شهر في الظل
لم ينم أورِن جيدًا تلك الليلة.
لم ينم أورِن جيدًا تلك الليلة.
بقي مستلقيًا في الظلام، يستمع إلى أصوات البيت المألوفة؛ صرير الخشب حين يبرد، نباح كلب بعيد، أنفاس مارِن الهادئة من الغرفة المجاورة. حاول أن يقنع نفسه أن ما حدث أمام متجر كورِن كان حادثة عابرة، شيئًا سيمر كما مرت أشياء كثيرة في هذه الحرب. لكن كلما أغلق عينيه، رأى الحارس يسأل عن اسمها.
«وجهك يذكّرني بأحد،» قال ببطء. «أنت من هذه القرية؟»
استيقظ مع أول ضوء، وجسده يحمل ذلك الثقل الذي يعرفه من ليالي الحراسة في الجبهة، حين ينام المرء دون أن ينام حقًا.
لم يكن يملك إجابة أكيدة، ولا وسيلة ليعرف. كل ما يملكه هو هذا القرار، هذا المبلغ الذي دفعه، وهذا الرجل الذي سيبقى في الظل قريبًا من بيته لأربعة أسابيع.
جلس على حافة السرير طويلًا، يفكر لا في الرجل نفسه، بل في نفسه هو. في الليلة الماضية تقدّم خطوتين ثم سقط على ركبتيه في التراب. لو كان الأمر معه وحده، لكان تقبّل ذلك، كما يتقبل المرء أي هزيمة. لكن الفكرة التي لم تفارقه كانت أبسط وأقسى من أي هزيمة شخصية: ماذا لو نظر ذلك الرجل إلى مارِن يومًا كما نظر إلى ابنة كورِن؟
«حرستُ بيته مرة، منذ سنوات طويلة،» قال أخيرًا. «رجل عجوز، صارم، لكنه دفع بسخاء ودون تأخير. أتذكر أن هناك صبيًا صغيرًا في البيت وقتها.» نظر إلى أورِن بابتسامة صغيرة. «أنت هو؟»
حاول أن يرتب الأمر في رأسه كما يرتب مهمة عسكرية. أربعة حراس رآهم بعينيه، وربما هناك آخرون لم يرهم. الرجل نفسه لا يبدو أنه يقاتل بيديه، لكنه لا يحتاج إلى ذلك، فحوله من يفعل ذلك بدلًا عنه. لا يعرف أورِن اسمه، ولا مصدر قوته، ولا القانون الذي يستند إليه حين يقول «إنها من حقي» بهذا الهدوء الذي يجعل الاعتراض نفسه يبدو غباءً في نظره.
هزّ الرجل رأسه، وكأن الأمر يبدو له طبيعيًا أكثر مما يستحق الدهشة. «كيف حاله؟ ما زال يملك ذلك الوجه الذي يبدو وكأنه يحكم على كل من يراه؟»
سأل نفسه: هل يستطيع مواجهة أربعة رجال؟ لا. ليس بمفرده، وليس بمهارته الحالية في مسار السرقة، الذي بالكاد يستطيع من خلاله تحريك سكين على طاولة أو كوب فارغ لخطوات قليلة. هل يستطيع أن يبقى بجانب مارِن كل ساعة من كل يوم؟ لا، فهو سيعود إلى الجبهة خلال أيام قليلة، وسيترك القرية خلفه كما ترك من قبل.
«ما زلتَ تفكر فيما حدث،» قالت أخيرًا، دون أن ترفع عينيها عن العجين.
كانت الفكرة، حين وصل إليها أخيرًا، بسيطة إلى حد أنها كادت أن تبدو تافهة: هو لا يملك القوة الكافية. لا يوجد ما يخجل منه في ذلك، ولا فائدة من إنكاره. السؤال الحقيقي لم يعد كيف يهزم رجلًا كهذا، بل كيف يجد من يستطيع الوقوف مكانه حين لا يكون هو موجودًا.
اتفقا على التفاصيل؛ أن يبقى الرجل قريبًا من بيت أورِن ومارِن دون أن يلفت الانتباه أكثر من اللازم، أن يراقب المكان خصوصًا في الليل، وأن يتدخل مباشرة إن حاول أحد الاقتراب من مارِن بالقوة. أعطاه أورِن وصفًا للبيت وموقعه، واتفقا على مكان وطريقة يمكنه بها الوصول إليه إن احتاج ذلك.
ابتسم رغمًا عنه. «لن أفعل.»
نزل إلى المطبخ فوجد مارِن قد استيقظت بالفعل، تعجن شيئًا على الطاولة، وشعرها لا يزال معقودًا بإهمال الصباح الباكر. لم تسأله عن الليلة الماضية مباشرة، لكنها راقبته وهو يجلس، بتلك النظرة التي تعرف بها متى يخفي عنها شيئًا.
كانت الفكرة، حين وصل إليها أخيرًا، بسيطة إلى حد أنها كادت أن تبدو تافهة: هو لا يملك القوة الكافية. لا يوجد ما يخجل منه في ذلك، ولا فائدة من إنكاره. السؤال الحقيقي لم يعد كيف يهزم رجلًا كهذا، بل كيف يجد من يستطيع الوقوف مكانه حين لا يكون هو موجودًا.
«ما زلتَ تفكر فيما حدث،» قالت أخيرًا، دون أن ترفع عينيها عن العجين.
«قليلًا.»
«أخبرتني ما يكفي البارحة. لن أسألك أكثر إن كنت لا تريد.» توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أهدأ: «فقط لا تفعل شيئًا أحمق بسببه.»
ابتسم رغمًا عنه. «لن أفعل.»
لم يكن يملك إجابة أكيدة، ولا وسيلة ليعرف. كل ما يملكه هو هذا القرار، هذا المبلغ الذي دفعه، وهذا الرجل الذي سيبقى في الظل قريبًا من بيته لأربعة أسابيع.
ابتسم رغمًا عنه. «لن أفعل.»
استيقظ مع أول ضوء، وجسده يحمل ذلك الثقل الذي يعرفه من ليالي الحراسة في الجبهة، حين ينام المرء دون أن ينام حقًا.
لم يخبرها بما كان يفكر فيه. لم يكن الوقت مناسبًا، ولم يكن متأكدًا بعد أن الفكرة التي تدور في رأسه ستتحول إلى شيء حقيقي. خرج بعد الفطور بحجة أنه سيمر على السوق، تاركًا مارِن تكمل عملها في المنزل.
لم ينم أورِن جيدًا تلك الليلة.
كان اسم الرجل قد عاد إليه أثناء الليل، من طبقة قديمة من الذاكرة لم يفكر فيها منذ سنوات.
«أخبرتني ما يكفي البارحة. لن أسألك أكثر إن كنت لا تريد.» توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أهدأ: «فقط لا تفعل شيئًا أحمق بسببه.»
خرج من النُزل والشمس قد ارتفعت قليلًا فوق سطوح القرية. مشى في الطريق نفسه الذي مشاه صباحًا، لكنه بدا له مختلفًا الآن، ليس لأن شيئًا فيه تغيّر، بل لأن نظرته هو تغيّرت.
تذكر أنه كان طفلًا، ربما في التاسعة أو العاشرة، حين مرّت القرية بفترة اضطراب بسبب نزاع على أرض بين عائلتين كبيرتين، وخشي جده لفترة أن يمتد الأمر إلى بيتهم. لم يفهم أورِن آنذاك تفاصيل النزاع، لكنه تذكر أن جده استقدم رجلًا من خارج القرية، مقاتلًا استأجره بالمال ليبقى قريبًا من البيت أسابيع قليلة، حتى هدأت الأمور. لم يكن الرجل صديقًا للجد، ولا شيئًا أكثر من عمل مأجور، لكن أورِن تذكر وجهه بشكل غامض؛ رجل عريض المنكبين، له ندبة على حاجبه، كان يجلس أحيانًا أمام البيت في المساء وهو يشحذ سكينًا طويلة.
«ما زلتَ تفكر فيما حدث،» قالت أخيرًا، دون أن ترفع عينيها عن العجين.
إذا كان جده قد فعل ذلك من قبل، فربما ما زال هذا الحل موجودًا. لم تكن فكرة عبقرية، بل تذكّرًا بسيطًا لحل استخدمه شخص آخر في وقت أصعب.
«ما زلتَ تفكر فيما حدث،» قالت أخيرًا، دون أن ترفع عينيها عن العجين.
كانت الفكرة، حين وصل إليها أخيرًا، بسيطة إلى حد أنها كادت أن تبدو تافهة: هو لا يملك القوة الكافية. لا يوجد ما يخجل منه في ذلك، ولا فائدة من إنكاره. السؤال الحقيقي لم يعد كيف يهزم رجلًا كهذا، بل كيف يجد من يستطيع الوقوف مكانه حين لا يكون هو موجودًا.
سأل في السوق عن مقاتلين يعملون بالأجرة، وأحد الباعة الذي يعرف كل من يمر بالقرية أشار إليه إلى نُزل صغير في الطرف الشمالي، بعيدًا عن حركة السوق الرئيسية، حيث يقيم أحيانًا رجال من هذا النوع بين مهمة وأخرى.
«لماذا أتيت؟» سأله الرجل بعد صمت قصير. «لا أظن أنك أتيت لتسأل عن أخبار جدك.»
كان النُزل مبنى منخفضًا من الحجر والخشب، هادئًا في هذا الوقت من الصباح، برائحة تبغ رخيص وحساء بارد. جلس رجل وحيد عند طاولة قرب النافذة، يشحذ نصل سكين طويلة بحركات بطيئة متكررة، وبجانبه سيف موضوع بعناية على الطاولة، لا يبعد عن يده أكثر من قبضة.
«وجهك يذكّرني بأحد،» قال ببطء. «أنت من هذه القرية؟»
لم يكن الرجل نفسه الذي تذكره أورِن من طفولته، لكن شيئًا في طريقة جلوسه، في يقظته الهادئة، ذكّره بذلك المقاتل القديم.
لم يكن الرجل نفسه الذي تذكره أورِن من طفولته، لكن شيئًا في طريقة جلوسه، في يقظته الهادئة، ذكّره بذلك المقاتل القديم.
حين اقترب من البيت، رأى مارِن قد خرجت لتنشر بعض الثياب على حبل ممدود بين عمودين خشبيين، شعرها يتطاير قليلًا مع الريح الخفيفة، وهي تدندن شيئًا لم يتبين كلماته. توقفت حين رأته، وابتسمت.
«هل أنت من يعمل حارسًا مأجورًا؟» سأله أورِن وهو يقترب.
«حرستُ بيته مرة، منذ سنوات طويلة،» قال أخيرًا. «رجل عجوز، صارم، لكنه دفع بسخاء ودون تأخير. أتذكر أن هناك صبيًا صغيرًا في البيت وقتها.» نظر إلى أورِن بابتسامة صغيرة. «أنت هو؟»
رفع الرجل عينيه إليه، وتأمله من الرأس حتى القدمين قبل أن يجيب. «هذا يعتمد على من يسأل، ولماذا.»
كان كلامه منطقيًا، ولم يكن لدى أورِن ما يرد به. جلس صامتًا لحظة، يفكر في المبلغ، وفي مارِن، وفي الحارس الذي سأل عن اسمها في الظلام.
لم يكن يملك إجابة أكيدة، ولا وسيلة ليعرف. كل ما يملكه هو هذا القرار، هذا المبلغ الذي دفعه، وهذا الرجل الذي سيبقى في الظل قريبًا من بيته لأربعة أسابيع.
جلس أورِن أمامه دون أن يُدعى، فابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، كمن يقدّر الجرأة أكثر مما يمانعها.
تحدث عن أسعاره بطريقة عملية، عن الفرق بين حراسة قافلة لأيام وحراسة شخص واحد لأسابيع، دون أن يبدو متعجرفًا، بل كرجل يعرف قيمة عمله ولا يرى داعيًا للتواضع بشأنه.
توقفت يد الرجل عن شحذ النصل للحظة. لم يكن في تعبيره حزن، بل شيء أقرب إلى الارتياح السريع الذي يمر ثم يختفي، كأن ذكرى قديمة أُغلقت أخيرًا.
«أعمل منذ أكثر من خمسة عشر عامًا،» قال الرجل، بنبرة من اعتاد أن يقدم نفسه لمن يريدون خدماته. «حرست قوافل تجار عبر طرق يخشاها أكثر الرجال، وحميت مسافرين من قطّاع طرق أكثر مما يمكنني عدّه. لست الأرخص في هذه المنطقة، لكنني لم أخسر من كان تحت حمايتي.»
تحدث عن أسعاره بطريقة عملية، عن الفرق بين حراسة قافلة لأيام وحراسة شخص واحد لأسابيع، دون أن يبدو متعجرفًا، بل كرجل يعرف قيمة عمله ولا يرى داعيًا للتواضع بشأنه.
نزل إلى المطبخ فوجد مارِن قد استيقظت بالفعل، تعجن شيئًا على الطاولة، وشعرها لا يزال معقودًا بإهمال الصباح الباكر. لم تسأله عن الليلة الماضية مباشرة، لكنها راقبته وهو يجلس، بتلك النظرة التي تعرف بها متى يخفي عنها شيئًا.
توقف فجأة في منتصف حديثه، وأمعن النظر في وجه أورِن مرة أخرى، بتركيز أكبر هذه المرة.
لم ينم أورِن جيدًا تلك الليلة.
فكّر في مارِن وهي تعجن في المطبخ صباح اليوم، غير مدركة لما فعله للتو، ولا لما اتفق عليه مع رجل غريب في نُزل بعيد. لم يكن يعرف إن كان سيخبرها بالأمر أصلًا، أو يتركها تكتشف وجود ذلك الحارس بنفسها إن احتاج الأمر ذلك يومًا.
«وجهك يذكّرني بأحد،» قال ببطء. «أنت من هذه القرية؟»
خرج من النُزل والشمس قد ارتفعت قليلًا فوق سطوح القرية. مشى في الطريق نفسه الذي مشاه صباحًا، لكنه بدا له مختلفًا الآن، ليس لأن شيئًا فيه تغيّر، بل لأن نظرته هو تغيّرت.
«وُلدتُ هنا.»
«وُلدتُ هنا.»
شهر واحد. كان يكرر الرقم في رأسه وهو يعود إلى البيت، وكأن تكراره يجعله يقينًا أكبر مما هو عليه في الحقيقة. ربما يكفي. ربما يرحل الرجل الغريب قبل أن ينتهي الشهر، وتعود القرية إلى ما كانت عليه. وربما لا.
«ابن من؟»
تغيّرت ملامح الرجل قليلًا. توقف عن التلاعب بالسكين، ووضعها جانبًا.
ذكر أورِن اسم جده، فرأى شيئًا يتحرك في عيني الرجل، ليس تذكرًا مباشرًا، بل نوعًا من التقصي الداخلي، كمن يقلّب صفحات قديمة.
تذكر أنه كان طفلًا، ربما في التاسعة أو العاشرة، حين مرّت القرية بفترة اضطراب بسبب نزاع على أرض بين عائلتين كبيرتين، وخشي جده لفترة أن يمتد الأمر إلى بيتهم. لم يفهم أورِن آنذاك تفاصيل النزاع، لكنه تذكر أن جده استقدم رجلًا من خارج القرية، مقاتلًا استأجره بالمال ليبقى قريبًا من البيت أسابيع قليلة، حتى هدأت الأمور. لم يكن الرجل صديقًا للجد، ولا شيئًا أكثر من عمل مأجور، لكن أورِن تذكر وجهه بشكل غامض؛ رجل عريض المنكبين، له ندبة على حاجبه، كان يجلس أحيانًا أمام البيت في المساء وهو يشحذ سكينًا طويلة.
«حرستُ بيته مرة، منذ سنوات طويلة،» قال أخيرًا. «رجل عجوز، صارم، لكنه دفع بسخاء ودون تأخير. أتذكر أن هناك صبيًا صغيرًا في البيت وقتها.» نظر إلى أورِن بابتسامة صغيرة. «أنت هو؟»
«على الأرجح.»
هزّ الرجل رأسه، وكأن الأمر يبدو له طبيعيًا أكثر مما يستحق الدهشة. «كيف حاله؟ ما زال يملك ذلك الوجه الذي يبدو وكأنه يحكم على كل من يراه؟»
«مات.»
ابتسم رغمًا عنه. «لن أفعل.»
توقفت يد الرجل عن شحذ النصل للحظة. لم يكن في تعبيره حزن، بل شيء أقرب إلى الارتياح السريع الذي يمر ثم يختفي، كأن ذكرى قديمة أُغلقت أخيرًا.
سأله الرجل عن السبب، فأجابه أورِن بصدق: لا يعرف إن كان ذلك الرجل سيبقى في القرية أصلًا. ربما جاء لأمر عابر وسيرحل قريبًا. ربما لن يعود أبدًا. شهر واحد يبدو تقديرًا معقولًا لما يستطيع أن يفعله الآن، بما يملكه من مال ومعلومات محدودة.
«مرضٌ ما، على ما أظن؟» سأل.
سأله الرجل عن السبب، فأجابه أورِن بصدق: لا يعرف إن كان ذلك الرجل سيبقى في القرية أصلًا. ربما جاء لأمر عابر وسيرحل قريبًا. ربما لن يعود أبدًا. شهر واحد يبدو تقديرًا معقولًا لما يستطيع أن يفعله الآن، بما يملكه من مال ومعلومات محدودة.
«نعم. لم يجدوا له علاجًا.»
«يحدث ذلك كثيرًا في هذا العمر.» عاد إلى شحذ السكين بحركة بطيئة، وكأن الخبر لم يكن أكثر من معلومة يضيفها إلى قائمة طويلة من أخبار مشابهة سمعها عن رجال عرفهم يومًا ثم لم يرهم مرة أخرى.
«من؟»
«لماذا أتيت؟» سأله الرجل بعد صمت قصير. «لا أظن أنك أتيت لتسأل عن أخبار جدك.»
سأله الرجل عن السبب، فشرح له أورِن، بجمل مقتضبة، ما حدث في الأيام الماضية؛ رجل غريب عن القرية، فاخر الملابس، معه حراس، أخذ صاحب حانة، وأخذ فتاة كانت تبيع الزهور، ثم أخذ ابنة رجل يعرفه أورِن أمام عينيه، ولم يستطع أحد إيقافه.
«أريد أن أستأجرك.»
«وجهك يذكّرني بأحد،» قال ببطء. «أنت من هذه القرية؟»
رفع الرجل حاجبه. «لحراسة ماذا؟»
«شخص.»
«شخص.»
«حرستُ بيته مرة، منذ سنوات طويلة،» قال أخيرًا. «رجل عجوز، صارم، لكنه دفع بسخاء ودون تأخير. أتذكر أن هناك صبيًا صغيرًا في البيت وقتها.» نظر إلى أورِن بابتسامة صغيرة. «أنت هو؟»
«من؟»
كان اسم الرجل قد عاد إليه أثناء الليل، من طبقة قديمة من الذاكرة لم يفكر فيها منذ سنوات.
«أختي.»
«مرضٌ ما، على ما أظن؟» سأل.
«هل أنت من يعمل حارسًا مأجورًا؟» سأله أورِن وهو يقترب.
سأله الرجل عن السبب، فشرح له أورِن، بجمل مقتضبة، ما حدث في الأيام الماضية؛ رجل غريب عن القرية، فاخر الملابس، معه حراس، أخذ صاحب حانة، وأخذ فتاة كانت تبيع الزهور، ثم أخذ ابنة رجل يعرفه أورِن أمام عينيه، ولم يستطع أحد إيقافه.
قال أورن ما رآه: رجل يأخذ من يشاء، وحوله من يمنع الآخرين من الاعتراض.
ذكر رقمًا جعل أورِن يصمت للحظة، يحسب في رأسه ما يملكه من مال جمعه من أجره في الجيش وما ادّخره قبل ذلك. كان المبلغ كبيرًا، أكبر مما توقع، وكان يعني أن عليه أن يتخلى عن جزء كبير مما يملك.
«كم حارسًا معه؟» سأل الرجل، بجدية أكبر مما كانت عليه في بداية الحديث.
«أربعة، على الأقل. ربما هناك آخرون لم أرهم.»
تغيّرت ملامح الرجل قليلًا. توقف عن التلاعب بالسكين، ووضعها جانبًا.
«أربعة، على الأقل. ربما هناك آخرون لم أرهم.»
«هذا ليس حراسة من لصوص عابرين،» قال. «إن كان رجلًا بهذا النفوذ، بهذا العدد من الحراس، وبهذه الجرأة على أخذ الناس أمام قرية كاملة دون أن يعترض أحد… فهو ليس شخصًا عاديًا. هذا النوع من العمل يستحق أجرًا مختلفًا.»
جلس على حافة السرير طويلًا، يفكر لا في الرجل نفسه، بل في نفسه هو. في الليلة الماضية تقدّم خطوتين ثم سقط على ركبتيه في التراب. لو كان الأمر معه وحده، لكان تقبّل ذلك، كما يتقبل المرء أي هزيمة. لكن الفكرة التي لم تفارقه كانت أبسط وأقسى من أي هزيمة شخصية: ماذا لو نظر ذلك الرجل إلى مارِن يومًا كما نظر إلى ابنة كورِن؟
ذكر رقمًا جعل أورِن يصمت للحظة، يحسب في رأسه ما يملكه من مال جمعه من أجره في الجيش وما ادّخره قبل ذلك. كان المبلغ كبيرًا، أكبر مما توقع، وكان يعني أن عليه أن يتخلى عن جزء كبير مما يملك.
كانت الفكرة، حين وصل إليها أخيرًا، بسيطة إلى حد أنها كادت أن تبدو تافهة: هو لا يملك القوة الكافية. لا يوجد ما يخجل منه في ذلك، ولا فائدة من إنكاره. السؤال الحقيقي لم يعد كيف يهزم رجلًا كهذا، بل كيف يجد من يستطيع الوقوف مكانه حين لا يكون هو موجودًا.
حاول أن يفاوضه، أن يقلل المبلغ، أو يقلل مدة الحراسة مقابل سعر أفضل. أصغى الرجل إليه بصبر، ثم قال ببساطة:
«يمكنني أن أنزل قليلًا عن سعري. لكن افهم أمرًا: حماية أخت من رجل مجهول القوة، لا يعرف أحد حدود ما يستطيع فعله أو من يقف خلفه، مخاطرة أكبر من حراسة قافلة من التجار من قطّاع طرق معروفين. أنت تطلب مني أن أضع نفسي في مواجهة محتملة مع شيء لا أعرف حجمه أنا أيضًا.»
«هل أنت من يعمل حارسًا مأجورًا؟» سأله أورِن وهو يقترب.
كان كلامه منطقيًا، ولم يكن لدى أورِن ما يرد به. جلس صامتًا لحظة، يفكر في المبلغ، وفي مارِن، وفي الحارس الذي سأل عن اسمها في الظلام.
«شخص.»
«لمدة شهر،» قال أخيرًا. «هذا كل ما يمكنني تحمّله الآن.»
«لمدة شهر،» قال أخيرًا. «هذا كل ما يمكنني تحمّله الآن.»
وسأله أورن عن اسمه , فرد عليه اسمي >>المقاتل هيلدن <<.
سأله الرجل عن السبب، فأجابه أورِن بصدق: لا يعرف إن كان ذلك الرجل سيبقى في القرية أصلًا. ربما جاء لأمر عابر وسيرحل قريبًا. ربما لن يعود أبدًا. شهر واحد يبدو تقديرًا معقولًا لما يستطيع أن يفعله الآن، بما يملكه من مال ومعلومات محدودة.
فكّر الرجل لحظة، ثم وافق.
«كم حارسًا معه؟» سأل الرجل، بجدية أكبر مما كانت عليه في بداية الحديث.
اتفقا على التفاصيل؛ أن يبقى الرجل قريبًا من بيت أورِن ومارِن دون أن يلفت الانتباه أكثر من اللازم، أن يراقب المكان خصوصًا في الليل، وأن يتدخل مباشرة إن حاول أحد الاقتراب من مارِن بالقوة. أعطاه أورِن وصفًا للبيت وموقعه، واتفقا على مكان وطريقة يمكنه بها الوصول إليه إن احتاج ذلك.
نظرت إليه لحظة، وكأنها تريد أن تسأله أكثر، لكنها لم تفعل. عادت إلى تعليق الثياب، وهو وقف بجانبها يساعدها بصمت، يراقب يديها وهي تعمل بحركات مألوفة، ويستمع إلى صوت الريح في القماش، ويحاول أن يقنع نفسه أن ما فعله اليوم كان كافيًا، ولو لم يكن متأكدًا من ذلك حقًا.
«نعم. لم يجدوا له علاجًا.»
دفع أورِن المبلغ كامل . شعر بثقل المال وهو يخرجه من الكيس الذي كان يحمله، ذلك الادخار الذي جمعه لأشياء أخرى، لأشياء كان يظن أنها ستكون أولوياته حين تنتهي الحرب. لم يتردد طويلًا، لكنه شعر بالفراغ الذي تركه المبلغ في يده وهو يسلّمه.
تذكر أنه كان طفلًا، ربما في التاسعة أو العاشرة، حين مرّت القرية بفترة اضطراب بسبب نزاع على أرض بين عائلتين كبيرتين، وخشي جده لفترة أن يمتد الأمر إلى بيتهم. لم يفهم أورِن آنذاك تفاصيل النزاع، لكنه تذكر أن جده استقدم رجلًا من خارج القرية، مقاتلًا استأجره بالمال ليبقى قريبًا من البيت أسابيع قليلة، حتى هدأت الأمور. لم يكن الرجل صديقًا للجد، ولا شيئًا أكثر من عمل مأجور، لكن أورِن تذكر وجهه بشكل غامض؛ رجل عريض المنكبين، له ندبة على حاجبه، كان يجلس أحيانًا أمام البيت في المساء وهو يشحذ سكينًا طويلة.
وسأله أورن عن اسمه , فرد عليه اسمي >>المقاتل هيلدن <<.
كانت الفكرة، حين وصل إليها أخيرًا، بسيطة إلى حد أنها كادت أن تبدو تافهة: هو لا يملك القوة الكافية. لا يوجد ما يخجل منه في ذلك، ولا فائدة من إنكاره. السؤال الحقيقي لم يعد كيف يهزم رجلًا كهذا، بل كيف يجد من يستطيع الوقوف مكانه حين لا يكون هو موجودًا.
خرج من النُزل والشمس قد ارتفعت قليلًا فوق سطوح القرية. مشى في الطريق نفسه الذي مشاه صباحًا، لكنه بدا له مختلفًا الآن، ليس لأن شيئًا فيه تغيّر، بل لأن نظرته هو تغيّرت.
إذا كان جده قد فعل ذلك من قبل، فربما ما زال هذا الحل موجودًا. لم تكن فكرة عبقرية، بل تذكّرًا بسيطًا لحل استخدمه شخص آخر في وقت أصعب.
«أختي.»
مرّ بالسوق فرأى النساء يفصلن على أثمان الخضار، وطفلين يتراكضان بين الأكشاك يحملان قطعة خبز واحدة يتقاسمانها، وصاحب متجر الحبوب يزن كيسًا لزبون معتاد. كل شيء طبيعي، مألوف، كما كان دائمًا. لكنه عرف الآن أن هذا الهدوء ليس أمانًا حقيقيًا، بل مجرد سطح هادئ فوق شيء لا يفهمه.
«أخبرتني ما يكفي البارحة. لن أسألك أكثر إن كنت لا تريد.» توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أهدأ: «فقط لا تفعل شيئًا أحمق بسببه.»
سأله الرجل عن السبب، فأجابه أورِن بصدق: لا يعرف إن كان ذلك الرجل سيبقى في القرية أصلًا. ربما جاء لأمر عابر وسيرحل قريبًا. ربما لن يعود أبدًا. شهر واحد يبدو تقديرًا معقولًا لما يستطيع أن يفعله الآن، بما يملكه من مال ومعلومات محدودة.
فكّر في مارِن وهي تعجن في المطبخ صباح اليوم، غير مدركة لما فعله للتو، ولا لما اتفق عليه مع رجل غريب في نُزل بعيد. لم يكن يعرف إن كان سيخبرها بالأمر أصلًا، أو يتركها تكتشف وجود ذلك الحارس بنفسها إن احتاج الأمر ذلك يومًا.
«هل أنت من يعمل حارسًا مأجورًا؟» سأله أورِن وهو يقترب.
شهر واحد. كان يكرر الرقم في رأسه وهو يعود إلى البيت، وكأن تكراره يجعله يقينًا أكبر مما هو عليه في الحقيقة. ربما يكفي. ربما يرحل الرجل الغريب قبل أن ينتهي الشهر، وتعود القرية إلى ما كانت عليه. وربما لا.
حين اقترب من البيت، رأى مارِن قد خرجت لتنشر بعض الثياب على حبل ممدود بين عمودين خشبيين، شعرها يتطاير قليلًا مع الريح الخفيفة، وهي تدندن شيئًا لم يتبين كلماته. توقفت حين رأته، وابتسمت.
اتفقا على التفاصيل؛ أن يبقى الرجل قريبًا من بيت أورِن ومارِن دون أن يلفت الانتباه أكثر من اللازم، أن يراقب المكان خصوصًا في الليل، وأن يتدخل مباشرة إن حاول أحد الاقتراب من مارِن بالقوة. أعطاه أورِن وصفًا للبيت وموقعه، واتفقا على مكان وطريقة يمكنه بها الوصول إليه إن احتاج ذلك.
لم يكن يملك إجابة أكيدة، ولا وسيلة ليعرف. كل ما يملكه هو هذا القرار، هذا المبلغ الذي دفعه، وهذا الرجل الذي سيبقى في الظل قريبًا من بيته لأربعة أسابيع.
«لماذا أتيت؟» سأله الرجل بعد صمت قصير. «لا أظن أنك أتيت لتسأل عن أخبار جدك.»
حين اقترب من البيت، رأى مارِن قد خرجت لتنشر بعض الثياب على حبل ممدود بين عمودين خشبيين، شعرها يتطاير قليلًا مع الريح الخفيفة، وهي تدندن شيئًا لم يتبين كلماته. توقفت حين رأته، وابتسمت.
«أين كنت طوال الصباح؟»
مرّ بالسوق فرأى النساء يفصلن على أثمان الخضار، وطفلين يتراكضان بين الأكشاك يحملان قطعة خبز واحدة يتقاسمانها، وصاحب متجر الحبوب يزن كيسًا لزبون معتاد. كل شيء طبيعي، مألوف، كما كان دائمًا. لكنه عرف الآن أن هذا الهدوء ليس أمانًا حقيقيًا، بل مجرد سطح هادئ فوق شيء لا يفهمه.
«أين كنت طوال الصباح؟»
«أمشي،» قال، وهو يقترب منها. «أفكر.»
دفع أورِن المبلغ كامل . شعر بثقل المال وهو يخرجه من الكيس الذي كان يحمله، ذلك الادخار الذي جمعه لأشياء أخرى، لأشياء كان يظن أنها ستكون أولوياته حين تنتهي الحرب. لم يتردد طويلًا، لكنه شعر بالفراغ الذي تركه المبلغ في يده وهو يسلّمه.
نظرت إليه لحظة، وكأنها تريد أن تسأله أكثر، لكنها لم تفعل. عادت إلى تعليق الثياب، وهو وقف بجانبها يساعدها بصمت، يراقب يديها وهي تعمل بحركات مألوفة، ويستمع إلى صوت الريح في القماش، ويحاول أن يقنع نفسه أن ما فعله اليوم كان كافيًا، ولو لم يكن متأكدًا من ذلك حقًا.
كان اسم الرجل قد عاد إليه أثناء الليل، من طبقة قديمة من الذاكرة لم يفكر فيها منذ سنوات.
