بريد متأخر
كان الصباح باردًا بطريقة لا تشبه برد الأيام العادية، برد يتسلل إلى العظام أكثر مما يلامس الجلد.
استيقظ أورِن قبل نداء الاستيقاظ بقليل، كما بدأ يفعل في الأيام الأخيرة، دون أن يعرف السبب بالضبط. جلس على حافة سريره للحظة، نظر إلى السرير المجاور، لا يزال مطويًا كما تركه صاحبه منذ أسبوع، ثم نهض وارتدى ملابسه بحركات معتادة لا تحتاج إلى تفكير.
أومأ أورِن، ولم يقل شيئًا آخر. مشى بعيدًا، والسؤال نفسه لا يزال معلقًا في ذهنه دون إجابة.
لم يكمل أي منهما الحديث. لم تكن هناك حاجة لذلك. جلسا صامتين حتى نودي عليهما للعودة إلى التدريب.
في الخارج، كان المخيم يتحرك ببطء أكبر من المعتاد. جنود يمشون نحو نقطة التجمع، يحملون معداتهم، بعضهم يتحدث بصوت منخفض، وبعضهم لا يتحدث إطلاقًا. لم يكن الحزن موحدًا بينهم. رأى أورِن جنديًا شابًا يطوي رسالة صغيرة ويضعها في جيبه بعناية، كأنها الشيء الوحيد الذي يملكه. رأى آخر يقف عند لوحة أعلن عليها أسماء المفقودين، يقرأ القائمة للمرة الثالثة أو الرابعة، ثم يبتعد دون أن يقول شيئًا. سمع ضحكة قصيرة من مجموعة جنود يتشاركون الفطور، ثم صمتًا مفاجئًا حين تذكر أحدهم شيئًا لم يقله.
“لا بأس،” قال أورِن، وابتعد.
كان هناك جندي يُدعى “كالم”، عرفه أورِن سطحيًا من التدريبات المشتركة، فقد وحدته بأكملها تقريبًا في الهجوم الأخير. كان يتحرك الآن كأن شيئًا في داخله قد أُطفئ، ينفذ الأوامر بدقة آلية، لا يخطئ، لكنه أيضًا لا يبدي أي تعبير. وعلى النقيض منه، كان هناك جندي آخر أكبر سنًا، خاض حروبًا كثيرة من قبل، يتحرك بنفس الهدوء الذي كان عليه قبل المعركة، وكأن جسده تعلم منذ زمن طويل كيف يحمل الفقد دون أن يتوقف.
بدأ يفكر في الأمر أكثر مما كان يريد. لم يكن نوعًا من الذعر. كان أورِن شخصًا عمليًا، ولا يميل إلى القفز نحو أسوأ الاحتمالات دون سبب واضح. حاول أن يجد تفسيرات منطقية.
لم يشعر أورِن بأنه استثناء وسط كل هذا. كان جزءًا منه.
كان يعرف أن هناك احتمالات كثيرة، معظمها لا يحمل أي خطر حقيقي. لكن معرفة ذلك لم تمنع شعورًا صغيرًا، ثابتًا، من الاستقرار في مكان ما داخله، شعورًا لا يستطيع تسميته بوضوح، لكنه يشبه انتظارًا لم يعد بريئًا كما كان في البداية.
مرّ بجانب المكان الذي كان يقف فيه سيلِن أثناء تجمعات الصباح، يتحدث عن شيء لا يستحق الحديث، فقط ليملأ الوقت قبل بدء اليوم. كان المكان فارغًا الآن، لا شيء يشغله سوى الهواء البارد. لم يتوقف أورِن عنده. مشى، والتحق بصفه.
بدأ التدريب في وقته المعتاد.
لكن هناك فكرة أخرى كانت تظهر أحيانًا، سريعة، مثل ظل يمر أمام عينيه ثم يختفي. فكرة لم يكن يريد أن يمنحها وقتًا. كان يطردها بمجرد ظهورها، ويعود إلى عمله، إلى تدريبه، إلى صندوق أو أداة يحتاج إلى نقلها.
كان المدرب يقف أمام الصف، صوته حادًا كعادته، دون أن يبدي أي اهتمام بما مرّ به الجنود في الأيام الماضية. الحرب لا تنتظر أحدًا ليشفى.
“تشكيل الدفاع الثالث. تنفيذ.”
“لا بأس،” قال أورِن، وابتعد.
تحرك الجنود، كل بحسب موقعه. أورِن مدّ أورِن يده نحو كيس رملي واحد، أغمض عينيه بتركيز، وشعر بثقله يقل قليلاً وهو يجره ببطء على التراب نحو الموقع المحدد. لم يكن هناك شيء جديد في الحركة. كان يعرفها منذ أشهر. لكنها بدت الآن أكثر آلية، أكثر دقة، وكأن جسده وجد فيها ملاذًا من التفكير في أي شيء آخر.
كان هناك جندي يُدعى “كالم”، عرفه أورِن سطحيًا من التدريبات المشتركة، فقد وحدته بأكملها تقريبًا في الهجوم الأخير. كان يتحرك الآن كأن شيئًا في داخله قد أُطفئ، ينفذ الأوامر بدقة آلية، لا يخطئ، لكنه أيضًا لا يبدي أي تعبير. وعلى النقيض منه، كان هناك جندي آخر أكبر سنًا، خاض حروبًا كثيرة من قبل، يتحرك بنفس الهدوء الذي كان عليه قبل المعركة، وكأن جسده تعلم منذ زمن طويل كيف يحمل الفقد دون أن يتوقف.
بجانبه، كان دارِن يعمل على تحصين نقطة دفاع مؤقتة، يضع يده على قطعة معدنية ويغيّر صلابتها حتى تتحمل الضغط المطلوب. لم يكن يخطئ، لكنه أيضًا لم يكن يتحدث. في الأيام السابقة لهذا الأسبوع، كان التدريب يمتلئ بأصوات متبادلة، أسئلة عن التقنية الأفضل، تعليقات عابرة، أحيانًا مزاح خفيف بين الجنود. الآن كان كل شيء صامتًا إلا من الأوامر وأصوات المعدات.
مرّت الساعات. تمرين تلو تمرين. أمر، تنفيذ، تصحيح، إعادة.
قرر أن يكتب رسالة ثانية.
في استراحة قصيرة بين تمرينين، جلس أورِن على صندوق خشبي، يشرب الماء ببطء. جلس دارِن على مسافة قريبة، يمسح العرق عن جبينه.
لاحظ أورِن أن بعض الجنود بدأوا يتحسنون رغم كل شيء، كأن التركيز على التدريب كان طريقة للهروب من التفكير. جندي كان بطيئًا في السابق أصبح أسرع في استجابته، وكأنه يريد ألا يترك لعقله فرصة للتوقف. آخرون كانوا يرتكبون أخطاء لم يعتادوا عليها، ينسون خطوة، يتأخرون في التنفيذ، أعينهم شاردة في لحظات لا يجب أن تشرد فيها. صرخ المدرب على أحدهم لتأخره، فاعتذر الجندي بصوت خافت، دون أن يبدو عليه أنه سمع الصراخ حقًا.
بحلول اليوم التاسع أو العاشر، توقف أورِن عن محاولة إيجاد تفسير جديد كل يوم. لم يعد يذهب إلى البريد بنفس التكرار، لكنه لم يتوقف تمامًا أيضًا. كان يمر عليه مرة كل يوم أو يومين، يسأل السؤال نفسه، ويحصل على الإجابة نفسها.
لاحظ أورِن أن بعض الجنود بدأوا يتحسنون رغم كل شيء، كأن التركيز على التدريب كان طريقة للهروب من التفكير. جندي كان بطيئًا في السابق أصبح أسرع في استجابته، وكأنه يريد ألا يترك لعقله فرصة للتوقف. آخرون كانوا يرتكبون أخطاء لم يعتادوا عليها، ينسون خطوة، يتأخرون في التنفيذ، أعينهم شاردة في لحظات لا يجب أن تشرد فيها. صرخ المدرب على أحدهم لتأخره، فاعتذر الجندي بصوت خافت، دون أن يبدو عليه أنه سمع الصراخ حقًا.
في استراحة قصيرة بين تمرينين، جلس أورِن على صندوق خشبي، يشرب الماء ببطء. جلس دارِن على مسافة قريبة، يمسح العرق عن جبينه.
جلس في المساء، حمل ورقة وقلمًا، وبدأ الكتابة دون أن يفكر طويلًا في الصياغة.
لم يكن الموظف يخفي شيئًا. كان رجلاً متعبًا يؤدي عمله، يبحث بين الرسائل بصدق، ويعتذر بنبرة معتادة عن التأخير. لم يكن هناك شيء غامض في الأمر. لكن الغياب نفسه، المستمر، البسيط، بدأ يثقل على أورِن بطريقة لم يعتد عليها.
“يداي تتعبان أسرع من المعتاد،” قال دارِن، دون أن ينظر إلى أورِن.
استمر غياب رسالة مارِن.
بدأ يفكر في الأمر أكثر مما كان يريد. لم يكن نوعًا من الذعر. كان أورِن شخصًا عمليًا، ولا يميل إلى القفز نحو أسوأ الاحتمالات دون سبب واضح. حاول أن يجد تفسيرات منطقية.
“ربما لأننا لم نأخذ راحة كافية،” أجاب أورِن.
وقف الضابط المسؤول أمامهم، صوته واضحًا كعادته، لا يحمل أي مقدمات.
بدأت العربات تتحرك واحدة تلو الأخرى، تحمل الجنود والمعدات نحو الجبهة من جديد. صعد أورِن إلى إحداها، جلس بجانب دارِن، ونظر إلى المخيم وهو يبتعد خلفهما، إلى الخيام التي تتقلص شيئًا فشيئًا في الأفق.
لم يكمل أي منهما الحديث. لم تكن هناك حاجة لذلك. جلسا صامتين حتى نودي عليهما للعودة إلى التدريب.
“ربما لأننا لم نأخذ راحة كافية،” أجاب أورِن.
بعد انتهاء تمارين ذلك اليوم توجه أورِن نحو خيمة البريد عند طرف المخيم.
كانت الخيمة دائماً تضم ذلك الصندوق المعدني الغريب الثقيل القادم من العاصمة، المنقوش برموز لا يفهمها الجنود العاديون، والذي كان موظفو البريد يحرصون على إغلاقه بقفل ثقيل ومراقبة شمع أختامه. لم يكن أورِن يعلم كيف تعمل تلك التحف العسكرية أو كيف يُنقل البريد بين المحطات المركزية بهذه السرعة الخرافية، لكنه كان يعلم النتيجة فقط: الرسالة تصل إلى أخته وتعود بالرد خلال ثلاثة أيام أو أربعة على الأكثر، طالما أن البريد الإمبراطوري يعمل.
لم يكن الموظف يخفي شيئًا. كان رجلاً متعبًا يؤدي عمله، يبحث بين الرسائل بصدق، ويعتذر بنبرة معتادة عن التأخير. لم يكن هناك شيء غامض في الأمر. لكن الغياب نفسه، المستمر، البسيط، بدأ يثقل على أورِن بطريقة لم يعتد عليها.
لم يكن الموظف يخفي شيئًا. كان رجلاً متعبًا يؤدي عمله، يبحث بين الرسائل بصدق، ويعتذر بنبرة معتادة عن التأخير. لم يكن هناك شيء غامض في الأمر. لكن الغياب نفسه، المستمر، البسيط، بدأ يثقل على أورِن بطريقة لم يعتد عليها.
دخل الخيمة، ورأى الموظف يرفع إحدى الحقائب الجلدية الصغيرة من بجانب الصندوق.
مرّت الساعات. تمرين تلو تمرين. أمر، تنفيذ، تصحيح، إعادة.
كانت الخيمة دائماً تضم ذلك الصندوق المعدني الغريب الثقيل القادم من العاصمة، المنقوش برموز لا يفهمها الجنود العاديون، والذي كان موظفو البريد يحرصون على إغلاقه بقفل ثقيل ومراقبة شمع أختامه. لم يكن أورِن يعلم كيف تعمل تلك التحف العسكرية أو كيف يُنقل البريد بين المحطات المركزية بهذه السرعة الخرافية، لكنه كان يعلم النتيجة فقط: الرسالة تصل إلى أخته وتعود بالرد خلال ثلاثة أيام أو أربعة على الأكثر، طالما أن البريد الإمبراطوري يعمل.
“هل وصلت رسالة باسم أورِن؟” سأل.
في نهاية الأسبوع الثاني، جُمع الجنود صباحًا عند نقطة التجمع الرئيسية.
بحث الرجل بين الرسائل القليلة المعروضة بحركة روتينية، ثم هز رأسه: “لا شيء اليوم.”
“لا بأس،” قال أورِن، وابتعد.
“تشكيل الدفاع الثالث. تنفيذ.”
حاول ألا يفكر في الأمر. ثلاثة أيام هي الموعد المعتاد، وتأخر البريد ليوم إضافي قد يحدث لألف سبب روتيني في المعسكرات.
في اليوم الرابع، ذهب مباشرة بعد انتهاء التدريب، دون أن ينتظر حتى يستريح.
مرت ثلاثة أيام أخرى.
تحرك الجنود، كل بحسب موقعه. أورِن مدّ أورِن يده نحو كيس رملي واحد، أغمض عينيه بتركيز، وشعر بثقله يقل قليلاً وهو يجره ببطء على التراب نحو الموقع المحدد. لم يكن هناك شيء جديد في الحركة. كان يعرفها منذ أشهر. لكنها بدت الآن أكثر آلية، أكثر دقة، وكأن جسده وجد فيها ملاذًا من التفكير في أي شيء آخر.
استمر التدريب بإيقاعه نفسه. أورِن يؤدي تمارينه بدقة، دارِن يعمل بصمت، والمخيم يحاول أن يجد شكلًا جديدًا لحياته اليومية وسط ما تبقى من أثر المعركة. بعض الجنود بدأوا يتحدثون أكثر، يتشاركون الطعام، حتى إن أحدهم ضحك ضحكة كاملة لأول مرة منذ أيام، فابتسم من حوله ابتسامات خجولة، كأنهم يستأذنون أنفسهم في العودة إلى الحياة.
في اليوم الرابع، ذهب مباشرة بعد انتهاء التدريب، دون أن ينتظر حتى يستريح.
لكن أورِن لاحظ أن شيئًا في ذهنه بدأ يتحرك كل مساء نحو خيمة البريد، حتى في الأيام التي لم يخطط فيها للذهاب. كان يتذكر الأمر فجأة أثناء تنظيف معداته، أو أثناء الجلوس مع دارِن، فيقوم ويمشي إلى هناك دون أن يخبر أحدًا.
“تشكيل الدفاع الثالث. تنفيذ.”
في اليوم الرابع، ذهب مباشرة بعد انتهاء التدريب، دون أن ينتظر حتى يستريح.
تحرك الجنود، كل بحسب موقعه. أورِن مدّ أورِن يده نحو كيس رملي واحد، أغمض عينيه بتركيز، وشعر بثقله يقل قليلاً وهو يجره ببطء على التراب نحو الموقع المحدد. لم يكن هناك شيء جديد في الحركة. كان يعرفها منذ أشهر. لكنها بدت الآن أكثر آلية، أكثر دقة، وكأن جسده وجد فيها ملاذًا من التفكير في أي شيء آخر.
بدأ المخيم يستعيد شيئًا من إيقاعه، وإن كان إيقاعًا مختلفًا عما كان عليه قبل المعركة. سمع أورِن أصواتًا أكثر حول النار مساءً، أحاديث قصيرة، أسئلة عادية عن الطعام أو موعد الحراسة. لم تكن الحياة القديمة قد عادت، لكن شيئًا يشبهها بدأ يتشكل من جديد، بحذر، كأن الجميع يختبرون إن كان مسموحًا لهم أن يعيشوا بشكل طبيعي مرة أخرى.
“لا شيء بعد،” قال الموظف، قبل أن يُسأل حتى.
دخل الأسبوع الثاني من التدريب.
في اليوم الخامس، سأل أورِن سؤالًا لم يعتد أن يسأله:
لم يشعر أورِن بأنه استثناء وسط كل هذا. كان جزءًا منه.
“متى موعد وصول العربة القادمة؟”
نظر إليه الموظف، أجاب بهدوء، دون أن يبدي أي غرابة في السؤال: “غدًا صباحًا على الأرجح. أحيانًا تتأخر يومًا كاملاً.”
أومأ أورِن، وابتعد.
جلس في المساء، حمل ورقة وقلمًا، وبدأ الكتابة دون أن يفكر طويلًا في الصياغة.
بدأت العربات تتحرك واحدة تلو الأخرى، تحمل الجنود والمعدات نحو الجبهة من جديد. صعد أورِن إلى إحداها، جلس بجانب دارِن، ونظر إلى المخيم وهو يبتعد خلفهما، إلى الخيام التي تتقلص شيئًا فشيئًا في الأفق.
بدأ يفكر في الأمر أكثر مما كان يريد. لم يكن نوعًا من الذعر. كان أورِن شخصًا عمليًا، ولا يميل إلى القفز نحو أسوأ الاحتمالات دون سبب واضح. حاول أن يجد تفسيرات منطقية.
نظر إليه الموظف، أجاب بهدوء، دون أن يبدي أي غرابة في السؤال: “غدًا صباحًا على الأرجح. أحيانًا تتأخر يومًا كاملاً.”
ربما تأخرت الرسالة في الطريق. الطرقات ليست آمنة كما كانت قبل الحرب، والعربات قد تُجبر على تغيير مسارها. ربما لم تجد مارِن وقتًا للكتابة فورًا، ربما انشغلت بأمر في القرية، أو بمشروع خياطة أخذ وقتًا أطول من المعتاد. ربما وصلت رسالتها إلى وحدة أخرى بالخطأ، فالبريد العسكري لم يكن نظامًا لا يخطئ أبدًا.
كان يعرف أن هناك احتمالات كثيرة، معظمها لا يحمل أي خطر حقيقي. لكن معرفة ذلك لم تمنع شعورًا صغيرًا، ثابتًا، من الاستقرار في مكان ما داخله، شعورًا لا يستطيع تسميته بوضوح، لكنه يشبه انتظارًا لم يعد بريئًا كما كان في البداية.
في اليوم السادس، لم تصل رسالة أيضًا.
كل هذه الاحتمالات مرت في ذهنه، واحدًا تلو الآخر، وكل واحد منها كان كافيًا لتهدئته للحظة.
لكن هناك فكرة أخرى كانت تظهر أحيانًا، سريعة، مثل ظل يمر أمام عينيه ثم يختفي. فكرة لم يكن يريد أن يمنحها وقتًا. كان يطردها بمجرد ظهورها، ويعود إلى عمله، إلى تدريبه، إلى صندوق أو أداة يحتاج إلى نقلها.
في اليوم السادس، لم تصل رسالة أيضًا.
اعتني بنفسك.
في اليوم السادس، لم تصل رسالة أيضًا.
دخل الأسبوع الثاني من التدريب.
بدأ المخيم يستعيد شيئًا من إيقاعه، وإن كان إيقاعًا مختلفًا عما كان عليه قبل المعركة. سمع أورِن أصواتًا أكثر حول النار مساءً، أحاديث قصيرة، أسئلة عادية عن الطعام أو موعد الحراسة. لم تكن الحياة القديمة قد عادت، لكن شيئًا يشبهها بدأ يتشكل من جديد، بحذر، كأن الجميع يختبرون إن كان مسموحًا لهم أن يعيشوا بشكل طبيعي مرة أخرى.
دارِن كان جزءًا من هذا التغيّر البطيء. لم يعد صامتًا طوال الوقت. بدأ يتحدث في التدريب أكثر، يعطي ملاحظات لجندي آخر عن طريقة تحصين موقع، يجلس مع أورِن أحيانًا ويتحدث عن أمور صغيرة، عن الطعام، عن حالة معداته. لم يكن هذا تعافيًا. كان أورِن يرى ذلك بوضوح في عينيه، في اللحظات التي يتوقف فيها فجأة عن الكلام دون سبب واضح، أو حين يحدق في نقطة بعيدة قبل أن يعود إلى ما كان يفعله. لكنه كان يتحرك، لأن الحياة العسكرية لا تمنحه خيارًا آخر.
في إحدى الليالي، بينما كانا يجلسان قرب النار، قال دارِن فجأة:
في نهاية الأسبوع الثاني، جُمع الجنود صباحًا عند نقطة التجمع الرئيسية.
“ما زلت أتوقع أن أسمعه يتحدث عن شيء غبي.”
أومأ أورِن، وابتعد.
لكن هناك فكرة أخرى كانت تظهر أحيانًا، سريعة، مثل ظل يمر أمام عينيه ثم يختفي. فكرة لم يكن يريد أن يمنحها وقتًا. كان يطردها بمجرد ظهورها، ويعود إلى عمله، إلى تدريبه، إلى صندوق أو أداة يحتاج إلى نقلها.
نظر إليه أورِن.
بعد انتهاء تمارين ذلك اليوم توجه أورِن نحو خيمة البريد عند طرف المخيم.
“وأنا أيضًا،” قال، ولم يضف شيئًا آخر.
لم تكن هناك حاجة لأكثر من ذلك. لم يذكرا اسمه. لم يحتاجا لذلك. الصمت الذي أعقب الجملة كان كافيًا ليحمل كل ما لم يُقل.
كان المدرب يقف أمام الصف، صوته حادًا كعادته، دون أن يبدي أي اهتمام بما مرّ به الجنود في الأيام الماضية. الحرب لا تنتظر أحدًا ليشفى.
“وأنا أيضًا،” قال، ولم يضف شيئًا آخر.
استمر غياب رسالة مارِن.
بحلول اليوم التاسع أو العاشر، توقف أورِن عن محاولة إيجاد تفسير جديد كل يوم. لم يعد يذهب إلى البريد بنفس التكرار، لكنه لم يتوقف تمامًا أيضًا. كان يمر عليه مرة كل يوم أو يومين، يسأل السؤال نفسه، ويحصل على الإجابة نفسها.
اعتني بنفسك.
لم يكن هناك تفاجؤ بين الجنود. كان الجميع يعرف أن هذا قادم، عاجلاً أو آجلاً. بدأ الجميع بالتحرك، يجمعون معداتهم، يطوون الخيام المؤقتة، يتحققون من أسلحتهم.
لم يكن الموظف يخفي شيئًا. كان رجلاً متعبًا يؤدي عمله، يبحث بين الرسائل بصدق، ويعتذر بنبرة معتادة عن التأخير. لم يكن هناك شيء غامض في الأمر. لكن الغياب نفسه، المستمر، البسيط، بدأ يثقل على أورِن بطريقة لم يعتد عليها.
بحث الرجل بين الرسائل القليلة المعروضة بحركة روتينية، ثم هز رأسه: “لا شيء اليوم.”
كان يعرف أن هناك احتمالات كثيرة، معظمها لا يحمل أي خطر حقيقي. لكن معرفة ذلك لم تمنع شعورًا صغيرًا، ثابتًا، من الاستقرار في مكان ما داخله، شعورًا لا يستطيع تسميته بوضوح، لكنه يشبه انتظارًا لم يعد بريئًا كما كان في البداية.
أرسلت لكِ رسالة قبل أسبوعين تقريبًا، لكن يبدو أنها لم تصلك بعد، أو أن ردك تأخر في الطريق. لا أعرف السبب بالضبط، لكن الأمور هنا مستقرة نسبيًا الآن.
قرر أن يكتب رسالة ثانية.
استمر غياب رسالة مارِن.
جلس في المساء، حمل ورقة وقلمًا، وبدأ الكتابة دون أن يفكر طويلًا في الصياغة.
لم تكن الحرب قد انتهت في داخله. ولم يكن هناك سؤال واحد قد وجد جوابه.
اعتني بنفسك.
“عزيزتي مارِن،
أرسلت لكِ رسالة قبل أسبوعين تقريبًا، لكن يبدو أنها لم تصلك بعد، أو أن ردك تأخر في الطريق. لا أعرف السبب بالضبط، لكن الأمور هنا مستقرة نسبيًا الآن.
دارِن كان جزءًا من هذا التغيّر البطيء. لم يعد صامتًا طوال الوقت. بدأ يتحدث في التدريب أكثر، يعطي ملاحظات لجندي آخر عن طريقة تحصين موقع، يجلس مع أورِن أحيانًا ويتحدث عن أمور صغيرة، عن الطعام، عن حالة معداته. لم يكن هذا تعافيًا. كان أورِن يرى ذلك بوضوح في عينيه، في اللحظات التي يتوقف فيها فجأة عن الكلام دون سبب واضح، أو حين يحدق في نقطة بعيدة قبل أن يعود إلى ما كان يفعله. لكنه كان يتحرك، لأن الحياة العسكرية لا تمنحه خيارًا آخر.
انتهى التدريب الذي كنا فيه، وسنعود قريبًا إلى الجبهة، لذلك قد يتأخر وصول رسالتي القادمة أكثر من المعتاد.
لم تكن هناك حاجة لأكثر من ذلك. لم يذكرا اسمه. لم يحتاجا لذلك. الصمت الذي أعقب الجملة كان كافيًا ليحمل كل ما لم يُقل.
أتمنى أن يكون كل شيء بخير عندكِ. كيف حال القماش الذي كنتِ تعملين عليه؟ هل انتهيتِ منه أخيرًا؟ أخبريني بأي أخبار عن البيت حين تستطيعين.
لم تكن الحرب قد انتهت في داخله. ولم يكن هناك سؤال واحد قد وجد جوابه.
قرر أن يكتب رسالة ثانية.
اعتني بنفسك.
“لا بأس،” قال أورِن، وابتعد.
أخوك، أورِن.”
قرأ الرسالة مرة واحدة، لم يجد فيها ما يريد تغييره. لم تكن رسالة وداع، ولم تحمل قلقًا ظاهرًا. كانت رسالة عادية، بسيطة، كما كانت رسائله دائمًا. طواها، وذهب في صباح اليوم التالي ليسلمها إلى مكتب البريد.
عاد أورِن إلى خيمته، ووضع أغراضه في حقيبته بحركات معتادة. طوى بطانيته، تحقق من معداته، تأكد من كل شيء في مكانه.
“سترسل مع العربة القادمة،” قال الموظف، وأخذ الرسالة منه.
دارِن كان جزءًا من هذا التغيّر البطيء. لم يعد صامتًا طوال الوقت. بدأ يتحدث في التدريب أكثر، يعطي ملاحظات لجندي آخر عن طريقة تحصين موقع، يجلس مع أورِن أحيانًا ويتحدث عن أمور صغيرة، عن الطعام، عن حالة معداته. لم يكن هذا تعافيًا. كان أورِن يرى ذلك بوضوح في عينيه، في اللحظات التي يتوقف فيها فجأة عن الكلام دون سبب واضح، أو حين يحدق في نقطة بعيدة قبل أن يعود إلى ما كان يفعله. لكنه كان يتحرك، لأن الحياة العسكرية لا تمنحه خيارًا آخر.
أومأ أورِن، ولم يقل شيئًا آخر. مشى بعيدًا، والسؤال نفسه لا يزال معلقًا في ذهنه دون إجابة.
في نهاية الأسبوع الثاني، جُمع الجنود صباحًا عند نقطة التجمع الرئيسية.
وقف الضابط المسؤول أمامهم، صوته واضحًا كعادته، لا يحمل أي مقدمات.
أتمنى أن يكون كل شيء بخير عندكِ. كيف حال القماش الذي كنتِ تعملين عليه؟ هل انتهيتِ منه أخيرًا؟ أخبريني بأي أخبار عن البيت حين تستطيعين.
“انتهت فترة التدريب. الأوامر وصلت هذا الصباح. سنتحرك نحو الجبهة عند الظهيرة.”
حمل حقيبته على كتفه، وخرج من الخيمة. رأى دارِن يقف عند العربات، ينتظره بصمت كعادته. مشى نحوه، ووقف بجانبه دون كلام.
نظر إليه الموظف، أجاب بهدوء، دون أن يبدي أي غرابة في السؤال: “غدًا صباحًا على الأرجح. أحيانًا تتأخر يومًا كاملاً.”
لم يكن هناك تفاجؤ بين الجنود. كان الجميع يعرف أن هذا قادم، عاجلاً أو آجلاً. بدأ الجميع بالتحرك، يجمعون معداتهم، يطوون الخيام المؤقتة، يتحققون من أسلحتهم.
“لا بأس،” قال أورِن، وابتعد.
عاد أورِن إلى خيمته، ووضع أغراضه في حقيبته بحركات معتادة. طوى بطانيته، تحقق من معداته، تأكد من كل شيء في مكانه.
مرت ثلاثة أيام أخرى.
قبل أن يغادر، نظر باتجاه طرف المخيم، حيث تقع خيمة البريد الصغيرة، بعيدة الآن، شبه مخفية بين الخيام الأخرى التي بدأ الجنود بتفكيكها. لم يذهب إليها. لم يكن هناك وقت، والعربة الأخيرة لم تكن قد وصلت بعد على أي حال.
بعد انتهاء تمارين ذلك اليوم توجه أورِن نحو خيمة البريد عند طرف المخيم.
كان الصباح باردًا بطريقة لا تشبه برد الأيام العادية، برد يتسلل إلى العظام أكثر مما يلامس الجلد.
فكر للحظة في الرسالة التي أرسلها قبل أيام. في الرسالة الأولى التي لم يصله رد عليها. في الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا واضحًا، ولا الأسئلة التي كان يخشى أن يسألها لنفسه.
مرّت الساعات. تمرين تلو تمرين. أمر، تنفيذ، تصحيح، إعادة.
لم يكن هناك شيء يمكنه فعله الآن سوى الانتظار أكثر.
حمل حقيبته على كتفه، وخرج من الخيمة. رأى دارِن يقف عند العربات، ينتظره بصمت كعادته. مشى نحوه، ووقف بجانبه دون كلام.
كان المدرب يقف أمام الصف، صوته حادًا كعادته، دون أن يبدي أي اهتمام بما مرّ به الجنود في الأيام الماضية. الحرب لا تنتظر أحدًا ليشفى.
بدأت العربات تتحرك واحدة تلو الأخرى، تحمل الجنود والمعدات نحو الجبهة من جديد. صعد أورِن إلى إحداها، جلس بجانب دارِن، ونظر إلى المخيم وهو يبتعد خلفهما، إلى الخيام التي تتقلص شيئًا فشيئًا في الأفق.
بحلول اليوم التاسع أو العاشر، توقف أورِن عن محاولة إيجاد تفسير جديد كل يوم. لم يعد يذهب إلى البريد بنفس التكرار، لكنه لم يتوقف تمامًا أيضًا. كان يمر عليه مرة كل يوم أو يومين، يسأل السؤال نفسه، ويحصل على الإجابة نفسها.
وقف الضابط المسؤول أمامهم، صوته واضحًا كعادته، لا يحمل أي مقدمات.
لم تكن الحرب قد انتهت في داخله. ولم يكن هناك سؤال واحد قد وجد جوابه.
مرّت الساعات. تمرين تلو تمرين. أمر، تنفيذ، تصحيح، إعادة.
حمل معه إلى الجبهة شيئًا واحدًا لم يصل بعد من البيت، وسط كل شيء آخر كان عليه أن يحمله.
