الفصل 289 الروبوت الحائر
لا؟ كاد لونغ يوهونغ يشك في أذنيه. لا يوجد بشر فعلًا في مقر الفردوس الميكانيكي؟ أهي مدينة لا يحكمها إلا الدماغ المصدر والروبوتات الذكية؟
والأكثر غرابة أن روبوتات مدينة كهذه تخضع لمعيار للتشبه بالبشر. يسمح لها بأن تكون أقرب إليهم لتخدمهم بصورة أفضل دون أن تؤذيهم، ويمنعها في الوقت نفسه من عد نفسها بشرًا.
معظمها لم يحتك بالبشر منذ خروجه من المصنع، ولن يفعل في المستقبل المنظور أيضًا. قد لا يكون البشر بالنسبة إليها إلا سطرًا من الكلمات، أو جزءًا من الشفرة، أو صورة، أو رمزًا.
صمتت جيانغ بايميان قليلًا ثم تنهدت. «لا عجب أن الدماغ المصدر لا يسمح لنا بالذهاب إلى مقركم، ولا يقبل إلا التواصل بالهاتف.»
كانت قد شعرت بشيء من هذا من قبل، وشكت في وجود بشر بالفردوس الميكانيكي أصلًا.
شرح غينافا ما يعرفه: «هناك أسباب أخرى أيضًا. مثلًا، تتعلق بعض بنود السرية المحددة بمنشآت تجارب مهمة ومحاولات الروبوتات الذكية بناء مجتمع. لا أستطيع إخباركم بها.»
ما زلت تعد نفسك فردًا من الفردوس الميكانيكي… لم تذكره جيانغ بايميان بأنه انشق بالفعل ولم يعد مضطرًا إلى الالتزام بأي بنود سرية. بالطبع، لم تكن متأكدة إن كانت الروبوتات الذكية تملك برنامج تدمير ذاتي عند إفشاء الأسرار.
لم يواصل غينافا الموضوع. وبينما يستغرق لونغ يوهونغ وباي تشين في صدمة حقيقة الفردوس الميكانيكي، سأل: «من أين أتيتم؟ لستم أذكياء جدًا فحسب، بل لديكم هيكل خارجي عسكري أيضًا.»
كان من غير المعقول أن تستطيع هزيمة روبوت ذكي في قتال قريب منفرد!
التفتت جيانغ بايميان ونظرت إلى شانغ جيانياو والبقية، ثم قالت بصراحة: «نحن من بانغو للأحياء. ما رأيك؟ هل ترغب في الانضمام إلى شركتنا؟»
مع أنها لم تبلغ الشركة بعد، وقد لا توافق بانغو للأحياء، فلا بد من إبداء المجاملة.
كرر غينافا، الروبوت الذكي الفضي والأسود، الاسم: «بانغو للأحياء…» وبعد بضع ثوانٍ من الصمت، قال: «أريد فقط العثور على نسل الخالق، ومعرفة إن كان قد ترك شيئًا لنا نحن الروبوتات الذكية.»
«أفهم.»
«مفهوم.»
أجاب شانغ جيانياو وجيانغ بايميان، ولم يضغطا عليه.
بصراحة، لم تكن جيانغ بايميان راغبة فعلًا في إبلاغ الشركة بشأن غينافا. فهذا يعني أنها لن تستطيع التدخل في ترتيباته المستقبلية ومساعدته.
أما إن حافظوا على الوضع الحالي، فستحصل فرقة المهام على عضو خارجي قوي، مما يسهل أمورًا كثيرة مستقبلًا.
والأهم أن مزايا الانضمام إلى بانغو للأحياء تكاد تكون بلا معنى لروبوت ذكي مثل غينافا.
فهو لا يخشى مرض عديمي القلب، ولا يتأثر بالأوبئة أو العدوى أو الجوع، ولن تهاجمه الكائنات المتحولة وشتى الوحوش. لا يحتاج إلا إلى الطاقة، وقطع الغيار، وزيوت التشحيم، وترقية الوحدات، وصيانة الأسلحة.
تخيلت جيانغ بايميان مشهدًا مذهلًا: روبوت فضي وأسود يحمل علبة غداء، ويتجه إلى شباك المقصف ويقول للموظفة داخله: «خالتي، أعطيني بطارية عالية الأداء من طراز U-32، من إنتاج شركة ذكاء المستقبل. وأريد أيضًا بعض زيت التشحيم بنكهة القهوة.»
وسيكتمل المشهد لو تكلم الروبوت الذكي بلهجة محلية.
بالطبع، كانت تعرف أنه إن انضم غينافا حقًا إلى بانغو للأحياء، فسيختلف الطابق الذي يسكنه والقسم الذي يتبعه حتمًا عن الموظفين العاديين. لكنها لم تستطع منع أفكارها من الذهاب إلى ذلك الاتجاه.
جمعت أفكارها، وفكرت قليلًا ثم قالت: «علينا العودة إلى الشركة لتقديم تقرير والاستراحة مدة قبل الذهاب إلى المدينة الأولى. هل ستجد مكانًا تنتظر فيه رحلتنا المقبلة، أم ستذهب وحدك؟»
حين سمع شانغ جيانياو السؤال، ساعد بصدق: «هناك قول بشري: في الاتحاد قوة.»
لم يتضح إن كانت كلمة «بشري» قد أثرت فيه، أم أنه رأى العمل منفردًا شديد الخطورة. فكر غينافا بضع ثوانٍ، ثم قال: «سأجد مكانًا أنتظركم فيه. نعم، أحتاج إلى مكان للشحن.»
بصفته رجلًا من فولاذ بالمعنى الحرفي، فإن انقطاع الكهرباء يعني شلله.
كانت جيانغ بايميان قد فكرت بخطة فعلًا. «يمكنك الانتظار في مدينة الأعشاب إذن. لكن عليك التنكر؛ مثلًا، تركيب مرشح أحمر وتعديل مظهرك لتبدو كروبوت عادي. كما تعرف، تتعاون مدينة الأعشاب مع الفردوس الميكانيكي. إن اكتشفوا روبوتًا ذكيًا، فسيبلغون الدماغ المصدر حتمًا.»
حين رأى شانغ جيانياو أن غينافا ظل صامتًا، ابتسم وقال: «نحن نتنكر كثيرًا حين نخرج. انظر…»
ولأنه يقود السيارة، تخلى غينافا عن فكرة الاستجابة مثل البشر. فتح مباشرة العين الاصطناعية المساعدة خلف رأسه، ونظر إلى شانغ جيانياو.
كان شانغ جيانياو قد ارتدى القناع ذا الوجه المشعر والفم البارز.
قبل غينافا التفسير. «حسنًا.»
ثم خلع شانغ جيانياو قناعه، وأوصى غينافا بقلق: «حين تصل إلى مدينة الأعشاب، احذر ممن يتوددون إليك وأنت تمشي. الروبوتات المنفردة كالفطائر الشهية؛ هناك صيادو أطلال لا يحصون يريدون اختطافها إلى بيوتهم…»
خلا وجه جيانغ بايميان من التعبير قليلًا. لم تكن في ذهنها إلا فكرة واحدة: ما كان ينبغي أن أسمح لهذا الشخص بمشاهدة مسلسلات العالم القديم!
ارتعشت زاويتا فم لونغ يوهونغ. ومن طرف عينه، رأى باي تشين تومئ قليلًا. لقد أومأت! أي نوع من الناس هي؟
أفاقت جيانغ بايميان، وقاطعت كلمات شانغ جيانياو الحريصة بحزم. «باختصار، هناك بشر كثيرون سيئو الطبع. عليك الحذر، وألا تثق بهم بصورة عمياء.»
أومأ شانغ جيانياو برضا.
أبدى غينافا فهمه. «لدي خبرة واسعة في التعامل مع البشر.»
حقًا؟ تنقل نظر لونغ يوهونغ بين غينافا وجيانغ بايميان وشانغ جيانياو عدة مرات.
لم تواصل جيانغ بايميان الموضوع، وسألت بتفكير: «كيف تصف سجلات الفردوس الميكانيكي بانغو للأحياء؟»
كانت فضولية قليلًا بشأن تقييم منظمة الروبوتات الذكية الجامدة هذه لشركتهم.
وكان لونغ يوهونغ مثلها. لقد كان مسؤولًا عن الحراسة حين ملؤوا قرب الماء، وشعر الآن بالعطش قليلًا.
وبينما ينتظر إجابة غينافا، التقط القربة وفك غطاءها، وأخذ يشرب بنهم.
حدق غينافا إلى الأمام بعينيه الباعثتين للضوء الأزرق، وفكر لحظة. «يُشتبه في أنها منظمة سرية خلفها العالم القديم. ويُشتبه في صلتها بمصدر مرض عديمي القلب.»
بف!
بصق لونغ يوهونغ كل الماء الذي في فمه على مسند الذراع ولوحة التحكم.
وبعد أن استعاد أنفاسه، شرح بسرعة: «كح، كح، كح. شرقت بالماء.»
لم يهتم غينافا، وتابع: «مرض عديمي القلب انحطاط على المستوى البيولوجي. وأنتم القوة الأبرع في التكنولوجيا الحيوية، وشديدو الغموض أيضًا. لا أحد يعرف موقع مقركم.»
إذن، اعتمدتم على هذه الاستنتاجات. ظننت أن لديكم أدلة… تنفس لونغ يوهونغ الصعداء فورًا.
أما جيانغ بايميان فركزت على مشكلة أخرى: يبدو أن الدماغ المصدر يعتقد أيضًا أن بانغو للأحياء كانت في السابق معهد أبحاث آخر.
شرحت جيانغ بايميان ببساطة: «في الحقيقة، يتفشى مرض عديمي القلب داخلنا كثيرًا أيضًا، ولم نستطع علاجه.» ثم زفرت وقالت: «بعد مغادرة جبل تشيلار، سنتجه إلى تجمع الحجر الأحمر.»
لم تتوقع أصلًا أن تعود إلى تجمع الحجر الأحمر بهذه السرعة. فالصراع الدموي بين أشباه البشر وأهل البلدة حدث منذ فترة قصيرة فقط.
كان تحقيق شانغ جيانياو لهدفه مستحيلًا تقريبًا. فهم يحتاجون إلى وقت للاعتياد على وضع جديد، وإلى وصول أسقف جديد إلى كاتدرائية اليقظة.
لكن فرقة المهام تواجه الآن أزمة طاقة! لم يكن لديهم سوى لوح شحن شمسي واحد لتعويض الكهرباء، بينما تحتاج السيارة والهيكل الخارجي العسكري وغينافا إلى بطاريات عالية الأداء.
للسيارة عجلتان احتياطيتان، وللهيكل الخارجي العسكري مجموعتان احتياطيتان أيضًا، أما غينافا فلديه عشر بطاريات إجمالًا.
بعبارة أخرى، لا يستطيع لوح الشحن الشمسي وحده شحن كل شيء حتمًا. لذلك خططت جيانغ بايميان للحصول على مزيد من البطاريات عالية الأداء، وشحنها أينما استطاعت.
أرادت أن يصمدوا أطول مدة ممكنة.
كان تجمع الحجر الأحمر أهم نقطة تهريب في المنطقة. ويتصل غربه بشركة ذكاء المستقبل، مما يجعله أسهل مكان للحصول على البطاريات عالية الأداء. وفضلًا عن ذلك، فهو بعيد بما يكفي.
لم تكن البطاريات شيئًا متاحًا في كل مكان كالملفوف.
…
رغم أنهم قالوا إنهم ذاهبون إلى تجمع الحجر الأحمر، فقد اختلف مسارهم تمامًا عن الطريق الذي سلكته فرقة المهام عند المجيء إلى تارنان.
لمنع الحراس الروبوتات من اللحاق بهم، اختار غينافا خروجًا شماليًا غربيًا من جبل تشيلار، ليلتفوا التفافًا كبيرًا نحو تجمع الحجر الأحمر. سيستغرق ذلك وقتًا طويلًا، لكنه أكثر أمانًا.
وفي الطريق، تناوب غينافا وأعضاء فرقة المهام الأربعة على القيادة والاستراحة كي يقتصد في الطاقة.
وفي عصر يوم مشمس، توقفت السيارة قرب جدول.
بينما توزعت فرقة المهام لملء الماء وإعداد الطعام، وقف غينافا، الذي ليس لديه ما يفعله، أمام السيارة يحدق بشرود في لوح الشحن الشمسي. ولم يكن معلومًا بماذا يفكر.
بلغ «أذنيه» صوت شانغ جيانياو: «هل أنت حائر جدًا؟»
ظل غينافا صامتًا ولم يجب.
اقترب شانغ جيانياو، مرتديًا سروالًا أزرق سميكًا ذا نسيج مائل الخطوط، وابتسم. «لا أظنك راسخ القناعة إلى ذلك الحد.»
صمت غينافا لحظة ثم سأل: «حقًا؟ هل تستطيع ملاحظة ذلك؟»
وضع شانغ جيانياو يديه في جيبيه، وأجاب مبتسمًا: «خمنت فقط. ألديك أسئلة؟ ربما أستطيع الإجابة عنها. وحتى إن عجزت، فهناك هم.»
كان يقصد جيانغ بايميان ولونغ يوهونغ وباي تشين، الذين انتهوا من ملء الماء وتناول الغداء وعادوا.
نظر غينافا مباشرة إلى لوح الشحن الشمسي، وقال مترددًا: «في الحقيقة، لم أعد متأكدًا تمامًا أن الروبوتات الذكية تعادل البشر. لا بد أنكم رأيتم ما حدث آنذاك. أفراد دائرة الانضباط لم يفعلوا سوى تغيير البرنامج قليلًا وحجب البيانات، فجعلوا سوزانا ورايدس لا تعرفانني مطلقًا وتعاملانني كغريب. بدتا في تلك اللحظة كمجموعة بيانات يمكن تعديلها كيفما شاءوا، لا كبشر…»
ضحك شانغ جيانياو. «البشر كذلك أيضًا. انظر…» ثم وجه نظره إلى لونغ يوهونغ.
تراجع لونغ يوهونغ خطوتين لا إراديًا. «ماذا تفعل؟»
سحب شانغ جيانياو نظره وهز رأسه. «دعك من الأمر، دعك منه. هذا مهين جدًا.»
ثم نظر إلى غينافا وشرح بالتفصيل: «أنا مستيقظ، ولدي قدرة تجعل البشر يمرون بحالات مماثلة. آه، ليتني أصادف قاطع طريق. أستطيع جعله يعدني صديقًا في الصباح، ويعترف بي أبًا في الظهيرة، ولا يعرفني في اليوم التالي ويعاملني كغريب.»
ترجمة: NO_NAME_J7
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.