مقتل النبيل
بقي النصل حيث هو، غارزًا في جسد النبيل، وكلاهما ثابتان في مكانهما وكأن الزمن نفسه تردد قبل أن يتابع مسيرته.
لم يكن أمامي خيار آخر.
لم يصدق أورِن ما حدث. للحظة، بدا الأمر أقرب إلى شيء رآه يحدث لا شيء فعله بنفسه، وكأن يده التي تمسك بالمقبض تنتمي إلى شخص آخر. نظر إلى الدم يتسرب حول النصل، وإلى وجه النبيل القريب جدًا من وجهه، وشعر بشيء يشبه الدوار، ليس من الألم هذه المرة، بل من فكرة واحدة بسيطة تتكرر في رأسه دون أن تكتمل: نجحتُ. نجحتُ فعلًا.
لم يدم هذا الصمت طويلًا.
عاد وجه مارِن إلى ذهنه، لا كذكرى هادئة، بل كصورة كاملة عادت دفعة واحدة: شحوبها، عيناها الفارغتان، جسدها المنهك بين ذراعي الخادمين. وشيء في صدر أورِن انفجر من جديد، أعنف مما كان عليه قبل الطعنة الأولى.
بقي النصل حيث هو، غارزًا في جسد النبيل، وكلاهما ثابتان في مكانهما وكأن الزمن نفسه تردد قبل أن يتابع مسيرته.
سحب النصل.
حاول أن يتمسك بهذه الأفكار، أن يبنيها فوق بعضها كجدار يحميه من ثقل ما فعله، ونجحت لثوانٍ، شعر بشيء من الهدوء يتسلل تحت الغثيان.
لم يفكر فيما يفعله بعد ذلك. رفع يده وطعن مجددًا، في كتف النبيل هذه المرة، ثم سحب النصل وطعن في جانبه، وصوت خرج من حلقه لم يكن كلمات واضحة في البداية، بل صراخًا خامًا يشبه ما يخرج من إنسان لا يعود يملك سيطرة على جسده.
لم يكن قرارًا. توقفت يده وحدها، وكأن جسده استنفد كل ما كان يدفعه في اللحظة نفسها التي انطفأت فيها تلك الحرارة الغريبة.
لم يعد هذا قتالاً. لم يكن هناك دفاع من النبيل، ولا محاولة تفادٍ، فقط أورِن يطعن ويسحب ويطعن من جديد، بلا نمط، بلا هدف محدد سوى استمرار الحركة نفسها. سمع نفسه يصرخ اسم أخته بين طعنة وأخرى، “مارِن…”، ثم شيئًا غير مفهوم، ثم “لماذا؟” بصوت متصدع لا يشبه صوته.
لم يكن يرى وجه النبيل بوضوح بعد ذلك. رأى فقط ثوبًا داكنًا يتحول تدريجيًا إلى لون أعمق، ويده هو ترتفع وتهبط، ترتفع وتهبط، دون أن يشعر بيده نفسها بعد مرحلة معينة، كأنها انفصلت عن باقي جسده وأصبحت أداة تتحرك بمفردها.
حاول أن يتمسك بهذه الأفكار، أن يبنيها فوق بعضها كجدار يحميه من ثقل ما فعله، ونجحت لثوانٍ، شعر بشيء من الهدوء يتسلل تحت الغثيان.
في مكان ما داخل إصبعه، شعر بالحرارة السوداء التي رافقته منذ نهوضه من على الرخام، وكانت لا تزال حاضرة، لكنها بدأت، ببطء، تتراجع. لم ينتبه لذلك وسط كل شيء آخر يحدث. استمر يطعن، وشعر بالحرارة تخف أكثر، والنبض في إصبعه يتباطأ، حتى انطفأ فجأة، بلا سبب واضح، كأن شيئًا قرر أن الأمر انتهى قبل أن يقرر هو ذلك.
لم يكن أمامي خيار آخر.
توقف.
سقط صمت ثقيل على القاعة.
لم يكن قرارًا. توقفت يده وحدها، وكأن جسده استنفد كل ما كان يدفعه في اللحظة نفسها التي انطفأت فيها تلك الحرارة الغريبة.
لم يعد هذا قتالاً. لم يكن هناك دفاع من النبيل، ولا محاولة تفادٍ، فقط أورِن يطعن ويسحب ويطعن من جديد، بلا نمط، بلا هدف محدد سوى استمرار الحركة نفسها. سمع نفسه يصرخ اسم أخته بين طعنة وأخرى، “مارِن…”، ثم شيئًا غير مفهوم، ثم “لماذا؟” بصوت متصدع لا يشبه صوته.
عاد وجه مارِن إلى ذهنه، لا كذكرى هادئة، بل كصورة كاملة عادت دفعة واحدة: شحوبها، عيناها الفارغتان، جسدها المنهك بين ذراعي الخادمين. وشيء في صدر أورِن انفجر من جديد، أعنف مما كان عليه قبل الطعنة الأولى.
سقط صمت ثقيل على القاعة.
كان سيقتلني، فكّر. لو لم أفعل هذا، لكنت أنا الملقى على هذا الرخام الآن.
سمع أورِن تنفسه أولاً، سريعًا ومتقطعًا، ثم صوت قطرات تسقط على الرخام، إيقاعًا بطيئًا لا يشبه شيئًا سمعه من قبل بهذا الوضوح. نظر إلى يده. كانت حمراء بالكامل، حتى معصمه، والسكين لا يزال بين أصابعه، يرتجف قليلًا لأن يده نفسها بدأت ترتجف.
سمع أورِن تنفسه أولاً، سريعًا ومتقطعًا، ثم صوت قطرات تسقط على الرخام، إيقاعًا بطيئًا لا يشبه شيئًا سمعه من قبل بهذا الوضوح. نظر إلى يده. كانت حمراء بالكامل، حتى معصمه، والسكين لا يزال بين أصابعه، يرتجف قليلًا لأن يده نفسها بدأت ترتجف.
لم يكن أمامي خيار آخر.
ثم جاء سؤال صغير، لم يستطع دفعه بعيدًا كما فعل مع البقية.
نظر إلى النبيل.
لم يعد الرجل واقفًا. كان ملقًى عند قدميه، جسده غير متحرك، وثوبه الفاخر لم يعد يحمل لونه الأصلي في أماكن كثيرة منه.
لم تكن نظرة تعرف، ولا نظرة خوف حادة، بل شيئًا بينهما، فارغة نصفها ومشوشة نصفها الآخر، كأنها تحاول أن تجمع ملامحه في ذهنها ولا تستطيع أن تكمل الصورة. حركت شفتيها قليلاً، دون أن يخرج صوت واضح، ثم توقفت، وعادت عيناها إلى ذلك الفراغ الذي كانتا فيه قبل لحظات.
شعر أورِن بمعدته تنقبض بعنف. تراجع خطوة، ثم أخرى، وكاد يفقد توازنه. لم يستطع أن يبقي عينيه على الجسد أكثر من لحظات قبل أن يديرهما بعيدًا. جاءه غثيان مفاجئ، انحنى قليلاً، لكنه لم يتقيأ، فقط بقي منحنيًا، يتنفس بصعوبة، ويده الملطخة معلقة أمامه وكأنها لم تعد جزءًا منه.
لم يجد إجابة. ابتعد السؤال قليلاً، لكنه لم يختفِ، وشعر أنه سيعود إليه لاحقًا، في ليلة أخرى، حين يكون هادئًا بما يكفي ليواجهه بصدق أكبر مما يستطيع الآن.
تحرك نحوها، وكل خطوة كانت مؤلمة، ساقاه ترتجفان من الإرهاق والصدمة معًا. مسح فمه بظهر يده، فخرج المزيد من الدم بدل أن يزول، وتركه هناك، لم يعد يهتم بمظهره في هذه اللحظة.
حاول أن يمسحها على ثوبه، فلم يتغير شيء، الدم انتشر أكثر بدل أن يزول. توقف عن المحاولة، أدرك عبثيتها، وترك يده معلقة، ترتجف.
عاد وجه مارِن إلى ذهنه، لا كذكرى هادئة، بل كصورة كاملة عادت دفعة واحدة: شحوبها، عيناها الفارغتان، جسدها المنهك بين ذراعي الخادمين. وشيء في صدر أورِن انفجر من جديد، أعنف مما كان عليه قبل الطعنة الأولى.
سقط على ركبتيه دون أن يقرر ذلك، والسكين سقط من يده على الرخام بصوت معدني خفيف.
لم يكن قرارًا. توقفت يده وحدها، وكأن جسده استنفد كل ما كان يدفعه في اللحظة نفسها التي انطفأت فيها تلك الحرارة الغريبة.
نظر إلى النبيل.
هذه أول مرة يقتل فيها إنسانًا.
لم يقل الجملة لنفسه بهذه الصيغة، لكن شيئًا فيه عرفها بهذا الوضوح، بلا كلمات، فقط ثقل يجلس في صدره أعمق من أي ألم جسدي شعر به تلك الليلة.
بقي أورِن أمامها، على ركبتيه، يده على كتفها، جسده منهك ومغطى بدماء ليست كلها دمه، وينظر إلى أخته التي جاء من أجلها كل هذه المسافة، التي قتل من أجلها للمرة الأولى في حياته، بينما هي تنظر إليه بعينين لا يعرف ماذا تحملان، ولا ماذا بقي خلفهما.
بعد دقائق، أو ربما أقل، بدأ عقله يبحث عن طريق للخروج من هذا الثقل.
كان سيقتلني، فكّر. لو لم أفعل هذا، لكنت أنا الملقى على هذا الرخام الآن.
بعد دقائق، أو ربما أقل، بدأ عقله يبحث عن طريق للخروج من هذا الثقل.
هو من فعل بها ما فعل. هو من جعلها بهذه الحالة.
لم يكن أمامي خيار آخر.
بقيا هكذا، في صمت القاعة الثقيل، والدم يبرد على الرخام من حولهما.
لم يفكر فيما يفعله بعد ذلك. رفع يده وطعن مجددًا، في كتف النبيل هذه المرة، ثم سحب النصل وطعن في جانبه، وصوت خرج من حلقه لم يكن كلمات واضحة في البداية، بل صراخًا خامًا يشبه ما يخرج من إنسان لا يعود يملك سيطرة على جسده.
حاول أن يتمسك بهذه الأفكار، أن يبنيها فوق بعضها كجدار يحميه من ثقل ما فعله، ونجحت لثوانٍ، شعر بشيء من الهدوء يتسلل تحت الغثيان.
تذكر لماذا هو هنا.
ثم جاء سؤال صغير، لم يستطع دفعه بعيدًا كما فعل مع البقية.
تذكر لماذا هو هنا.
لماذا لم أتوقف؟
“مارِن، أنا هنا.” قالها مرة أخرى، بصوت أكثر ارتجافًا هذه المرة.
لم يعد هذا قتالاً. لم يكن هناك دفاع من النبيل، ولا محاولة تفادٍ، فقط أورِن يطعن ويسحب ويطعن من جديد، بلا نمط، بلا هدف محدد سوى استمرار الحركة نفسها. سمع نفسه يصرخ اسم أخته بين طعنة وأخرى، “مارِن…”، ثم شيئًا غير مفهوم، ثم “لماذا؟” بصوت متصدع لا يشبه صوته.
لم يكن يملك جوابًا. الطعنة الأولى كانت قرارًا، ربما حتى ضرورة. لكن ما تلاها لم يكن كذلك. النبيل لم يعد يقاوم بعد الطعنة الثانية أو الثالثة، وأورِن يعرف ذلك في مكان ما من ذاكرته المشوشة، لكنه استمر رغم ذلك.
بقي النصل حيث هو، غارزًا في جسد النبيل، وكلاهما ثابتان في مكانهما وكأن الزمن نفسه تردد قبل أن يتابع مسيرته.
شعر أورِن بمعدته تنقبض بعنف. تراجع خطوة، ثم أخرى، وكاد يفقد توازنه. لم يستطع أن يبقي عينيه على الجسد أكثر من لحظات قبل أن يديرهما بعيدًا. جاءه غثيان مفاجئ، انحنى قليلاً، لكنه لم يتقيأ، فقط بقي منحنيًا، يتنفس بصعوبة، ويده الملطخة معلقة أمامه وكأنها لم تعد جزءًا منه.
لم يجد إجابة. ابتعد السؤال قليلاً، لكنه لم يختفِ، وشعر أنه سيعود إليه لاحقًا، في ليلة أخرى، حين يكون هادئًا بما يكفي ليواجهه بصدق أكبر مما يستطيع الآن.
حاول أن يتمسك بهذه الأفكار، أن يبنيها فوق بعضها كجدار يحميه من ثقل ما فعله، ونجحت لثوانٍ، شعر بشيء من الهدوء يتسلل تحت الغثيان.
نهض أخيرًا، بجهد، جسده كله يؤلمه، وجهه المحطم، أسنانه المكسورة، ضلوعه المرضوضة، كل ذلك عاد ليطالبه بانتباهه بعد أن تركه الغضب لثوانٍ طويلة.
لم يكن قرارًا. توقفت يده وحدها، وكأن جسده استنفد كل ما كان يدفعه في اللحظة نفسها التي انطفأت فيها تلك الحرارة الغريبة.
تذكر لماذا هو هنا.
لم يعد الرجل واقفًا. كان ملقًى عند قدميه، جسده غير متحرك، وثوبه الفاخر لم يعد يحمل لونه الأصلي في أماكن كثيرة منه.
مارِن.
لم يعد هذا قتالاً. لم يكن هناك دفاع من النبيل، ولا محاولة تفادٍ، فقط أورِن يطعن ويسحب ويطعن من جديد، بلا نمط، بلا هدف محدد سوى استمرار الحركة نفسها. سمع نفسه يصرخ اسم أخته بين طعنة وأخرى، “مارِن…”، ثم شيئًا غير مفهوم، ثم “لماذا؟” بصوت متصدع لا يشبه صوته.
استدار ببطء، وبحث بعينيه عن المكان الذي رآها فيه آخر مرة، عند الباب الجانبي في الطرف الغربي من القاعة. وجدها هناك، حيث كانت هناك ، متكئة على الحائط، جالسة على الأرض بوضعية غير مستقرة، رأسها مائل قليلاً، كأنها لم تعد تملك القوة الكافية لإبقائه مستقيمًا.
تحرك نحوها، وكل خطوة كانت مؤلمة، ساقاه ترتجفان من الإرهاق والصدمة معًا. مسح فمه بظهر يده، فخرج المزيد من الدم بدل أن يزول، وتركه هناك، لم يعد يهتم بمظهره في هذه اللحظة.
اقترب منها، وركع أمامها ببطء، جسده يحتج على كل حركة.
لم تكن نظرة تعرف، ولا نظرة خوف حادة، بل شيئًا بينهما، فارغة نصفها ومشوشة نصفها الآخر، كأنها تحاول أن تجمع ملامحه في ذهنها ولا تستطيع أن تكمل الصورة. حركت شفتيها قليلاً، دون أن يخرج صوت واضح، ثم توقفت، وعادت عيناها إلى ذلك الفراغ الذي كانتا فيه قبل لحظات.
“مارِن.”
كان سيقتلني، فكّر. لو لم أفعل هذا، لكنت أنا الملقى على هذا الرخام الآن.
قالها بصوت متهدج، أقرب إلى همس منه إلى نداء واضح. لم تتحرك فورًا. مدّ يده، ولمس كتفها بلطف، خائفًا من أن يؤذيها أكثر بلمسة خاطئة.
سقط صمت ثقيل على القاعة.
رفعت عينيها ببطء شديد نحوه.
لم يكن قرارًا. توقفت يده وحدها، وكأن جسده استنفد كل ما كان يدفعه في اللحظة نفسها التي انطفأت فيها تلك الحرارة الغريبة.
لم يفكر فيما يفعله بعد ذلك. رفع يده وطعن مجددًا، في كتف النبيل هذه المرة، ثم سحب النصل وطعن في جانبه، وصوت خرج من حلقه لم يكن كلمات واضحة في البداية، بل صراخًا خامًا يشبه ما يخرج من إنسان لا يعود يملك سيطرة على جسده.
لم تكن نظرة تعرف، ولا نظرة خوف حادة، بل شيئًا بينهما، فارغة نصفها ومشوشة نصفها الآخر، كأنها تحاول أن تجمع ملامحه في ذهنها ولا تستطيع أن تكمل الصورة. حركت شفتيها قليلاً، دون أن يخرج صوت واضح، ثم توقفت، وعادت عيناها إلى ذلك الفراغ الذي كانتا فيه قبل لحظات.
“مارِن.”
مارِن.
“مارِن، أنا هنا.” قالها مرة أخرى، بصوت أكثر ارتجافًا هذه المرة.
تذكر لماذا هو هنا.
بقي النصل حيث هو، غارزًا في جسد النبيل، وكلاهما ثابتان في مكانهما وكأن الزمن نفسه تردد قبل أن يتابع مسيرته.
لم يتغير شيء في وجهها.
مارِن.
بقي أورِن أمامها، على ركبتيه، يده على كتفها، جسده منهك ومغطى بدماء ليست كلها دمه، وينظر إلى أخته التي جاء من أجلها كل هذه المسافة، التي قتل من أجلها للمرة الأولى في حياته، بينما هي تنظر إليه بعينين لا يعرف ماذا تحملان، ولا ماذا بقي خلفهما.
بقي أورِن أمامها، على ركبتيه، يده على كتفها، جسده منهك ومغطى بدماء ليست كلها دمه، وينظر إلى أخته التي جاء من أجلها كل هذه المسافة، التي قتل من أجلها للمرة الأولى في حياته، بينما هي تنظر إليه بعينين لا يعرف ماذا تحملان، ولا ماذا بقي خلفهما.
لم تكن نظرة تعرف، ولا نظرة خوف حادة، بل شيئًا بينهما، فارغة نصفها ومشوشة نصفها الآخر، كأنها تحاول أن تجمع ملامحه في ذهنها ولا تستطيع أن تكمل الصورة. حركت شفتيها قليلاً، دون أن يخرج صوت واضح، ثم توقفت، وعادت عيناها إلى ذلك الفراغ الذي كانتا فيه قبل لحظات.
هذه أول مرة يقتل فيها إنسانًا.
بقيا هكذا، في صمت القاعة الثقيل، والدم يبرد على الرخام من حولهما.
توقف.
