تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل524

الاعتماد على النفس

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 25, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 524: الاعتماد على النفس

 

وقف تاليس إلى جانب طاولة الدراسة في الطابق الثاني وهو يشعر بعدم الارتياح، وأخرج منشفة منقوعة في الماء الساخن من الحوض الخشبي.

 

كان لا يزال يرتدي زي التدريب، وقد تبللت بقع متفرقة منه بالعرق وفاحت منه رائحة كريهة. وبشرته لزجة دهنية، وتؤلمه الجروح والكدمات ألمًا خفيفًا، و بقى الإعياء في جسده فسبب له انزعاجًا كبيرًا.

 

وبدا كأنه عاد إلى زمن كان فيه متسولًا صغيرًا.

 

لكن تاليس لم ينطق بكلمة.

 

بل اكتفى بأن يفرك وجهه وعنقه بصمت، وفيه قدر يسير من الترقب والتوتر، وهو يختلس النظر بين حين وآخر إلى ذلك الظل الباسل الذي عقدت صاحبته ذراعيها أمام صدرها ووقفت عند النافذة.

 

وبصمت، حدّقت جاينز في الشمس التي كادت تبلغ الأفق، وراقبت الخدم وهم يسرعون إلى إشعال الأضواء في الفناء. وجعلها تعبير وجهها، من الجانب، تبدو هادئة عميقة، كأنها تتأمل أفكارًا ما أو تستعيد ذكريات قديمة.

 

«ما كان ينبغي أن تسمح لهم بذلك».

 

كان صوت جاينز باردًا صافيًا قويًّا. وكان حازمًا، بحزم من مرّ بمشاق في حياته.

 

فتوقف تاليس فورًا عن عصر المنشفة بذراعه.

 

«ما كان ينبغي أن تسمح للحراس بذلك التصرف الوقح قبل قليل». استدارت الموظفة الرفيعة ببطء، وبقي ظهرها مستقيمًا متينًا كما كان قبل ست سنوات، كشجرة أرز في الشتاء.

 

«أيها الصبي».

 

كانت عيناها حادتين كعادتهما، ونبرتها صارمة كعادتها، فتذكّر تاليس لقاءهما الأول قبل ست سنوات.

 

ففي ذلك اللقاء، عقدت ذراعيها فوق صدرها كما تفعل الآن، وبدا عليها تعبير عميق يصعب فهمه وهي تمسحه بنظرها من رأسه إلى قدميه.

 

أما الآن، بعد ست سنوات، فقد أراد تاليس بلا وعي أن يشيح بوجهه ليتجنب عيني معلمته التي لقّنته المبادئ الأولى.

 

«ربما»، قال بصوت خافت، وفي نبرته بعض العجز وبعض التأثر.

 

وتناول تاليس المنشفة وغطى بها عينيه في الوقت المناسب، ودفن وجهه المتسخ وتعبيره الذي لم يستطع ضبطه تمامًا في القماش الدافئ الناعم.

 

ولم تقل جاينز كلمة واحدة.

 

ثم أنزل المنشفة وحاول أن ينظر إلى عيني جاينز بهدوء، وبذل جهده ليرسم أكثر ابتساماته طبيعية ودفئًا.

 

«سيدتي، يسعدني… أن أراكِ مجددًا».

 

بعد ست سنوات.

 

لم تجب جاينز على الفور. بل بقيت صامتة وهي تثبّت نظرها على تاليس. وقد اكتسبت عيناها اللتان كانتا في الأصل صارمتين باردتين شيئًا من العاطفة لا يجد له وصفًا.

 

«حسنًا». وبعد بضع ثوانٍ، أشاحت الموظفة الرفيعة من الدرجة الأولى بنظرها، وأخذت نفسًا عميقًا كأنها تكبح شيئًا.

 

«إذن سيبدأ درس الآداب الآن». عادت نبرة جاينز ثابتة صارمة، وابتعدت عن النافذة.

 

فأفاق تاليس من شروده. وأحسّ بذلك القلق الذي يعتريه بحكم العادة كلما وقف أمام معلمته التي لقّنته المبادئ الأولى. وتحمّل بقوة التعب في جسده، وأسرع إلى رمي المنشفة.

 

«لا داعي». منعته جاينز من رفع الحوض الخشبي: «لن نتدرب على آداب المائدة اليوم».

 

«آداب المائدة».

 

انثالت ذكريات الماضي في ذهن تاليس، لكنه أجبرها على الانحسار.

 

وجلست الموظفة على كرسي الضيوف وتجاهلت المرطبات بجانبها. وألقت نظرة سريعة على تاليس، الذي بدا مرتبكًا بعض الشيء بعد التدريب، وارتسم على وجهها شيء من اللين.

 

«ولن يطول درسك الأول، فمن الواضح أنك تحتاج إلى الراحة الآن».

 

ذُهل تاليس بضع ثوانٍ، ثم أومأ فورًا امتنانًا: «شكرًا لكِ يا سيدتي».

 

لكن تعبير جاينز انقلب جادًّا بعد ذلك: «لا تتعجل في الابتهاج. فسنعوّض الوقت الضائع في الدرس القادم».

 

وفي تلك اللحظة، شعر تاليس كأنه عاد إلى ما قبل ست سنوات. وتذكّر كيف كان ينظر إلى الموظفة جاينز، الصارمة في ساحة التدريب وعلى مائدة الطعام معًا، وهي تأمره بوجه جامد أن يرفع درعه وأن يمسك الشوكة والسكين كما ينبغي.

 

وعاد الإحساس المألوف يتدفق إلى ذهنه فلم يستطع كبحه.

 

فذلك المشهد يبدو كأنه جرى بالأمس.

 

وكأنه لم يغادر الشمال قط. فقد مرّ الزمن طائرًا ولم يعد منذ سنوات.

 

وكأن الفترة التي امتدت أكثر من ست سنوات كانت مجرد حلم من ليلة أمس، ولم تقع في الواقع قط.

 

وحين استيقظ صباح اليوم، جلس منتصبًا أمام جاينز يصغي إلى الدرس بانتباه.

 

كتم تاليس اللسع في عينيه والمشاعر المتدفقة في صدره. وأومأ، وتذكّر آداب الكوكبة، وجلس منتصبًا بجدية.

 

وظلت جاينز تحدّق فيه حتى استعاد تاليس رباطة جأشه.

 

«في عصر الإمبراطورية قبل ألف عام، كان الإمبراطور الأعلى يعيّن حرسه الإمبراطوري الخاص حول الأمراء ليؤدوا واجبهم نحو أسيادهم كفرسان».

 

دخلت جاينز في صلب الموضوع مباشرة كعادتها، وعيناها تمسحان تاليس.

 

«وبعد معركة الإبادة، ورغم أن تقاليد الفرسان القديمة كادت تضيع تمامًا، فقد توارثت أجيال ملوك الكوكبة هذه العادة. فكانوا يعيّنون الحرس الملكي ليحرس الأمراء البالغين، فيخدمونهم حرسًا شخصيين وملازمين وخدمًا ومعاونين، وصولًا إلى أن يصيروا تابعين لهم في المستقبل».

 

لم يتوقع تاليس يومًا أن تتحدث جاينز عن التاريخ ما إن تفتح فمها. لكن المراهق استوعب الأمر بعد ذلك بقليل.

 

فهي غير راضية عن أدائه قبل قليل.

 

«وكل الأمراء، منذ العصور القديمة حتى اليوم، كان عليهم أن يتعلموا كيف يديرون هؤلاء الخدم و يستخدمونهم، وهم أصحاب دلالة استثنائية وخلفيات معقدة، وكيف يتعايشون مع الحرس الملكي ويبنون معهم رفقة».

 

«خدم أصحاب دلالة استثنائية وخلفيات معقدة…»

 

شدّ تاليس قبضتيه برفق.

 

وتذكّر لامبالاة مالوس، واحتقار دويل، وبرود غلوفر في قاعة ميندس.

 

لكنه تذكّر في الثانية التالية أيضًا صمت زاكريل، ومثابرة بارني الابن، وموقف سامل المتطرف في سجن العظام.

 

«وهذا، بلا شك، جزء من آداب العائلة الملكية أيضًا». ازدادت كلمات جاينز وقارًا واحترامًا.

 

أصغى تاليس إليها بصمت.

 

وكانت عينا الموظفة حادتين كالنصل، وقد اخترقتا قلب تاليس مباشرة.

 

«تذكّر هذا. أنت دوق بحيرة النجوم وسيد قاعة ميندس.

 

«أنت سيدهم أيضًا».

 

«دوق بحيرة النجوم.

 

«وسيد قاعة ميندس ».

 

ارتعشت عينا المراهق قليلًا.

 

«لم تعد ابنًا غير شرعي مضطرًّا إلى الاختباء عن الأنظار ليخدع الآخرين. أنت الآن رسميًّا الأمير الثاني ووريث العرش».

 

وكانت كلمات جاينز صارمة.

 

«ابن غير شرعي. الأمير الثاني. وريث العرش».

 

«أهكذا هو الأمر؟»

 

قال تاليس ذلك شاردًا، فأوقف جاينز عن الكلام لحظة.

 

وبعد بضع ثوانٍ، أصبح صوت جاينز أشد صلابة من قبل، وبدت متضايقة قليلًا من رده: «بالتأكيد. وعليك، بصفتك دوقًا، أن تبادر إلى إظهار هيبتك و صلابتك و شدتك لهم.

 

«أرِ خدمك عاقبة أن لا يعاملوا أميرهم بالاحترام اللائق».

 

«أن أبادر إلى إظهار هيبتي…»

 

«الهيبة والصلابة والشدة؟»

 

ردد تاليس همساتها، وأجبر نفسه على الابتسام.

 

وزفر الدوق ببطء. ورأى في ذهنه قصر النهضة المظلم العميق.

 

ورأى أيضًا العرش القائم عاليًا في قاعة الاجتماعات في نهاية الرواق الطويل العميق.

 

وأرخى كتفيه: «ربما».

 

وأجبر تاليس نفسه على ابتسامة أوسع، لكنه بدا كئيبًا قليلًا.

 

«لكن…»

 

«لكن هذا حقًّا ليس أسلوبي. ليس كذلك».

 

ولم يقل الباقي، بل قاله بهدوء في قلبه.

 

وقطبت جاينز حاجبيها.

 

بدا أنها لم تتوقع هذا الرد من تلميذها الذي لم تلقه منذ سنوات طويلة.

 

وبقي الصمت في غرفة الدراسة بضع ثوانٍ.

 

«أرسل الشماليون في رسائلهم أنك مررت بمشاق جمة. وأن معدنك أرقى من معدن الآخرين، فلا تُظهر أدنى رعب أمام أعداء أشد ضراوة وصلابة بكثير، ولا تتواضع أكثر من اللازم ولا تتكبر، تمامًا كما تصرفت في المؤتمر الوطني».

 

وقالت جاينز ببرود: «فلماذا صرت أضعف بكثير أمام رفاقك الحراس في هذا المكان إذن؟»

 

وصمت تاليس لحظة.

 

«لأن تلك المواقف كانت مختلفة».

 

وبدا أن كلماتها أثّرت فيه بعمق، فتنهد بخفة: «ففي المؤتمر الوطني وفي الشمال، لم يكن عليّ إلا أن أواجه خصومي.

 

«أما الآن فلا يلزمني إلا أن أتبع الدروس وأرفع درعي».

 

«أرفع درعي».

 

وبدا أن جاينز تذكرت شيئًا، فشردت لحظة.

 

وزمّ تاليس شفتيه وهو يفكر بعمق، وبدا وجهه جادًّا قليلًا: «لكن لا يلزمني أن أواجه حراسي هنا وحدهم».

 

وحدّق تاليس في البعيد شاردًا.

 

ولم تقل جاينز كلمة، بل عبست وهي تمسح تاليس بنظرها.

 

وبعد بضع ثوانٍ، قالت ببطء: «حراسك، مالوس ومن معه…»

 

لكن تاليس قاطعها: «سيدتي، أرجوكِ».

 

وأغمض تاليس عينيه وتنهد طويلًا بعمق.

 

«طوال هذا الوقت، لا يختار غيلبرت إلا أن يتكلم بلطف، ويلزم يودل الصمت دائمًا. أما الآخرون…»

 

فذُهلت جاينز على الفور.

 

ورفع تاليس رأسه وأظهر ابتسامة بدت غير طبيعية قليلًا: «لكنكِ يا سيدتي أنتِ من لقّنتني المبادئ الأولى في السيف والآداب. وأنتِ أيضًا…»

 

لم يُكمل تاليس ما أراد قوله، لكن جاينز أحسّت بشيء على نحو غامض.

 

وخفض دوق بحيرة النجوم رأسه.

 

«ظننتُ أنكِ ستكونين أكثر صدقًا منهم».

 

فردّدت جاينز مذهولة: «أكثر صدقًا؟»

 

فأومأ تاليس ونظر إلى جاينز: «إنه لا يحبني».

 

فذُهلت جاينز.

 

وقال تاليس الحقيقة بهدوء كأنها مجرد واقع عادي تمامًا.

 

«منذ اللحظة الأولى التي رآني فيها، لم يحبني. وهذا ليس سرًّا».

 

وضحك الدوق ضحكة خافتة بلا مشاعر: «حتى حراسي يعلمون ذلك علم اليقين.

 

«وهذا هو السبب».

 

وفي تلك اللحظة، كانت عينا تاليس هادئتين ساكنتين وهو يحدّق في جاينز، التي بدت متفاجئة قليلًا.

 

أرادت أن تقول شيئًا، لكنها لم تقله في النهاية.

 

وبقيت غرفة الدراسة صامتة طويلًا.

 

وعلى وجه الموظفة نظرة عميقة. ولمعت عيناها بنور يستعصي فك رموزه وهي تتأمل تاليس من رأسه إلى قدميه.

 

وأخيرًا أخذت جاينز نفسًا عميقًا وقالت ببطء: «غضب البحر».

 

ولم يستطع تاليس الرد على ذلك. فقد حار لحظة.

 

وأعادت جاينز ضبط تعبيرها الذي تغيّر قليلًا. وخفضت عينيها وقالت بصوت خافت: «هذا ما قاله مالوس. فما قصة صحوة قوة الإبادة لديك؟»

 

«آه، غضب البحر».

 

وكان تاليس لا يزال غارقًا في ذلك الشعور الغريب. فزفر ثم استجمع نفسه.

 

«لا أعلم». أجبر الدوق نفسه على هز رأسه وقال بصدق: «وهذه أول مرة أسمع بها أيضًا».

 

لكن جاينز ضحكت.

 

«أغلب قوى الإبادة لدى الفرسان في المملكة تتشابه مع تجاربهم الشخصية وترتبط بها ارتباطًا وثيقًا، وتشبه بخاصة معلميهم الذين لقّنوهم إرثهم»، قالت الموظفة بهدوء، «وهناك نسبة صغيرة تعاكس ذلك تمامًا، فيكون المعلم والتلميذ نقيضين».

 

وخطر ببال تاليس خاطر. فتأمل كلماتها وانتهى إلى أن بين ريكي وكلماتها بعض التشابه: «أهكذا هو الأمر؟»

 

«إذن، غضب البحر…»

 

«فهل علّمك الشماليون الكثير؟» قالت جاينز وهي تحدّق فيه، عمدًا أو دون عمد.

 

«الشماليون».

 

وتذكّر تاليس حياته في إكستيدت. وارتفعت زاويتا فمه بلا وعي: «يمكنكِ قول ذلك».

 

لكن ما إن رفع تاليس بصره مجددًا حتى أحسّ فجأة بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.

 

فالتي أمامه هي جاينز، لكن متى لانت عيناها الصارمتان؟!

 

كانت تنظر إلى تاليس بهدوء. وبدا في عينيها شعور يعجز اللسان عن وصفه.

 

فلم يدرِ تاليس كيف يتعامل مع الموقف.

 

ونظر إلى معلمته التي لقّنته المبادئ الأولى وهي تحرك فمها مرات عدة. وبدت مرارًا كأنها تريد أن تقول شيئًا ثم تتوقف.

 

«أيها الصبي». تكلمت جاينز أخيرًا.

 

ولم يكن صوتها هذه المرة الصوت الصافي الصلب، بل صوتًا لطيفًا أبحّ: «يبدو أنك… صرتَ أنحل في الشمال».

 

فتجمد تاليس على الفور.

 

وثبّتت جاينز عينيها عليه، وأظهرت ابتسامة نادرًا ما يراها تاليس.

 

«على الأرجح».

 

كانت ابتسامتها هادئة أنيقة، لكن فيها قدرًا من الأسى لم يستطع وصفه.

 

فخلا ذهن تاليس لحظة.

 

فمنذ عودته إلى البلاد، كان يودل وكوهين وغيلبرت وكثير من معارفه القدامى متحمسين مفعمين بالعاطفة بعد رؤيته.

 

«لقد طالَ قوامك».

 

«لقد كبرت».

 

«لقد نضجت».

 

«لقد صرتَ… تشبه شخصًا ما».

 

«لكن…»

 

«لقد صرتَ أنحل».

 

كانت هذه أول مرة يسمع فيها تاليس تعليقًا كهذا.

 

ونظر المراهق إلى جاينز مشدوهًا.

 

أما جاينز فكانت تحدّق فيه بهدوء. وبدت التجاعيد عند زاويتي عينيها كأنها تشير إلى ابتسامة حزينة.

 

وفي تلك اللحظة، كأن قوة ما تملأ صدره.

 

فلم يملك تاليس إلا أن يشيح بنظره. ورمش بسرعة من زاوية لا تراها جاينز. وفي الوقت نفسه، تكلّف ابتسامة وغيّر موضوع الحديث.

 

«أممم، حسنًا، آه… كانت هذه الأشهر القليلة مزدحمة جدًّا…»

 

لكن جاينز لم تصغِ إليه. ولم تلحظ أن نبرة صوت تاليس قد تغيّرت.

 

وللمرة الأولى منذ لقائهما، تناولت الموظفة فنجان الشاي الذي بجانبها. وكان وقارها ورشاقتها ظاهرَين.

 

«أتعلم». كان صوت جاينز لا يزال لطيفًا مفعمًا بالأسى: «منذ زمن بعيد، لم يكن جدك يحبه كثيرًا هو الآخر».

 

فتصلب جسد تاليس لحظة.

 

«جدي؟»

 

وأدار رأسه ميكانيكيًّا ونظر إلى جاينز.

 

كانت الموظفة جالسة بسلام على كرسيها. وراحت تداعب الفنجان بين يديها، وعلى زاوية عينيها وجانب شفتيها أسى لم يره من قبل.

 

«يُقال إنه بعد وفاة الملكة الراحلة ومغادرة ولي العهد القصر، مرّت فترة طويلة لم يكن فيها مرحَّبًا به في قصر النهضة كله».

 

وحدّقت جاينز مشدوهة في الانعكاس في الفنجان.

 

«حتى إن الخدم “أهملوا” إلى حد أنهم نسوا وجبته وزيت مصباحه. وكان الحرس الملكي كثيرًا ما يتجاهلون مكان وجوده وسلامته دائمًا».

 

فصُدم تاليس.

 

وتذكّر فجأة ذلك المشهد قبل سنوات كثيرة، حين تحدث إليه ذلك الشخص صاحب الصولجان.

 

وفي غرفة المقبرة، أفضى إليه الظل الذي يحمل عصا بما في قلبه في مقبرة العائلة.

 

«قال إنه في تلك السنوات كان يسرق الأشياء من كل أنحاء القصر وهو مراهق، وكان يعيش كالفأر»، قالت جاينز بلطف، «وكان عليه أن يعتمد على نفسه ليبقى حيًّا».

 

فارتجف تاليس فجأة.

 

«يسرق من كل مكان، ويعتمد على نفسه ليبقى حيًّا، ويعيش كالفأر…»

 

وشدّ المراهق قبضتيه بلا وعي على مسندي الكرسي، كأنه يتشبث بالثقوب في جدران بيوت البيت المهجور.

 

ورفعت جاينز بصرها.

 

«لكن ذلك لم يمنعه من أن يبتسم ابتسامة شقية ويقفز بحيوية وهو ينشأ تحت التمييز والإهمال والاحتقار واللعنات من كل أهل المملكة، حتى اليوم».

 

ونظرت جاينز إلى تاليس بهدوء مرة أخرى.

 

وحدّق تاليس في الأرض مصدومًا.

 

وبعد بضع ثوانٍ، استجمع تاليس نفسه وأخذ نفسًا عميقًا: «شكرًا لكِ يا سيدتي».

 

وابتسم المراهق مجددًا: «فهمتُ».

 

ورفعت جاينز زاويتي فمها. وأرادت أن ترسم ابتسامة لم تألفها، لكنها لاحظت شيئًا بعد لحظة فوضعت فنجانها. وضبطت وجهها بصورة غير طبيعية.

 

«إذن أيها الصبي، أقول إنك نحيل أكثر من اللازم. انظر كيف ضربك الآخرون…»

 

ولاحظت جاينز أن صوتها يرتجف، فأخذت بضع أنفاس. واستدارت بزاوية لا يراها تاليس وبقيت هناك قليلًا: «تذكّر أن تأكل أكثر».

 

وترددت جاينز لحظة ثم أضافت: «وأن تنام أبكر أيضًا».

 

لكن نبرتها الصارمة لم تجرّ تاليس هذه المرة إلى الأجواء نفسها. فابتسم الدوق قليلًا وقال: «بالطبع يا سيدتي، بالطبع».

 

وبعد بضع ثوانٍ، أدارت جاينز رأسها مرة أخرى. وعاد تعبيرها ونبرتها باردين صارمين. وبدت كأنها غير مهتمة بتاليس إطلاقًا: «وبالمناسبة أيها الصبي، كم تعرف عن حراسك؟»

 

فنظر تاليس وضبط مشاعره: «ليس كثيرًا؟»

 

وارتعش فم جاينز وصمتت لحظة: «أصغِ جيدًا إذن.

 

«بعد العام الدامي، بالغ أبوك في قسوة تطهيره، وجرّ إليه أشخاصًا كثيرين جدًّا ممن لهم صلة بالعام الدامي من أجل القضاء على التهديدات».

 

وتغيّر تعبير تاليس.

 

ومرّ أمام عينيه الغضب الذي رآه عند مارينا صاحبة سيف الكارثة حين كانا في السجن تحت الأرض.

 

وقالت جاينز بوجه جاد: «فالذي تلاشى مع التهديد داخل مدينة الليل الأبدي وخارجها هو “الثقة”».

 

فعبس تاليس.

 

«ولا تنسَ أيضًا أن أباك لم يكن له خليفة اثني عشر عامًا طويلة.

 

«وهذا لم يُضعف هيبته فحسب، بل أثار طموحات الدوقات أيضًا. وضرب كذلك الثقة بالمناصرين التقليديين للعائلة المالكة، وهم التابعون المباشرون لعائلة جيدستار المقيمون في الإقليم الأوسط، الذين يقودهم تابعو النجوم اليشمية السبعة».

 

وسأل تاليس سؤالًا آخر بلا وعي: «والولاء أيضًا؟»

 

فرمقته جاينز بنظرة وامتنعت عن التعليق: «في تلك السنوات الاثنتي عشرة، اضطر أبوك إلى ترقية كثيرين من الوجوه الجديدة ووضعهم في مناصب مهمة. مثل الجنرالات الثلاثة، و غيلبرت الذي تعرفه، والكونت غودوين، و الفيكونت كيني، والبارون غيلز، وكيركيرك مان، وسولدر رايدر… صاروا القوة الرئيسية لحزب الملك، ورسّخوا حكمه على المملكة.

 

«لكن على العكس، تحت حكمه وفي ظل استياء الدوقات الحراس الآخرين، تدهور التابعون الملكيون التقليديون كتابعي النجوم اليشمية السبعة وانزووا في صمت. وابتعدوا شيئًا فشيئًا عن قصر النهضة».

 

«تابعو النجوم اليشمية السبعة…»

 

وتذكّر تاليس الشرح الذي قدمه غيلبرت، وبدأ يتأمل في هذا.

 

وقالت جاينز بجدية: «إلى أن…»

 

فرفع تاليس رأسه وقطّب حاجبيه: «أنا؟»

 

وصمتت جاينز قليلًا، لكنها أومأت بعد ذلك.

 

«بفضلك وبفضل تجدد استمرارية سلالة العائلة الملكية جيدستار، بدأ تابعو النجوم اليشمية السبعة، بعد أن انقسم ولاؤهم وابتعدوا في صمت عن العائلة المالكة، يُظهرون حسن نيتهم تدريجيًّا للنجمة التساعية من جديد، واحدًا تلو الآخر».

 

لكن وجه جاينز ازداد جدية بعد ذلك.

 

«لكنهم ما زالوا يراقبون من بعيد.

 

«ولا تستطيع أن تنال اعترافهم بلقبك ودمك وحدهما.

 

«فأبوك لم يستطع، بوريث واحد، أن يمحو ضغينتهم التي تلت العام الدامي وأن يستعيد ثقتهم».

 

وتذكّر تاليس دويل وغلوفر: «أهكذا هو الأمر؟»

 

وتنهدت جاينز: «حرس بحيرة النجوم لديك مجرد مثال».

 

فلم ينطق تاليس بكلمة.

 

وبقيت جاينز صامتة وهي تثبّت انتباهها عليه. ثم قالت بخفوت: «سيأتي قريبًا جدًّا اليوم الذي تظهر فيه رسميًّا أمام النبلاء في المأدبة».

 

وحدّت عينا السيدة: «ابقَ يقظًا أيها الصبي».

 

ونبرة جاينز جعلت تاليس لا يملك إلا أن يتوتر.

 

«أنت وأنا متشابهان. نحن أدنى منهم.

 

«لكنك تشبه أباك أيضًا. فأنت أعلى منهم.

 

«وقد عدتَ أيضًا من الشمال، فأنت غريب عنهم».

 

وهذه الجمل المتتالية جعلت تاليس يغرق في تفكير عميق، وجعلته في الوقت نفسه يقظًا.

 

«ومعنى ذلك أنك في نهاية المطاف لستَ منهم، من صميمك إلى مظهرك»، قالت جاينز بحزم.

 

«لست منهم».

 

فتح تاليس فمه كأنه يريد أن يقول شيئًا، لكنه أغلقه في النهاية.

 

«أمضيتُ أكثر من ثلاثين عامًا لأفهم هذا».

 

وظهر في عيني جاينز أثر نادر لمن خبر الحياة وتقلباتها.

 

«وآمل أن تفهمه أنت أسرع».

 

وزفر تاليس.

 

«المأدبة… حسنًا إذن. لكن ماذا بعد؟ ماذا عساهم يفعلون، أيأكلونني؟»

 

وفرك المراهق ذقنه وقد أحسّ بالحيرة.

 

وأغمضت جاينز عينيها وهزّت رأسها: «لا».

 

لكن الموظفة فتحت عينيها، وكان فيهما بريق أحدّ مخبوء: «لكنهم سيمزقونك إربًا».

 

وحين سمع تاليس هذا الوصف المجازي، ذُهل على الفور.

 

«لكن… أنا ابن الملك ووريث عرشه، أليس كذلك؟»

 

«هذا صحيح».

 

وبدت جاينز حذرة وقورة: «ولهذا سيتصرفون بلطف وأناقة وأدب وهم يمزقونك».

 

فأومأ تاليس وإن بدا كأنه لم يفهم كلماتها تمامًا: «إذن ماذا أفعل؟»

 

وصمتت جاينز لحظة: «أتعلم أيها الصبي. قبل ست سنوات كنتَ تعرف».

 

فتغيّر تعبير تاليس.

 

«ارفع درعك».

 

وحدّقت جاينز فيه كما كانت تفعل حين كانت تعلّمه السيف قبل سنوات كثيرة: «ولا تُنزله أبدًا، حتى تموت ويموت عدوك».

 

فصمت تاليس مرة أخرى.

 

وفكّر هذه المرة في أمور كثيرة.

 

«إذن، وأبي؟ أهو كذلك أيضًا؟» سأل المراهق بنبرة خفيفة.

 

وارتجفت ذراع جاينز لحظة.

 

وتغيّرت نظرتها وهي تحدّق في تاليس، كأنها عادت إلى جاينز باجكوفيتش التي سألته إن كان قد صار أنحل.

 

وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت جاينز بخفة.

 

«أيها الصبي، أتعرف ما هذا المكان؟»

 

وكان تاليس يدرك أن سؤاله جارح، فابتسم باستسلام ليخلّص نفسه من الموقف المحرج: «أمم، غرفة الدراسة؟»

 

فنظرت إليه جاينز مجددًا.

 

فلم يملك تاليس إلا أن يطوي الابتسامة التي ظنها مضحكة ويجيب بخجل: «قاعة ميندس.

 

«جوهرة العائلة المالكة، وجناح الملك الفاضل الملكي، والقصر الفني العظيم».

 

وهي أيضًا إحدى ذكريات طفولته التي يألفها تمامًا.

 

«آه، وهي أيضًا المكان الذي مات فيه مالكها الأول، ملك الضباب ميندس الأول، في ريعان شبابه قبل ثلاثمئة عام».

 

وأراد تاليس أن يبدو مرحًا قليلًا، لكنه كان يفشل دائمًا لسبب ما.

 

ونظرت إليه جاينز بهدوء.

 

«إجابتك صحيحة، لكن ليس هذا كل شيء».

 

«ليس كل شيء؟»

 

ورفع تاليس حاجبيه.

 

«قبل ثماني عشرة سنة…»

 

وتغيّر تعبير وجه جاينز.

 

وصارت عينا الموظفة شاردتين قليلًا كأنها تحدّق في شيء وأمامها ضباب.

 

«بعد أن بلغ ولي عهد الكوكبة، عمّك، الأمير الأول ميدير جيدستار، سن الرشد، كان هذا هو المسكن الذي اختاره».

 

وتغيّر تعبير تاليس قليلًا.

 

«تقصدين…»

 

«صحيح».

 

ونظرت إليه جاينز.

 

«ذلك الرجل الذي كان مقدَّرًا له أن يجلس على العرش».

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.