تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل523

طفرة

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 25, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 523: طفرة

 

ما إن أنهى الحارس الأعلى كلامه حتى شنّ جونفيلد هجومه في اللحظة المناسبة!

 

«كلانغ!»

 

تلقى تاليس الضربة الأفقية الأولى.

 

غير أن جونفيلد أحسّ بأن ثمة أمرًا غير طبيعي.

 

«هل نظرة الأمير… شاردة قليلًا؟»

 

والحق أن تاليس كان يفكر في شيء ما في تلك اللحظة.

 

فبفضل شرح مالوس، أدرك المراهق أمرًا لم يكن يفهمه.

 

«لا عجب أنني أشعر بتلك الألفة الغريبة في هجمات جونفيلد.

 

«فهمتُ الآن.

 

«إنه… قتال على طريقة الشماليين».

 

زفر تاليس، وتذكّر بحنين خافت أيام تلقّيه دروس الضرب في قصر الأرواح البطولية، مع أنه لم يتخيل يومًا أن يحنّ إليها.

 

ففي تجربته القصيرة الغنية بالقتال، لم يؤثر في مهارته بالسيف تأثيرًا حقيقيًّا سوى ثلاثة أشخاص علّموه بالكلام وبالسيف معًا: رجلان وامرأة، وكان السيف الأسود أحدهم.

 

وبينما كان يضبط خطواته في العالم الحقيقي و يصد هجمة جونفيلد التالية بحواس الجحيم، كانت أفكاره تعمل في خط زمني آخر، وتجري بجنون مع اندفاع خطيئة نهر الجحيم.

 

فالسيف الأسود إنسان عادي، ومع ذلك واجه الصوفيَّين أيدا وغيزا، وهما كارثتان وكائنان فوق البشر. خاض معركة تكاد تكون ميؤوسًا منها، لكنه نجح في أن يشق طريقًا للنجاة كأنه معجزة، بل انتزع النصر انتزاعًا بسيف غريب.

 

وحين فكّر تاليس في الأمر، أدهشه بعمق ما أبداه السيف الأسود في كل قرار واختيار وحركة، في كل معركة، من قدرات خارقة وذكاء مذهل.

 

لكن عدد الخصوم الذين واجههم السيف الأسود كان قليلًا جدًّا، فلا يصلح مرجعًا.

 

أما الثاني الذي ترك فيه أثرًا عميقًا فهو…

 

صدّ تاليس بمشقة الطعنة المباشرة من جونفيلد، وأنّت عضلاته من ألم المعركة التي ازداد فيها موقفه سوءًا.

 

«قاتل النجوم»، فكّر تاليس بصمت. «أجل».

 

سوراي نيكولاس. لعن تاليس هذا الرجل آلاف المرات، لكن يمكن القول إنه ساعده في اكتشاف طريق جديد.

 

فقد شهد تاليس بنفسه المعركة الدامية بين مقاتلين من الرتبة العليا في أرض الصخور القاحلة.

 

واجه قاتل النجوم غراب الموت، وهو لا يقل عنه مهارة وخطرًا، ومعه ربما يودل وتاليس أيضًا، وظل في موقف أضعف من بداية القتال إلى نهايته.

 

أصيب إصابة بالغة، وأحاط به خطر جسيم، وكان متأخرًا في كل خطوة، حتى كاد يموت مرات عدة.

 

ومع ذلك قلب قائد حرس النصل الأبيض في إكستيدت الموازين في النهاية وانتصر، في مشهد بديع حقًّا.

 

تفادى تاليس شقّ جونفيلد القوي الثابت كأنه توقعه، وهزّ الدرع ليصد هجومًا وجّهه إليه جونفيلد، ثم استغل الزخم ليضرب، وكان جسده يرتجف وهو يفعل ذلك.

 

فأحسّ جونفيلد بأن شيئًا ما قد تغيّر.

 

«يبدو أن دفاع الأمير نجح هذه المرة، فلم يعد يدافع بتلك المشقة المثيرة للشفقة كما فعل من قبل».

 

أما تاليس فواصل التفكير.

 

«لم ينتصر قاتل النجوم بالقوة، بل بالصبر والهدوء والمثابرة والملاحظة والتحليل».

 

ففي أسوأ ساحة قتال يمكن تخيلها، لم يقاتل نيكولاس حتى الموت كوحش مسعور محاصر فقد كل أمل.

 

بل على العكس، تحمّل كل سهم من مونتي بصبر ومثابرة بالغَين، وصمد بعزم لا يلين أمام الضغط الذي فرضه عليه تفوق خصمه الساحق، ودافع بهدوء عن هجمات خصومه التي كانوا موقنين أنها ستقتله. وفي اللحظة الحرجة راقب أسلوب غراب الموت الفريد في القتال وعاداته، وحلّل أرجح الخيارات التي قد يتخذها عدوه في كل موقف.

 

وفي النهاية هزم قاتل النجوم عدوه بضربة واحدة.

 

وتساءل تاليس شاردًا: «ربما لم ينل نيكولاس لقبه الشهير الذي هزّ شبه الجزيرة الغربية، ولم يُصنَّف أحد جنرالات الحرب الخمسة وأقوى رجال إكستيدت، لأنه هزم هوراس جيدستار بمحض الحظ.

 

«أجل، قاتل النجوم».

 

وأدرك تاليس فجأة أن الشمالي الذي يكرهه أشد الكره هو من أثّر في أسلوب قتاله أكثر من أي أحد.

 

رفع تاليس درعه من تلقاء نفسه ليهاجم، فلامس طرف سيف جونفيلد، وأحسّ بشيء مفاجئ، فهاجم بسيفه الطويل بلا وعي. فصُدم خصمه، وتخلى عن هجومه ليدافع عن نفسه.

 

«لا، ليس هذا فحسب.

 

«فأنا لم أكتفِ بمشاهدة المعارك، بل…»

 

وتذكّر تاليس الماضي. ففي كل درس تدريب في الهواء الطلق، كان نيكولاس يُظهر مهاراته دون أن يخفي شيئًا، و يتنمر عليه بفخر حتى لا يملك تاليس إلا أن يبكي ويتلقى الضرب دون أن يقدر على المقاومة.

 

وكان أبناء الكوكبة يصرّون على أسنانهم غضبًا، و ساروما لا تحتمل أن تنظر.

 

لكن…

 

ففي كل مرة واجه فيها قاتل النجوم، سواء من أجل البقاء، أو كرامته، أو كي لا يُضرب ضربًا مبرحًا، أو ليكافح للنجاة تحت وطأته…

 

«كلانغ!»

 

ارتطم سيف تاليس الطويل بسلاح جونفيلد مجددًا.

 

وفي هذه اللحظة أغمض تاليس عينيه.

 

لاحظ جونفيلد، وهو قريب منه، فتفاجأ.

 

غمرت خطيئة نهر الجحيم المراهق كله.

 

وازدادت حواس الجحيم لديه حدّة.

 

وبدا الزمن كأنه صار أبطأ.

 

وعندها استشعر تاليس شيئًا ببطء.

 

فحين اصطدم سيفاه الطويلان، اندفعت قوتا إبادتهما معًا، و تصارعتا عند نقطة الاتصال.

 

أحد الطرفين يهاجم بلا انقطاع، وهجومه يتدفق بضراوة.

 

والآخر يحرس بثبات وعزم راسخ.

 

وأحسّ تاليس أنه مهما فعل، سواء تقدّم أو هاجم أو سحب سيفه أو تراجع، فإن قوة إبادة جونفيلد ستواصل الهجوم بلا انقطاع ولن تدعه يلتقط أنفاسه.

 

كما أنه لا يملك وسيلة لصدّها.

 

«ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟»

 

وفي تلك اللحظة، أغمض تاليس عينيه واستعان باستجابات حواس الجحيم وخطيئة نهر الجحيم ليستشعر كل ذلك.

 

ثم رفع زاوية شفتيه قليلًا.

 

لقد فهم المراهق.

 

فهو، تاليس جيدستار، ليس وحشًا قويًّا بجسد جبار، ولا موهوبًا بمهارات رفيعة، ولا بطل رواية عن فرسان يملكون فنون قتال هائلة.

 

ومع أن في عقله جزءًا مظلمًا يصرخ: «هيا، أطلق طاقتك الغامضة و ستقتلهم جميعًا!»، فقد فعل ذلك وهو يهز قبضته ويزأر.

 

فلا هو قادر على إخضاع الخصم بضربة واحدة كيودل، ولا على تحويل الأشياء عديمة النفع إلى أخرى مذهلة كالسيف الأسود، ولا على أن يتبدل مرات عدة في نفَس واحد كنيكولاس. بل لا يستطيع حتى أن يتحكم في مجريات القتال بسهولة كفارس القضاء، كأنه يتنزه في حديقة.

 

لكن له ميزة واحدة على الأقل، ميزة يأبى تاليس الاعتراف بها: إنه يتحمل.

 

«أجل. قد لا يبدو هذا حسنًا، لكنك إذا تعرضتَ للضرب مرات كثيرة جدًّا، فستكتسب بصورة غير مباشرة غريزة بائسة.

 

«ستعرف إحساس القبضات والسيوف حين تهوي عليك».

 

فهو يعرف أي ضربة مؤلمة لكنها غير خطيرة، وأي ضربة تبدو مبالغًا فيها لكن أثرها عادي، وأي ضربة بالغة الخطورة وقاتلة.

 

وحين تحمّل كل هذه الضربات، أتاحت له أن يرى أمورًا أكثر عن أعدائه وعن نفسه، ومنها… كيف يمكنه أن يهاجم ويفوز، تمامًا كما واجه قاتل النجوم غراب الموت.

 

«يبدو هذا… مألوفًا فعلًا».

 

ابتسم تاليس باسترخاء.

 

«صحيح. أليس هذا…»

 

زأرت خطيئة نهر الجحيم في أذنيه كأنها تقرع طبول الحرب لتحثه على مواصلة القتال.

 

لكن تاليس تظاهر بأنه لا يسمعها. وفي هذه اللحظة، تلاحقت الصور في ذهنه.

 

أيام لم يحنِ فيها رأسه قط وهو متسول صغير في البيت المهجور…

 

واللحظة الحرجة أمام مصاص الدماء في قصر الكروم…

 

واللعبة السياسية في قاعة النجوم في قصر النهضة…

 

أليس هذا…

 

وأيام كان فيها في خطر عظيم في حي الدرع بمدينة سحاب التنين…

 

والضربة اليائسة التي وجّهها إليه الدوقات الخمسة الكبار في قصر الأرواح البطولية…

 

وكفاحه في الظلمة في قاع السجن الأسود في الصحراء…

 

أليس هذا…

 

ازداد انحناء شفتي تاليس.

 

أليس هذا…

 

فمنذ جاء إلى هذا العالم واجه صعوبات وعقبات كثيرة، أليس هذا هو الطريق الذي نجا به، هو تاليس جيدستار؟

 

يُضرب أولًا فينجو. ثم يرتقي بنفسه ويبحث عن فرصة للفوز.

 

وفي النهاية؟ يتصرف بحماقة؟

 

يُضرب، ثم يرتقي، ثم يتصرف بحماقة. أهذه استراتيجية تاليس ذات الخطوات الثلاث؟

 

فتح تاليس عينيه ببطء ونظر إلى العالم أمامه، حيث كاد الزمن يتوقف. ورأى جونفيلد وقد بدت عليه الدهشة.

 

وابتسم في قلبه.

 

«لا، لا، لا. كن جادًّا. هذه معركة.

 

«لنغيّر الصياغة إلى شيء أجمل وقعًا.

 

«وهو… استقبال العدو، ومراقبة العدو، والتحكم في العدو».

 

وانفتحت بصيرة تاليس.

 

وبدأت خطيئة نهر الجحيم تغلي حتى كادت تحترق.

 

لكن الخيط في ذهن تاليس ازداد وضوحًا.

 

وبدا أنه يقترب من هدف ما.

 

وعرف أن هذه هي خطيئة نهر الجحيم التي يحملها.

 

وهذه قوة إبادته.

 

وهذا أسلوب قتاله، أو كما قال ريكي…

 

هذا هو نفسه، تاليس جيدستار، أو بالأحرى…

 

وفكّر تاليس مجددًا.

 

«هذه صفة أساسية ينبغي أن يتحلى بها كل قوي.

 

«استقبال العدو، ومراقبة العدو، والتحكم في العدو».

 

وفي الثانية التالية، انفجرت خطيئة نهر الجحيم في جسد تاليس!

 

كانت نشيطة متحمسة وقد بلغت ذروتها.

 

وبدا الزمن في تلك اللحظة كأنه عاد فجأة إلى طبيعته!

 

اختفى تعبير الدهشة على وجه جونفيلد في الحال، وحلّ محله تعبير ضارٍ جاد.

 

وأحسّ تاليس أنه حين اصطدم سيفاهما الطويلان، زأرت قوتا إبادتهما معًا!

 

وظهر هجوم جونفيلد من جديد.

 

لكن الأمير لم يفعل سوى أن حرّك معصمه بخفة.

 

فرسم بسيفه الطويل دائرة في الهواء، وأخذ يرجّح سيفه تبعًا لزخم سلاح جونفيلد!

 

وحين احتكّ المعدنان، دوّى صوت مروّع.

 

ولم يملك دويل، الذي كان يشاهد من الجانب، إلا أن شهق مذهولًا.

 

«هذا…»

 

وفي لمح البصر انفصل السيفان. واندفع سيف جونفيلد الطويل إلى الأمام بزخم لم يسبق له مثيل!

 

أما تاليس فاستدار قليلًا، ومرّ سيفه الطويل بمحاذاة سيف جونفيلد، ثم طعن إلى الأمام!

 

وتداخل ظلاهما في ساحة التدريب.

 

«بانغ!»

 

ارتفع دويّ انفجار عال.

 

وتوقف الاثنان معًا.

 

وشهق أفراد الحرس الملكي الذين كانوا يشاهدون من الجانب إعجابًا بصوت خافت.

 

وظل مالوس يحدّق في الساحة، حتى إنه تجاهل أصوات من حوله الذين كانوا يحثونه على فعل شيء.

 

لهث تاليس في ساحة التدريب وهو يستشعر خطيئة نهر الجحيم التي كادت تجف تتدفق فيه غضبًا.

 

وحوّل نظره. فإذا الجزء العلوي من درعه قد تحطم إلى قطع في وقت ما، ولم يبقَ في يده سوى نصفه.

 

أما سيف تدريب جونفيلد فقد توقف عند كتفيه، وضغط نصله المعدني على عنقه، فأحسّ ببرودة السيف على جلده.

 

بينما مرّ سيف تاليس بمحاذاة كتف جونفيلد وتجاوزه ببضعة سنتيمترات، ثم توقف في الهواء.

 

لم تنجح الحركة.

 

أحسّ تاليس بالألم و التخدر في جسده، فتنهد.

 

لقد خسر مجددًا.

 

وعلت المناقشات بين أفراد الحرس الملكي.

 

لكن في تلك اللحظة…

 

«أنا من خسر».

 

أمامه، سحب الفارس ذو المظهر الأنيق النظيف، الذي في الثلاثينيات، سيفه الطويل برشاقة وأومأ بأدب.

 

فبدت الحيرة على تاليس.

 

«صحيح أنني استطعتُ أن أصيب نقطتك الحيوية يا صاحب السمو، لكن ذلك لأن درع تدريبك تحمّل هجمات كثيرة فلم يعد يقوى على المزيد».

 

ابتسم جونفيلد ابتسامة ودودة وأشار إلى نصف الدرع المتبقي على ذراع تاليس.

 

ثم خطا خطوة إلى الوراء وتنهد، ولمس درعه الجلدي على صدره. وكان عليه خدش جديد.

 

«وقبل ذلك، مسّ سيفُك عنقي».

 

ذُهل تاليس.

 

ونظر إليه جونفيلد بصدق.

 

«مع أنك لم تلمسني إلا بظهر سيفك…» ابتسم جونفيلد وهزّ رأسه. «فلو كان سيفًا حقيقيًّا لخسرتُ».

 

وارتفعت ضجة بين أفراد الحرس الملكي.

 

ونظر إليه تاليس مشدوهًا.

 

وبعد بضع ثوانٍ، هزّ المراهق رأسه. وأبعد عنه كل البصائر التي اكتسبها في المعركة قبل قليل، وعاد إلى واقع الموقف.

 

«لا. لقد أبليتَ بلاءً حسنًا. كادت تنعدم فرصتي في المقاومة». تنهد تاليس. «حتى في النهاية، بقي لديك بعض القوة لتكبح نفسك. وهذا يدل على أنك أقوى مني، فأنت الفائز».

 

انحنى جونفيلد ولم يقل شيئًا. بل ابتسم فقط، ووضع سيف التدريب، ثم استدار وانصرف.

 

«فعلًا».

 

صفا ذهن تاليس قليلًا.

 

فهو يعلم أن بروكا وكومودور وجونفيلد، جميعهم، لم يأتوا إلا ليتدربوا معه. ثم إن الفارق في المرتبة بينهم جعلهم يكبحون ضرباتهم ولا يقسون عليه.

 

«لو كانت معهم سيوف حقيقية، لتحوّلتُ إلى…»

 

أحسّ تاليس بالألم والتورم في ذراعيه وهو ينظر إلى الكدمات عليهما…

 

وكان يمكن أن يتحول إلى نسخة الأمير من كعكة الجوز المقطعة، تُقدَّم قطعًا عدة.

 

وبدأ أفراد الحرس الملكي يتناقشون فيما بينهم. واستدار مالوس وتحدث مع حامل الراية فوبي الذي بجانبه. وبدا أنه لا وقت لديهم لتاليس.

 

«كان على وشك الخسارة قبل لحظة، لكن لماذا أشعر دائمًا أن ثمة شيئًا…»

 

أدار دويل رأسه حائرًا وهو ما زال خارج الساحة، لكن غلوفر قاطعه.

 

«لقد استشعر قوة الضربة وحكم بناءً عليها».

 

عقد ضابط الطليعة الملقب بالزومبي ذراعيه على صدره، وتلألأت عيناه كالمنارتين.

 

«كانت هجمات جونفيلد شديدة الضراوة، ولا سبيل إلى إيقافها.

 

«لذلك تعلّم ذلك الفتى من أساليب ضابط الإمداد بروكا، الذي قاتله قبل قليل. استخدم أسلوبه في الدفاع والهجوم المضاد، الذي يزداد فيه قوة كلما ازداد خصمه قوة، ليواجه خصمًا تنهال هجماته عليه بروح لا تقهر، وراح يبحث عن فرصة».

 

حدّق غلوفر في تاليس الذي جلس بخيبة.

 

«لكن قوته نفدت في النهاية، وكان حظه سيئًا».

 

تجمد وجه دويل لحظة.

 

«بروكا؟»

 

«يا للهول، هل اختار ما يناسبه على الفور ووضع خطة؟»

 

حدّق دويل في تاليس مذهولًا وهو يستوعب شارد الذهن تجربته في القتال.

 

«إذن، دوقنا يفكر بسرعة فائقة حقًّا؟»

 

ولم يفعل غلوفر هذه المرة سوى أن هزّ رأسه دون أن يقول شيئًا.

 

وأخيرًا أفاق مالوس من شروده حين سمع الحراس يتناقشون في الأمر بلا توقف.

 

«إذن، من التالي؟» سأل الحارس الأعلى بهدوء.

 

فسكت أفراد الحرس الملكي الذين كانوا يتحدثون فيما بينهم على الفور.

 

أما تاليس فازداد وجهه كآبة حين سمع ذلك.

 

«ما زلتم تريدون المزيد؟ أنا على وشك الانهيار، أتعلمون؟»

 

وقال تاليس بسخط: «سيدي مالوس، ما دمتَ تبدو منطقيًّا إلى هذا الحد قبل قليل، فلا بد أن مهارتك جيدة».

 

وفرك الدوق الكدمات على ذراعيه وصرّ على أسنانه من الضيق: «فلماذا ترفض أن تأتي و تقاتلني بنفسك؟»

 

ابتسم مالوس ابتسامة خفيفة: «لأنني لست بارعًا في الانخراط في القتال بنفسي يا صاحب السمو».

 

«ليس بارعًا في الانخراط في القتال بنفسه؟»

 

ذُهل تاليس، وخطر في باله على الفور حارس أعلى آخر.

 

«إذن لماذا سمحوا لك بأن تصبح حارسًا أعلى؟»

 

بقيت ابتسامة مالوس أنيقة: «أنا بارع في مراقبة ساحة المعركة ووضع الاستراتيجيات والتعبئة».

 

عبس تاليس.

 

«إذن ما أنت؟» شخر تاليس ببرود وسخر منه: «نسخة السحر من وانغ يويان [1]؟»

 

ضيّق مالوس عينيه: «وانغ من؟»

 

سعل تاليس: «أقصد، ألستَ واثقًا من نفسك حتى حين تواجه هاويًا مثلي؟»

 

ابتسم مالوس بلطف. ثم نظر إلى أفراد الحرس الملكي من حوله، وابتسم، وقال: «كما قلتُ لك، لستُ بارعًا في الانخراط في القتال بنفسي. ولو قاتلتك فعلًا يا صاحب السمو، فاحتمال فوزي لن يتجاوز خمسين بالمئة في الأرجح».

 

استشاط تاليس غضبًا حتى قلّب عينيه.

 

لكنه كان قد استُنزف إلى حد أنه احتاج إلى أن يجمع طاقته ليرد.

 

ونظر مالوس إلى أحد أفراد الحرس الملكي، وكان شابًّا جدًّا: «وماذا عنك يا نيس؟ هل تريد أن تقاتل سموّه؟»

 

وفي تلك اللحظة، قبل أن يتكلم أحد، تسلل إلى آذانهم ببطء صوت أنثوي ناضج، تصحبه نقرات كعب عالٍ.

 

«أوه، أهذا ما تسمونه جميعًا درس فنون قتال؟»

 

كان الصوت صافيًا قويًّا.

 

فاتسعت عينا مالوس!

 

وحين سمع أفراد الحرس الملكي هذا الصوت، ارتفعت منهم ضجة، ثم خيّم عليهم صمت غريب، فاستداروا بصمت لمواجهة صاحبته.

 

وما إن رأى دويل هيئة القادمة حتى لعن بصوت خافت، ثم أطبق فمه على الفور و اختبأ خلف غلوفر.

 

واستدار تاليس، فذُهل هو الآخر.

 

حدّق مشدوهًا في المرأة التي تقدمت نحوه بتمهل من الرواق خارج الساحة. كانت امرأة في منتصف العمر، ناضجة رزينة، بقوام أنيق.

 

وبالمقارنة مع غيلبرت وكيسل، بقيت أنيقة حتى بعد ست سنوات. فهي فاتنة، وشعرها أسود كالحبر، وعيناها جميلتان كلوحة. ولا يكاد يظهر عليها أثر للعمر سوى بعض التجاعيد.

 

وواصل كعبها العالي الطرق على الأرض بقوة وإيقاع. وسواء مشت على حجر أو عشب أو بلاط خزفي أو حصى، بقيت خطاها كما هي دائمًا، لا تتغير.

 

حدّق تاليس بذهول في المرأة.

 

ورأى مشيتها الفخورة الباسلة التي لم تنقص، وسلوكها الطليق وحركاتها التي تنم عن الحرية.

 

إنها تعيش كما تشاء.

 

وتبادل أفراد حرس بحيرة النجوم النظرات حائرين، وبدا عليهم التردد.

 

لكنهم بدأوا ينحنون ويحيّونها باحترام بقيادة مالوس.

 

غير أن السيدة سوداء الشعر تظاهرت بأنها لم تَرهم. وتجاهلتهم تمامًا. بل نظرت حولها وتركت بصرها يستقر على تاليس لحظة ثم أشاحت عنه.

 

وزفرت بخفة: «انظروا، ما هذا الهراء بالضبط الذي تعلّمونه؟»

 

شعر أفراد الحرس الملكي بالحرج، لكنهم لزموا الصمت بغرابة، ولم يجرؤ أحد على الرد عليها.

 

«سيدتي، لعلكِ لا تفهمين». وأخيرًا، خفض مالوس، وهو قائدهم، رأسه وسعل: «نحن نحقق الآن في قوة الإبادة لدى سموّه ونجمع المعلومات عنها، لنساعده على…»

 

«إذن، هل أنهيتم التحقيق؟»

 

قاطعته السيدة داكنة الشعر دون مراعاة، وبدا في صوتها نفاد صبر.

 

«وإلى متى تنوون الاستمرار في ضربه؟»

 

وجد مالوس نفسه عاجزًا عن الكلام في الحال.

 

فأسرع حامل الراية فوبي، الذي كان خلفه، إلى تلطيف الموقف: «في الحقيقة، صار لدينا بعض الخيوط الآن، لكننا ما زلنا بحاجة إلى…»

 

لكن السيدة قاطعته هو الآخر.

 

«أوه، إذن أنتم جادّون في الأمر». مشت إلى حافة الساحة ونظرت إلى الحاضرين، ولمع الازدراء في عينيها لمحة: «ألم تكونوا تلعبون لعبة البيت؟»

 

فتبادل الحراس النظرات حائرين من جديد.

 

وصمت مالوس بضع ثوانٍ: «سيدتي…»

 

لكن السيدة في منتصف العمر شخرت ببرود وقاطعته للمرة الثالثة.

 

«أنتَ». أدارت السيدة داكنة الشعر رأسها ببرود ونظرت إلى غلوفر، فحار الرجل وأشار إلى نفسه.

 

«لا، لستَ أنت. أقصد الذي خلفك.

 

«محطّم القلوب من عائلة دويل. لا تظن أنني لا أراك لمجرد أنك تختبئ خلف ذلك الرجل الطويل».

 

خرج دويل من خلف غلوفر بوجه متجهم، وأجبر نفسه على الابتسام: «سيدتي…»

 

لكن السيدة الرشيقة داكنة الشعر أصدرت أمرها فحسب، بصوت حاسم قوي لا تردد فيه: «أنتَ، اصعد وتدرّب مع الأمير.

 

«افعل ما قاله قائدك. حقّق في قوة الإبادة لديه».

 

أما تاليس، الذي كان غارقًا في ذكرياته، فذُهل قليلًا.

 

وتغيّر وجه دويل هو الآخر.

 

«ماذا؟ ألستَ راغبًا؟»

 

ارتعشت حاجبا دويل.

 

وقالت السيدة ببرود: «أيعني هذا أن مبارزة الأمير تاليس… إهانة لعائلتك؟»

 

ارتجف دويل حين سمع ذلك.

 

لم يجرؤ على الرد. وسار نحو ساحة القتال كمن استسلم للموت، ورأسه مشوش كدمية يحركها محرك بخيوط. وكان على وشك أن يمسك بسيف تدريب وهو يأمل أن ينتهي هذا الكابوس سريعًا، حين تلاشت أمنيته الجميلة.

 

«انتظر». ارتفع صوت السيدة متراخيًا، فتجمد قدم دي دي في الهواء ولم يجرؤ على الحركة: «استخدم سيفك أنت».

 

وما إن قيلت هذه الكلمات حتى ارتفعت ضجة بين أفراد الحرس الملكي!

 

وتغيّر تعبير مالوس مرارًا، وبدا أنه لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بلامبالاته المعتادة.

 

والتفت دويل مذهولًا، ولم يعد يبالي بالخوف في قلبه.

 

«أ-أستخدم… س سيفًا حقيقيًّا؟»

 

وشخرت السيدة من أنفها، وكان لشخيرها نغمة: «وماذا غير ذلك؟»

 

فظل دويل متصلبًا في مكانه.

 

«أسرع. اسحب سيفك وواجهه بحياتك».

 

ورُئيت السيدة تمسح الحرس بنظرة باردة.

 

«وإلا فستضيع وقتك في التحقيق في قوة الإبادة لديه».

 

صُدم تاليس حين سمع ذلك، لكنه أحسّ بالدفء في الوقت نفسه.

 

«كما هو متوقع، حتى بعد ست سنوات، ما زالت…»

 

وكان حامل الراية فوبي، خلف مالوس، قد اكفهر وجهه. فسأل بروكا الذي هرع إليه من الخلف: «كيف دخلت؟»

 

وبدت على بروكا علامات الألم. ولوّح بيديه استسلامًا وقلة حيلة: «أيها القائد، ألا تعلم أنها… جلالته…

 

«باختصار، لن يجرؤ أحد على محاولة إيقافها في قاعة ميندس كلها، حتى إخوتنا».

 

فاغتمّ فوبي على الفور غمًّا شديدًا.

 

وأخذ تاليس نفسًا عميقًا ونظر إلى دويل، الذي لم يجرؤ حتى على التنفس بصوت عال بعد أن وُبّخ، وخطا خطوة إلى الأمام.

 

«سيدتي، أنا…»

 

غير أنه ما إن تكلم حتى قاطعته بنفاد صبر الموظفة الرفيعة من الدرجة الأولى في قصر النهضة، وعشيقة أبيه، ومن علّمته أساسيات أسلوب السيف العسكري الشمالي، السيدة جاينز باجكوفيتش: «اخرس أيها الصبي».

 

فعجز تاليس عن الكلام في الحال.

 

«كم مرة ذكرتُ في رسالتي؟ حين تعود، سأختبر مهاراتك بالسيف».

 

مشت جاينز إليه، فرأت أن تاليس بات يقارب طولها. فارتجفت شفتاها قليلًا، وبدأ بصرها يشرد وقد تجمعت الدموع في عينيها.

 

لكن الموظفة سرعان ما أدارت رأسها، واختفت الدموع من عينيها دون أثر: «وما الذي تفعله الآن؟»

 

ونظرت جاينز إلى الجهة الأخرى وقالت بصرامة: «سيوف لعبة؟ أتلعبون لعبة البيت؟ هل ما زلتم في السابعة؟»

 

وتأملت نحو عشرين من أفراد الحرس الملكي وقالت بحزم: «وهل أنتم في السابعة أيضًا؟»

 

أما مالوس، قائد الحرس الملكي، فظل صامتًا ولم يقل شيئًا.

 

«لماذا ما زلتم تحلمون في يقظتكم؟»

 

وزفرت جاينز.

 

وما إن بدت كمن فرغت من تفريغ غضبها حتى التفتت إلى دويل مرة أخرى. وكان دويل يحاول جاهدًا أن يتظاهر بأنه عمود حجري في الساحة: «هيا يا دي دي، قاتله بسيفك حتى ترى الدم أو حتى تكتشف قوة الإبادة لديه».

 

ارتجف دويل ورفع رأسه: «أ-أنا، سيدتي، هذا السيف ورثته عن جدتي، ولا يمكن استخدامه هكذا ببساطة…»

 

وفضحته جاينز بلا رحمة: «هراء. كم مرة أمسكتُ بدويل العجوز في سوق الشارع الأحمر وأنا صغيرة؟

 

«جدتك ماتت منذ زمن طويل. وفي كل مرة كان جدك هو من يخرج ويدفع الكفالة!»

 

ارتجف دويل حين سمع ذلك. وخفض رأسه ولم يجرؤ على إصدار صوت.

 

وشخرت جاينز ببرود. وطرقت الأرض بكعبها العالي، وكان صوته يُسمع بوضوح وهي تمر بجانب كل فرد من الحرس الملكي.

 

«وأنت؟

 

«أنت؟ أو ربما أنت؟

 

«استخدم سيفك الحقيقي وتدرّب معه».

 

لم يجب أحد. بل لم يجرؤوا حتى على رفع رؤوسهم.

 

فشخرت جاينز ببرود والتفتت إلى القائد.

 

«إن كان الأمر كذلك، فلنجعلك أنت من يذهب يا مالوس».

 

وقالت الموظفة باحتقار: «ألستَ الخادم المخلص لجلالته؟ ذلك النوع من الخدم الذي يقتل أي أحد إن أمره جلالته بذلك؟»

 

وصمت مالوس بضع ثوانٍ.

 

وفي النهاية، أخذ الحارس الأعلى نفسًا عميقًا.

 

«لا حاجة إلى ذلك يا سيدتي. لقد أنجزنا مهمتنا. وفهمنا قوة الإبادة لدى سموّه».

 

فتفاجأ تاليس حين سمع ذلك.

 

«فهمتم؟

 

«ماذا؟ خطيئة نهر الجحيم؟ أليست قوة الإبادة التي قال السيف الأسود إنها لا ينبغي أن تظهر لأحد؟

 

«فهمها بهذه البساطة؟»

 

«انتهى درس فنون القتال».

 

وارتسمت على وجه مالوس ابتسامة متكلفة: «سيدتي، يمكنكِ الآن أن تعطي سموّه درس الآداب.

 

«و سأنصرف انا وزملائي الآن».

 

لكن جاينز لم تكن تنوي أن تنهي هذه المسألة بلباقة: «أوه، حقًّا؟ فهمتم بهذه البساطة؟»

 

وقالت الموظفة وهي تنقر بلسانها: «لم تستخدموا سيوفًا حقيقية لتجرحوه، ومع ذلك استطعتم أن تعرفوا ما قوة الإبادة لديه، وهذه ليست معركة حقيقية بسلاح حقيقي؟»

 

وأشارت جاينز إلى تاليس ونظرتها باردة: «وماذا لو أخطأتم؟ أستضربونه مرة أخرى؟»

 

وأحسّ تاليس بقلبه يتجمد.

 

وسعل مالوس. وبدا أنه اعتاد عادة جاينز في تصعيب الأمور على الناس.

 

وقال الحارس الأعلى بتصلب أمام الجميع: «صحيح أن قوة الإبادة لدى سموّه غريبة جدًّا، وليس لها خاصية واضحة. كما أن زيادتها لصفاته الجسدية محدودة للغاية».

 

وضيّقت جاينز عينيها.

 

ورفع مالوس بصره ووجّهه مباشرة إلى تاليس: «لكنه استطاع الصمود في ثلاث معارك».

 

فشهق تاليس، وارتسم على وجهه الحيرة هو الآخر.

 

وقال الحارس الأعلى بهدوء: «قبل أن يصاب بروكا، كان من نخبة قسم الدفاع. والمهارات الفريدة التي يستخدمها في هجماته المضادة قادرة حتى على إصابة مقاتلي الرتبة العليا إصابة بالغة.

 

«ومع أن جان في قسم الدفاع، فقد كان في الأصل ضابط شرطة. والمهارات التي تعلمها في القتال القريب من الشوارع عملية وفعالة. وهو بارع في استخدام وسائل غير متوقعة لهزيمة أعدائه.

 

«أما جونفيلد فلم يُنقل إلا مؤخرًا من ضابط عقوبات إلى الطليعة. وأكبر سبب لذلك أن هجماته ضارية أكثر من اللازم».

 

فتحرك الثلاثة المذكورون قليلًا.

 

«لكن سموّه استطاع الصمود في قتاله معهم، ولم يخسر بصورة مزرية جدًّا»، قال مالوس بتنظيم.

 

ثم جمّد الحارس الأعلى ملامحه، وكانت نظرته كالبرق، حادة إلى درجة أقلقت تاليس قليلًا.

 

«يا صاحب السمو، هناك قوة إبادة تشبه قوتك كثيرًا مسجلة في التاريخ».

 

وارتج تاليس قليلًا.

 

«قوة إبادة تشبه قوتي كثيرًا مسجلة في التاريخ؟»

 

فتذكّر على الفور المثال الذي أخبره به ريكي وهو لا يزال في معسكر أنياب النصل.

 

أولئك هم الأسلاف الذين ذكر ريكي أنهم حملوا خطيئة نهر الجحيم، وكانوا أيضًا ممن حملوا رسالة جيلهم.

 

لكن ما قاله مالوس بعد ذلك فاق توقعه.

 

«قبل مئتي عام، ظهرت في العائلة الملكية جيدستار عبقرية لا نظير لها في فنون القتال والمعارك».

 

«العائلة الملكية جيدستار؟»

 

رفع تاليس رأسه مصدومًا.

 

«ماذا…؟

 

«هل ذكر ريكي أي جيدستار بين تلك الأسماء الغريبة المزخرفة؟»

 

وتنحنح مالوس، وتكلم بصوت عال أمام الحشد المنصت: «ذلك العبقري من العائلة الملكية صحت فيه قوة إبادة نادرة، مكّنته من الكفاح والنجاة في مواقف خطرة لا تحصى. وكان بوسعه أيضًا أن يفلت من الموت بأعجوبة.

 

«كانت تشبه قوة الأمير تاليس اليوم، إذ مكّنته من الصمود في الأوضاع الصعبة».

 

ورمش تاليس.

 

«هاه؟»

 

وأومأ مالوس.

 

«وفي النهاية صار ذلك العبقري أسطورة من الرتبة العليا في جيله. وانتشر اسمه في البلاد، ولا يزال مشهورًا إلى اليوم».

 

وعبست جاينز: «ومن هو…»

 

وأخذ مالوس نفسًا عميقًا ونظر إلى تاليس: «إنه الأمير الرومانسي الذي عاش حرًّا. قاتل في كل شبه الجزيرة الغربية، ولم يصادف قط من يصلح أن يكون عدوًّا له. وهو أسطورة تدوم قرونًا.

 

«كيرا جيدستار».

 

ولمعت عينا الحارس الأعلى ببريق: «يعرفه الناس باسم عدو الذئاب».

 

وضجّ الحشد.

 

أما تاليس فكان مشدوهًا تمامًا.

 

«الأمير الأسطوري كيرا جيدستار، عدو الذئاب؟»

 

ورفع مالوس رأسه، وكان صارمًا جادًّا. وقال بهدوء: «وقوة الإبادة التي اعتمد عليها الأمير كيرا ليشتهر ويهز العالم تُعرف باسم غضب البحر».

 

ثانية. ثانيتان. ثلاث ثوانٍ.

 

وفي تلك اللحظة، غرقت ساحة التدريب كلها في حمّى.

 

وتحدث أفراد الحرس الملكي بعضهم إلى بعض بسرعة. وبعضهم متحمس مصدوم، وبعضهم لا ينقطع عن النظر إلى تاليس.

 

وغاصت جاينز هي الأخرى في تفكير عميق.

 

أما بطل الحديث نفسه فوقف متجمدًا في الأرض.

 

«غضب… ماذا الآن؟» تلعثم تاليس في قلبه.

 

«سمعتُ أن الشماليين رتّبوا مدرّبين للأمير، وأنه صادف أن يكون قاتل الأمير هوراس. وأن الشماليين استخدموا ذلك عمدًا ليهينونا». كان دويل قد تسلل عائدًا إلى جانب غلوفر، وكزّ رفيقه مصدومًا. «وبحسب ما يبدو الآن، هل علّمه ذلك القاتل فعلًا بجدية؟»

 

وبينما كان الحشد في فوضى، انتهز مالوس الفرصة لينهي الأمر بلباقة: «أعتذر يا سيدة جاينز. هذا كل شيء لهذا اليوم.

 

«أما أنت يا صاحب السمو، فسأطّلع على المعلومات المتعلقة بزمن حياة عدو الذئاب.

 

«ومن الآن فصاعدًا، سيكون لدينا اتجاه أكثر تحديدًا لتدريبك».

 

ولم ينتظر الحارس الأعلى ردود أفعالهم، بل التفت إلى مجموع الحراس: «يمكنكم الانصراف الآن. عودوا إلى مواقعكم».

 

وخطر في رأس مالوس خاطر: «إلا إذا… كان أحدكم يريد أن يتحدث مع السيدة جاينز عن الأيام الخوالي؟»

 

وما إن أنهى كلامه حتى تفرق حرس بحيرة النجوم الملكي في ضجة، ولم يبدُ أن أحدًا يريد البقاء لحظة أخرى.

 

والتفت مالوس وأومأ قليلًا لجاينز ولتاليس.

 

وشخرت الموظفة ببرود، ثم استدارت ومشت إلى الأمام.

 

«لماذا ما زلتَ واقفًا هناك تحلم في يقظتك أيها الصبي؟ لديك درس!»

 

فارتجف تاليس، وأفاق من صدمته وحيرته.

 

والتفت، وركض خببًا نحوها دون أن يبالي بمظهره أو هيئته ليلحق بكعبها العالي بسرعة.

 

وبينما كان المراهق يركض، تمتم في قلبه: «ما الذي يحدث؟ في السنوات الست الماضية، سوى أنني كنتُ أُضرب بوحشية كل يوم وأنا أتصبب دمًا وأبكي وأصرّ على أسناني لأواجه نيكولاس وأفكر في طرق أعيش بها تحت ظله الضخم المرعب الشرس، فماذا فعلتُ أيضًا لتشبه قوة إبادتي غضب البحر إلى هذا الحد؟»

 

وظل مالوس يحدّق في جاينز وتاليس وهما يبتعدان، وهو واقف في ساحة التدريب التي فرغت سريعًا. وكان وجهه قاتمًا قليلًا.

 

«وأنت يا بروكا. أرسل الخبر». نادى مالوس بروكا، آخر من غادر.

 

«هذه المرة، يمكن اعتبارنا لم نعتد بعد على واجباتنا، فقد تأسسنا للتو. لكن في المرة القادمة، حتى لو جاء جلالته بنفسه…» جعلت طريقة تشديد مالوس على كلمة «بنفسه» بروكا يتوتر بغريزته.

 

وأدار الحارس الأعلى رأسه ببطء، وتلألأ في عينيه بريق جاد بصورة غير طبيعية: «… فلا يُسمح لحرسي بأن يدخلوه دون عائق ودون أن يرسلوا إليّ خبرًا، مفهوم؟»

 

ورجف بروكا بكل جسده.

 

وأحسّ فجأة أن الضابط تورموند مالوس المعتاد، اللامبالي المسترخي، قد اختفى في تلك اللحظة.

 

فأومأ بروكا بسرعة باحترام، و استدار وغادر.

 

وحدّق مالوس في ظهره. وكانت نظرته معقدة، وأفكاره لا تُقرأ.

 

وبعد لحظة، التفت الحارس الأعلى إلى الشخص الوحيد المتبقي إلى جانبه.

 

«هوغو؟» وتقدم هوغو فوبي، حامل راية الحرس الشخصي للدوق، إلى مالوس بصورة غير ملفتة وطائعة.

 

«هل سجّلتَ تدريب اليوم، بما فيه قوة الإبادة لدى الأمير؟» سأل مالوس بهدوء.

 

«بالطبع». أخرج حامل الراية فوبي دفترًا، وومض في عينيه فجأة بريق ذكاء: «غضب البحر. وسجّلتُ أيضًا طريقة الأمير تاليس في التعامل مع القتال، وكذلك…»

 

لكن مالوس قاطعه: «طفرة».

 

ورفع فوبي بصره بنظرة حائرة.

 

«أضف سطرًا آخر إلى سجلك»، قال مالوس بهدوء. وعاد تعبيره ونبرته تدريجيًّا إلى البرود واللامبالاة اللذين يعتمدهما عادة.

 

«قوة إبادة الأمير تاليس نسخة متحوّرة نادرة من غضب البحر».

 

رمش فوبي وعبس.

 

«أما الاتجاه الدقيق لتلك الطفرة وخصائصها…»

 

وزفر مالوس، وتعبيره ساكن كالماء: «فهي مشؤومة».

 

وذُهل فوبي أكثر من بضع ثوانٍ.

 

«متحوّرة. مشؤومة… أيها القائد، هل أنت متأكد؟»

 

ونظر إلى دفتره وقال حائرًا: «هذا من أجل نائب القائد تالون، و سيرفعه إلى جلالته أيضًا، وإذا كانت سجلاتنا غير واضحة وغير دقيقة…»

 

فالتفت مالوس فجأة: «أجل، أنا متأكد».

 

وقاطع حامل الراية فوبي بحزم، وتلألأت نظرته بضراوة: «متأكد تمامًا».

 

ملاحظة المترجم:

 

[1] وانغ يويان: شخصية في رواية لجين يونغ، كانت تعرف فنون قتال كثيرة لكنها لم تمارس أيًّا منها.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.