذه لك،” قال الجندي وهو يضع أمامه سكينًا قصيرة في غمد جلدي. “للدفاع عن نفسك فقط، لا أكثر. لست جنديًا هجوميًا.”
“أنتم لستم مقاتلين بالمعنى المباشر،” بدأ دون مقدمات طويلة. “مساراتكم ليست مساراتٍ هجومية أساسًا، ودُرّبتم عليها لفترة قصيرة جدًا. مهمتكم هي دعم الوحدات القتالية، كل بحسب مساره.”
أمسك أورِن بالسكين للحظة، يشعر بوزنها الخفيف في يده، قبل أن يثبّتها في مكانها على الحزام.
بعد الظهر، جُمع المجندون في الساحة الرئيسية لآخر مرة قبل الرحيل، حيث انتظرهم رجل يرتدي رداءً طويلًا بلون رمادي فاتح، مطرزًا برموز بسيطة عند الياقة، عرّفه أحد الضباط بأنه كاهن من المعبد الإمبراطوري، جاء لمباركة الوحدات الجديدة قبل رحيلها.
بجانبه، كان سيلِن يحاول ضبط حزامه الذي بدا أوسع من خصره بقليل، يشد فيه ويرخيه دون أن يستقر على وضع مريح.
استغرق الأمر منه محاولات أكثر، وشعر بتعب أعمق بعد نجاحه الأول، لكنه نجح في النهاية في نقلها، ولو بمسافة أقصر من التي اعتاد عليها مع القطعة النحاسية.
بعد الظهر، جُمع المجندون في الساحة الرئيسية لآخر مرة قبل الرحيل، حيث انتظرهم رجل يرتدي رداءً طويلًا بلون رمادي فاتح، مطرزًا برموز بسيطة عند الياقة، عرّفه أحد الضباط بأنه كاهن من المعبد الإمبراطوري، جاء لمباركة الوحدات الجديدة قبل رحيلها.
“هذا الحزام صُنع لرجل أكبر مني بكثير،” قال وهو يشد الحلقة مرة أخرى.
لم يكمل الجملة، بل نظر إلى العربات من حوله وكأنها تكفي لتفسير ما يقصده.
“جرب الثقب الثاني،” قال دارِن دون أن يرفع نظره عن قطعة معدنية صغيرة كان يفحصها بين أصابعه، جزءًا من معداته الجديدة، يقلبها كأنه يقيّم جودة صنعها بعين حداد لا يمكنه أن يتوقف عن هذا رغم كل شيء.
“من أين لك هذا الخبرة في الأحزمة؟” سأله سيلِن ضاحكًا.
لم يفكر في الأمر أكثر من ذلك. كانت مجرد ملاحظة عابرة، شيء مألوف في مكان غير مألوف، ثم انتقل انتباهه بعيدًا حين رفع الكاهن صوته في ختام خطابه، داعيًا الجميع إلى العودة “بالنصر وبالحياة”، قبل أن يتراجع الضباط ليبدأوا بتنظيم الصفوف استعدادًا للرحيل.
في ساحة التحول، كان دارِن يواجه تحديًا مختلفًا. طلبت منه مدربته أن يجرب مع قطعة حديد صغيرة، أصعب بكثير من الخشب الذي بدأ به.
“من أب اعتاد أن يصنع أحزمة عمل لنفسه.” أجاب دارِن دون أن يبتسم، لكن نبرته حملت شيئًا من الدفء الهادئ الذي اعتاد أورِن سماعه منه.
“جرب هذا،” قال مارك في اليوم الثاني، وأخرج من جيبه سكينًا صغيرة بمقبض خشبي، ووضعها على الحجر أمام أورِن. “أثقل قليلًا مما تعوّدت عليه.”
استلم كل منهم أيضًا كمية من الطعام الجاف مغلفة بعناية، وأوراقًا رسمية صغيرة تحمل اسمه ورقم وحدته، تُطلب منهم حملها في جميع الأوقات.
لاحظ أورِن، بينما كان يستمع، أن بعض المجندين حوله يقفون بظهور مستقيمة، عيونهم لامعة بشيء يشبه الفخر، بينما وقف آخرون بصمت جامد، ينظرون إلى الأرض أكثر مما ينظرون إلى الكاهن. رأى أحد المجندين، شابًا صغير السن، يمسح دمعة بسرعة قبل أن يلاحظها أحد.
فكّر بدلًا من ذلك: إن كان عليّ أن أذهب، فسأحاول أن أبقى بعيدًا عن أخطر الأماكن قدر استطاعتي، وأن أؤدي ما يُطلب مني دون أن ألفت انتباهًا زائدًا. لم يكن هذا قرارًا بطوليًا، ولم يشعر بأنه كذلك؛ كان ببساطة الطريقة الوحيدة التي رآها لتقليل احتمال ألا يعود إلى مارِن على الإطلاق.
“احتفظ بها في مكان لا تفقده فيه،” قال الجندي المسؤول عن التوزيع. “إذا أُصبت، هذه الورقة هي ما يُعرّف بك.”
لم يعلّق أورِن على الجملة، لكنه وضع الورقة بعناية في الجيب نفسه الذي يحمل رسالة مارِن والقلادة القماشية، وكأنه يريد أن تبقى هذه الأشياء الثلاثة معًا مهما حدث.
بعد الظهر، جُمع المجندون في الساحة الرئيسية لآخر مرة قبل الرحيل، حيث انتظرهم رجل يرتدي رداءً طويلًا بلون رمادي فاتح، مطرزًا برموز بسيطة عند الياقة، عرّفه أحد الضباط بأنه كاهن من المعبد الإمبراطوري، جاء لمباركة الوحدات الجديدة قبل رحيلها.
أجاب المعلم العجوز بصبره المعتاد على بعض الأسئلة، ورفض التوسع في أخرى بجملة واحدة: “هذا خارج ما تحتاج معرفته الآن.” لكنه لاحظ، دون أن يعلّق، أن الأسئلة تكثر كلما اقترب موعد الرحيل.
وقف الكاهن أمامهم، رجل في الستينيات تقريبًا، بصوت هادئ لكنه يصل إلى أطراف الساحة بوضوح دون أن يحتاج إلى الصراخ.
مع اقتراب المساء، بدأت العربات تبطئ، ثم توقفت أخيرًا عند منطقة واسعة مليئة بالخيام والمنشآت المؤقتة، أكبر بكثير من المعسكر الذي غادروه، لكنها بدت أقل تنظيمًا بكثير، مليئة بالحركة الدائبة والصراخ والأوامر المتقاطعة.
“أنتم اليوم لستم مجرد أبناء لقرى ومدن،” بدأ. “أنتم دروع تحمي من هم خلفكم، آباءكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم، وكل من ينام الليلة في أمان بفضل من يقف على الحدود بدلًا منه.”
في صباح اليوم التالي لتعليق القوائم، بدا المعسكر مختلفًا رغم أن شيئًا لم يتغير في مظهره الخارجي. الخيام في مكانها، والساحات في مكانها، وأصوات الضباط ترتفع كما كانت دائمًا. لكن شيئًا في طريقة سير المجندين تغيّر، وكأن كل واحد منهم يحمل الآن رقمًا معلّقًا فوق رأسه، ثلاثة أيام لا أكثر، ثم رحيل إلى مكان لا يعرف عنه أحد سوى اسمه على الورق.
استمر يتحدث عن الإمبراطورية، عن الواجب الذي يقع على عاتق كل من يُدعى للدفاع عنها، عن الشرف في أن يكون المرء جزءًا من شيء أكبر من نفسه، وعن التضحية التي قد يقدمها البعض حتى يعود آخرون بأمان إلى بيوتهم.
بحلول نهاية اليوم الثاني، نجح أخيرًا في تغيير درجة صلابة سطح القطعة قليلًا، تغيرًا طفيفًا جدًا لا يلاحظه أحد غيره وغير مدربته، لكنه كان كافيًا ليشعر بشيء يشبه الرضا العميق الذي عرفه من قبل حين يرى معدنًا يستجيب لمطرقته أخيرًا.
“لن أعدكم أن الطريق سيكون سهلًا،” قال في مرحلة لاحقة من خطابه. “لكنني أعدكم أن ما تفعلونه له معنى، حتى في أحلك اللحظات.”
في البداية كانت الطرق مألوفة نوعًا ما، مزارع وقرى صغيرة تشبه قريته من بعيد، لكن مع تقدم الرحلة بدأت العلامات تتغير: عربات إمداد عسكرية أكثر كثافة على الطريق، نقاط حراسة مسلحة عند كل تقاطع مهم، مخازن كبيرة محاطة بأسوار خشبية مؤقتة.
لاحظ أورِن، بينما كان يستمع، أن بعض المجندين حوله يقفون بظهور مستقيمة، عيونهم لامعة بشيء يشبه الفخر، بينما وقف آخرون بصمت جامد، ينظرون إلى الأرض أكثر مما ينظرون إلى الكاهن. رأى أحد المجندين، شابًا صغير السن، يمسح دمعة بسرعة قبل أن يلاحظها أحد.
أما سيلِن، فقد استمر في تطوير قدرته على الربط بثبات ملحوظ. استطاع في اليومين الأخيرين أن يربط بين حجرين متباعدين بمسافة أكبر من ذي قبل، وأن يحافظ على الرابط لوقت أطول دون أن يتلاشى فجأة كما كان يحدث سابقًا.
“يبدو أنه يستمتع بصوته،” همس سيلِن لأورِن بصوت منخفض جدًا، محاولًا أن يخفف عن نفسه شيئًا من التوتر بابتسامة صغيرة.
لم يجب أورِن، لكنه لاحظ أن يد سيلِن كانت مشدودة على حافة قميصه أثناء الهمس، وأن ابتسامته لم تصل إلى عينيه.
أثناء الخطاب، لاحظ أورِن أن الكاهن يحمل بين يديه جهازًا صغيرًا، دائري الشكل، مصنوعًا من معدن باهت اللون تتخلله خطوط دقيقة منقوشة بعناية. لم يكن يبدو سلاحًا ولا أداة عملية، بل أقرب إلى قطعة زخرفية أو أداة طقسية يحمله الكاهن أثناء كلامه، يديره أحيانًا بين أصابعه دون أن يستخدمها لشيء واضح.
لم يقل أحد كلمة تجاه هذا المشهد أيضًا، لكن أورِن شعر بشيء يتحول في داخله، فرقًا واضحًا بين الحرب التي سمع عنها في القصص والحرب التي بدأت تتشكل أمام عينيه الآن، بتفاصيلها الصغيرة والمزعجة أكثر من أي وصف بطولي سمعه من قبل.
شعر أورِن بشيء غريب حين وقعت عيناه عليه، ليس خوفًا ولا فضولًا حادًا، بل إحساسًا بالألفة الغامضة، كأنه رأى شيئًا يشبهه من قبل في مكان آخر. حاول أن يتذكر أين، وبعد لحظة تذكّر معبد قريته الصغير، وذلك الجهاز المشابه الذي كان الكاهن العجوز هناك يستخدمه في طقوس معينة، مرة أو مرتين في السنة، دون أن يشرح أحد للأطفال الحاضرين ماهيته أو الغرض منه.
“إذن هذا هو المكان،” قال سيلِن بصوت خافت، وقد اختفت منه تمامًا نبرة المزاح المعتادة.
لم يفكر في الأمر أكثر من ذلك. كانت مجرد ملاحظة عابرة، شيء مألوف في مكان غير مألوف، ثم انتقل انتباهه بعيدًا حين رفع الكاهن صوته في ختام خطابه، داعيًا الجميع إلى العودة “بالنصر وبالحياة”، قبل أن يتراجع الضباط ليبدأوا بتنظيم الصفوف استعدادًا للرحيل.
بدأت العربات بالتجمع عند الطرف الشرقي من المعسكر، صفوفًا طويلة من العربات الخشبية المغطاة، تجرها خيول ضخمة تبدو معتادة على هذا النوع من الرحلات الطويلة.
كانت رائحة المكان مختلفة عن رائحة المعسكر السابق، مزيجًا من الدخان والمعدن والعرق، لا يشبه أي رائحة اعتاد عليها من قبل. سمع من بعيد أصوات لا يستطيع تحديد مصدرها بدقة، أشبه بانفجارات متقطعة، تتخللها أحيانًا ومضات ضوء خافتة تلمع فوق خط منخفض من التلال البعيدة.
“احتفظ بها في مكان لا تفقده فيه،” قال الجندي المسؤول عن التوزيع. “إذا أُصبت، هذه الورقة هي ما يُعرّف بك.”
وقف أورِن مع دارِن وسيلِن قرب إحدى العربات المخصصة لوحدتهم، ينتظرون الأمر بالصعود. بدا المكان مزدحمًا بالضجيج، أصوات أوامر متقاطعة، صرير عجلات، صهيل خيول، وحديث منخفض بين المجندين يحاولون إخفاء توترهم كل بطريقته.
“أنتم اليوم لستم مجرد أبناء لقرى ومدن،” بدأ. “أنتم دروع تحمي من هم خلفكم، آباءكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم، وكل من ينام الليلة في أمان بفضل من يقف على الحدود بدلًا منه.”
“أعترف أنني خائف،” قال سيلِن فجأة، بصوت أهدأ من أي وقت مضى، وكأنه انتظر لحظة ابتعاد بعض الضجيج عنهم ليقولها. “لم أكن أظن أن الأمر سينتهي بهذه السرعة. قبل أسابيع كنت في السوق أبيع الخضار، والآن…”
لم يشرح أكثر من ذلك، ولم يذكر تفاصيل عن كيفية استخدام هذه القدرات في مواقف حقيقية. اكتفى المجندون بهذا القدر من الفهم، بعضهم شعر بارتياح خفيف لأنه لن يكون في الصفوف الأمامية مباشرة، وبعضهم بدا قلقًا من الغموض الذي ما زال يحيط بما ينتظرهم فعلًا.
لم يكمل الجملة، بل نظر إلى العربات من حوله وكأنها تكفي لتفسير ما يقصده.
لم يعلّق أورِن على الجملة، لكنه وضع الورقة بعناية في الجيب نفسه الذي يحمل رسالة مارِن والقلادة القماشية، وكأنه يريد أن تبقى هذه الأشياء الثلاثة معًا مهما حدث.
“كلنا خائفون،” قال دارِن بهدوئه المعتاد، دون أن ينظر إليه مباشرة، وكأن الاعتراف بذلك كان كافيًا له دون الحاجة لمزيد من الكلام.
استيقظ أورِن قبل الجرس كعادته، وسار إلى ساحة السرقة وهو يشعر بشيء يشبه الاستعجال، رغم أنه لم يستطع تحديد سببه بدقة. ربما كان يريد أن يستفيد من كل دقيقة تبقت له قبل أن يُترك وحده مع ما تعلمه، دون مارك يصحح له أخطاءه.
استلم كل منهم أيضًا كمية من الطعام الجاف مغلفة بعناية، وأوراقًا رسمية صغيرة تحمل اسمه ورقم وحدته، تُطلب منهم حملها في جميع الأوقات.
لم يقل أورِن شيئًا في البداية، لكنه شعر بثقل الخوف نفسه يستقر في صدره، ليس خوفًا مجردًا من الموت وحده، بل شيئًا أكثر تحديدًا، صورة واضحة تتشكل في ذهنه كلما فكر في الأمر: مارِن وحدها في البيت، تنتظر رسالة قد لا تصله أبدًا، تدير حياتها دون أن تعرف ما حدث له بالضبط.
لم يجب أورِن، لكنه لاحظ أن يد سيلِن كانت مشدودة على حافة قميصه أثناء الهمس، وأن ابتسامته لم تصل إلى عينيه.
فكّر أنه لا يريد أن يموت، ليس لأنه يخشى الموت بمعناه المجرد، بل لأنه يعرف ما سيتركه خلفه إن حدث ذلك. تذكّر خبرًا سمعه قبل أشهر عن رجل من قرية مجاورة هرب من التجنيد أثناء الحرب، أُلقي القبض عليه بعد أيام قليلة، وأُعدم أمام وحدته كعبرة لغيره. لم يكن يفكر في الهروب فعليًا، لكن الفكرة مرّت في ذهنه بشكل عابر، مصحوبة فورًا بتذكّر تلك النهاية، وكأن عقله يغلق الباب على أي احتمال من هذا النوع بمجرد فتحه.
“كل شيء يهم. الوزن، والمادة، وحالتك أنت في تلك اللحظة.” أجاب مارك دون أن يتوسع أكثر، ثم أضاف بنبرة أقرب إلى الجدية من المعتاد: “لن تصبح خبيرًا خلال يومين. لكنك تعرف الآن الأساس بشكل جيد بما يكفي لتبني عليه لاحقًا. هذا كل ما أستطيع أن أعطيك إياه هنا.”
فكّر بدلًا من ذلك: إن كان عليّ أن أذهب، فسأحاول أن أبقى بعيدًا عن أخطر الأماكن قدر استطاعتي، وأن أؤدي ما يُطلب مني دون أن ألفت انتباهًا زائدًا. لم يكن هذا قرارًا بطوليًا، ولم يشعر بأنه كذلك؛ كان ببساطة الطريقة الوحيدة التي رآها لتقليل احتمال ألا يعود إلى مارِن على الإطلاق.
نودي عليهم بالصعود إلى العربة، فتحرك الثلاثة معًا، يجلسون على المقاعد الخشبية الصلبة داخلها، بجانب مجندين آخرين صامتين في أغلبهم.
لم يشرح أكثر من ذلك، ولم يذكر تفاصيل عن كيفية استخدام هذه القدرات في مواقف حقيقية. اكتفى المجندون بهذا القدر من الفهم، بعضهم شعر بارتياح خفيف لأنه لن يكون في الصفوف الأمامية مباشرة، وبعضهم بدا قلقًا من الغموض الذي ما زال يحيط بما ينتظرهم فعلًا.
استغرقت الرحلة يومًا كاملًا تقريبًا، تتوقف العربات بين الحين والآخر عند نقاط تفتيش أو محطات إمداد صغيرة على جانب الطريق. لاحظ أورِن، من خلال فتحة القماش المغطي للعربة، تغيرًا تدريجيًا في المشهد من حوله.
أجاب المعلم العجوز بصبره المعتاد على بعض الأسئلة، ورفض التوسع في أخرى بجملة واحدة: “هذا خارج ما تحتاج معرفته الآن.” لكنه لاحظ، دون أن يعلّق، أن الأسئلة تكثر كلما اقترب موعد الرحيل.
“ثلاثة أيام،” قال مارك حين وصل، وكأنه يقرأ أفكاره. “لن أعلّمكم شيئًا جديدًا كثيرًا في هذا الوقت. سنعمل على ما تعرفونه بالفعل، حتى يصبح أسرع وأدق.”
في البداية كانت الطرق مألوفة نوعًا ما، مزارع وقرى صغيرة تشبه قريته من بعيد، لكن مع تقدم الرحلة بدأت العلامات تتغير: عربات إمداد عسكرية أكثر كثافة على الطريق، نقاط حراسة مسلحة عند كل تقاطع مهم، مخازن كبيرة محاطة بأسوار خشبية مؤقتة.
وقف أورِن أخيرًا مع وحدته الجديدة، عند حافة منطقة مرتفعة قليلًا تطل على امتداد واسع من الأرض. رأى من هناك خطوط الجبهة البعيدة، دخانًا متصاعدًا في أكثر من نقطة على الأفق، وأصوات متقطعة تصل إليه محمولة على الريح، غير واضحة تمامًا لكنها كافية لتشعره بأن ما رآه حتى الآن ما زال أبعد بكثير عن الصورة الحقيقية لما ينتظره.
مرّت بجانبهم في أحد المقاطع عربة تسير في الاتجاه المعاكس، مغطاة بقماش أثقل من المعتاد، ولاحظ أورِن من خلالها أطرافًا لجثث ملفوفة بعناية. لم يعلّق أحد في العربة، لكنه رأى سيلِن يشيح بنظره بسرعة، ودارِن يواصل النظر مباشرة كأنه يجبر نفسه على ألا يتجنب المشهد.
استمر يتحدث عن الإمبراطورية، عن الواجب الذي يقع على عاتق كل من يُدعى للدفاع عنها، عن الشرف في أن يكون المرء جزءًا من شيء أكبر من نفسه، وعن التضحية التي قد يقدمها البعض حتى يعود آخرون بأمان إلى بيوتهم.
مرّوا أيضًا بجانب قرية صغيرة بدت أطراف بيوتها محترقة جزئيًا، سقوف مهدمة، وجدران سوداء من أثر النار، بينما وقف عدد قليل من السكان بجانب ما تبقى من ممتلكاتهم، ينتظرون عربة إمداد وعدهم أحدهم بالوصول قريبًا.
لم يقل أحد كلمة تجاه هذا المشهد أيضًا، لكن أورِن شعر بشيء يتحول في داخله، فرقًا واضحًا بين الحرب التي سمع عنها في القصص والحرب التي بدأت تتشكل أمام عينيه الآن، بتفاصيلها الصغيرة والمزعجة أكثر من أي وصف بطولي سمعه من قبل.
لاحظ أورِن، بينما كان يستمع، أن بعض المجندين حوله يقفون بظهور مستقيمة، عيونهم لامعة بشيء يشبه الفخر، بينما وقف آخرون بصمت جامد، ينظرون إلى الأرض أكثر مما ينظرون إلى الكاهن. رأى أحد المجندين، شابًا صغير السن، يمسح دمعة بسرعة قبل أن يلاحظها أحد.
جرّب دارِن مرارًا، يركّز على القطعة كما اعتاد، محاولًا أن يفهم بنيتها قبل أن يطلب منها أي تغيير. فشل في المرات الأولى، لكنه لم يبدُ منزعجًا كما كان يبدو بعض زملائه في الفشل؛ بل كان يراقب كل محاولة فاشلة وكأنها تعطيه معلومة جديدة عن طبيعة الحديد نفسه.
مع اقتراب المساء، بدأت العربات تبطئ، ثم توقفت أخيرًا عند منطقة واسعة مليئة بالخيام والمنشآت المؤقتة، أكبر بكثير من المعسكر الذي غادروه، لكنها بدت أقل تنظيمًا بكثير، مليئة بالحركة الدائبة والصراخ والأوامر المتقاطعة.
لم يكمل الجملة، بل نظر إلى العربات من حوله وكأنها تكفي لتفسير ما يقصده.
نزل أورِن من العربة، يشعر بتيبس في جسده من طول الجلوس، ووقف للحظة يستوعب المشهد من حوله.
“لن تنجح من أول مرة،” قالت له وهي تراقبه يمسك القطعة بين أصابعه. “الحديد يقاوم أكثر.”
كانت رائحة المكان مختلفة عن رائحة المعسكر السابق، مزيجًا من الدخان والمعدن والعرق، لا يشبه أي رائحة اعتاد عليها من قبل. سمع من بعيد أصوات لا يستطيع تحديد مصدرها بدقة، أشبه بانفجارات متقطعة، تتخللها أحيانًا ومضات ضوء خافتة تلمع فوق خط منخفض من التلال البعيدة.
“يبدو أنه يستمتع بصوته،” همس سيلِن لأورِن بصوت منخفض جدًا، محاولًا أن يخفف عن نفسه شيئًا من التوتر بابتسامة صغيرة.
“هذه لك،” قال الجندي وهو يضع أمامه سكينًا قصيرة في غمد جلدي. “للدفاع عن نفسك فقط، لا أكثر. لست جنديًا هجوميًا.”
مرّ بجانبه صف من الجنود المصابين، يمشي بعضهم بمساعدة رفاقهم، بينما يُحمل آخرون على نقالات خشبية بسيطة نحو خيمة كبيرة عليها علامة تشير إلى أنها مخصصة للمعالجة. لاحظ أورِن وجه أحد المصابين، شابًا في مثل سنه تقريبًا، عينيه نصف مغمضتين وشفتيه جافتين، دون أن يصدر صوتًا وهو يُحمل.
“إذن هذا هو المكان،” قال سيلِن بصوت خافت، وقد اختفت منه تمامًا نبرة المزاح المعتادة.
بعد الظهر، جُمع المجندون في الساحة الرئيسية لآخر مرة قبل الرحيل، حيث انتظرهم رجل يرتدي رداءً طويلًا بلون رمادي فاتح، مطرزًا برموز بسيطة عند الياقة، عرّفه أحد الضباط بأنه كاهن من المعبد الإمبراطوري، جاء لمباركة الوحدات الجديدة قبل رحيلها.
لم يعلّق دارِن، لكن عينيه تحركتا ببطء بين المشاهد المحيطة، وكأنه يحاول أن يستوعب حجم ما ينتظرهم.
كانت رائحة المكان مختلفة عن رائحة المعسكر السابق، مزيجًا من الدخان والمعدن والعرق، لا يشبه أي رائحة اعتاد عليها من قبل. سمع من بعيد أصوات لا يستطيع تحديد مصدرها بدقة، أشبه بانفجارات متقطعة، تتخللها أحيانًا ومضات ضوء خافتة تلمع فوق خط منخفض من التلال البعيدة.
نودي على وحداتهم بأسماء وأرقام مختلفة، فبدأ المجندون يتفرقون تدريجيًا، كل نحو نقطة تجمع مختلفة. سار أورِن مع مجموعة صغيرة من وحدته، تاركًا خلفه دارِن وسيلِن يتجهان نحو اتجاهين مختلفين، دون أن يتمكنوا حتى من توديع بعضهم بجملة كاملة، فقط نظرة سريعة ونظرة أخرى قبل أن يبتلعهم الزحام.
مرّوا أيضًا بجانب قرية صغيرة بدت أطراف بيوتها محترقة جزئيًا، سقوف مهدمة، وجدران سوداء من أثر النار، بينما وقف عدد قليل من السكان بجانب ما تبقى من ممتلكاتهم، ينتظرون عربة إمداد وعدهم أحدهم بالوصول قريبًا.
وقف أورِن أخيرًا مع وحدته الجديدة، عند حافة منطقة مرتفعة قليلًا تطل على امتداد واسع من الأرض. رأى من هناك خطوط الجبهة البعيدة، دخانًا متصاعدًا في أكثر من نقطة على الأفق، وأصوات متقطعة تصل إليه محمولة على الريح، غير واضحة تمامًا لكنها كافية لتشعره بأن ما رآه حتى الآن ما زال أبعد بكثير عن الصورة الحقيقية لما ينتظره.
لم يعلّق أورِن على الجملة، لكنه وضع الورقة بعناية في الجيب نفسه الذي يحمل رسالة مارِن والقلادة القماشية، وكأنه يريد أن تبقى هذه الأشياء الثلاثة معًا مهما حدث.
لم يشرح مارك أكثر من ذلك، ولم يذكر شيئًا عن حدود المسار أو إمكانياته الأبعد. بقي فهم أورِن لمساره كما كان منذ اليوم الأول: نقل شيء من مكان إلى آخر دون لمسه. لم يفكر في أن هذا التعريف قد يكون ناقصًا؛ كان مشغولًا بما يكفي بمحاولة إتقان ما يعرفه فعلًا.
مدّ يده دون وعي منه إلى الجيب الداخلي، حيث تستقر رسالة مارِن بجانب القلادة القماشية والورقة التي تحمل اسمه، وضغط عليها بأصابعه للحظة، كأنه يتأكد أنها ما زالت هناك.
مع اقتراب المساء، بدأت العربات تبطئ، ثم توقفت أخيرًا عند منطقة واسعة مليئة بالخيام والمنشآت المؤقتة، أكبر بكثير من المعسكر الذي غادروه، لكنها بدت أقل تنظيمًا بكثير، مليئة بالحركة الدائبة والصراخ والأوامر المتقاطعة.
لم يشعر بأي شيء يشبه الحماس الذي تحدث عنه الكاهن، ولا بذلك الشرف الذي وصفه في خطابه. شعر فقط بثقل صامت يستقر في صدره، وهو يقف هناك.
