الفصل 290 العودة
كانت في تارنان أديان كثيرة ومستيقظون كثيرون، فلم يكن غينافا يجهل ذلك. لكن ربما لأنه أحسن حفظ الأمن في تارنان، لم تتح له عادة فرصة مشاهدة آثار القدرات المختلفة، باستثناء مواجهته هذه لأوهام عديم القلب المتفوق. وكان يعتمد أساسًا على معلومات الشبكة العامة للفردوس الميكانيكي لفهمها.
سأل حينها بتردد: «حقًا؟»
قال شانغ جيانياو مبتسمًا، قاصدًا لونغ يوهونغ: «يمكنك أن تسأله.»
ارتجف لونغ يوهونغ لسبب لا يفهمه. «نـ… نعم.»
أضافت جيانغ بايميان: «وعي البشر وذكرياتهم وإدراكهم لذواتهم هشة جدًا أيضًا، من ناحية معينة.»
أومأ غينافا ببطء، ولم يطرح أسئلة أخرى.
ثم ابتسمت جيانغ بايميان. «في الحقيقة، لا تحتاج إلى الإكثار من التفكير في هذا الآن. ما دمت قد خرجت بالفعل، فالأفضل ألا تحمل أحكامًا مسبقة. أنصت بقلبك، وانظر، وجرب. حين تخوض تجارب كافية، ربما تجد الجواب الذي تريده. وحينها سترى الجبال جبالًا والمياه مياهًا من جديد.»
لم يفهم غينافا الجملة الأخيرة تمامًا، لكنه فهم المقصود بالجزء الأول. فكر لحظة ثم قال: «سأجتهد للعثور على الجواب.»
ابتسمت جيانغ بايميان ولم تضف شيئًا، ثم قالت لشانغ جيانياو والبقية: «اركبوا.»
بعد أن فهمت حيرة غينافا، أدركت أحد أسباب عدم تشبثه بإنقاذ سوزانا ورايدس.
…
في اليوم الثاني، لم تعد السيارة بعيدة عن تجمع الحجر الأحمر، وكادت تدخل منطقة بحيرة الغضب. يفترض أن يصلوا في اليوم التالي.
نظر لونغ يوهونغ من النافذة، فرأى الخضرة قد بدأت تنبت على التلال وبين الصخور وفي الأماكن البعيدة عن الطريق.
«هل انتهى الشتاء؟» بحسب خبرته، لم يحن الربيع بعد.
شرحت جيانغ بايميان، التي حان دورها في القيادة، بابتسامة: «هذا المكان في الجنوب، ويختلف عن برية المستنقع الأسود. يدفأ الجو فيه مبكرًا.»
أضاف غينافا من منظور جغرافي: «وفضلًا عن ذلك، تحيط الجبال بهذه المنطقة من ثلاث جهات، فتحجب الهواء البارد وتشكل منطقة دافئة نسبيًا…»
سأل لونغ يوهونغ بتفكير: «إذن، انتهى الشتاء في هذه المنطقة؟»
أانتهى أخيرًا أشق فصول أراضي الرماد؟
قالت باي تشين، الجالسة في المقعد الأمامي، وهي تشير إلى الأمام مائلًا: «نعم. بدأ البدو يخرجون للبحث عن الطعام.»
كانت نهاية الشتاء وبداية الربيع. أوشكت مخزونات الطعام على النفاد، وفي هذا الموسم السابق لزراعة الطعام الجديد، بدأ بدو البرية من مختلف التجمعات يخرجون، معتمدين على الجبال والأنهار في معيشتهم.
أما من لم يكفهم طعامهم حتى الآن، فربما صاروا منذ زمن من اللاجئين خارج مدينة الأعشاب.
تبع لونغ يوهونغ إشارة باي تشين، فرأى بضع شاحنات صغيرة، قديمة ومتهالكة، ووقف في صناديقها أناس كثيرون يحملون البنادق.
كانت وجوههم متسخة نسبيًا، وعلى ثيابهم غرز خياطة واضحة. وكانت أسلحتهم في معظمها بنادق صيد محلية الصنع، تتخللها بنادق ومسدسات.
وحين رأت المجموعة أن فرقة المهام لا تملك سوى سيارة واحدة، غيرت اتجاهها واقتربت منهم.
وجد لونغ يوهونغ الأمر مضحكًا. «يريدون سلبنا؟»
شرحت باي تشين بهدوء: «السرقة أكثر كفاءة من الصيد في هذا الموسم.»
ما إن قالت ذلك، حتى كان شانغ جيانياو قد أخرج مكبر نداء أزرق وأبيض، وفتح النافذة بجانبه. ثم تردد صوته: «تخلوا عن أوهامكم وتقبلوا الواقع. لم يفت الأوان للتراجع. انظروا، لدينا قاذفات صواريخ فردية…»
وبينما يكرر هذه الكلمات بلغة النهر الأحمر، أدار رأسه إلى لونغ يوهونغ.
كان بينهما تفاهم ضمني، فاستوعب لونغ يوهونغ قصده فورًا، ورفع قاذف الصواريخ «الموت» وأخرجه من نافذته، ليراه بدو البرية بوضوح.
واصل شانغ جيانياو النداء: «ولدينا أيضًا روبوت قتالي من الفئة المساعدة…» وصاح باللغتين وهو يشير إلى غينافا، المحشور وسط المقعد الخلفي.
تردد غينافا وسأل: «تريدني أن أخيفهم؟»
أومأ شانغ جيانياو مؤكدًا.
أسند غينافا ظهره بيد، ومد جسده متجاوزًا شانغ جيانياو، وحاول إخراج رأسه من النافذة.
عندها مدت جيانغ بايميان، التي تقود السيارة، غرضًا إليه: نظارة شمسية.
حلل غينافا الموقف وفهم قصدها. أخذ النظارة ووضعها على أنفه.
وهكذا حُجب الضوء الأزرق في عينيه. ما لم يدقق المرء النظر، فلن يشك في أنه روبوت ذكي.
بعد هذه المدة معهم، فهم أخيرًا أمرًا ما. الاسم الحقيقي لفريق تشيان باي هو وحدة بانغو للأحياء للتحقيق في سبب دمار العالم القديم. وقائدتهم ليست تشيان باي، بل المرأة صاحبة الاسم المستعار «شيويه أكتوبر»، واسمها الحقيقي جيانغ بايميان.
كانت امرأة تستطيع مواجهة روبوت ذكي بمفردها. ومع أنها اعتمدت على هجوم مباغت، ظل الأمر غير معقول.
لم يخرج غينافا رأسه المرتدي النظارة الشمسية من النافذة إلا بضع ثوانٍ، حتى استدارت الشاحنة المتهالكة المحملة بالناس وابتعدت بهدير.
وبعد قليل، اختفت في منطقة التلال.
عاد غينافا إلى الداخل وخلع النظارة، ونظر إلى شانغ جيانياو وسأل بصراحة شديدة: «استخدمت قدراتك كمستيقظ عليهم وغيرت إدراكهم؟»
شعر لونغ يوهونغ أنه يستطيع الإجابة، فساعد شانغ جيانياو في الشرح: «نعم. يستطيع استعمال مكبر نداء لزيادة نطاق قدراته، لكنه لا يستطيع حاليًا إلا التأثير في شخص واحد كل مرة.»
نظر شانغ جيانياو إليه وإلى غينافا، وسأل بحيرة: «متى توهمتما أنني استخدمت قدراتي؟»
«آه…» ذهل لونغ يوهونغ قليلًا.
ثم ابتسم شانغ جيانياو. «هددتهم فقط. فكرا في الأمر؛ روبوت مساعد من الفئة القتالية وقاذف صواريخ فردي يستطيعان القضاء عليهم بسهولة. لو تجرؤوا مع ذلك على الاندفاع نحونا، لشككت في أن عديمي القلب أكلوا أدمغتهم.»
فحتى عديمو القلب، الذين لم تبق لهم إلا غرائز حيوانية، لا يجرؤون على الهجوم في وضع كهذا إلا إن بلغ بهم الجوع مبلغه.
أومأ غينافا. «لا حاجة فعلًا إلى استخدام أي قدرة.»
فالتهديد وإظهار القوة قد يحققان نتائج جيدة جدًا.
ثم صحح لشانغ جيانياو: «قلت من قبل: روبوت قتالي من الفئة المساعدة.»
ضحك شانغ جيانياو، ومد يده اليسرى ووضعها على كتف غينافا اليسرى. «هاها، لا تهتم بهذه التفاصيل. لا ينبغي للإنسان أن يكون جامدًا أكثر من اللازم.»
بدا كصديق مقرب يضع ذراعه حول كتف رفيقه.
كرر غينافا بنبرة من تعلم شيئًا: «لا ينبغي للإنسان أن يكون جامدًا أكثر من اللازم…»
لم تتمالك جيانغ بايميان، التي تقود، نفسها من تقطيب حاجبيها. هل سيُفسد شانغ جيانياو الروبوت الذكي؟ كما يقال، المرء يتأثر بمن يصاحب. وفضلًا عن ذلك، تعتمد الروبوتات الذكية على خوارزميات تعلم خاصة لامتصاص «الغذاء» من محيطها وبناء منظومتها المعرفية. سيصبح ذلك أوضح لاحقًا.
تنحنحت جيانغ بايميان. «أحم. غينافا، هناك اختلافات واسعة بين البشر. لا يمكنك الاكتفاء بعينات فردية وتقبل رأي واحد فقط. عليك الاحتكاك بمزيد من البشر الآخرين.»
أعاد غينافا النظارة الشمسية، مبديًا فهمه. «أفهم. حين كنت في تارنان، حاولت أيضًا التواصل والتعامل مع سكان كثيرين وغرباء. لكنهم كانوا متحفظين نسبيًا، ولم يجرؤوا على إظهار الكثير.»
ثم اقترح بصدق: «يمكنكم مناداتي غي العجوز. استخدام اسمي يجعل بيننا مسافة.»
فوجئت جيانغ بايميان وضحكت. «من علمك استعمال هذا اللقب؟»
شرح غينافا بجدية: «حللت ألقابكم، وعثرت على النمط، وسميت نفسي هكذا. آه، لم أستطع خلال ذلك العثور على أي تشابه بين لقبه وألقابكم. لم يكن أمامي إلا استبعاده وعدم اتخاذه مرجعًا.»
كان يقصد لقب شانغ جيانياو «هيه».
وبمجرد قوله ذلك، ضحكت باي تشين في المقعد الأمامي ضحكة تكاد لا تلحظ.
لم تستطع جيانغ بايميان منع زاويتي شفتيها من الارتفاع. «قلت للتو إن بين الناس اختلافات عامة. طريقة تفكيره مختلفة عنا، فلا داعي للإكثار من التفكير في الأمر.»
أجاب غينافا بإيجاز، وتمتم لنفسه: «من وجهة نظرنا نحن الروبوتات الذكية، لا تتبع الألقاب نمطًا بالضرورة. قد تكون نتاج عادات المرء أو مواقف معينة. لا أعرف عنه الكثير، لذلك لا أستطيع تحليله.»
وبينما يتحدث، ومضت عيناه الزرقاوان وألقى نظرة على شانغ جيانياو، كأنه يريد تخصيصه عينة للملاحظة لإثراء قاعدة بياناته.
لم يمانع شانغ جيانياو إطلاقًا. سحب يده اليسرى وصافح غينافا بقوة. «أرحب بالتبادل. لنرقص معًا لاحقًا.»
ربما قاوم غينافا فكرة الرقص قليلًا، لكنه وافق في النهاية حين فكر في ضرورة الاندماج مع المجموعة. «حسنًا.»
«…» نظرت جيانغ بايميان إلى الطريق أمامها، وزفرت بعجز.
…
في أطلال المدينة التي يقع فيها تجمع الحجر الأحمر، ظل الصمت السمة الغالبة.
اتجهت السيارة إلى المركز التجاري تحت الأرض، وهو مدخل تجمع الحجر الأحمر أيضًا. وكما توقعوا، وجهت نحوهم البنادق والمدافع المخفية في الجدران الصخرية.
حلل غينافا الوضع، ورأى أن تدخله الأكثر أمانًا وملاءمة. «هل تحتاجون إلى أن أتفاوض؟»
قبل أن يكمل، دفع شانغ جيانياو الباب بعفوية ونزل.
رفع ذراعيه ولوح للمختبئين عند مدخل تجمع الحجر الأحمر، ثم صاح بحماس: «لقد عدنا!»
وفي وقت ما، كان قد ارتدى القناع ذا الوجه المشعر والفم البارز.
ترجمة: NO_NAME_J7
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.