003
للتوضيح، أنا وكارين لسنا أخوين متحابّين على وجه الخصوص. أما لو كان الحديث عن تسوكيهي، أختي الصغرى والأخيرة، وكارين، فالأمر مختلف؛ فبما أنهما وُلدتا في عامين متتاليين، فإن علاقتهما وثيقة للغاية. لكن للأسف، حين يتعلق الأمر بي وبكلتيهما، فلا يمكن القول إننا على وفاق كبير.
بل يمكن القول إن علاقتنا سيئة.
وحتى متوترة.
كارين وتسوكيهي تتصرفان بعدائية تجاهي في كل صغيرة وكبيرة، أما أنا فقد سئمت تمامًا من أفكارهما الطفولية.
وخصوصًا لعبة تقمص دور أبطال العدالة التي يمارسانها تحت اسم «فاير سيسترز»؛ فمن المستحيل تقريبًا أن أسايرهما في هذا الأمر. ويبدو أن الحادثة التي وقعت مع كايكي ديشو لم تكن كافية تمامًا لإصلاحهما.
حقًا، ذلك الوغد كايكي لا ينفع في شيء.
لا يوجد بالغ مزعج مثله.
لذلك، فإن خروجي برفقة كارين وحدنا، كما نفعل الآن، أمر نادر للغاية. وبالمثل، فإن تصرف كارين بمعزل عن تسوكيهي أمر نادر الحدوث.
ولهذا السبب.
كان حديثنا يسير بحذر، وكأن كل واحد منا يجس نبض الآخر.
والنتيجة التي أسفر عنها هذا التوجس كانت قص ذيلها الحصاني، ثم حملي على كتفيها. حقًا، إن كون المرء أخًا أو أختًا لأحدهم أمر مزعج للغاية.
حسنًا، فالأمور لا تسير كما في المانغا والأنمي.
إن الانجذاب إلى الأخت الحقيقية أمر أندر من وجود تسوتشينوكو. {ملاحظة : تسوتشينوكو (Tsuchinoko) هو مخلوق أسطوري ياباني شبيه بالأفاعي ويُصنّف ضمن “الكريبتيدات” (الحيوانات الخفية) والـ “يوكاي” (الأرواح والمخلوقات الفلكلورية في اليابان).}
يقال إن سفاح القربى من ملذات الطبقة العليا، لكن عائلة أراراغي تنتمي إلى الطبقة الوسطى، لذا فالأمر بديهي، إن صح التعبير.
لكن، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن، اليوم، في هذا اليوم تحديدًا؟
يوم الاثنين، الرابع عشر من أغسطس، أنا وكارين نتحرك معًا؟
اطمئنوا، فهناك سبب واضح لهذا. وليس الأمر أننا ربحنا تذكرة يانصيب فجأة وأصبحنا من الطبقة العليا أو ما شابه؛ بل هناك سبب حقيقي لا لبس فيه.
ولأنني لا أريد أن تنتشر شائعة غريبة مفادها أن أراراغي كويومي على وفاق مع أخته، فمن الأفضل أن أوضح الأمر جيدًا.
فيما يلي: مشهد من الماضي.
حدث ذلك هذا الصباح.
«أخي، ألا يوجد شيء تريدني أن أفعله من أجلك؟»
نسيت أن أذكر أنني طالب في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية، أي إنني في عام امتحانات القبول الجامعي، ولذلك لا يمكنني أن أركن إلى الراحة حتى خلال العطلة الصيفية.
فهو الصيف وحسب.
أما هذا الوقت من منتصف أغسطس، فهو ما يُعرف عمومًا بموسم أوبون، لكنني، بوصفي طالبًا يستعد لامتحانات القبول، لا أستطيع للأسف حتى إعلان مشاركتي في مثل هذه المناسبات. وبغض النظر عن ذلك، فإن عائلتنا أصلًا بعيدة كل البعد عن هذا النوع من العادات اليابانية القديمة. {ملاحظة : موسم أوبون هو تقليد بوذي ياباني سنوي يقام لتكريم أرواح الأسلاف والأجداد.}
لو علم أوشينو بالأمر، فلربما وبخني.
ولو علمت هانيكاوا أيضًا، فلربما وبختني هي الأخرى. مع أنني، في حالة هانيكاوا، سأتعرض للتوبيخ حتى لو اتخذت أوبون ذريعة لأهمل الدراسة.
حسنًا، في الواقع، أشعر بالنشاط حين توبخني هانيكاوا، لذا أكاد أتمنى أن تواصل توبيخي بلا توقف. أريدها أن توبخني أكثر وأكثر، بينما ترتجف كتفاها غضبًا، ويهتز صدرها بالتزامن معهما.
على أي حال.
استيقظت باكرًا كعادتي، وكنت أعمل على حل مجموعة التمارين التي تشكل حصتي اليومية الإلزامية قبل الإفطار، حين انفتح الباب فجأة وبعنف، من دون حتى طرقه، واقتحمت كارين غرفتي.
أختي.
أراراغي كارين.
فتاة ترتدي البدلة الرياضية، في السنة الثالثة من المرحلة الإعدادية.
«…ليس هناك شيء.»
أجبتها.
وبالمناسبة، فإن وصفي للمشهد بعبارة «انفتح الباب فجأة وبعنف» لا يعكس الحقيقة تمامًا. ولو كان هذا مشهدًا من رواية غموض تعتمد على التلاعب بالسرد، لأمكن للنقاد اتهامي بعدم الإنصاف في تقديم الوقائع.
ففي الحقيقة، فتحت كارين باب غرفتي بركلة، كما يفعل رجال الشرطة حين يقتحمون مخبأ المجرمين في مسلسلات التحقيق القديمة التي كنا نشاهدها في الماضي.
تلك هي طريقتها المعتادة في فتح الأبواب.
في الثقافة التي نشأت فيها أراراغي كارين وترعرعت، لا فرق بين الأبواب اليابانية والغربية؛ فالأبواب خُلقت لتُفتح بأخمص القدم.
…لا، لحظة.
إذا تحدثنا عن الثقافة التي نشأت فيها، فهذا يعني أنني وتسوكيهي نشأنا في الثقافة نفسها أيضًا. لذا، سأتراجع عن كلامي السابق وأكف عن ترديده.
«إيييه، لا بد أن هناك شيء!»
قالت كارين متذمرة، ثم بدأت تتشبث بي بينما كنت جالسًا أمام مكتبي، من دون أن ألتفت إليها حتى.
وفي هذا السياق، فإن عبارة «بدأت تتشبث بي» ليست تعبيرًا مجازيًا مألوفًا، مثل «تعبت قدماي حتى صارتا كالعصوين»، أو «كادت عيناي تخرجان من محجريهما»، أو «أريد شيئًا حتى امتدت يدي من حلقي»؛ بل إنني أقصدها بمعناها الحرفي تمامًا.
فقد لفّت كارين ذراعيها حول عنقي من الخلف، كما لو كانتا وشاحًا.
ولم تتردد في إلصاق جسدها بظهري أيضًا.
ومن هذا المنطلق، لعل عبارة «التفت حولي» أدق من «تعلقت بي».
طَقّ!
انكسر قلم الرصاص HB الذي كان في يدي اليمنى.
كان قلمًا خماسي الأضلاع، من النوع الذي يفضله الطلاب المقبلون على الامتحانات، إذ يحمل معنى التفاؤل بالنجاح. ومع ذلك، فقد انكسر.
يا لها من نذير شؤم.
أكرر، مع أنني لا أحب تكرار هذه الحقيقة، لأنها مهينة لي ولا تبعث في نفسي أي سرور: طول أختي كارين يتجاوز بكثير متوسط طول الفتيات في السنة الثالثة من المرحلة الإعدادية. بل إنها ما زالت تنمو حتى الآن؛ فطولها يتجدد يومًا بعد يوم، من الأمس إلى اليوم، ومن اليوم إلى الغد.
حسنًا، سواء بلغ طول كارين مئة سنتيمتر أو ألفًا، فذلك لا يهمني في نهاية المطاف. المشكلة الحقيقية هي الحقيقة المؤسفة للغاية المتمثلة في أنها أطول مني.
إن الإنسان الذي يتفوق على غيره في الحجم يفرض على من حوله شعورًا بالرهبة بصورة طبيعية، سواء قصد ذلك أم لم يقصده.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن كارين تمارس الفنون القتالية…
فهي حاصلة على الحزام الأسود من الدرجة الثانية في الكاراتيه.
بمعنى آخر، لقد ركّبت تقنيات الكاراتيه على العتاد الذي منحها إياه جسدها الضخم، فاكتسبت مهارات قتالية تسمح لها بمواجهة حيوان بري متوسط الحجم من دون عناء يُذكر.
وقد رأيت بعيني كارين وهي تثقب جدارًا داخليًا مطليًا بالجص في أحد المنازل.
بسهولة تكسير قطعة من التوفو.
وبعد أن اخترقت ذراعها الجدار، علقت داخله ولم تستطع إخراجها. فما كان منها إلا أن واصلت تحطيم الجدار المحيط بالثقب حتى حررت نفسها.
يا لها من مصيبة.
كان المشهد أشبه بمرحلة المكافآت في ألعاب القتال القديمة.
على أي حال، أروي لكم هذا كله لأن أختي التي تشبه الدب قد جاءت من خلفي، وبدأت «تلتف حولي» و«تتشابك بي».
أردت فقط أن أوضح مدى الرعب الذي شعرت به.
أعلم أنكم لن تستوعبوا الأمر على الأرجح، لكنني أردت التعبير عنه على الأقل.
«هيييه، أخي! أريد حقًا أن أكون مفيدة لك! أنا، كما ترى، أخت يُعتمد عليها! أخت تكرس نفسها لخدمة أخيها! أخت مستعدة لتدليلك والقيام بكل ما تطلبه! هيا، أخبرني بأي شيء تريدني أن أفعله! سأكون عونًا لك!»
«لا يوجد شيء. قلت لك لا يوجد شيء. هل من المعقول أن تكون لدي رغبة في أن تفعلي شيئًا من أجلي في هذا الصباح الباكر؟ ليس لدي ما أطلبه منك، وأنت أيضًا لا تستطيعين فعل أي شيء يفيدني. لقد عشتِ خمسة عشر عامًا كاملة، ولم تساعديني ولو مرة واحدة في حياتك.»
ولو أردت طلب شيء منك، لقلت لك ألا تعيقيني وحسب.
أنا مشغول الآن بحفظ المفردات.
وبهذه النية، أبعدت ذراع كارين الملتفة حول عنقي.
فلو قررت كارين، في لحظة نزوة عابرة، أن تشد ذراعيها حول عنقي، وأن تلويه لا لمجرد إثارة استغرابي، بل بقصد قتلي، لانتهت حياة أراراغي كويومي بسهولة بالغة. وحين أفكر في ذلك، لا أريد البقاء في هذا الوضع أكثر من اللازم.
معركتي ضد مصاصة الدماء الأسطورية.
ومعركتي الضارية ضد القطة.
ثم السلطعون، والحلزون، والقرد، والثعبان.
وأخيرًا، النحلة.
بعد كل تلك التجارب التي تجاوزتها، وبعد أن صرت، إن جاز التعبير، محاربًا خاض مئة معركة وخرج منها منتصرًا، هل يُعقل أن تكون نهاية أراراغي كويومي هي الموت خنقًا على يد أخته؟!
وفوق ذلك كله…
حتى لو تجاهلنا تلك المخاطر، فليس لدي أي ميل إلى الاستمتاع بالتصاق أختي بي.
إنه مقزز بكل بساطة.
«كما ترين، أنا أركز في دراستي الآن، لذا ليس لدي وقت لأضيعه في اللعب مع كائن وضيع مثلك، أيتها المحدودة التفكير. إن كنت تشعرين بالملل، فاخرجي وركضي قليلًا في الجوار. وليس من الضروري أن تعودي…»
كنت أحاول التخلص من كارين بسرعة. فمن المؤكد أنها لم تجد ما تفعله لأن موعدها مع تسوكيهي لم يتوافق مع جدولها، أو لسبب مشابه، فجاءت لتضايقني وتفتعل معي المشاكل كي تقتل الملل.
وحين استدرت أخيرًا نحوها…
تجمدت في مكاني.
عجزت عن الكلام.
شعرت بما كان سيشعر به البشر قبل أن يكتسبوا اللغة.
يا له من مشهد صادم!
لم أكن أتخيل أن عجز المرء عن التعبير بالكلمات عن شيء يقع أمام عينيه، بسبب قصور قدرته على الوصف، قد يسبب كل هذا الضغط النفسي للكائن الحي.
ومع ذلك، سأحاول، ولو اضطررت إلى ذلك، وباسم كرامة الرئيسيات العليا، أن أصف هذا المشهد غير الواقعي الذي انكشف أمامي بكلمات ما.
«آه…»
أراراغي كارين.
أختي كانت ترتدي تنورة.
…………
قد تتساءلون: وما الغريب في ذلك؟
لكن لو أردت أن أنقل إليكم ولو عشرين بالمئة من الصدمة التي شعرت بها، لكان من الأسهل أن أقول: «أختي كانت ترتدي تنورة»، ثم أضع خطًا تحت العبارة للتأكيد على غرابتها.
لكنني حتى نسيت أن أضع خطًا تحتها.
لقد فقدت القدرة على ذلك.
كما ذكرت سابقًا، كارين فتاة ترتدي البدلة الرياضية.
بل يمكن القول إنها لا ترتدي شيئًا سواها.
فالبدلة الرياضية بالنسبة إليها هي زي القتال، أو ما يشبه درع القديس بالنسبة إلى أحد فرسان القديسين.
ومع ذلك، خلعت كارين درعها، وارتدت ما يُسمى بالتنورة.
كانت ساقاها الطويلتان…
بارزتين إلى حد لا يصدق.
ولم يقتصر الأمر على الجزء السفلي من جسدها؛ بل ظهرت الظاهرة نفسها في الجزء العلوي أيضًا.
لم تكن ترتدي بدلة رياضية، ولا سترة واقية من الرياح.
ولم يكن لباسًا رياضيًا حتى.
بل ارتدت وشاحًا لا يحمل ذرة واحدة من الطابع الرياضي، مع بلوزة بلا أكمام ذات ياقة عالية.
ذراعاها طويلتان!
وعنقها نحيل!
وفوق كل ذلك… من هذه الفتاة الجميلة ذات المظهر الأنيق؟!
تُنسب إلى نابليون الأول مقولة مفادها أن الإنسان يصبح على الصورة التي تمنحها له الملابس التي يرتديها. وإذا أخذنا هذه المقولة بعين الاعتبار، فإن كارين أراراغي الموجودة الآن في هذه الغرفة، بل في هذا المنزل، كانت كارين أراراغي، ومع ذلك لم تعد كارين أراراغي في الوقت نفسه.
حسنًا…
على الرغم من كل ذلك، تظل كارين فتاة في المرحلة الإعدادية.
وفي حالات نادرة للغاية، ترتدي الزي المدرسي الرسمي، من بلوزة وتنورة وما إلى ذلك. ولو أردتم تقدير مدى ندرة رؤيتها على هذه الهيئة، فتخيلوا أنكم رفعتم رؤوسكم إلى السماء مصادفة، فشاهدتم زخة شهب كاملة.
لكن ذلك، على أي حال، ليس سوى الزي المدرسي.
ومن هذه الناحية، يمكنني تقبّل الأمر.
حسنًا، إنه مخالف للقواعد قليلًا، لكن لا بأس، سأغض الطرف. لابد أن لدى كارين ظروفها الخاصة، أليس كذلك؟ يمكنني أن أكون متسامحًا إلى حد ما.
لكن كارين التي أمامي الآن كانت ترتدي ملابس تكشف من جسدها ما لا يمكن أن يكشفه الزي المدرسي بأي حال.
لقد خالفت قوانين الطبيعة!
أهذه الفتاة… تستطيع ارتداء شيء غير البدلة الرياضية؟!
هذا أشبه بأن يتمكن كريفتو من ارتداء درع السماء في لعبة دراغون كويست!
ابتلعت ريقي بصعوبة.
يا له من تبديد لا نهائي لحرارة الصيف!
من المرجح أن تلك الملابس تخص تسوكيهي. فقد كانت بتصميم متكامل وأنيق، وكأنها مأخوذة من إحدى مجلات الموضة.
وتسوكيهي بدورها فتاة مهووسة بالملابس اليابانية التقليدية إلى درجة أنها انضمت إلى نادي حفل الشاي لمجرد رغبتها في ارتداء الكيمونو. لكنها، مقارنة بكارين، ليست متطرفة إلى هذا الحد. وبعبارة أخرى، لا تتبع فلسفة ثابتة وصارمة فيما يتعلق بالملابس، ولذلك تمتلك قدرًا لا بأس به من الملابس العادية أيضًا.
لكن الفارق الجسدي بين كارين وتسوكيهي كبير للغاية.
ونتيجة لذلك، التصقت البلوزة ذات الياقة العالية بجسد كارين، كأنها قميص ضيق، فأظهرت تفاصيل قوامها بوضوح. أما التنورة ذات الثنيات، التي لم يُصمم طولها على الأرجح ليكون طويلًا في الأصل، فقد تحولت إلى تنورة قصيرة للغاية.
ولم تكن ترتدي الجوارب الطويلة، بل ولا حتى الجوارب القصيرة. كانت ساقاها الطويلتان عاريتين تمامًا، وكان ذلك كافيًا لإثارة شعور حقيقي بالرعب في نفسي.
الرعب.
عادت إليّ ذكريات صدماتي النفسية المختلفة.
تلك الحادثة، وتلك الأخرى، وتلك أيضًا…
لحظة، كل هذه الأشياء حدثت خلال الأشهر القليلة الماضية!
كم مرة كدت أموت خلالها، بحق الجحيم؟!
…على أي حال، لنترك صدماتي النفسية جانبًا.
المهم الآن هو كارين.
«كارين… لو كان أحدهم يتنمر عليك، فعليك أن تخبريني أولًا! لماذا لم تستشيريني قبل أن يصل الأمر إلى هذه الدرجة الفظيعة؟!»
قلت ذلك وأنا أنهض من كرسي المكتب الدوار، وقد استبد بي الغضب، ثم أمسكت كتفيها وهززتها.
أما هي، فتركتني أهزها كما أشاء، واكتفت بنظرة مستنكرة وهي تقول:
«لا أحد يتنمر عليّ.»
ثم أضافت:
«ولو أردت تحديد شخص يتنمر عليّ، فهو أخي.»
«همم؟»
«أستطيع الآن أن أضحك على الأمر، لكنني حين كنت في المرحلة الابتدائية فكرت في الانتحار بسبب بعض الكلمات القاسية التي قلتها لي.»
«هممم؟!»
هذا أمر عميق حقًا.
لماذا تخبرينني بشيء كهذا الآن؟!
هل قلت لها شيئًا بهذه القسوة فعلًا؟
«بسبب ذلك، قررت أن أصبح بطلة للعدالة. إن كراهيتي للشر التي تسكن داخلي هي من صنع أخي.»
«يا للمصيبة.»
يا له من عبء سيئ!
لا تلقي عليّ مسؤولية كهذه!
«لـ… لكن، كارين! لا بد أن أحدًا هددك حتى ترتدي مثل هذه الملابس! ما كان لك أن تلبسيها من تلقاء نفسك! آه، يا للمسكينة… أجبرك أحدهم على ارتداء هذه الملابس المتكلفة بدلًا من بدلتك الرياضية، ثم التقط لك صورًا ونشرها في مواقع المدرسة السرية على الإنترنت، أليس كذلك؟!»
أظلمت الدنيا في عيني، وأمسكت رأسي بيديّ.
يا لها من كارثة!
كيف أمكنني أن أنشغل بالمذاكرة لامتحانات القبول، بينما كانت أختي تمر بكل هذه المعاناة من دون أن أدرك ذلك؟!
لقد انشغلت بنظام التعليم القائم على المعدلات ومجتمع الشهادات، حتى فقدت القدرة على رؤية ما هو مهم حقًا في الحياة.
اجتاحتني موجة عارمة من تأنيب الضمير.
كدت أفقد السيطرة على نفسي من شدة الغضب، ولولا أنني تماسكت، لربما بدأت بتحطيم كل شيء حولي.
وما أبقاني متماسكًا بالكاد لم يكن سوى الغضب.
غضب من نفسي، وغضب من العالم بأسره.
«لا تقلقي يا كارين! سأجد حلًا لكل شيء! اتركي بقية الأمر لأخيك! أولًا، أعطيني عنوان الشخص الذي تنمر عليك ورقم هاتفه المحمول، ثم أخبريني باسم المدرس الذي سمح بحدوث ذلك من دون أن يتدخل! سأجعلهما ينالان العقاب الذي يستحقانه!»
«…أخي، أحيانًا تكون حرارتك أشد من حرارة النار.»
ضحكت كارين وهي تقول ذلك.
«أظن أنني سأقع في حبك فعلًا.»
كانت ابتسامتها رقيقة.
همم.
من رد فعلها هذا، يبدو أن استنتاجي كان خاطئًا تمامًا.
لكن ما الاحتمالات الأخرى التي يمكن أن تفسر الأمر؟ ألم يقل السيد شيرلوك هولمز إن استبعاد الاحتمالات المستحيلة يقودنا إلى الحقيقة، مهما بدت تلك الحقيقة مستبعدة؟
أم أن هناك احتمالًا آخر فاتني؟
هممم…
في الواقع، ما يقوله هولمز ليس دقيقًا إلى هذا الحد حين يتعلق الأمر بالاستدلال عن طريق الاستبعاد. إنه تعميم فضفاض إلى حد بعيد.
«آه! فهمت! إنه تنكر!»
«لا تصف ارتداء الفتيات للتنانير بأنه تنكر! حتى أنا سأتأذى قليلًا من كلام كهذا. ألم أقل لك إنني فكرت في الانتحار في المرحلة الابتدائية بسبب أشياء كنت تقولها لي؟!»
«آه، حقًا؟ هممم. يبدو أنك مررت بفترة حساسة في حياتك.»
قلت ذلك كما لو كان الأمر لا يعنيني.
لا يبدو أنني نادم على شيء، حتى من وجهة نظري أنا.
«إذا لم يكن تنمرًا ولا تنكرًا، فما السبب إذن؟»
«حسنًا، فكرت أنني قد أبدو لطيفة هكذا.»
ثم…
اتخذت كارين وضعية أنثوية متكلفة، وهي تميل بجسدها قائلة:
«آهااان!»
لم تكن هناك ذرة واحدة من الجاذبية في حركتها.
بل بدت أقرب إلى وضعية قتالية من إحدى فنون القتال.
فحين تثبت محور جسدك وتلوي خصرك، فمن الطبيعي أن تبدو الحركة على هذا النحو.
«لـ… لكن، حتى لو قلت إنك ظننت أنك ستبدين لطيفة…»
«أبدو لطيفة، أليس كذلك؟»
هددتني بنظراتها.
وهي لا تزال في الوضعية نفسها.
وعند النظر جيدًا، بدا أن الحفاظ على توازنها في تلك الوضعية أمر شاق للغاية، لكن قدراتها الجسدية كانت كفيلة بالتغلب على ذلك.
وبالمناسبة، هذه حقيقة لا أرغب في الإعلان عنها كثيرًا لأنها تمس كرامتي بوصفي أخاها، لكن كارين مرعبة للغاية حين تحدق بي بجدية.
إنها أختي التي تحمل أسطورة مفادها أنها تحدت أسدًا في حديقة الحيوان بنظراتها، وانتصرَت عليه!
أدرت عينيّ بعيدًا عنها في محاولة للتظاهر باللامبالاة، ثم قلت:
«لـ… لطيفة، نعم.»
لا، لا، لم أخضع مطلقًا للضغط الصامت الذي تمارسه أختي عليّ! لقد كنت أقول إنني «عطشان» فحسب! {ملحوظة : تلاعب لفظي بين «كاوايي» (لطيفة) و«كاواكي» (عطشان)، يستغله أراراغي للتظاهر بأنه لم يخضع لنظرات كارين، بل كان يقصد أنه عطشان فحسب.}
كل ما في الأمر أنني تلعثمت!
مثل هاتشيكوجي تمامًا!
عذرًا، لقد تلعثمت!
«……..»
ظلت كارين تحدق بي بنظراتها المخيفة، محافظة على الوضعية نفسها.
يا إلهي، إنها مرعبة حقًا.
يبدو أن الألم الذي تسببت به لي كارين حين ضربتني ضربًا مبرحًا في حادثة النحلة الأخيرة قد انغرس في نخاع عظامي، وأصبح أحدث صدماتي النفسية.
بدأ جسدي يرتجف من تلقاء نفسه.
«لطيفة، لطيفة، لطيفة للغاية.»
واصلت التكرار.
وبالطبع، كنت في كل مرة أتلعثم فيها وأقول بدلًا من ذلك: «جافة، جافة، جافة للغاية»، قاصدًا أن بشرتي جافة، وأن الهواء جاف، وأن طرف لساني قد جف تمامًا.
لو كانت هاتشيكوجي مكاني، لتمكنت من التلعثم بطريقة أفضل بكثير، لكن هذا أقصى ما أستطيع فعله.
مع أن عبارة «التلعثم بطريقة جيدة» تبدو غريبة في حد ذاتها.
«……..»
ساد الصمت.
بلغ الإحراج أقصى درجاته.
وبعد لحظات…
«إيهيهي!»
حدث ما لم يكن في الحسبان.
قفزت كارين عليّ واحتضنتني!
قد يتخيل المرء أن فتاة في السنة الثالثة من المرحلة الإعدادية تقفز لتعانق أحدهم مشهد لطيف.
لكن ذلك يخالف الحقيقة.
إنه محض زيف.
ذكرت قبل قليل قصة الأسد في حديقة الحيوان، لذا دعوني أربط الأمر بها. أتعرفون تلك البرامج التلفزيونية التي تعرض مشاهد صيد الحيوانات المفترسة البرية في أفريقيا أو غيرها؟
حسنًا، كانت حركات كارين تشبه ذلك تمامًا.
رشاقة وسرعة لا تصدقان.
لقد بلغت سرعتها القصوى منذ الخطوة الأولى التي خطتها.
وهذه حقيقة معروفة في حوادث المرور وما شابهها: حين يشعر الإنسان بخطر حقيقي يهدد حياته، قد يتجمد جسده بدلًا من أن يتحرك.
لكن حتى لو لم يتجمد جسدي، فما كان بوسعي تفادي هجوم كارين. ربما كان بإمكاني ذلك خلال عطلة الربيع، لكنني في عطلة الصيف لم أعد قادرًا على ذلك.
وهكذا…
اندفعت كارين نحوي واحتضنتني من الأمام بقوة، كما لو أنها تصدمني بجسدها كله.
قبل نحو عام، رأيت كارين تحطم باندفاعها عارضة فولاذية كانت تُستخدم في مبنى المدرسة، رغم أنها كانت قديمة ومتهالكة إلى حد كبير.
عادت تلك الصورة إلى ذهني بوضوح، وكأنها ومضات تتلألأ أمام عيني.
لحسن الحظ، لم ألقَ المصير نفسه الذي لقيته تلك العارضة.
لكن الصدمة كانت كافية لقطع أنفاسي.
لم تكن عظام صدري من الفولاذ، بل كانت أضلاعي، وقد أخذت تصدر أصواتًا من شدة الضغط.
ومع أن حالة رئتيّ وما يحيط بهما لم تكن تهم كارين في شيء، فقد انتقلت من الالتفاف حول عنقي من الخلف إلى لف ذراعيها حوله من الأمام.
التصاق تام.
التصاق على مدار الساعة!
لا، لن أسمح لها بالالتصاق بي أربعًا وعشرين ساعة!
بل لا أريد دقيقة واحدة حتى!
فلو استخدمت قوة ذراعيها لتطبق عليّ حركة كسر الأضلاع، فقد ينقسم جذعي إلى نصفين!
لم يسبق أن فعل بي شيء كهذا لا شينوبو خلال عطلة الربيع، ولا القطة خلال العطلة الذهبية.
إن لم يكن هذا هو الرعب بعينه، فما هو إذن؟
«كـ… كارين؟»
«شكرًا لك! أنا سعيدة لأن أخي مدحني! سعيدة، سعيدة للغاية! واااي!»
قالت ذلك بصوت مفعم بالحيوية، وهي لا تزال تحتضنني.
ثم زادت من شدة عناقها.
ازداد رعبي أكثر فأكثر.
«…!»
هذه كارثة.
أختي أظهرت جانبًا متوددًا!
لا، بل إن الأمر غريب ببساطة، وليس مجرد كارثة.
فمنذ البداية، كان هناك شيء غير طبيعي.
أن تسألني إن كنت أريد منها أن تفعل شيئًا من أجلي، ليس من الكلام الذي أتوقع أن يصدر عن كارين، حتى لو كانت تشعر بالملل.
أما لو قالت إنها تريد أن تقتل الملل، فربما كان ذلك طبيعيًا.
مع أن ذلك، في حد ذاته، سيكون مخيفًا للغاية بالنسبة إلى أخت.
«آه، أشعر بالراحة حين أحتضن أخي هكذا. فعلًا، إن احتضان أخي الذي يتمتع بهذه القدرة على احتواء الآخرين مختلف تمامًا. أظن أن وسادة تيمبور ستشعرك بشيء كهذا.»
«توقفي، هذا مقزز. مقزز، مقزز، مقزز. أعتذر، لكنني جاد، جاد، جاد للغاية! ابتعدي عني!»
بدأت أقاومها بعنف.
لكنني لم أكن أملك أي فرصة للتغلب عليها جسديًا، ولم أستطع الإفلات منها.
لا، لم تكن المسألة مسألة قوة عضلية.
بل شعرت وكأنني مقيّد بطريقة بنيوية، لا جسدية.
«ما هذا؟ ما نوع المضايقة هذه؟ كارين، ما هذه الشخصية التي تتقمصينها؟!»
أليس الأمر تنمرًا حقًا؟
أم أنها عقوبة ضمن لعبة بين الأصدقاء؟
لو كانت عقوبة، فأنا الضحية هنا!
هل فعلت شيئًا يجعل طلاب المرحلة الإعدادية يتنمرون عليّ؟!
«ما بك؟ ابتهج قليلًا. أختك اللطيفة تتودد إليك وتتشبث بك.»
«أختي اللطيفة؟»
«ألم تقل قبل قليل إنني لطيفة؟ لا تتراجع عن كلامك، فأنت رجل.»
«في وضعك الحالي، لم يعد لديّ أي كلام أصلًا.»
أعني…
حسنًا، في الواقع، وبسبب عنصر المفاجأة، لا يمكنني القول إن ارتداءك التنورة أمر سيئ تمامًا.
«ما الذي يجري؟ اشرحي الأمر كما ينبغي! لا أريدك أن تشرحي ما تفعلينه فحسب، بل أريدك أن تشرحي لي من أنتِ أصلًا، شرحًا منطقيًا ومنظمًا!»
«حتى لو سألتني من أنا… حسنًا، قررت أن أتخذ لنفسي من الآن فصاعدًا شخصية الأخت العاشقة لأخيها، التي لا تعارض أخاها أبدًا.»
«حتى لو عرضتِ عليّ هذه الشخصية، فلن أشتريها! ثم إن هذه الشخصية تتداخل مع شخصية كانبارو!»
مع أنها ليست أختي.
لكن موقعها في حياتي، بوصفها زميلة أصغر مني بعام، يجعل بينهما بعض التشابه.
«كانبارو.»
فجأة…
تركتني كارين وأبعدت يديها عني.
شعرت براحة منعشة، كما لو أن الأصفاد قد فُكّت عن معصميّ. وبما أنني اختبرت هذا الشعور بالفعل في نهاية الشهر الماضي، فهذه ليست مجرد استعارة، بل وصف يستند إلى تجربة واقعية.
ثم تراجعت كارين ثلاث خطوات، مبتعدة عني.
ثلاث خطوات إلى الوراء، حتى لا تطأ ظل معلمها.
كان هذا هو الانطباع الذي أعطته لي.
همم.
ما الذي حدث؟
كان تعبير كارين غريبًا.
بالطبع، كان غريبًا منذ البداية، لكن هذه المرة كان غريبًا بطريقة جدية فعلًا. مع أنني كنت سعيدًا لأنها أطلقت سراحي، فقد أصبحت فجأة خجولة ومتحفظة.
هل أذهلتها لأنني ذكرت اسم شخص لا تعرفه فجأة، حتى لو كان ذلك مجرد رد فعل عفوي مني؟
«آه، كارين… لا تدعي مقطع “بارو” يضللك، فلا تكاد تكون هناك أي علاقة بباو الزائر. كانبارو زميلة لي في المدرسة، لكنها تصغرني بعام دراسي واحد، و…»
بدأت أتكلم، فقد بدا أن الحديث سيتحول إلى موضوع آخر على نحو مناسب، وربما أتمكن بذلك من محو ذكرى تنورة كارين من التاريخ كأنها لم توجد قط.
لذا قررت أن أشرح لها من تكون كانبارو.
لكنني توقفت في منتصف الكلام، إذ وجدت صعوبة في وصفها.
كانبارو، زميلتي الأصغر مني.
طالبة في السنة الثانية من ثانوية ناويتسو.
النجمة السابقة لفريق كرة السلة.
من ناحية، لا يوجد شخص أوضح منها، لكن من ناحية أخرى، لا يوجد شخص أصعب على الفهم منها.
كيف يمكنني وصفها؟
إنه أشبه بمحاولة شرح طريقة مشي حريش.
أو كأن يسألك أحدهم: «كيف يمكنني أن أقع في الحب؟»
بل إنني لو قلت ما أفكر فيه بشأنها كما هو، من دون أي تجميل، فقد يتحول كلامي إلى مجرد إهانة لها.
وسأسيء إلى سمعة كانبارو بلا شك.
وهذا ما أريد تجنبه.
هممم، يبدو أن حصيلتي اللغوية ضعيفة فعلًا.
لا عجب إذن أن درجاتي في مادة اللغة اليابانية الحديثة لا تتحسن كما ينبغي.
«حسنًا… كانبارو تشبه قطار شينكانسن من طراز E5، أو قطارًا مغناطيسيًا فائق السرعة… لا، بل ربما تشبه طائرة مقاتلة… أتعرفين؟ مثل الفانتوم؟»
وبينما كنت أتمتم بهذه الطريقة، محاولًا العثور على تشبيه مناسب، حدث أمر مفاجئ.
قالت كارين من تلقاء نفسها:
«صحيح، كانبارو سورُوغا.»
هاه؟
ماذا؟ ماذا؟!
أنا لم أذكر اسمها الكامل بعد، أليس كذلك؟
«…كارين؟»
«أخي! لدي طلب أرجوك أن تلبيه!»
رفعت كارين صوتها، وكأنها عزمت أمرها أخيرًا.
وقد بالغت في رفع صوتها إلى درجة أنها تعثرت قليلًا في آخر كلمة.
لكن سرعة تصرفها بعد ذلك كانت كافية لمحو أثر ذلك الخطأ الطفيف.
لقد تحركت بسرعة لا تكاد العين تلتقطها.
كأنها استخدمت تقنية تقليص المسافة بجسدها كله.
أو كأنها نفذت ضربة «نيجُو نو كيو» بجسدها كله.
جلست على ركبتيها بسرعة خاطفة، ووضعت راحتي يديها على السجادة بزاوية تبلغ خمسًا وأربعين درجة لكل منهما، ملتصقتين بالأرض تمامًا كما لو كانتا في موضع محدد سلفًا. ثم انحنت بجذعها المرن، كما لو أن الجزء العلوي من جسدها أداة صُممت لتؤدي هذه الحركة تحديدًا، وضربت الأرض بجبهتها، وهي من أصلب أجزاء جسم الإنسان، وكأنها تعلن تمردها على الأرض الأم.
نعم.
بكلمات بسيطة، لقد انحنت انحناءة اعتذار يابانية عميقة، واضعة جبهتها على الأرض.
وحتى من دون تبسيط، فقد كانت كذلك بالفعل.
«أرجوك، هل يمكنك أن تعرّف هذه الأخت الحمقاء بالسيدة كانبارو؟!»
«……..»
آه.
فهمت الآن.
بهذا، أصبح من الممكن أخيرًا تفسير تصرفات كارين الغريبة منذ الصباح، تلك التصرفات التي لا تشبه شخصيتها إطلاقًا، والتي لو صدرت عن شخص غريب لدفعتني إلى الاتصال بالشرطة أو بالمستشفى، أو بهما معًا، أي بمستشفى الشرطة.
كانبارو سورُوغا.
سبق أن ذكرت أنها كانت نجمة فريق كرة السلة، لكن الأمر يتجاوز بكثير ما يمكن التعبير عنه بعبارة مألوفة كهذه.
فهي ليست مجرد واحدة من بين كثيرين.
لقد وُصفت بأنها نجمة المدرسة التي لم تشهد الثانوية مثلها من قبل.
فقد قادت فريق كرة السلة الضعيف في مدرسة متفوقة أكاديميًا، لا تكاد تهتم بالرياضة أصلًا، حتى وصل إلى البطولة الوطنية.
وبصراحة، لا بد أن عدد الفتيات القادرات على تسجيل هدف ساحق بالقفز وإدخال الكرة في السلة بيد واحدة قليل جدًا.
صحيح أنها اضطرت إلى اعتزال النادي في منتصف سنتها الثانية لأسباب شتى، لكن ذلك لم يغير من كونها فتاة تتمتع بصفة النجمة. وحتى الآن، لا تزال تحظى بشعبية كبيرة، خصوصًا بين الطلاب الأصغر منها.
وبين معجبيها كثيرون شديدو الحماس.
متى كان ذلك؟ لا أرغب حتى في تذكره، لكنني أُحيط بي ذات مرة من قبل مجموعة من معجبيها، ثم دفعوني وتدافعوا حولي حتى كدت أُسحق بينهم. لقد مررت حينها بتجربة مؤلمة ومحرجة للغاية.
وفي النهاية، تدخلت هانيكاوا مع كانبارو لفض النزاع، فمر الأمر بسلام. ومع ذلك، شعرت في تلك المرة أيضًا بأنني سأُقتل.
كادت تقتلني معجبة بقتال سينجوغاهارا، ثم كدت أُقتل على يد معجبي كانبارو. إنها دائرة لا تنتهي. ربما سأكاد أُقتل في المرة القادمة على يد معجبي معجبي كانبارو.
على أي حال.
كان من الواضح مسبقًا أن شعبية كانبارو وجاذبيتها لن تقتصرا على حدود المدرسة.
لكنني لم أتوقع أن تكون شهرتها قد وصلت حتى إلى طلاب المرحلة الإعدادية…
إنها حقًا شخص استثنائي.
كانبارو سورُوغا.
«…حسنًا، إذا فكرت في الأمر، فالفنون القتالية تُعد نوعًا من الرياضة في عصرنا الحالي. لذا ليس غريبًا أن تعرفي كانبارو، بطلة المسابقات الوطنية ونجمة منطقتنا.»
بحسب ما يبدو، لا تُقام مسابقات في الدوجو الذي تتدرب فيه كارين، بسبب قواعده أو انضباطه. بل إنها لا تستطيع المشاركة في مثل هذه المسابقات أصلًا، لأن تعاليم الدوجو تركز بصورة مفرطة على القتال الفعلي، إلى حد أنها تمنع المتدربين حتى من الانضمام إلى الأندية الرياضية التي تتطلب المشاركة في البطولات.
لكن لو أُقيمت مثل هذه الفعاليات وشاركت فيها كارين، لكانت بلا شك منافسة على المستوى الوطني. بل حتى لو حدث خطأ ما، فستظل كذلك.
لعل هذا هو السبب في وجود قواسم مشتركة بينهما.
لكن هذه الأخت الحمقاء قالت قبل قليل «السيدة كانبارو»، أليس كذلك؟
هذا يعني…
«أرجوك يا أخي! لا، يا أخي العزيز!»
«لا تقولي “لا” بهذه الطريقة…»
«حاضر!»
«ردك ممتاز، لكن…!»
بدلًا من الرد عليها بالكلام، دست بقدمي على رأس كارين.
وهكذا صار المشهد أمامنا: أخ يدوس رأس أخته التي تنحني اعتذارًا، ويدير قدمه فوقه.
كان ذلك ردًا على الرعب الذي تسببت به لي قبل قليل.
(مع أنني لم أُرعب أصلًا!)
«آآه، يا له من شرف عظيم أن يدوس أخي عليّ!»
ومع ذلك، قالت كارين ذلك بكل قوة، وهي لا تزال مطأطئة رأسها، من دون أي مقاومة.
إنها فتاة تتمتع بقوة جسدية هائلة، كما أنها تحب الاجتهاد والمثابرة والعزيمة حتى على المستوى النفسي. وما دامت هناك غاية تريد تحقيقها، فإن مثل هذه المشقة والإذلال لا يزعجانها، بل ربما تستمتع بهما، كما توقعت.
هممم.
أختي تجمع بين الميول المازوخية والروعة.
«ثم إنني سئمت من رؤية انحناءاتك الاعتذارية هذه. لا تنحني واضعة رأسك على الأرض كلما حدث شيء. ستصلين في النهاية إلى مرحلة تبدئين فيها بتحية الناس بهذه الطريقة في الصباح. هل أنا في موكب أحد الدايميو؟ وكيف يمكن لشخص واحد أن يشكل موكبًا كهذا؟ أي نوع من السادة الإقطاعيين أنتِ؟ ثم اسمعي، إن الانحناء بهذه الطريقة يُعد شكلًا من أشكال العنف في المجتمع الحديث.»
إنه أشبه بالترهيب الدبلوماسي.
مع أنني أنا من يدوس رأسها الآن.
«فهمت! إذن سألعق قدمك! سأبدأ بإصبع قدمك الكبير، ثم ألعق بقية الأصابع بالترتيب!»
«أقول لك توقفي عن فعل أشياء كهذه!»
«نُوه!»
رفعت كارين رأسها قليلًا ونظرت إليّ من أسفل.
كانت تنظر إليّ من وضعية الانبطاح على الأرض.
اشتعلت عيناها بالحماس، وكان وجهها يعكس شعورًا حقيقيًا بالرضا عن التحديات التي تقف في طريقها. لقد كانت نظرة شخص يجد متعة كبيرة في التغلب على الصعاب.
«فهمت! إذن سأمنحك عذريتي! سأمنحك عذريتي يا أخي!»
«ومن يحتاج إلى عذرية أخته أصلًا؟!»
ركلت وجه كارين.
فهناك بالفعل مواقف في الحياة الواقعية يصبح فيها العنف مقبولًا حتى ضد أختك التي لا تزال في السنة الثالثة من المرحلة الإعدادية.
«غوووه!»
وبالطبع، لم تستطع كارين الحفاظ على وضعية الانحناء بعد تلك الركلة.
ومع ذلك، وكما يُتوقع منها، قفزت إلى الخلف على الفور، وهي لا تزال مثنية ساقيها، وبددت قوة الصدمة إلى الخلف.
ثم أدت كارين، ربما بقصد إخفاء خجلها أو لسبب آخر، حركة شقلبة خلفية في الهواء، أي ما يُعرف بالقفزة القمرية، داخل غرفتي الضيقة التي لا تتسع لكثير من الحركة. كادت تلامس السقف، لكنها نفذتها بإتقان تام.
عشر نقاط! عشر نقاط! عشر نقاط! عشر نقاط! عشر نقاط!
أي نوع من القدرات الجسدية هذه؟!
هبطت على السرير.
وأصدر نابض السرير صريرًا قويًا.
والآن، سيصبح النوم عليه أقل راحة ابتداءً من الليلة.
ما الذي دهاك لتفعلي هذا؟!
«…كارين، ربما لا تفكرين في الأمر الآن لأنك تتصرفين بدافع الحماس، لكن بعد عشر سنوات، عندما تنضجين جسديًا ونفسيًا وتصبحين امرأة بالغة، ستتذكرين انحناءك أمامي بهذه الطريقة بوصفه ذكرى ثقيلة للغاية. أقول لك إنني لن أنسى أبدًا أنك انحنيت أمامي هكذا.»
«هه. يا أخي، بدلًا من التفكير في عشر سنوات من الآن، علينا أولًا أن نفكر في اليوم. كيف سيأتي الغد لمن لا يستطيع أن يعيش يومه حتى النهاية؟»
«كلامك يبدو رائعًا، لكن…»
أهذه هي النتيجة التي وصلت إليها؟ الانحناء على الأرض؟!
يا له من أمر مثير للشفقة!
أي غد ينتظر شخصًا ينحني اعتذارًا على الأرض اليوم؟!
«سأسألك من باب الاهتمام فقط يا كارين. أنتِ لا تفعلين أشياء كهذه خارج المنزل، أليس كذلك؟ أعني مع أصدقائك، أو زملائك في المدرسة… أو مع المدرسين؟»
«بالطبع لا! أنا محط إعجاب الجميع!»
«……..»
حسنًا، هذا صحيح.
فاير سيسترز من مدرسة تسوغانوكي الإعدادية الثانية.
إنهما الشخصيتان البارزتان بين طلاب المرحلة الإعدادية في المنطقة.
وكارين واحدة من هاتين الشخصيتين.
بل إن كارين أكثر بروزًا من تسوكيهي، لأنها المسؤولة عن الجانب العملي من نشاطهما.
إنها تتولى الدور الأكثر خطورة والأكثر لفتًا للأنظار؛ أي الموقع البطولي الأبرز.
«لقد قررت أن الشخص الوحيد الذي سأنحني أمامه بهذه الطريقة هو أخي!»
«لا تتخذي قرارًا بأن يكون أنا تحديدًا هدف انحناءاتك!»
مزعجة إلى أبعد حد.
مُوتي مرة واحدة وأصلحي غباءك.
أو بالأحرى، لا بأس بأن تبقي غبية، لكن مُوتي مرة واحدة فحسب.
…لكن، حسنًا، أتذكر أنني فكرت ذات مرة أن كارين وكانبارو «متشابهتان»، بما في ذلك تلك الشعبية التي تحظى بها كارين بين الناس من حولها.
بالطبع، تختلفان في أمور كثيرة، منها البيئة التي تعيش فيها كل منهما، لكن لا شك في أن بين كارين وكانبارو قواسم مشتركة عديدة.
لذا، حتى لو سمعت كارين عن كانبارو في مكان ما، وراحت تكنّ لها إعجابًا شديدًا، فليس من الصعب عليّ فهم ذلك.
ليس من الصعب فهمه، لكن…
صحيح أنني اعتدت رؤية كارين وهي تنحني حتى تلامس الأرض بجبهتها، وصحيح أن ذلك صار مشهدًا مألوفًا في حياتنا اليومية، لكن حماسها بلغ حد خلع بدلتها الرياضية وارتداء تنورة، رغم كراهيتها المعتادة لها (لعلها اعتبرتها الزي الرسمي للأخت الصغيرة التي تدلّل أخاها وتستعطفه). وهذا أمر لم يحدث قط في تاريخ أراراغي كارين.
ومهما يكن، يبدو أن هذه الأخت الصغيرة، التي ترفض الاستعانة بأخيها في الأمور التي تريد فعلها بنفسها، بدافع من كبريائها أو اعتزازها بنفسها، قد احتاجت إلى قدر هائل من العزم حتى تأتي إليّ هكذا وتطلب مني خدمة شخصية.
هممم.
«لكن تسوكيهي وافقت فعلًا على إعارتك ملابسها؟ ستتمدد أقمشتها عندما ترتدينها.»
«أجل. لذلك استعرتها خلسة.»
«……..»
ستنالين عقابك لاحقًا.
فهي أخطر منكِ.
«على كل حال أشكرك على الإطراء يا أخي، لكن يبدو أن التنانير لا تناسبني حقًا. ليس الأمر أنني لا أرتاح فيها، فجلدي أصلًا مكشوف في معظم أجزائه. ومع ذلك، هذه التنورة القصيرة مناسبة جدًا لركلتي.»
«لم تكن قصيرة إلى هذا الحد في الأصل، على ما أظن.»
قلت لها ألا تفكر حتى في صعود السلالم وهي ترتديها، فردّت كارين بأنها لن تخرج إلى الشارع أصلًا بملابس محرجة كهذه.
يا لها من وقاحة، وهي التي أخذت ملابس تسوكيهي من دون إذنها!
حسنًا، ما دامت لم تنتقد الكيمونو، فربما لن تغضب تسوكيهي إلى ذلك الحد.
لنقل إن مستوى غضبها سيكون اثنين.
«بالمناسبة يا كارين، كيف عرفتِ أنني على علاقة جيدة بكانبارو؟»
لعلها طبيعة حماقتي التي لا علاج لها، لكنني أفلتت مني هذه العبارة وأنا أوجّه تعليقي إلى كارين، التي صارت تتدلل على أخيها. ومع ذلك، كنت حريصًا حتى الآن على إخفاء هذه الحقيقة عنها.
لا أحب أن تثير أختاي ضجة بلا داعٍ، لذلك أبقي علاقاتي الاجتماعية سرًا عنهما في الغالب. وكل ما تعرفانه تقريبًا هو علاقتي بهانيكاوا وسينغوكو.
وكنت حريصًا خصوصًا على ألا تعرفا شيئًا عن علاقتي بكانبارو…
«آه، أجل. كان أخوك يظهر بوضوح غريب في الصور المرفقة بالنشرة البريدية التي توزّعها رابطة المعجبين غير الرسمية بالمعلمة كانبارو، المسماة «كانبارو سُول»…»
«هذا تصوير خلسة، أليس كذلك؟!»
رابطة معجبين غير رسمية؟!
و«كانبارو سُول»؟!
آه، فهمت. الهاتف المحمول!
بعد أن راعَى والدانا ما كانت أختاي تفعلانه من تهوّر وحماقات شتى تحت شعار «نصير العدالة»، سمحا لهما أخيرًا بامتلاك هاتفين محمولين ابتداءً من هذا الصيف.
لكن الأمر انقلب إلى نتيجة سيئة.
سواء أكانت نشرات بريدية أم غيرها، فقد ازدادت كمية المعلومات التي تستطيع فاير سيسترز تلقيها زيادة هائلة. ولعل الضجة السابقة المتعلقة بالدبور مثال على ذلك. وفي خضم هذه المعلومات، اكتشفت كارين أيضًا علاقة الزمالة بيني وبين كانبارو. (لا أظن أن صورة ملتقطة بالهاتف وحدها كانت كافية لكشف ذلك).
يا له من مجتمع معلوماتي مخيف.
العالم يتجه حتمًا نحو الأسوأ.
ربما عليّ التحدث إلى والدَيّ، وإقناعهما بسحب الهواتف من أختَيّ.
فمستوى أمان هاتين الاثنتين يتراجع بالتأكيد.
«هاه؟ لكن يا أخي، أليس هذا تفكيرًا متخلّفًا؟ كثير من الكبار يتذمرون لأن الطلاب يستخدمون هواتفهم أثناء الحصص، لكن أليس هؤلاء أنفسهم قد كانوا ينجزون واجباتهم سرًا أو يتبادلون الرسائل في الصف عندما كانوا أطفالًا؟»
«حسنًا، هذا صحيح.»
تتغير الأدوات، لكن الأفعال لا تتغير.
هكذا هم البشر.
جيل أكبر يتذمر من قلة اهتمام الشباب بالقراءة، ثم يتضح أن أفراده أنفسهم لا يفهمون الهواتف المحمولة أو الإنترنت.
قارن بين طفل لا يستطيع قراءة الأدب الكلاسيكي وأب لا يستطيع قراءة الروايات الخفيفة، وستكتشف أن الفارق بينهما قد لا يكون كبيرًا كما تتوقع. ولو أردنا مثالًا أكثر تطرفًا، فإن موراساكي شيكيبو، مهما بلغت عبقريتها الأدبية، لو جلبناها إلى عصرنا الحالي، لما استطاعت حتى قراءة كتاب مصوّر للأطفال.
لا معنى لمقارنة الثقافات عبر العصور بهذه الطريقة.
حسنًا، هذا الكلام منقول عن هانيكاوا.
«وعندما بحثت في الأمر، اكتشفت أن أخي يحظى بدعم هائل من المعلمة كانبارو. لا أعرف ما الحيلة التي استخدمتها، لكن يبدو أنها تنظر إلى أخي باعتباره أستاذًا لها…»
«حسنًا… هذا ليس خطأً تمامًا.»
لن أقول إن ذلك غير صحيح.
لكن طريقة صياغتها تجعل الأمر يبدو مختلفًا كثيرًا عن الواقع.
لم أستخدم أي حيلة، لكن كانبارو نفسها تبالغ في تصورها عني.
«لهذا السبب، أصبح أخي محط اهتمام غير عادي بين طالبات المرحلة الإعدادية. من يكون هذا الرجل القصير الذي يعامل المعلمة كانبارو وكأنها خادمة له؟ هكذا يتساءلن.»
«إذًا هناك طالبات إعدادية لا أعرفهن يحملن ضغينة تجاهي…»
أنا لا أعاملها كخادمة!
أنا أكثر من يعاني من تفانيها المفرط، ولا أحد غيري يعرف ذلك…
«بل على العكس، أنت تحظى بشعبية كبيرة. تخيّل أن طالبات الإعدادية ينظرن إليك بنظرات حارة مليئة بالحسد.»
«لقد أصبحت شخصية ذات كاريزما من دون علمي…»
وهذا مزعج بدوره.
إنه لفت للأنظار في أسوأ صورة ممكنة.
«بالطبع، لم أخبرهن أنك من عائلتي، لكنني أعتقد أن هذا كله قدر ما. أن تتاح لي فرصة التواصل مع المعلمة كانبارو بهذه الطريقة؟ لا بد أن بيننا رابطًا ما. إنها مصادفة تجمع بين أرواح متآلفة! لذا، أرجوك، عرّفني إلى المعلمة كانبارو!»
«رابط، هاه…»
«لا أريد أن أمدح نفسي، لكنني أظن أنني سأنسجم مع المعلمة كانبارو.»
قالت كارين ذلك كما لو كانت تحدّث نفسها، وهي تعقد يديها خلف رأسها وتطلق صفيرًا، بينما تختلس النظر إليّ بين الحين والآخر.
يبدو أنها تحاول التظاهر بأن الأمر لا يعنيها كثيرًا.
يا لها من إزعاج.
وحتى قدرتها على إطلاق الصفير بشكل صحيح تستفزني.
لكن، أجل، أنتِ وكانبارو ستنسجمان فعلًا. كلتاكما من النوع الرياضي، وكلتاكما من الفتيات اللواتي يتّسمن بالقوة والجرأة.
…لكن!
لكنني، بصراحة، لا أنوي تعريف أختي إلى كانبارو.
لن أتزحزح عن موقفي.
هناك سبب يمنعني من ذلك.
إنه سبب مرتبط بميول كانبارو الجنسية، وهي رياضية معروفة على مستوى البلاد، لكن ميولها تلك لا يعرفها معظم الناس. أما أنا، فقد عرفتها بحكم موقعي…
«يا كارين.»
«ماذا يا أخي؟»
«انسَي الأمر.»
طَخّ!
صدر من بطني صوت غير معقول.
كان أشبه بصوت غرس مجرفة في الأرض.
لقد لجأت أختي إلى العنف ضد أخيها من دون أي تردد.
كانت ضربة خاطفة بأطراف الأصابع، كأنها نفذت بين أضلعي.
شعرت كأن كبدي قد اختفى.
«حسنًا يا أخي، لنتحدث بهدوء.»
«……..»
انتظري قليلًا. لن أستطيع الكلام لبعض الوقت.
المسألة ليست مجرد ألم.
أنا عاجز عن إخراج صوت طبيعي.
«ألا تستطيع تلبية طلب أختك الصغيرة اللطيفة؟ إن كنت لا تستطيع، فلديّ أنا أيضًا أفكار أخرى.»
«غ… غغغ…»
يا لها من بلطجة صريحة.
ليس لديك أي أفكار أخرى أصلًا.
لقد مُنحت هذه الفتاة، عن طريق الخطأ، موهبة لا ينبغي أن تُمنح لأحد.
«إذًا… إذا لم ينفع الانحناء اعتذارًا، فاللجوء إلى العنف فورًا… هذا غير معقول…»
تمكنت أخيرًا من إخراج صوت، لكن اهتزاز الحجاب الحاجز كان ينعكس بوضوح على أعضائي الداخلية. لذا خرج تعليقي بصوت متألم ومضطرب، أقرب إلى التوسل منه إلى السخرية.
«غير معقول حقًا…»
حاولت إضافة هذه العبارة كي أخفف من وقع صوتي المتألم، لكنني أشعر بأن النتيجة لم تزد الأمر إلا إيلامًا.
حسنًا، لطالما قلت إن الجزء الأول هو المفضل لديّ.
كنت أرى من يقول إن ما عدا الأعمال الأولى ليس غاندام، أو إنهم لا يعترفون بأبطال كامن رايدر في حقبة هيسي، وأتساءل كيف يمكن أن يكون المرء ضيق الأفق إلى هذا الحد، وأن يمتلك نظرة محدودة كهذه بوصفه مشاهدًا. لكن عندما أرى التحولات التي طرأت على سلسلة بريكيور، بدأت أفهم مشاعرهم قليلًا.
صحيح أن التركيز على الانطباع الأول وحده لا يترك مجالًا لما يأتي بعده.
«غير معقول؟ إذًا ماذا تريدني أن أفعل يا أخي؟ هل توجد طريقة أخرى لفرض إرادتي غير التحدث معك؟»
«أنتِ تعتبرين التحدث مع الآخرين مرادفًا لتبادل اللكمات…»
كما قالت تسوكيهي ذات مرة، فإن اللكم والركل يُعدّان، من منظور الثقافة البشرية، نوعًا من وسائل التواصل. لكن ذلك ينطبق فقط عندما تكون قوة الطرفين متكافئة. أما العنف من طرف واحد، فلا يصلح وسيلة للتواصل بأي حال.
حسنًا، دعونا نرتب أفكارنا هنا.
لقد علّموني في المدرسة الابتدائية أن أحافظ على النظام والترتيب.
لذا، لنرتب الأمور.
هدف أراراغي كارين هو أن أعرّفها إلى كانبارو سورُوغا… لا، الأدق أن أعرّف كانبارو سورُوغا بها.
هذا الهدف راسخ بشدة.
راسخ إلى درجة أنه لا يتحرك قيد أنملة.
إنها فتاة تندفع نحو هدفها كخنزير بري يندفع في خط مستقيم.
فهي من النوع الذي يظن أن واحدًا زائد واحد يمكن أن يصبح ثلاثة بفضل العزيمة وحدها. وإذا بدأت بالاندفاع، فلن يستطيع أحد إيقافها مهما قال أو فعل.
ويمكنني أن أضيف شيئًا آخر إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية مختلفة: نادرًا ما تضع كارين لنفسها هدفًا شخصيًا تسعى إلى تحقيقه.
إنها، على نحو غير متوقع، قليلة التعبير عن رغباتها الخاصة.
لا تتردد في التحرك من أجل الآخرين، لكن إرادتها الشخصية ضعيفة للغاية.
بل يمكن وصفها بالواهنة.
وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تجعلني أعدّ كارين مزيفة. فأنا أصرّ على أن العدالة التي يعيش المرء من أجل الآخرين ليست سوى زيف هشّ أمام العدالة التي يعيش من أجلها هو نفسه.
ولهذا السبب تحديدًا…
عندما يكون لديها هدف شخصي واضح كهذا، تتمسك به كارين بقوة. أما أنا، فأشعر برغبة في مساعدتها على تحقيقه، وإزالة كل العقبات من طريقها.
لكن…
لكنني لا أستطيع فعل ذلك هذه المرة.
لا أريد تعريفها إلى كانبارو.
لا أريد، تحت أي ظرف، أن أعرّف كارين إلى كانبارو.
هذا هو موقفي.
وهذا هو هدف أراراغي كويومي.
حسنًا، أحيانًا يحتاج المرء إلى أن يتعلم معنى الإخفاق.
لكنني لا أريد لكارين وتسوكيهي أن تصيرا من النوع الذي ينهار أمام الإخفاق، وهذا هو موقفي، إن صح التعبير.
لا مجال للتوفيق بين الطرفين.
لقد أصبحنا في مواجهة مباشرة.
أي إنها مسألة «الكل أو لا شيء»، ولا بد أن يتراجع أحدنا عن موقفه بالكامل. وبما أنني لا أنوي التراجع، فلا بد لي من جعل كارين تتخلى عن هدفها.
لكن كيف أفعل ذلك؟
سأخسر إذا ضربتني.
لا أستطيع الفوز عليها في شجار.
حسنًا، لو أردت الدقة التامة، فلن أخسر إن حصلت على مساعدة شينوبو الكاملة، لكن ذلك سيكون غشًا وفقًا لمعايير البشر.
فكرت في هذا وأنا أنظر إلى ظلي.
كان الظل باهتًا، لأننا داخل المنزل.
«…هممم.»
على أي حال، من المستحيل حل هذه المشكلة بالكلام أو بالضرب.
ولو سمحت لنفسي بالتحدث وكأن الأمر لا يعنيني، فأنا أيضًا لن أغيّر موقفي مهما تعرضت للضرب.
أظن أن لديّ من سعة الصدر ما يكفي لتحمل كل عنف أختي الصغيرة.
فأنا أخوها، في نهاية المطاف.
حتى إن لم أكن «الأخ الأكبر المبجّل»، فأنا أخوها فحسب.
«…إذًا، لا مفر من التحدي.»
«هاه؟»
«إذا نشب خلاف، فلنحسمه بمنافسة. هكذا نفعل نحن، أليس كذلك؟»
قلت لها، لكن لا تنسي أن المنافسة لن تكون متكافئة.
عدت إلى المكتب وأغلقت كتاب التمارين.
لا بد من إيقاف مذاكرتي الصباحية.
سأعوّض ما فاتني لاحقًا.
لا توجد كلمة إنجليزية تستحق أن تُقدَّم على مشكلة عائلية.
«هذه المرة، أنتِ من تطالبين بشيء من طرف واحد يا كارين. لذا، إن شبّهنا الأمر بلعبة، فلن تكون مواجهة بين لاعبَين متكافئَين، بل بين صاحب اليد العليا والتابع.»
«…حسنًا.»
تغيّرت نبرة صوت كارين فجأة.
لقد اشتعلت حماستها حرفيًا.
يبدو أن بداخلها مستشعر تسارع يستجيب تلقائيًا لكلمة «منافسة».
«ممتاز، لنفعلها هكذا. يبدو أن أخي يفهمني أخيرًا. يمكنك أن تختار أي قواعد تريدها. سأجتاز أي شرط، مهما كان، لأتمكن من لقاء المعلمة كانبارو.»
ما زالت بسيطة كما كانت دائمًا.
بل إن بساطتها تجعلني أشعر بالقشعريرة وأنا أنظر إليها.
إذا استمرت على هذا النحو حتى تكبر، فستصبح شخصًا لا يُستهان بخطورته. سواء تعلق الأمر بالإخفاق أو بأي شيء آخر، لا بد أن تتعلم الدرس في مرحلة ما، وإلا فالأمر خطير حقًا. خطير إلى حد يجعلني أقلق عليها حتى لو لم تكن أختي.
لكن، حسنًا…
ستتعلم الآن.
مع ذلك، ما العمل؟ حتى لو قالت لي إنني أستطيع اختيار أي قواعد، لا يمكنني فرض منافسة قاسية عليها أكثر من اللازم.
فهي أخت تشعر بنفور شديد من الغش والخداع وما شابه، بل إن روح العدالة المتقدة داخلها لا تسمح بذلك، على حد قولها.
لذا، أحتاج إلى قواعد تبدو عادلة ومنصفة ظاهريًا، مع أنها تقع عند الحد الذي تستطيع اجتيازه بصعوبة، وشروط تقع عند الحد الذي تعجز عن اجتيازه بصعوبة.
لكنني لا أستطيع التفكير في شيء على الفور.
وفوق ذلك، حتى لو لم أستطع فرض تحدٍّ قاسٍ عليها، فإن التحديات القاسية نادرة أصلًا بالنسبة إلى كارين.
فقد سمعت أنها خاضت اختبار الكاراتيه الذي تواجه فيه مئة خصم متتاليًا، ونجحت في إكماله!
بل وحققت انتصارات أكثر من الهزائم.
عزيمتها ليست كعزيمة الأشخاص العاديين.
كما سمعت أنها تعرضت لضرب مبرح على يد مجموعة من راكبي الدراجات النارية الخارجين عن القانون، بعد أن احتجزوا رهينة، ومع ذلك لم تستسلم حتى اللحظة الأخيرة. لا، في الحقيقة، أنا من ذهب لإنقاذها آنذاك.
لو لم أصل في الوقت المناسب، لكانت تلك الحادثة قد انتهت بكارثة…
ماذا تفعل فتاة كهذه في مدينة مسالمة كهذه؟
وهكذا، فإن امتلاك عزيمة مفرطة قد يكون مشكلة بحد ذاته.
فالإفراط ليس أفضل من النقص.
وهذا لا علاقة له بروح العدالة وما إلى ذلك، بل هو أمر سابق لكل ذلك.
إذا فرضت عليها تحديًا شديد القسوة، فقد تحاول اجتيازه بالقوة، وينتهي بها الأمر إلى إصابة لا يمكن تداركها، بدلًا من مجرد اختبار الإخفاق.
إنها لا تعرف معنى التراجع.
ولا تعرف حتى كيف تنسحب.
إنها فتاة شغوفة، من النوع الذي يواصل مواجهة الأعداء رغم اعتلال صحته.
…وبهذا المعنى، يبدو أنني أنا الأكثر قسوة.
أنا قاسٍ وعظيم الشدة.
فأنا مضطر إلى جعلها تعترف بالهزيمة.
قبل مدة، تشاجرت معها شجارًا عنيفًا كي أمنعها من مواجهة عدوها رغم مرضها… فهل ينبغي أن أذهب إلى هذا الحد مرة أخرى؟
إنها فتاة لا يردعها الألم، ولا يحطّ الإذلال من عزيمتها، ولا تنكسر أمام الإهانة.
…لا، عندما أفكر في الأمر مجددًا، فهي مذهلة فعلًا.
ليس الأمر مجرد أنها تتباهى بكونها من النوع الذي يستمتع بالخضوع.
هل هذه أختي حقًا؟
أليست أختي غير الشقيقة في الحقيقة؟
إن كان الأمر كذلك، فسيكون هذا مثيرًا للاهتمام.
أعلم أنني أبدو ضعيف العزيمة حتى قبل بدء المنافسة، لكن ربما سيكون من الأسهل أن أستسلم بسرعة وأعرّفها إلى كانبارو، وينتهي الأمر…
همم.
هممم.
صحيح.
كانبارو هي محور هذه المسألة.
إذًا، ربما يكون الحل الأمثل أن نجري المنافسة بأسلوب كانبارو نفسها.
«انتظري قليلًا. سأحضر الأدوات اللازمة.»
«أدوات؟ هل تنوي لعب الورق؟ هذا غش!»
«لماذا يُعد لعب الورق غشًا…؟»
أنتِ ضعيفة جدًا في الألعاب الذهنية.
اطمئني، لن أستخدم هذه الحيلة.
وإلا فلن تعترفي بالهزيمة.
لا بد أن تكون المنافسة من النوع الذي يبدو ممكنًا، لكنه في الحقيقة صعب التحقيق، وإلا فلن يكون لها معنى. (لكن مستقبل أختي التي لا تستطيع لعب الورق يثير قلقي بجدية).
ستعيشين الجحيم منذ الآن.
الجحيم نفسه الذي عشته أنا خلال عطلة الربيع!
تركت كارين في غرفتي وتوجهت إلى المغسلة. عثرت بسرعة على ما أريده، والتقطته، ثم عدت إلى الغرفة.
عندما رجعت، كانت كارين مستلقية على السرير.
يا لها من فتاة تتصرف بحرية مطلقة.
كانت فاتحة ساقيها على نحو جريء، حتى إن ملابسها الداخلية كانت ظاهرة بالكامل.
بل إن هذه الأخت الحمقاء استعارت ملابس تسوكيهي الداخلية أيضًا.
حتى لو كانتا فتاتين، فهذا غير مقبول.
«أوه، أخي. عدت بسرعة.»
«لا تحاولي النوم كلما سنحت لك فرصة… هل أنتِ نوبيتا أم ماذا؟»
«لقد نمت جيدًا، ولذلك صرت طويلة مثل نوبيتا.»
«ليست نكتة مضحكة.»
«إذا قلت ذلك، فسأصبح سونيو.»
«يا لها من نكتة مضحكة على نحو مستفز!»
«همم؟ أخي، ما الذي تحمله في يدك؟»
قالت كارين ذلك بعدما لاحظت ما أحمله، ثم نهضت.
ومن فركها لعينيها، يبدو أنها لم تكن مستلقية فحسب، بل كانت نائمة فعلًا.
هل هي حيوان بري أم ماذا؟
أو ربما جندية في وحدة عسكرية ما.
«أليست تلك فرشاة أسناني؟»
هذا صحيح.
ما أحضرته من المغسلة كان فرشاة الأسنان الخاصة بكارين، ذات المقبض البرتقالي والشعيرات الرفيعة.
وفي يدي الأخرى، أحضرت معجون الأسنان أيضًا، كي لا أنسى شيئًا.
«مـ… مستحيل يا أخي…»
بدت كارين خائفة على نحو نادر.
بل بدا وجهها شاحبًا قليلًا.
همم.
إنها سريعة البديهة. ربما فهمت ما أنوي فعله.
يا لها من حيوان بري، ويا لها من جندية.
كنت أريد مفاجأتها، لكنني شعرت بالملل حين ظننت أنها اكتشفت الأمر بالفعل، إلى أن أشارت إليّ بإصبع مرتجف وقالت:
«…أتنوي غرس فرشاة الأسنان في مؤخرتي؟!»
……..
لقد فاجأتني أنا.
بل شحب وجهي أنا أيضًا.
ما هذا التصور غير المعقول…؟
«أنت أخي فعلًا! لا بد أنك تفكر في أشياء مرعبة!»
«لا، أخوك لا يفكر في أشياء مرعبة كهذه…»
لا تبالغي في تقديري.
أنا لست ذلك النوع من الرجال.
«حقًا؟ لكن تسوكيهي عاقبت ذات مرة رجلًا مهووسًا كان يلاحق إحدى زميلاتها في الصف بطريقة مشابهة.»
«يا للرعب!»
أختي مرعبة للغاية!
حسنًا، عندما أفكر في الأمر، فهذا يشبه تمامًا ما قد تفكر فيه تسوكيهي!
لكن لا شك أن هذه ليست من أفكار كارين.
«ومع ذلك، لم تستخدم تسوكيهي معجون الأسنان أيضًا. يا أخي، أنت في مستوى مختلف تمامًا.»
«توقفي عن وضعي في الفئة نفسها مع تلك الأخت!»
«لكنني قلت إنك في مستوى مختلف.»
«نحن مختلفان في كل شيء!»
بل إنني بدأت أخاف منها فعلًا.
تسوكيهي أشبه ببلطجية الشوارع أكثر من كارين بكثير.
هل هي زعيمة عصابة فتيات أم ماذا؟
حتى أخوها الأكبر يرتجف أمامها.
«حسنًا، أعترف بأن الأمر مبالغ فيه قليلًا. لكن يا أخي، أليس من الطبيعي أن ينال الأوغاد الذين يلجؤون إلى أفعال حقيرة، مثل مطاردة الآخرين والتجسس عليهم، ما يستحقونه؟»
قالت كارين ذلك بملامح أكثر جدية قليلًا.
ومن نبرة صوتها الحازمة، يبدو أن من الأفضل أن أخفي عنها حقيقة أن كانبارو كانت تلاحقني في الماضي.
حسنًا…
كان ذلك جزءًا من لعب دور نصيرة العدالة، أليس كذلك؟
لو قلت لها إن الأمر لم يكن تمثيلًا، وإنها لم تكن مجرد نصيرة للعدالة بل كانت العدالة نفسها، فلن يؤدي ذلك إلا إلى جدال جديد.
«الأوغاد الحقيرون، هاه… حسنًا، أنا أيضًا لن أحمي شخصًا يلاحق طالبات الإعدادية ويتعقبهن.»
«آه، بالمناسبة، أظن أن تسوكيهي كانت تتحقق من صحة شائعة كهذه حتى الآن.»
«شائعة؟»
«أجل. يُقال إن هناك طالبًا في المرحلة الثانوية في هذه المدينة يهاجم تلميذات ابتدائيات يرتدين ذيلَي حصان من الخلف، ثم يحتضنهن ويتلمس أجسادهن في كل مكان. ليس مجرد متحرش أو ملاحق، بل منحرف بكل معنى الكلمة. لا توجد شهادات كثيرة لمن رأوه، لذا فالأمر غير واضح تمامًا، لكن إن ثبتت صحته، فلا يمكن السماح به.»
«ه… هاه.»
يا له من منحرف فظيع، حقًا.
قلت ذلك وأنا أحوّل نظري بعيدًا عنها بكل ما أوتيت من قوة.
…عندما أفكر في الأمر، فإن هاتشيكوجي مايُوي ليست مجرد جنية وهمية لا يراها سوى أنا وهانيكاوا.
هناك شهود، وإن كانوا قليلين.
حقًا، إن مجتمع المعلومات مخيف.
كل شيء متاح في كل مكان.
«إن كان هناك وغد يتحرش بتلميذات ابتدائيات بريئات، فلن أترك الأمر لتسوكيهي وحدها. سأتدخل أنا أيضًا، وسأحطمه تحطيمًا!»
«ه… هاهاهاها. يبدو أنكما مشغولتان حقًا. حسنًا، إن عرفتما أي شيء عن هذه المسألة، فأبلغاني به. لن أسمح بأن تسوء الأمور.»
«أوه، من النادر أن يُظهر أخي موقفًا متعاونًا كهذا. يبدو أن في أعماق قلبك روحًا للعدالة أيضًا!»
«بالطبع. هاهاهاها.»
«حسنًا، لقد انحرفنا عن الموضوع يا أخي. إن لم تكن تنوي غرس فرشاة الأسنان في مؤخرتي، ففيما ستستخدمها؟ هل لفرشاة الأسنان أي استعمال آخر غير غرسها في المؤخرة؟»
«……..»
يا له من سؤال مذهل.
لو اقتطعنا هذه العبارة وحدها، لبدوتِ أنتِ المنحرفة أكثر مني بكثير.
قد تتفاهمين مع كانبارو فعلًا.
لكن!
على نحو مدهش، تتجاوز أفكار كانبارو المنحرفة هذا المستوى أيضًا!
إن انحرافها يتجاوز بكثير مفردات فقيرة مثل «الملاحقة» و«الانحراف»!
ولهذا لا أريد تعريفك إليها!
«ألا تعرفين يا كارين؟ فرشاة الأسنان أداة لتنظيف الأسنان.»
«أ… أجل. صحيح، عندما أفكر في الأمر، فهذا هو استخدامها.»
«وبالطبع، يمكن استخدامها لأغراض أخرى إذا أردنا الدقة، مثل التنظيف. إنها مثالية لتنظيف الشقوق الضيقة حول الأحواض والأماكن التي يصعب الوصول إليها…»
أوه.
كدت أنحرف عن الموضوع مجددًا.
بما أن كانبارو هي محور حديثنا، فإنني أربطها بالتنظيف تلقائيًا… وبما أن الغد هو الخامس عشر، فسأضطر إلى الذهاب لتنظيف غرفتها مجددًا.
«يا أخي، قد تكون فرشاة الأسنان أداة لتنظيف الأسنان، لكن ما علاقة ذلك بالأمر؟ أنت لا تطلب مني تنظيف أسناني هنا، أليس كذلك؟»
«صحيح، لن أطلب منك ذلك.»
أومأت برأسي.
«لن أطلب منك تنظيف أسنانك… أنا من سينظفها.»
«هاه؟»
«ولن أنظف أسناني أنا، بل سأُنظف أسنانك أنتِ.»
«……..؟»
أمالت كارين رأسها.
يبدو أنها لم تستوعب بعد مدى خطورة الموقف.
«لا أفهم شيئًا… هل ستنظف أسناني يا أخي؟ لماذا؟ حسنًا، إن كنت تريد ذلك، فلا بأس عندي… لكن كيف سيصبح هذا تحديًا؟»
تحدثت كارين بنبرة حائرة.
ههه.
إن التفكير في أن هذه النظرة البريئة لن تدوم سوى بضع دقائق يجعلني أشعر بمتعة حقيقية.
«أنتِ وتسوكيهي تذهبان إلى صالونات التجميل لقص شعريكما، أليس كذلك؟ لكنني لا أرتاح كثيرًا إلى أمور كهذه. أشعر بتوتر غريب عندما يلمس شخص لا أعرفه رأسي.»
«…أجل. أفهم ذلك.»
قالت كارين إنها هي أيضًا لا تريد أن يقص شعرها إلا مصفف تعرفه.
«ومن الناحية النفسية، يُقال إن لمس شعر شخص ما أمر لا يُسمح به إلا بين أشخاص تربطهم علاقة وثيقة. بل إن بعض الفتيات يكرهن لمس شعرهن أكثر من لمس أجسادهن.»
كان ذلك ينطبق على هاتشيكوجي.
عندما أمسكت بذيلي شعرها الجانبيين ولعبت معها لعبة دراجة هارلي ديفيدسون، غضبت غضبًا أدهشني.
لقد وبختني هاتشيكوجي نفسها مستخدمة أسلوب الحديث غير الرسمي معي.
لم أتوقع أن تغضب إلى ذلك الحد…
وما زلت أتذكر أنني ندمت على فعلتي.
«أجل… وماذا في ذلك؟»
يبدو أن غموض ما سيأتي جعل كارين تشعر بالقلق، فازدادت نبرة صوتها حذرًا.
إنها يقظة من الطراز الأول.
«هناك ما يُسمّى اللمس، وأسهل مثال عليه قص الشعر. لكن توجد أمور أخرى كثيرة، أليس كذلك؟ لا يمكنك أن تطلبي من شخص غير مختص أن يتولى تدليك جسدك بالكامل، أليس كذلك؟ هذا هو المقصود.»
«هذا هو المقصود…»
«ومن بين تلك الأمور، تنظيف الأسنان.»
قلت ذلك.
لا أعرف لماذا أشرح الأمر كما لو كنت ألقي محاضرة.
«لقد تعاملتِ مع الأمر بخفة قبل قليل، لكن تجربة ترك شخص آخر ينظف أسنانك ليست أمرًا مألوفًا. فعلى عكس قص الشعر أو التدليك، يمكن للمرء عادةً تنظيف أسنانه بنفسه، وهو ما يفعله فعلًا.»
كنت أقول هذا لكارين، التي ستقص ذيل حصانها بنفسها بعد بضع ساعات، لكنني لم أكن أملك أدنى فكرة عن ذلك في هذه اللحظة.
كيف كان لي أن أتوقعه؟
«الخلاصة يا كارين، أن ترك شخص آخر ينظف أسنانك يسبب مقاومة نفسية كبيرة. إذا استطعتِ تحمّل هذه المقاومة النفسية لمدة خمس دقائق، فسأعدّكِ الفائزة. وعندها سأعرّفك إلى كانبارو. أما إذا استسلمتِ قبل انقضاء خمس دقائق، فسأكون أنا الفائز، ولن أعرّفك إليها.»
«…هاها!»
ضحكت كارين عندما سمعت القواعد والشروط التي وضعتها.
ضحكت بارتياح.
بل كان في ابتسامتها شيء من خيبة الأمل، كما لو أنها وجدت أن الأمر أسهل مما توقعت.
«ما هذا يا أخي؟ لقد جعلتني طريقتك الجادة في الكلام أشعر بالخوف قليلًا، حتى أنا. بل خاب أملي قليلًا.»
«حقًا؟»
«أجل، بل أريد أن أقول إن هذا يناسبني تمامًا. صحيح أنني لا أريد أن ينظف أسناني شخص غريب تمامًا، لكن الشخص الذي سيفعل ذلك هنا هو أخي. لذا لا أرى مشكلة.»
وأضافت كارين أن الأخ الذي يضطر إلى تنظيف أسنان أخته الصغيرة هو من سيعجز عن تحمل الإذلال ويستسلم في منتصف الطريق.
«بصراحة، لا أشعر بالخجل مهما فعلت بي يا أخي.»
يا لها من ثقة متعجرفة في أخيها.
«…………..»
هاهاها!
لقد وقعتِ في الفخ!
حتى كلماتك المتعجرفة تبدو موسيقى جميلة لأذني!
أعرف أنك لا تنكسرين أمام الإذلال.
كم سنة تظنين أنني قضيتها أخًا لك؟
ولأكون صريحًا، كنت أخاك حتى قبل أن تولدي!
«…إذا كنت أنا من يستسلم في منتصف الطريق، فستكونين أنتِ الفائزة.»
«حقًا؟ هممم، بما أنني سأحظى بفرصة التعرف إلى المعلمة كانبارو العظيمة، أشعر بأن هذا التحدي سهل أكثر مما ينبغي. كنت أتمنى أن تضع أمامي عقبة أصعب. يا أخي، أنت لا تفهم الأجواء.»
«لا أفهم الأجواء؟»
«اختصار لعبارة لا يعرف كيف يقرأ الجو.»
«آه، صحيح، سمعت هذه العبارة كثيرًا مؤخرًا.»
«أو ربما تكون عبارة SF، أي “شيء غريب قليلًا”. لا أعرف السبب.»
«يا لها من شخصية عريقة تسبق عصرها…»
كان الأمر غريبًا فعلًا.
لكن لا بأس.
«إذًا، لنبدأ التحدي. اجلسي هناك.»
«حاضر.»
جلست كارين على السرير.
وبما أنها لا تكترث لمظهرها أو لغيره، فقد ارتفعت تنورتها بلا أي مقاومة.
ربما لأنها غير معتادة على ارتداء التنانير، أو لأن طولها غير مناسب لها، لكنني أعتقد حقًا أنه من الأفضل لك ألا ترتدي تنورة أبدًا.
فكرت في ذلك، ثم جلست إلى جانبها.
جنبًا إلى جنب.
وضعت قليلًا من معجون الأسنان على الفرشاة، وأدرت جسدي، وأسندت يدي اليسرى إلى مؤخرة رأس كارين.
«آآه.»
«آآه.»
فتحت فمها، وأدخلت فرشاة الأسنان.
حسنًا.
استعدي لتذوق رعب المعلمة كانبارو العظيمة بنفسك.
ستخسرين بسبب إحدى أفكارها الغريبة، ولا شك أنك ستعتبرين ذلك شرفًا عظيمًا.
«مـ… ممغغ!؟»
لم تستوعب كارين حقيقة المأزق الذي وقعت فيه إلا بعد مرور نحو دقيقة على بدء التحدي.
تغير تعبير وجهها.
لا، لم يكن مجرد تغير، بل انقلابًا كاملًا.
كان تعبيرًا لم أره عليها من قبل قط؛ مزيجًا من الدهشة… والانتشاء.
«هـ… هيوغ، غ، غغ!؟»
أدركتِ الأمر أخيرًا؟
لكن الأوان قد فات يا كارين.
لقد بدأت المعركة بالفعل.
أجل.
لقد تحدثت عن صالونات التجميل والتدليك لتشتيت انتباهها، لكن تنظيف الأسنان يختلف عن تلك الأمور اختلافًا جوهريًا.
فالأمر يتعلق بالعبث داخل الفم.
ليس بلمس الجزء الخارجي من الجسد، بل الجزء الداخلي منه.
ليس بلمس سطح الجسد، بل باطنه.
وإذا أردنا قولها بوضوح تام ومن دون مواربة، فإن ذلك يسبب المتعة.
باختصار…
إنه شعور ممتع.
إن تنظيف الأسنان أمر يومي إلى درجة أننا اعتدناه، ولذلك قد نغفل عن هذه الحقيقة. وأنا نفسي لم يخطر ببالي ذلك قط قبل أن تخبرني كانبارو به.
لكنها حقيقة لا يمكن إنكارها.
فإذا كان الأمر يتعلق بتمرير شعيرات دقيقة على أجزاء حساسة من الجسد، فكيف لا يكون ممتعًا؟
وما بالك حين يقوم بذلك شخص آخر بدلًا منك؟
كارين فتاة ذات عزيمة صلبة.
لا تنكسر أمام الألم أو الإذلال.
بمعنى آخر، إنها من النوع الذي يستمتع بالخضوع الشديد.
ولهذا، فإن منحها المتعة وتدليلها بهذه الطريقة قد يكون أكثر فاعلية في كسر إرادتها.
العزيمة تنكسر بالمتعة!
والكبرياء لا يخضع إلا للكسل والدلال!
«غ… غغ… غغغ!»
عندما ركزت على تنظيف السطح الداخلي للأضراس، قرب الحد الفاصل بين الأسنان واللثة، تفاعلت كارين بحساسية شديدة. أخذ جسدها ينتفض ويتشنج.
حتى إن عينيها كادتا تنقلبان إلى الأعلى.
…هذا مخيف من ناحية أخرى.
كانت هذه تجربتي الأولى أيضًا، لكن فكرة المعلمة كانبارو العظيمة كانت مرعبة حقًا.
لا تلوميني يا كارين.
أنا أفعل هذا لحمايتك!
ألا تريدين حقًا مقابلة امرأة تمتلك أفكارًا مرعبة إلى هذا الحد؟
«هـ… هيو… هاو، هاو، هاو… أ… غ… ها… ها…»
لكن…
لقد أخطأت في تقديري.
لقد قللت من شأن عزيمة أراراغي كارين الاستثنائية.
عزيمتها التي لا تنكسر حتى بالمتعة، كأنها ضفدع يرفض الاستسلام مهما حدث.
كنت أظن أنها ستستسلم قبل مرور دقيقتين، لكنها أطبقت على أسنانها وصمدت أمام هجومي… لا، لا يمكنها حتى إطباق أسنانها لأنني أنظفها (وهذا أحد أسباب ارتخاء جسدها أيضًا).
واصلت تحمّل الهجوم، والهجوم اللفظي، والتدليل، بصبر لا يصدق.
وفي مثل هذا الموقف، لا بد أنها تشعر بإحساس غير مألوف من الانحطاط، أشبه بمشهد من مانغا رومانسية، إذ تتلقى المتعة من أخيها الحقيقي. لكن، هممم، أنتِ تبلين بلاءً حسنًا.
هذا يجعلني أتحمس أنا أيضًا.
لذلك بدأت، (مع شيء من الغش)، بتنظيف لسان كارين.
بل الجانب السفلي من لسانها.
إنه جزء يمكن وصفه بأنه لحم مكشوف تمامًا.
«استسلمي بسرعة يا كارين، وسترتاحين… لا! لن ترتاحي!»
إنه أشبه بجحيم الدغدغة.
لا يمكن لأحد أن يتحمله إلى الأبد.
لا بد أن تصمدي لدقيقة أخرى على الأكثر!
«…! مـ… ماذا؟!»
لكن…
الشخص الذي لم يستطع الصمود دقيقة أخرى…
كان أنا.
لا بد أن كانبارو لم تذكر ذلك لأنها اعتبرته أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى شرح، لكن هذه المنافسة كانت تنطوي على ثغرة كبيرة. (مع أن هذا النوع من الأفعال لا يُعدّ منافسة أصلًا بالنسبة إلى كانبارو).
لقد ركزت تفكيري بالكامل على الحالة النفسية للشخص الذي تُنظَّف أسنانه، ولذلك دخلت المنافسة من دون أن أفكر مطلقًا في شعور الشخص الذي ينظف الأسنان، أي أنا.
لقد ارتكبت خطأً فادحًا.
خطأً لا يمكن إصلاحه.
ولا سبيل إلى التراجع عنه.
والسبب…
«آه… فـ… أأأه… أ… همم!»
…………
يا للهول!
عندما أسمع صوت كارين الذي يشبه التأوه، ينتابني شعور غريب للغاية!
قلبي يخفق بسرعة!
كل رد فعل منها يجعل قلبي يخفق!
ما هذا الشعور المعقد، وكأنني أرتكب محظورًا لا ينبغي الاقتراب منه!
ذلك الشعور بالذنب، لأنني أمنح المتعة لأختي الحقيقية!
ومع كل حركة تصدر صوتًا من فرشاة الأسنان، ومع كل رغوة تتكون في فم كارين، ينتابني إحساس غريب، كأنني لا أنظف أسنانها، بل أصقل مشاعري أنا.
هل يمكن أن أكون أنا من يحصل على المتعة، لأنني أنظف أسنان شخص آخر بدلًا من أسناني؟
هل لأنني أشعر بالسعادة عندما أساعد الآخرين؟
أهذا ما يسمّيه المعلمون في المدرسة روح الخدمة؟
لا، على الأرجح ليس هذا ما يقصدونه!
المشكلة أنني بدأت أشعر بتعلّق غريب حتى بقطرات اللعاب القليلة التي تتسرب من طرف فم كارين، مع أنني كان ينبغي أن أجدها مقززة!
عليّ أن أتوقف عن تحريك يدي فورًا، وإلا فستحدث كارثة… كنت أعرف ذلك، ومع ذلك، رغم إدراكي التام لما قد يحدث، انفصلت يدي عن إرادتي، وواصلت حركتها كما لو كانت آلة آلية. (أهي فرشاة أسنان كهربائية؟)
بل أصبحت حركاتها أكثر عنفًا.
كلما ازداد وعيي بما أفعله.
وازدادت تشنجات كارين شدة. وبدلًا من أن تطبق على أسنانها، راحت تقبض على ملاءة السرير بقوة، لكن تلك الحركة لم تكن كافية لكبح تشنجات كهذه.
كان وجهها أحمر كأنه يشتعل.
«…واو.»
خرجت مني الكلمة دون قصد.
كدت أبتلع ما تبقى منها، لكن الكلمات التي وصلت إلى حلقي وكادت تخرج كانت ستفاجئني أنا نفسي.
واو.
إنها لطيفة جدًا.
لقد أمضيت نحو ستة عشر عامًا أخًا لكارين (وهذا الرقم يشمل الفترة التي قضتها في رحم أمنا. فقولي إنني كنت أخاها قبل ولادتها ليس مجرد مبالغة بلاغية، بل له معنى حرفي من هذه الناحية)، ومع ذلك لم أعتقد قط أنها بهذا القدر من اللطف.
حين أثنيت قبل قليل على مظهرها بالتنورة، لم يكن ذلك إلا لأنني تعرضت للتهديد… لا، لأنها عضّتني. وحتى الآن، لن أقول لها مطلقًا إنها لطيفة، مهما حدث. لكنني لا أستطيع التراجع عن الشعور الذي تسلل إلى قلبي.
فمن المستحيل استرجاع البيانات بعد تسريبها.
يا للهول.
يا للهول، يا للهول، يا للهول.
هذا خطير حقًا.
هل كانت كارين لطيفة إلى هذا الحد؟
مهلًا…
مهلًا، مهلًا…
أيعقل أن تكون أختي هي ألطف فتاة في العالم؟
كنت أظن حتى هذه اللحظة أن الفتاة المثالية هي هانيكاوا تسوباسا، لكن هل كان ذلك خطأً في تقديري؟
ليس من الممكن أن تتفوق على هانيكاوا، لكن ربما تستطيع منافستها على الأقل…
لا، لا، لا!
توقف يا نفسي!
أراراغي كويومي!
ما الذي تقوله؟
لا توجد فتاة في العالم تستطيع منافسة هانيكاوا!
إنه مجرد وهم، مجرد وهم!
هذا الموقف الاستثنائي هو الذي جعلني أفقد صوابي!
أنا أعرف ذلك، أعرفه جيدًا!
لـ… لكن…
«أ… آآآه!»
أطلقت أنا أيضًا صوتًا يشبه التأوه، كما لو كنت أغني مع كارين.
وهكذا أصبح الأمر أشبه بتأثير متبادل، يزيد فيه كل منا من حدة الآخر.
لم أعد أفهم حتى ما الذي أفعله.
بدأت دائرة تفكيري الحمقاء تتساءل إن كنت قد وُلدت أصلًا كي أنظف أسنان كارين.
يا لها من أفكار غبية!
لم أكن أعلم أن تنظيف الأسنان قد يؤدي إلى ضربة مرتدة مروعة كهذه… يبدو أنني تطرقت من دون أن أدري إلى سحر محظور.
لكن كل شيء كان قد فات أوانه.
لا يمكن تبرير الأمر بالقول إنني لم أكن أعلم.
لقد انتهى كل شيء بجهلي.
لم يعد هناك ما يمكنني فعله.
لم يعد أمامي سوى الاستسلام لما يجري.
«كـ… كارين…»
لنفترض أن السجائر موجودة، أليس كذلك؟
ذلك الشيء الذي تضعه بين شفتيك وتشعله، ثم تستنشق دخانه.
إنه شيء خطير للغاية، يضر بجسم الإنسان بطرق شتى، وقد يؤدي إلى سرطان الرئة.
لكن ماذا لو كانت تلك المادة في الواقع غذاءً صحيًا خارقًا، يجعل أجزاء الجسم المختلفة أكثر صحة كلما استنشقتها؟
هل كان سينتشر بهذا القدر؟
حسنًا، أنا ما زلت قاصرًا، ولا أنوي التدخين حتى بعد بلوغي سن الرشد، لكنني أتذكر جيدًا أن أوشينو كان دائمًا يضع سيجارة بين شفتيه، وإن كان لا يشعلها.
لا بد أنك تفكر في الأمر.
لعل السبب في أن ذلك الشيء ضار بالجسم هو تحديدًا…
أنه شيء ممنوع.
لعل هذا هو السبب في انتشاره على نطاق واسع.
ولعل هذا هو ما يجعل انتشاره مستمرًا حتى اليوم.
الأشياء التي لا ينبغي فعلها، والأمور التي لا ينبغي الاقتراب منها.
إنها تجذب الناس بشدة، تحديدًا لأنها كذلك.
تسحرهم إلى حد لا يطاق.
وتربكهم إلى حد لا يطاق.
وفجأة…
فجأة، وجدت نفسي قد دفعت كارين إلى السرير وأسقطتها عليه.
كانت يدي اليسرى لا تزال تسند مؤخرة رأسها.
وضعت جسدي فوقها وأسقطتها على السرير.
كان جسدها أكبر من جسدي، لكنني لم أحتج إلا إلى ضغط قليل حتى…
استلقت من دون مقاومة، بسهولة غريبة.
نظرت إلى كارين.
حدقت في كارين.
كان تعبير وجهها يوحي بأنها غارقة في النشوة.
وكأنها تذوب.
كانت في حالة من النعيم المطلق.
«كارين… كارين… كارين…»
كررت اسم أختي.
وفي كل مرة كنت أنطقه، شعرت بأن حرارة تتصاعد من أعماق جسدي.
وكان جسد كارين هو الآخر يفيض بالحرارة.
«أ… أخـ…»
قالت كارين بعينين لا تستطيعان التركيز.
كان إدخال فرشاة الأسنان في فمها يجعل نطقها صعبًا، وربما كان الأمر سيبقى كذلك حتى من دونها.
ومع ذلك، قالتها.
قالتها كارين بإخلاص وببراءة.
«أخي… لا بأس…»
لا بأس بماذا؟!
ما الذي لا بأس به؟!
في الظروف العادية، كنت سأعلّق على هذه العبارة فورًا، لكن حماستي كانت قد ذابت واختلطت بكل شيء.
مختلطة.
ومبللة.
ولزجة.
ومتدفقة.
ومتلوية.
ومتعرجة.
ومتناثرة.
ومثيرة للقشعريرة.
أنا…
أنا، أراراغي كويومي، رفعت يدي اليسرى برفق عن مؤخرة رأس أراراغي كارين، ثم مددت يدي ببطء نحو صدرها…
«…ماذا تفعلان؟»
وفجأة، قاطعنا صوت غير مناسب.
صوت فظّ.
وسخيف.
ومفسد للحظة.
بل كان صوتًا أنقذنا.
عندما نظرت إلى الباب، رأيت أختي الأخرى، الأخت الأصغر حجمًا، تسوكيهي، وهي ترتدي الكيمونو وتقف عند الباب الذي يبدو أنني تركته مفتوحًا.
كانت تحدق فينا بذهول.
عيناها مستديرتان.
حتى فمها كان مستديرًا.
بدت كتمثال طيني.
لم يكن الأمر مجرد ذهول، بل صدمة كاملة.
وكأن فمها المفتوح عاجز عن الانغلاق.
«يا أخي… يا كارين… ما هذا الذي أراه؟»
ولسبب ما، تحدثت تسوكيهي بلهجة كيوتو.
بل كانت لهجتها تشبه لهجة غيون قليلًا.
يبدو أنها كانت مرتبكة للغاية.
«ا… انتظري يا تسوكيهي! الأمر ليس كما تظنين!»
صرخت.
لا…
حتى لو صرخت، فما الذي يختلف في الأمر أصلًا؟
بصراحة، كل شيء يبدو كما هو.
من الصعب أن يُساء فهم الموقف.
«لماذا ينظف أخي أسنان كارين، ثم يدفعها إلى السرير بوجه مليء بالحنان؟ ولماذا ترتدي كارين ملابسي، وتبدو منتشية وهي تُدفَع إلى السرير على يد أخي؟»
يبدو أنها استعادت قدرًا كافيًا من وعيها لتتكلم باللغة اليابانية العادية، لكن أسئلتها بهذه اللغة كانت أسئلة يصعب تفسيرها.
بدأت عينا تسوكيهي المستديرتان تعودان إلى شكلهما المعتاد، لكنهما أصبحتا أشبه بنظرة حانقة، أو ربما تحوّلتا من عينين دائريتين إلى عينين مثلثتين فحسب.
كانت نظرتها المحتقرة كافية لإعادتنا أنا وكارين إلى رشدنا.
وعندما عدنا إلى رشدنا…
وجدنا أن تسوكيهي كانت محقة تمامًا.
أي إن الموقف بالفعل يصعب تفسيره.
«واو! لماذا أدفع أختي الحقيقية إلى السرير بوجه مليء بالحنان بينما أنظف أسنانها؟!»
«واااه! لماذا أرتدي ملابس أختي الحقيقية، بينما يدفعني أخي الحقيقي إلى السرير وأنا أبدو منتشية؟!»
«يا له من أمر مفاجئ!»
«يا له من أمر مفاجئ!»
لقد فوجئنا.
لم أشعر بمثل هذا الذعر في حياتي قط.
هذا خطير! خطير للغاية!
ما هذا الحد الذي لا ينبغي تجاوزه؟!
إنه محظور تمامًا!
«لـ… لقد أنقذتِنا يا تسوكيهي! شكرًا لكِ!»
«لـ… لقد أنقذتِنا يا تسوكيهي! شكرًا لكِ!»
تزامن صوتي مع صوت كارين.
ولم يتزامن الصوت فحسب، بل حتى حركة الالتواء والإشارة إلى تسوكيهي بأصابعنا كانت متطابقة.
بلا أي اختلاف.
لو كان هذا حدثًا للسباحة الفنية المتزامنة، لحصلنا بلا شك على الميدالية الذهبية.
لكن تزامن حركاتنا في هذا الموقف لم يؤدِّ إلا إلى ترك انطباع سيئ لدى تسوكيهي، ولم يفدنا في شيء.
ربما كنا سنحصل على بعض الميداليات المعدنية في صالة الألعاب.
فجسدي ما زال فوق كارين، أدفعها إلى السرير.
«هممم… هممم.»
أما تسوكيهي…
فقد راحت تهز رأسها باهتمام بالغ.
لم تعد عيناها حتى نظرة حانقة.
لقد أغمضت عينيها المثلثتين بإحكام.
وكان وجهها خاليًا من أي تعبير.
شعرت أنا وكارين بالتوتر، لكن هذه المرة لسبب مختلف تمامًا عما سبق.
كنا ننتظر الحكم.
نرتجف من القلق.
وكان عرق كثيف يتدفق على بشرتنا ككتلة لزجة.
«…حسنًا.»
ثم رفعت تسوكيهي رأسها.
كان وجهها مشرقًا.
توقعنا أنا وكارين فجأة أن يصدر حكم متسامح، أو أن تأخذ ظروفنا المخففة في الحسبان، أو أن تمنحنا على الأقل وقفًا للتنفيذ.
«هل يمكنكما البقاء على هذه الوضعية قليلًا؟ سأذهب إلى المتجر القريب وأشتري مخرزًا، ثم أعود فورًا.»
خاب أملنا تمامًا.
لقد صدر حكم بالإعدام.
مخرز، يا ترى…
كانت تسوكيهي تبتسم ابتسامة مشرقة، لكن من دون أن تبتسم حقًا. وقد خرجت إلى الممر، ثم أغلقت الباب بقوة مدمرة وهي تصرخ:
«بااام!»
«تسوكيهي! لا أظن أنهم يبيعون المخارز في المتاجر الصغيرة! عليكِ الذهاب إلى متجر متخصص بالأدوات!»
كان نداء كارين نحو الممر في غير محله من الأساس.
وقد تم تجاهله تمامًا.
سمعنا خطواتها وهي تهرول نزولًا على الدرج، ثم خيّم الصمت.
يا للهول.
لقد تصاعدت الأحداث بسرعة مذهلة.
إنها مواجهة كارثية واضحة المعالم.
حتى لو لم تُبع المخارز في المتاجر الصغيرة، فستجد تسوكيهي طريقة للحصول على واحد بعد أن وصلت إلى هذه الحالة.
ماذا سنفعل؟
بل لعل السؤال الأهم ليس ما الذي سنفعله، بل ما الذي سيُفعل بنا.
«…أخي، أنت ثقيل.»
قالت كارين ذلك وأنا غارق في التفكير.
«آه، آسف.»
ابتعدت عنها.
ثم جلست كارين بدورها، وأصلحت طرف التنورة القصيرة التي انكشفت بفعل الموقف.
بدت محرجة قليلًا.
ومن النادر أن أشاهد كارين وهي تشعر بالخجل.
فهي عادةً منفتحة وصريحة إلى أقصى حد.
«حسنًا يا أخي، ماذا عن المنافسة؟»
«هاه؟»
المنافسة؟
ما هذه الكلمة التي لا أفهم معناها؟
أهي اسم نبات؟
أم إحدى الكلمات الإنجليزية التي حفظتها حتى منتصفها هذا الصباح؟
وبينما كنت أميل برأسي حائرًا، تابعت كارين:
«لقد مرّت خمس دقائق منذ زمن طويل.»
عندها تذكرت الغرض الأصلي من هذا الموقف، وهو أنني كنت أخوض منافسة مع كارين. نظرت إلى ساعة الغرفة.
لقد مرّت خمس دقائق بالفعل.
بل مرّت خمس عشرة دقيقة.
لا عجب أن تسوكيهي اكتشفتنا.
«يا للهول…»
لقد خسرت.
لكن بدلًا من الاكتفاء بالاعتراف بهزيمتي، ينبغي لي أن أُشيد بعزيمة كارين.
ينبغي لي أن أعرب عن احترامي لها بصدق.
حتى لو لم أكن واعيًا تمامًا بما أفعله في النصف الثاني من المنافسة، فقد تحملت هذه المحنة حتى النهاية. أحسنتِ!
وخمس عشرة دقيقة كاملة.
إنها أشبه بالوحوش.
«حسنًا، لا مفر من ذلك… الوعد وعد. لا بأس يا كارين، سأعرّفك إلى كانبارو.»
حقًا، لا أشعر بالحماس لهذا الأمر.
لكن بما أنها تريد مقابلتها بنفسها، فلا يوجد في الأصل ما يبرر منعي لها.
بل ليس لديّ الحق في منعها.
وأنا أعتقد فعلًا أنهما ستنسجمان.
فهما متشابهتان في الطباع.
«لقد أحسنتِ الصمود يا كارين. أنتِ الفائزة. أجل، أخوكِ خسر اليوم. سأعترف بذلك.»
«إ… أجل.»
لكن ردّ كارين على كلمات التهنئة لم يكن حماسيًا.
ما الذي حدث؟
وبينما كنت أتساءل، تنحنحت كارين.
«أحم… أحم.»
راحت تكرر التنحنح على نحو متكلّف، ثم انكمشت بجسدها الكبير في حركة لطيفة.
«يـ… يا أخي.»
«ماذا؟»
«حـ… حسنًا، إذا كنت مصرًا بشدة، فيمكنني أن أوافق على جعلها منافسة من ثلاث جولات.»
«……..»
«فـ… فكّر في الأمر. لقد تدخلت تسوكيهي وأفسدت المنافسة في منتصفها. وفي مثل هذه الحالات، ينبغي اعتبارها بلا نتيجة، أليس كذلك؟ ثـ… ثم إننا سنضطر إلى الانتظار حتى تعود تسوكيهي، فلا بأس أن أرافقك في جولة إضافية لتمضية الوقت.»
حاولت كارين أن تتظاهر بأن الأمر عابر تمامًا.
كانت وجنتاها محمرتين.
ونظرت إليّ من طرف عينها بنظرة فاتنة.
«حسنًا…»
أما أنا…
فقد قبضت سرًا على فرشاة الأسنان التي ما زلت أحملها في يدي.
«إذًا… ربما ينبغي لي أن أطلب إعادة المنافسة؟»
«أ… أجل. ما دمتَ قد تحديتني، فلن أدير لك ظهري… سـ… سأقبل التحدي!»
«ه… هذه المرة، ما رأيك أن نتبادل دور صاحب اليد العليا والتابع؟»
«أ… أجل! أعتقد أن ذلك سيكون أكثر إنصافًا!»
وهكذا…
من دون أن ينظر أحدنا إلى عيني الآخر، ومن دون أن تتلاقى نظراتنا، اندفعنا معًا إلى منافسة من ثلاث جولات.
وهكذا، ابتداءً من ذلك الصباح…
أصبحت علاقتي بكارين أقرب قليلًا مما كانت عليه من قبل.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.