تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل161

بطل الجمهورية

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 29, 2026
Crazyy
ترجمة ورفع الفصل Crazyy
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الغضب العارم

صامتةً، تنتظر سقوط السماء، واقفةً فوق جزيرةٍ من الصخر البركاني وسط بحرٍ حالك السواد. يمتد الليل الطويل الخالي من القمر متثائباً أمامها، ولا يُسمع فيه سوى خفق راية الحرب في قبضة عشيقها، والأمواج الدافئة التي تُقبّل حذاءها الفولاذي. قلبها مثقل، وروحها جامحة. ومن خلفها، يشمخ فرسانٌ من ذوي الندوب كالأبراج؛ تتلألأ قطرات الرذاذ المالح على شعارات أُسرهم: قناطير زمردية، ونسور صارخة، وأبو الهول الذهبي، والجمجمة المتوجة لبيت أبيها الكئيب. تشخص عيناها الذهبيتان نحو السماوات في انتظار، بينما يعلو الماء ويهبط… نبضُ صمتها ذاته.

المدينة

تقبع “تايكي”، جوهرة عطارد، مذعورةً بين الجبال والشمس. أبراجها الشهيرة المشيدة من الزجاج والحجر الجيري غارقةٌ في الظلام، و”جسر الأسلاف” خالٍ تماماً؛ هنا بالذات، بكى “لورن أو أركوس” في ريعان شبابه حين رأى الكوكب المرسال عند الغروب لأول مرة (في علم الفلك: لأن عطارد هو الكوكب الأقرب إلى الشمس، فإنه يدور حولها بسرعة هائلة تفوق سرعة أي كوكب آخر في المجموعة الشمسية، ولذلك شبّهه القدماء بالمرسال السريع الذي يجري في السماء. ). أما الآن، فتتدحرج القمامة في شوارعها، تدفعها رياح الصيف المالحة. غابت نداءات باعة السمك عند الرصيف البحري، وتلاشى وقع أقدام المارة على الحجارة المرصوفة، وهدير المركبات الهوائية، وضحكات أطفال ذوي “الألوان الدنيا” الذين يقفزون من الجسور إلى الأمواج في أيام الصيف الحارقة حين تسكن رياح بحر “ترازميا”. ساد الصمتُ المدينة؛ إذ هجرها أثرياؤها إلى الملاذات الجبلية في الصحراء أو المخابئ الحكومية، واعتلى جنودها الأسطح يرقبون السماء، بينما فرّ فقراؤها نحو الصحراء أو على متن قوارب مكتظة متجهة إلى جزر “إزمير”.

غير أن المدينة لم تكن خاليةً تماماً.

فقد غصّت شبكات النقل العام، التي تتلوى تحت الأمواج، بالجموع المتكومة. وفي النافذة العلوية لمجمعٍ سكني متهالك على الأطراف القبيحة للمدينة، بعيداً عن الماء حيث يُحشر العمال الفقراء، كانت طفلةٌ صغيرة ذات عينين “برتقاليّتين” تغشي زجاج النافذة بأنفاسها. كانت سماء الليل تقدح شرراً، تومض وتشتعل بدفقاتٍ من الضوء كالألعاب النارية التي يشتريها شقيقها أحياناً من دكان الزاوية. قيل لها إن ثمة معركةً تدور بين أساطيل ضخمة هناك في الأعالي، رغم أنها لم ترَ سفينةً فضائية قط. ترقد أمها مريضةً في غرفة النوم عاجزةً عن الرحيل، ويجلس أبوها، الذي يصنع قطع المحركات، إلى طاولة الطعام البلاستيكية الصغيرة مع أبنائه، مدركاً أنه لا يمكنه حمايتهم. يغمرهم جهاز العرض الهولوغرامي بضوءٍ شاحب، وتطالبهم البرامج الإخبارية الحكومية بالبحث عن مأوى. وفي جيبها، تحمل الطفلة قصاصة ورقٍ مطوية عثرت عليها في المزراب، رُسم عليها سيفٌ صغير معقوف؛ كانت قد رأته من قبل على شاشة العرض. يقول معلموها في المدرسة الحكومية إنه يجلب الفوضى… والحرب. إنه قد أضرم النار في العوالم. لكنها الآن ترسم النصل خفيةً في الضباب الذي صنعته أنفاسها على النافذة، فتشعر بالشجاعة.

ثم تبدأ القنابل بالتساقط.

القنابل

تأتي من قاذفاتٍ من فئة “ثور” تحلق في مدارٍ مرتفع، يقودها فتيان مزارع من الأرض وعمال مناجم من المريخ ينتمون إلى “سرب ضوء الشمس الثاني عشر”. رُشّت عليها بطلاء الرذاذ لعناتٌ وصلوات، وتنانين قبلية، ومناجل معقوفة. تغوص القنابل عبر الغيوم وتهوي فوق البحر، مسابقةً صوتها ذاته. شرائح التوجيه فيها صنعها ذوو “الألوان الأحرار” على قمر “فوبوس”، وفولاذها استخرجه وصهره رواد أعمال في “الحزام”، ومحركات الدفع الأيوني خُتمت بالكعب المجنح لشركةٍ تصنع الإلكترونيات الاستهلاكية ومستلزمات النظافة والأسلحة. تهوي وتهوي لتندفع بلا ظل فوق الصحراء، ثم فوق البحر، حاملةً ثقل أحدث إمبراطورية تحت الشمس.

تدمر القنبلة الأولى “قاعة العدالة” في جزيرة “فسبازيان” بمدينة “تايكي”، ثم تحفر مئة مترٍ في باطن الأرض قبل أن تنفجر في المخبأ المدفون هناك، قاتلةً كل من فيه. وتسقط الثانية في البحر، على بُعد خمسة عشر كيلومتراً من أسطولٍ للاجئين، فتُغرق سفينةً حربية تابعة للمجتمع كانت تختبئ تحت الأمواج المتلاطمة. أما الثالثة، فتنطلق فوق سلسلة جبلية شمال “تايكي” حين تصيبها قذيفة “مدفع كهرومغناطيسي” أطلقها من منشأةٍ دفاعية فتىً “رمادي” يحمل ندوب حب الشباب وتعويذةً من حبيبته حول عنقه؛ فتنحرف عن مسارها وتترنح عبر السماء قبل أن تهوي إلى الأرض.

وتنفجر على أطراف المدينة، بعيداً عن الماء، لتحيل أربعة مجمعاتٍ من المساكن الشعبية إلى غبار.

الحاصد

صامتاً، يرقد حبيس معدنٍ قاتلٍ للبشر في جوف سفينةٍ فضائية تُدعى “نجم الصباح”. يبتلعه الخوف الآن كما فعل مراراً وتكراراً من قبل. لا صوت يعلو سوى أزيز وحدة تنقية الهواء في درعه، وثرثرة المذياع لرجالٍ ونساء بعيدين. من حوله يرقد أصدقاؤه، هم أيضاً متشرنقون في المعدن، ينتظرون؛ بعيونٍ “حمراء” و”ذهبية” و”رمادية” و”سبجية” (كنت اترجمها اوبسديان ولكن من الان سنكمل باللون السبجي لو اعجبكم). رؤوس الذئاب تدمغ أكتاف دروعهم، والوشوم تغطي أعناقهم وأذرعهم؛ محطمو إمبراطوريات متوحشون من المريخ والقمر والأرض. وفيما وراءهم، تحلق سفنٌ تحمل أسماءً مثل “روح ليكوس”، و”أمل تينوس”، و”صدى راغنار”؛ مطليةٌ بالبياض وتقودها امرأةٌ ببشرةٍ داكنة كالعقيق الأسود. قالت “السيّدة الحاكمة” ابنة الاسد الذهبي إن البياض يرمز للربيع، لبدايةٍ جديدة؛ لكن السفن ملطخة، ملوثة بالسخام والجروح المرقعة والألواح غير المتطابقة. لقد حطمت “أرمادا السيف” والشهيد “فابي”، وغزت قلب إمبراطورية “الذهبيين”، ودحرت “سيد الرماد” إلى “المركز”، وأبقت تنانين “الحافة” مكبوحة الجماح.

فكيف لها أن تبقى نقيةً أبداً؟

وحيداً في درعه، منتظراً السقوط من السماء، يتذكر الفتاة التي بدأت هذا كله. يتذكر كيف كان شعرها “الأحمر” ينسدل فوق عينيها، وكيف كان فمها يرقص بالضحك، وكيف كانت تتنفس وهي مستلقيةٌ فوقه، دافئةً وهشةً للغاية في عالمٍ قارس البرودة. لقد مضى على موتها زمنٌ أطول مما عاشت؛ والآن، بعد أن انتشر حلمها، يتساءل إن كانت ستتعرف عليه. ويتساءل أيضاً: لو قُدّر له أن يموت اليوم، فهل سيتعرف على صدى حياته هو؟ أيّ رجلٍ سيغدو ابنه في هذا العالم الذي صنعه؟ يفكر في وجه ابنه، وكيف سيغدو رجلاً عما قريب. ويفكر في زوجته “الذهبية”؛ كيف وقفت على منصة الهبوط، تتطلع إليه، متسائلةً إن كان سيعود إلى الديار مرةً أخرى.

أكثر من أي شيءٍ آخر، يريد لهذا كله أن ينتهي.

ثم تُطبق الآلة قبضتها.

يشعر بالشدّ في جسده، وبخفقان قلبه، وبالقهقهة المجنونة “للعفريت”، وعواء أصدقائه وهم يحاولون نسيان أطفالهم وأحبائهم ليتحلوا بالشجاعة. يتصاعد الغثيان في أحشائه بينما تُشحن القضبان المغناطيسية خلفه، ومع رجفةٍ معدنية، تقذفه إلى الأمام عبر أنبوب الإطلاق نحو الفضاء الصامت بسرعةٍ تفوق سرعة الصوت بست مرات.

يدعونه أباً، ومحرراً، وسيد حرب، وملك العبيد، و”الحاصد”؛ لكنه يشعر وكأنه صبيٌّ وهو يهوي نحو الكوكب الذي مزقته الحرب، بدرعه الأحمر، وجيشه العرمرم، وقلبه المثقل.

إنها السنة العاشرة من الحرب، والثالثة والثلاثون من عمره.

المجلد الاول : الرياح

هُناكَ شَمشونُ مِسكينٌ أعمى في هذهِ الأرض، جُزَّت قُوَّتُهُ وكُبِّلَ بأصفادٍ مِن فولاذ، قد يَرفَعُ يَدَهُ يوماً في عَربَدَةٍ كَئيبَة، ويَهُزُّ أركانَ هَذهِ الدَّولَة، حتَّى يَغدو هَيكَلُ حُرِّياتِنا الفَسيحُ كَومَةً مَمسوخَةً مِنَ الحُطامِ والرُّكام. — هنري وادزورث لونغفيلو

من منظور دارو

الفصل 1 : بطل الجمهورية

مُنهكاً، أسير فوق الأزهار على رأس جيش. تفرش البتلاتُ الرمقَ الأخير من الطريق الحجري أمامي؛ يلقيها الأطفال من النوافذ، فتدور متهاديةً من الأبراج الفولاذية التي تشمخ على جانبي جادة القمر (طريق رئيسي واسع). وفي السماء، تلفظ الشمس أنفاسها في خفوتها البطيء الممتد لأسبوع، صابغةً الغيوم الممزقة والحشود المتجمعة بألوانٍ دامية. تتلاطم أمواج البشرية بالحواجز الأمنية، ضاغطةً نحو الداخل على موكبنا، فيما يحرس رجال “حرس مدينة هايبريون” الطريق بزيهم الرمادي وقبعاتهم السماوية، دافعين المحتفلين السكارى إلى الخلف وسط الزحام. ومن ورائهم، تجوب وحدات مكافحة الإرهاب الرصيف جيئةً وذهاباً، تمسح نظاراتهم الشبيهة بعيون الذباب قزحيات العيون، وتستقر أيديهم على أسلحة الطاقة.

أما عيناي، فتجوبان الحشد.

فبعد عشر سنواتٍ من الحرب، لم أعد أؤمن بلحظات السلام.

إنه بحرٌ من “الألوان” يصطف على طول “طريق النصر” الممتد لاثني عشر كيلومتراً. شيده قومي، العبيد “الحُمر” التابعون “للذهبيين”، قبل مئات السنين، وكان الجادة التي أقام فيها “الفاتحون” الذين روّضوا الأرض مواكبهم الخاصة وهم يستولون على قارةٍ تلو أخرى. قتلةٌ ذوو ظهورٍ حديدية وعيونٍ ذهبية وغطرسةٍ متوعدة قدّسوا يوماً هذه الحجارة ذاتها. والآن، بعد قرابة ألف عام، ندنّس الرخام الأبيض المقدس “لطريق النصر” بتكريم “محررين” ذوي عيونٍ بلون سبجي ورمادي وصدئي وترابي.

ذات يوم، كان هذا ليملأني فخراً؛ حشودٌ مبتهجة تحتفل بعودة “الفيالق الحرة” بعد دحر تهديدٍ آخر لجمهوريتنا الوليدة. لكنني اليوم أرى لافتاتٍ هولوغرامية لرأسي يعلوه تاجٌ ملطخٌ بالدماء، وأسمع صيحات الاستهجان من “صوت الشعب” وهم يلوحون براياتٍ نُقش عليها هرمهم المقلوب، فلا أشعر إلا بثقل حربٍ لا تنتهي، وشوقٍ يائس لأكون مجدداً في أحضان عائلتي. لقد مضى عامٌ منذ أن رأيت زوجتي وابني. وبعد الرحلة الطويلة من عطارد، كل ما أريده هو أن أكون معهما، أن أرتمي في فراش، وأنام شهراً بلا أحلام.

يمتد الجزء الأخير من رحلة عودتي إلى الديار أمامي. وحين يتسع “طريق النصر” ويتاخم الدرج المؤدي إلى “المحفل الجديد”، أواجه قمةً أخيرة.

تلوح نحوي وجوهٌ ثملة بالابتهاج والمشروبات الروحية التجارية الجديدة ما إن أصل إلى الدرج. أيدٍ دبقة بالحلوى تلوح في الهواء، وألسنةٌ انفلت عقالها بفعل تلك المشروبات والملذات ذاتها تصرخ هاتفةً باسمي، أو لاعنةً إياه. ليس الاسم الذي منحتني إياه أمي، بل الاسم الذي شيدته أفعالي؛ الاسم الذي يهمس به الآن فرسان الذهبيين “ذوي الندوب” الساقطون كلعنة.

يهتفون: “الحاصد، الحاصد، الحاصد”، لا في تناغم، بل في هياجٍ محموم. ضجيجٌ يخنق الأنفاس، يعتصرني بيدٍ ذات مليار إصبع: كل الآمال، كل الأحلام، وكل الألم يطبق حولي. لكنني، وقد صرت قاب قوسين أو أدنى من النهاية، أستطيع أن أخطو قدماً تلو أخرى. أبدأ بصعود الدرج.

طرق.

تطحن جزمتي المعدنية الحجرَ تحت وطأة الفقد: “إيو”، و”راغنار”، و”فيتشنير”، وجميع الآخرين الذين قاتلوا وسقطوا إلى جانبي بينما بقيتُ أنا، بطريقةٍ ما، على قيد الحياة.

أنا طويل القامة وعريض المنكبين، أكثر ضخامةً في عامي الثالث والثلاثين مما كنت عليه في شبابي، وأشد قوةً ووحشيةً في بنيتي وحركتي. وُلدتُ “أحمر”، وجعلتُ “ذهبياً”، واحتفظتُ بما منحني إياه “ميكي النحات”. باتت هاتان العينان الذهبيتان وهذا الشعر أقرب إلى نفسي من ملامح ذلك الصبي الذي عاش في مناجم “ليكوس”. لقد كبر ذلك الصبي، وأحب، وحفر الأرض، لكنه خسر الكثير حتى بات الأمر يبدو غالباً وكأنه حدث لروحٍ أخرى.

طرق. خطوةٌ أخرى.

أخشى أحياناً أن تقتل هذه الحرب ذلك الصبي في داخلي. أتوق بمرارةٍ لتذكره، لتذكر قلبه الفطري النقي؛ أن أنسى قمر المدينة هذا، وهذه “الحرب الشمسية”، وأعود إلى حضن الكوكب الذي أنجبني قبل أن يموت الصبي في داخلي إلى الأبد، وقبل أن يفقد ابني فرصة معرفته قط. لكن للعوالم، فيما يبدو، خططها الخاصة.

طرق.

أشعر بوطأة الفوضى التي أطلقتُ عنانها: المجاعات والإبادة الجماعية في المريخ، وقرصنة “السبجيين” في “الحزام”، والإرهاب، والمرض الإشعاعي والأوبئة المتفشية في الطبقات السفلى من القمر، والمائتي مليون روحٍ التي أُزهقت في حربي.

أرسم ابتسامةً متكلفة. اليوم هو “يوم التحرير” الرابع لنا. فبعد حصارٍ دام عامين، انضم عطارد إلى العوالم الحرة مثل القمر والأرض والمريخ. الحانات مشرعة الأبواب، والمواطنون المنهكون من الحرب يجوبون الشوارع بحثاً عن سببٍ للاحتفال. وتفرقع الألعاب النارية وتتوهج عبر السماء، منطلقةً من أسطح ناطحات السحاب والمجمعات السكنية الفقيرة على حدٍّ سواء.

بانتصارنا على الكوكب الأول من الشمس، دُحر “سيد الرماد” إلى معقله الأخير، الكوكب الحصين الزهرة، حيث يحرس أسطوله المحطم أرصفة السفن الثمينة ومن تبقى من الموالين. لقد عدتُ إلى الديار لإقناع مجلس الشيوخ بإعطاء السفن والرجال من الجمهورية المفقرة بفعل الحرب من أجل حملةٍ أخيرة؛ اندفاعةٌ أخيرة نحو الزهرة لوأد هذه الحرب اللعينة إلى الأبد، حتى أتمكن من وضع السيف جانباً والعودة إلى عائلتي دون رجعة.

طرق.

أختلس لحظةً للنظر خلفي. ينتظر عند أسفل الدرج “الفيلق السابع” الخاص بي، أو ما تبقى منه؛ ثمانيةٌ وعشرون ألف رجلٍ وامرأة بعد أن كانوا خمسين ألفاً. يقفون في نسقٍ غير رسمي حول نجمةٍ عاجية ذات أربعة عشر رأساً يثب في وسطها حصانٌ مجنح، ترفعها عالياً الشهيرة “ثراكسا أو تيليمانوس”، الملقبة “بالمطرقة”. فبعد أن فقدت ذراعها اليسرى بنصل “أتالانتيا أو غريموس”، استبدلت بها طرفاً معدنياً تجريبياً من صنع “صناعات الشمس”. يتطاير شعرها الذهبي الجامح خلف رأسها، مكللاً بريشٍ أبيض أهداه إياها معجبوها من “السبجيين”.

إنها امرأةٌ في منتصف الثلاثينيات من عمرها، مكتنزة القوام، بفخذين غليظين كأنهما برميلا ماء، ووجهٍ صريحٍ منمش. تبتسم من وراء أكتاف “السبجيين” و”الذهبيين” المحيطين بها. يلوّح الطيارون “الزُرق” و”الحُمر” و”البرتقاليون” للحشود، ويبتسم جنود المشاة “الحُمر” و”الرماديون” و”البُنّيون” ويضحكون بينما ينسلّ فتيانٌ وفتياتٌ حسان من “الورديين” و”الحُمر” من تحت الحواجز، ويهرعون لتطويق أعناقهم بقلائد الزهور، ودسّ زجاجات الخمر في أيديهم، وطبع القبلات على شفاههم. إنهم الفيلق الكامل الوحيد في موكب اليوم؛ أما البقية فما زالوا في عطارد مع “أوريون” و”هارناسوس”، يخوضون المعارك ضد فيالق “سيد الرماد” التي تقطعت بها السبل هناك حين انسحب أسطوله.

طرق.

يهمس صوت “سيفرو” الضجر في أذني متثاقلاً بينما ينزل “وولفغار” ذو الشعر الأبيض و”حراس الجمهورية” لاستقبالنا في منتصف درج المحفل: “تذكر أنك مجرد بشريٍّ فانٍ”. يتشمم “سيفرو” عنقي ويصدر صوت تقزز: “بحق المشتري! أيها البائس، أغمستَ نفسك في البول قبل هذه المناسبة؟”

أقول: “إنه عطر. اشترته لي موستانج في الانقلاب الشمسي الماضي”.

يصمت للحظة ثم يسأل: “أهو مصنوعٌ من البول؟”

ألتفت إليه عابساً، وأغلق أنفي من ثقل رائحة الخمر في أنفاسه، وأرمق عباءة الذئب الرثة التي يرتديها فوق درعه الاحتفالي، والتي يدّعي أنه لم يغسلها منذ أيام “المعهد”. أقول مبتسماً: “أتحاضرني حقاً بشأن الروائح الكريهة؟ اخرس فحسب وتصرف كقائدٍ أعلى”.

يشخر “سيفرو” ويتراجع إلى الخلف حيث تقف “السبجية” الأسطورية، “سيفي فولاروس”، في صمتها المعتاد. يتصنع مظهر الألفة والوداعة، لكنه بجانب المرأة العملاقة يبدو أشبه بكلب أزقةٍ قد يجلبه أبٌ مدمنٌ على الكحول بطيشٍ إلى البيت ليلعب مع الأطفال؛ مغسولاً ومطهراً من البراغيث، لكنه لا يزال يحتفظ بذلك الهوس الغريب خلف عينيه. وجهه ضيق، وشفتاه رقيقتان، وأنفه معقوفٌ كأصابع مقاتل سكاكين عجوز، يرمق الحشد بنفورٍ مستسلم.

ومن خلفه، يهرول قطيع “العوائين” الأجرب الذي جلبه معنا إلى عطارد؛ حراسي الشخصيون، وهم الآن ثملون كفرسانٍ متأنقين في مهرجان “موسم الإكليل” في “ليكوس”. وتسير “هوليداي” الصامدة في وسطهم، تبذل المرأة فطساء الأنف قصارى جهدها لإبقائهم منضبطين.

كان عددهم أكبر من ذلك في الماضي. أكبر بكثير.

أبتسم بينما ينزل “وولفغار” الدرج للقائي. إنه ابنٌ بارٌّ ومفضل “للانتفاضة”؛ رجلٌ “سبجي” أشبه بجذر شجرة، يرتدي درعاً أزرق شاحباً بالكامل. هو في أوائل الأربعينيات من عمره، وجهه حاد الزوايا كطائرٍ جارح، ولحيته مضفورةٌ كلحية بطله “راغنار”.

كان “وولفغار” أحد “السبجيين” الذين قاتلوا إلى جانب “راغنار” عند أسوار “أجيا”، وكان مع “أبناء آريس” الذين حرروني من “ابن آوى” في “أتيكا”. والآن، بصفته “كبير الحراس” في الجمهورية، يبتسم لي من الدرجة التي تعلوني، وتتجعد زوايا عينيه السوداوين.

أقول بابتسامة: “تحيا الحرية”.

فيردد صدى كلماتي: “تحيا الحرية”.

أقول: “وولفغار، يا للمصادفة السعيدة أن ألقاك هنا. لقد فاتك المطر”.

يطقطق “وولفغار” بلسانه قائلاً: “لم تنتظروا عودتي، أليس كذلك؟ سيسألني أطفالي أين كنتُ حين هطل المطر على عطارد، أتدري ما الذي سأضطر لإخبارهم به؟” يميل إلى الأمام بابتسامةٍ متآمرة: “كنتُ أقضي حاجتي وأمسح مؤخرتي حين سمعتُ أن باركا قد استولى على جبل كالوريس”. ثم يطلق ضحكةً مجلجلة.

يقول “سيفرو”: “أخبرتك ألا تغادر. قلتُ لك إنك ستفوت كل المتعة. كان عليك أن ترى فلول أتباع سيد الرماد وهم يندحرون؛ آثار البول امتدت طوال الطريق إلى الزهرة. كنتَ ستحب ذلك”. يبتسم “سيفرو” للرجل “السبجي”؛ فقد كان “سيفرو” هو من وضع النصل في يده وسط وحل نهر “أجيا”. والآن يملك “وولفغار” نصله الخاص، ومقبضه مصنوعٌ من ناب تنينٍ جليدي من القطب الجنوبي للأرض.

يقول “وولفغار”: “لكان نصلي قد غنّى في ذلك اليوم لولا أن استدعاني مجلس الشيوخ”.

يهزأ “سيفرو” قائلاً: “هذا صحيح. لقد ركضتَ عائداً إلى البيت ككلبٍ صغيرٍ مطيع”.

“كلب؟ أنا خادمٌ للشعب يا صديقي، كما نحن جميعاً”. تقع عيناه عليّ بعتابٍ خفيف، فأدرك المعنى الحقيقي لكلماته. “وولفغار” مؤمنٌ كجميع الحراس؛ ليس بي، بل بالجمهورية، وبالمبادئ التي تقوم عليها، وبالأوامر التي يصدرها مجلس الشيوخ. فقبل يومين من “المطر الحديدي” فوق عطارد، صوّت مجلس الشيوخ، بقيادة صديقي القديم “الراقص”، ضد مقترحي؛ وأمروني بالإبقاء على الحصار، وبعدم إهدار الرجال والموارد في هجومٍ كاسح.

لكنني عصيتُ الأمر، وتركتُ المطر يهطل.

والآن يرقد مليونٌ من رجالي في رمال عطارد، ونحتفل نحن “بيوم التحرير”.

لو كان “وولفغار” معي في عطارد، لما انضم إلى مطرنا دون إذن مجلس الشيوخ؛ بل ربما كان سيحاول إيقافي. إنه أحد الرجال القلائل الأحياء القادرين على فعل ذلك… لبعض الوقت على الأقل.

يخصّ “سيفي” بإيماءةٍ قائلاً: “نجار غا هاي، سفيستر”. وترجمتها التقريبية بلغة “الناغال” هي: “الاحترام لكِ يا أختي”.

فتجيبه: “نجار غا هير، برودر”. لا ودَّ مفقوداً بينهما، فلكلٍّ منهما أولوياته المختلفة.

يشير “وولفغار” إلى نصلي قائلاً: “أسلحتكم”.

نسلّم أنا و”سيفي” أسلحتنا لحراسه، ويسلّم “سيفرو” سلاحه أيضاً وهو يتمتم تحت أنفاسه. ينظر “وولفغار” إلى فردة حذاء “سيفرو” اليسرى ويسأله: “أنسيتَ عود أسنانك؟”

يتمتم “سيفرو”: “أيها الوحش الجليدي الخائن”، ويسحب نصلاً خبيثاً بطول جسد رضيعٍ من حذائه، فيبدو الرعب على وجه الحارس الذي يتسلمه.

يقول لي “وولفغار” وهو يشير لنا بمواصلة الصعود: “حالفكَ حظ أودين مع أصحاب الأثواب الفضفاضة يا دارو. ستحتاج إليه”.

يصطف في أعلى درجات “المحفل الجديد” مئةٌ وأربعون شيخاً هم أعضاء مجلس شيوخ الجمهورية؛ عشرةٌ عن كل “لون”، يتشحون جميعاً بأثوابٍ بيضاء فضفاضة تخفق في النسيم. يحدقون إليّ من علو كصفٍّ من الحمائم المتغطرسة على سلك. يقف “الحُمر” و”الذهبيون”، الأعداء اللدودون في المجلس، عند طرفي الصف، بينما يغيب “الراقص”. لكن عينيّ لا تريان سوى الطائر الجارح الوحيد الذي يقف في وسط كل تلك الحمائم الصغيرة السخيفة، المغرورة، والمتعطشة للسلطة.

شعرها الذهبي معقودٌ بإحكامٍ خلف رأسها، وسترتها بيضاء ناصعة تخلو من أشرطة “الألوان” التي يرتديها الآخرون. وفي يدها تحمل “صولجان الفجر” — الذي بات الآن عصاً ذهبية متعددة الأطياف بطول نصف متر، أُعيدت صياغة هرم “الجماعة” في قمتها ليصبح نجمة الجمهورية ذات الأربعة عشر رأساً. وجهها أنيقٌ ومترفّع؛ أنفٌ صغير، وعينان نافذتان خلف رموشٍ كثيفة، وابتسامةٌ ماكرة كابتسامة قطة ترتسم على محياها. إنها “السيّدة الحاكمة” لجمهوريتنا. هنا، عند قمة الدرج، تُزيح عيناها الثقل عن كاهلي، والخوفَ من قلبي بأنني لن أراها ثانيةً أبداً. عبر الحرب والفضاء وهذا الموكب اللعين، قطعتُ المسافات لأجدها من جديد؛ حياتي، وحبي، ووطني.

أجثو على ركبتي وأتطلع في عينيّ أم طفلي.

أقول بابتسامة: “مرحباً يا زوجتي”.

فتقول: “مرحباً يا زوجي. أهلاً بعودتك إلى الديار”.

……..

“شمشون” هو شخصية شهيرة من العهد القديم (التوراة)، ويُضرب به المثل في الأدب والتاريخ في القوة الجسدية الخارقة، وفي التدمير الذاتي الذي يسحق الأعداء مع صاحبه (ومنه جاء التعبير الشهير: “عليّ وعلى أعدائي”).

أهلاً بكم من جديد. طال غيابي عنكم، غير أن لي عذري؛ إذ تشغلني حالياً التزامات الدراسة والعمل، وسأوافيكم بالفصول الجديدة كلما سمح لي الوقت بذلك. لا تتوقعوا الكثير في الوقت الراهن، ولكن «أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً».

تنويهٌ بسيط بخصوص الترجمة: ستطرأ بعض التعديلات على عددٍ من المصطلحات بينما سأُبقي على بعضها الآخر، فإن استوقفكم أي تباينٍ أو هفوة فالتَمِسوا لي العذر، فذلك أثرُ الانقطاع الطويل. طبتم وطابت أوقاتكم، وإلى لقاءٍ قريب بإذن الله.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

انتفاضة الحُمر

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.