وورم — الفصل 4.5
تكون مشاهد الغروب دائمًا أجمل بعد فترة من الطقس السيئ. ولم يكن هذا اليوم استثناءً. فبعد يوم ونصف من الأمطار الغزيرة التي عانينا منها للتو، أخذت السماء تتلون بدرجات زاهية من البرتقالي والقرمزي، مع لمسات أرجوانية على السحب الرقيقة التي كانت تتحرك بسرعة بفعل الرياح القوية. بدا المشهد مذهلًا على نحو خاص عندما اقتربنا من مياه الخليج، لكن لم يكن أي منا في مزاج يسمح له بتقدير جماله.
بدا الأمر وكأننا مجموعة مختلفة تمامًا عن مجموعة الأصدقاء الذين ساروا من السوق إلى الطابق العلوي. لم يكن هناك حديث، ولا مزاح، ولا تقارب بيننا. كنا جميعًا نفكر في الشيء نفسه: أن هناك خطبًا ما، وأن شيئًا قد حدث. لكن لم ينطق أحد بشكوكه، وكأن بيننا اتفاقًا غير معلن على أن مجرد قولها بصوت مرتفع سيجعلها تتحقق.
في صمت، استقللنا الحافلة عند محطة العبّارات، ثم نزلنا في ساحة القطارات، ذلك الجزء من منطقة الأحواض الذي يقع في الجهة المقابلة للممشى البحري.
سِرنا معًا مسافة نصف مربع سكني انطلاقًا من موقف الحافلات، ثم التففنا خلف مبنى مهجور وخلعنا ملابسنا المدنية. لم تكن منشأة التخزين تبعد عن ساحة القطارات سوى مربع سكني واحد. وبعد السياج الشبكي المعدني، رأيت عربات قطارات بضائع متروكة منذ زمن طويل، تستقر كأنها شواهد قبور ضخمة متداعية، وقد غطتها الأعشاب الضارة وأحاطت بها القوارير المهملة والملاجئ المرتجلة.
كانت المنطقة بأكملها موحشة وخالية. وكان من الصعب فهم سبب مرور الحافلة من هنا أصلًا. افترضت أن هناك، ربما، طاقمًا صغيرًا من الموظفين يتولى صيانة خطوط السكك الحديدية للقطارات التي تصادف المرور عبرها.
نزلنا إلى متاهة المستودعات.
لم تتجاوز مساحة كل وحدة تخزين عشرة أقدام في عشرة أقدام تقريبًا، لكن عددها كان بالمئات، وكانت كل وحدة متصلة بالتي تليها، ومنظمة في صفوف غير منتظمة تضم عشرة أكواخ أو عشرين، مبنية من الطوب. لم يكن هذا مشهدًا نادرًا؛ فقد كانت أماكن كهذه منتشرة في أنحاء بروكتون باي.
قبل عقود، عندما بدأت معدلات البطالة ترتفع إلى مستويات هائلة، شرع الناس في استخدام وحدات التخزين أماكنَ للسكن. وسرعان ما تنبه بعض أصحاب المبادرات إلى هذه الحاجة، فظهرت تجمعات من المستودعات الصغيرة، تشبه هذه المنشأة، لتحل محل المخازن المتهالكة ومواقف السيارات.
كانت هذه، بطريقة غير رسمية، أرخص أماكن الإقامة التي يمكن العثور عليها؛ إذ أتاحت للأشخاص الذين كانت لديهم شقق ومنازل خاصة الاحتفاظ بأعز ممتلكاتهم، والنوم ليلًا على سرير بدلًا من الشارع.
لكن الأمور ساءت.
تحولت منشآت التخزين هذه إلى أوكار للمخدرات، وأماكن تجمع للعصابات، ومناطق يتوافد إليها المجانين. واجتاحت أوبئة الإنفلونزا والتهاب الحلق العقدي تلك «الأحياء» المكتظة بمجموعات من الناس غير المغتسلين وسوء التغذية، مخلفةً الموتى في أعقابها.
أما الذين لم يموتوا بسبب الأمراض، فقد تعرض بعضهم للطعن من أجل الاستيلاء على ممتلكاتهم، أو ماتوا جوعًا، بينما تُركت الجثث لتتعفن خلف الأبواب المغلقة لوحدات التخزين المستأجرة.
وفي النهاية، شنت المدينة حملة صارمة على هذه الأماكن، وفقدت وحدات التخزين شعبيتها. وبحلول ذلك الوقت، كان انهيار الصناعة المحلية قد بلغ حدًا جعل المشردين والمعدمين قادرين على الانتقال إلى المستودعات والمصانع والمباني السكنية المهجورة، والاستقرار فيها دون إذن.
وبالطبع، ظلت المشكلات العامة نفسها قائمة، لكن الناس لم يعودوا متكدسين إلى هذا الحد في وضع قابل للانفجار.
وهكذا بقيت هذه التجمعات الممتدة من وحدات التخزين متناثرة في أنحاء المدينة، ولا سيما في منطقة الأحواض. كانت معظمها غير مستخدمة الآن، مجرد صفوف متتالية من الأكواخ المتطابقة، بأرقام باهتة أو غير مقروءة مطلية على أبوابها، وفوق كل منها سقف من الفولاذ المموج مثبت بإحكام، ومائل بدرجة تكفي لمنع الناس من المشي أو النوم فوقه براحة.
قال غرو، كاسرًا الصمت الذي خيّم علينا طوال نصف ساعة:
«نبحث عن الوحدة ثلاثة عشر-صفر ستة».
استغرق العثور عليها بضع دقائق. فلم يكن هناك أي نمط واضح لترتيب الوحدات أو ترقيمها. خمنت أن الوحدات وُضعت في الأماكن التي توفرت فيها مساحة، ثم مُنحت الأرقام الأولى المتاحة.
والسبب الوحيد وراء عثورنا عليها بهذه السرعة هو أن برايان سبق له أن جاء إلى هنا مع رايتشل.
كان اتساع المكان وفوضوية ترتيبه من الأسباب الرئيسية التي دفعتنا إلى إخفاء المال هنا، بالطبع. فإذا كنا نواجه صعوبة في العثور عليه رغم معرفتنا بالوجهة، فإن أي شخص يعرف الرقم ويحصل منا على المفتاح سيحتاج إلى وقت أطول بكثير.
بينما كان غرو يعبث بالقفل، ألقيت نظرة على طرفي الزقاق الذي كنا نقف فيه. وباستثناء رافعة شوكية متوقفة على مسافة قصيرة، كان المكان هادئًا على نحو مخيف.
مدينة أشباح، فكرت.
لو كانت الأشباح موجودة حقًا، لاتخذت مكانًا كهذا موطنًا لها، مكانًا شهد كل ذلك البؤس والعنف والموت.
قال غرو: «تبًا»، بينما انفتح الباب.
هوى قلبي إلى قدميّ.
وقفت على أطراف أصابعي لألقي نظرة إلى الداخل. لم يكن في وحدة التخزين سوى لطخة عريضة وسط طبقة الغبار السميكة التي تغطي الأرض، ومصباح كهربائي واحد يتدلى من سلك، وبقعة داكنة في الزاوية.
لم يكن هناك أي مال.
قال ريجنت: «أصوّت على أن نقتلها».
ارتفع حاجباي.
«أتعتقد أن بيتش هي من فعلت ذلك؟ هل كانت ستأخذ المال وتهرب ببساطة؟»
أجاب ريجنت: «لو سألتني قبل خمس ساعات، لقلت لا. كنت سأخبرك بأنها، بالتأكيد، متهورة ولا يمكن التنبؤ بتصرفاتها، وأنها مجنونة وتغضب بسهولة، وأنها ستدفع أولئك الذين يثيرون غضبها إلى المستشفى… لكنني كنت سأقول إنها مخلصة، وإنها حتى لو لم تكن تحبنا بالضرورة…»
قاطعته: «إنها لا تحب أحدًا».
«صحيح، إنها لا تحب أحدًا، بما في ذلك نحن، لكننا أقرب ما لديها إلى الأصدقاء أو العائلة، باستثناء كلابها. لم أكن أظن أنها ستتخلى عن ذلك كله».
قالت تاتلتيل: «لم تفعل».
سأل غرو: «من فعل إذن؟»
كان في الصدى المخيف لصوته شيء من الغضب.
أجابت تاتلتيل، وكأنها منشغلة بشيء آخر: «أحد أصحاب القوى الخارقة. شخص يستطيع فتح الأقفال. لم يُجبر أحد الباب على الانفتاح».
سألت: «أحد الأشرار؟»
رددت تاتلتيل كلماتي: «أحد الأشرار».
لم أستطع معرفة ما إذا كانت توضح ما قلته، أم أنها تكرر كلماتي فحسب بينما تركز انتباهها على شيء آخر.
ثم أضافت: «بل أكثر من واحد. وما زالوا هنا».
جاءها رد على هيئة تصفيق خافت، بطيء، يفتقر إلى الحماس إلى درجة جعلته يبدو ساخرًا.
قال الشخص نفسه الذي كان يصفق:
«استنتاج عبقري حقًا».
وبينما أدارت تاتلتيل رأسها بسرعة نحوه، تراجعت بضع خطوات عن وحدة التخزين حتى أتمكن من رؤية الشخصين الواقفَين فوق السقف بوضوح أكبر.
كان كل منهما يضع إحدى ساقيه أعلى من الأخرى حتى لا ينزلق عن السقف المائل، وكانا يرتديان زيين متطابقين.
تألف الزيان من بدلة زرقاء ضيقة تغطي الجسم، مع حزامين عريضين مشدودين حول الخصر، وأكمام وسراويل ضيقة بيضاء. وكانت القلنسوتان مرنتين وملتصقتين بالرأس، لا تتركان مكشوفًا سوى فتحة للوجه، وفوق كل منهما هوائي أبيض واحد.
أما القفازات والأحذية والكرات الموجودة في أعلى الهوائيين، فكانت بلون وردي فاقع يشبه لون العلكة.
وكانت وجهاهما محجوبين خلف نظارات واقية ضخمة ذات عدسات داكنة.
لكن بعيدًا عن زيهما، لم يكن من الممكن أن يكونا أكثر اختلافًا.
كان أحدهما نحيلًا ضئيل البنية، بذقن ضعيفة وانحناءة سيئة في الظهر. أما الآخر، فكان طويلًا عريض الكتفين، ذا جسد منحوت العضلات، ويمكن رؤية تفاصيل عضلاته بوضوح من خلال زيه الضيق.
رحبت بهما تاتلتيل قائلة:
«أوبر وليت. لا أستطيع وصف مدى ارتياحي لرؤيتكما. لثوانٍ قليلة، ظننت أن لدينا ما يدعو إلى القلق».
أعلن أوبر بصوته المسرحي:
«اطمئني يا تاتلتيل، فلديكما بالفعل ما يدعو إلى القلق».
كان أوبر من النوع الذي يعلن ويصرّح ويذيع ويجهر بكل شيء. وكما كانت قدرة غرو تغيّر صوته ليبدو مخيفًا وغير بشري، جعلت قدرة أوبر صوته يشبه صوت الرجل الذي يروي إعلانات أفلام الحركة أو الإعلانات التجارية في وقت متأخر من الليل.
كان يبالغ في كل شيء، ويتحدث عن كل أمر بكثافة درامية، مهما كان عاديًا وتافهًا. أشبه بممثل يبالغ في أداء دور فارس نبيل داخل فيلم للأطفال.
أخذت أبحث عن ذلك الشيء الذي كنت أسميه «الواشي».
وأخيرًا، رأيته: ظلًا دائريًا صغيرًا أمام خلفية السماء الحمراء بلون الغروب، فوق الشريط اللامع من الشمس مباشرة.
كانت كاميرا مثبتة داخل كرة ذهبية بحجم كرة التنس. وكانت قادرة على التحرك مثل طائر الطنان، فتبقى في مأمن بينما تسجل كل شيء باستمرار.
كان أوبر وليت يبثان جميع أنشطتهما وهما يرتديان أزياءهما مباشرة عبر الإنترنت، بحيث يستطيع الناس الدخول في أي وقت لمشاهدة ما يفعلانه. وكنت شبه متأكدة من وجود تأخير زمني في البث، بحيث لا تظهر الأحداث التي تسجلها الكاميرا للمشاهدين إلا بعد نصف ساعة إلى ساعة.
أستطيع الاعتراف بأنني شاهدت نفسي على البث بضع مرات، وكان ذلك هو السبب الذي جعلني أعرف أمر «الواشي».
وفي كل مرة دخلت فيها لمشاهدة البث، فوجئت بوجود آلاف المشاهدين.
توقفت عن المشاهدة لأن الأمر لم يكن ممتعًا على الإطلاق.
كانا مثالًا حقيقيًا للخاسرين الذين يحاولون شق طريقهم بصعوبة نحو النجاح، الأمر الذي يجعلك تشفق عليهما وترغب في تشجيعهما والوقوف إلى جانبهما، إلى أن يفعلا شيئًا حقيرًا.
عندها تجد نفسك تنظر إليهما نظرة سلبية، وتحتقرهما، وتشجع كل من يفشلانه.
شعرت بأنني كنت أنظر إليهما بالطريقة نفسها التي كانت إيما وماديسون وصوفيا ينظرن بها إليّ، وكان ذلك كافيًا ليجعلني أنفر من متابعة البث.
بعد أن رصدت الكاميرا، التي وُضعت بلا شك في موقع يتيح لها تصويرنا ونحن ننظر إلى الشريرين، وظلالنا الطويلة تمتد خلفنا، أعدت نظري إلى الاثنين.
لكنني، باستخدام قدرتي، أرسلت مجموعة من الذباب لتتجمع حول الكاميرا.
لم يستغرق الأمر طويلًا حتى بدأت الكاميرا تتحرك بعنف في طرف مجال رؤيتي، وكأنها تحاول التخلص من الذباب.
ابتسمت خلف قناعي.
قطّب ليت حاجبيه والتفت نحو الكاميرا.
«هل هذا ضروري حقًا؟»
أجبته: «لقد عبثتما معنا، لذا سأعبث أنا بعدد مشتركيكما».
ابتسمت تاتلتيل وضحك ريجنت، كلٌّ بطريقته. وحده غرو بقي صامتًا. كان واقفًا في سكون تام، لكن الظلام المحيط به كان يتلوى كالنار التي أُثيرت جمراتها للتو.
صاح ريجنت:
«ما موضوع زييكما الليلة؟ إنه سيئ إلى درجة أنني لا أستطيع النظر إليه مباشرة مدة كافية لأحاول معرفة الفكرة التي استلهمتماها».
حدق ليت وأوبر فيه بغضب.
كانت فكرتهما الأساسية تدور حول ألعاب الفيديو. ففي كل مغامرة، كانا يختاران لعبة فيديو مختلفة أو سلسلة ألعاب، ثم يصممان أزياءهما وجرائمهما حولها.
في أحد الأيام، قد يرتدي ليت زي ماريو ويقذف الكرات النارية، بينما يتنكر أوبر في هيئة باوزر، ويقتحمان مصنعًا لسك العملات المعدنية لجمع «العملات».
وبعد أسبوع، قد يختاران موضوع غراند ثفت أوتو، فيقودان سيارة معدّلة بقوة عبر المدينة، وينهبان عصابة ABB ويعتديان على المومسات.
تمامًا كما قلت.
حقيران.
اقترب أوبر من حافة السقف، ومد إصبعه نحو ريجنت.
«أنت…»
لكنه لم يتمكن من إكمال كلامه.
أرجح ريجنت ذراعه إلى أحد الجانبين، وفقد أوبر توازنه.
تراجعت مع الآخرين عن الطريق بينما سقط أوبر على وجهه فوق الرصيف عند قاعدة وحدة التخزين.
علّق ريجنت، وهو يميل برأسه نحوي:
«من المؤسف أنك تعبثين بالكاميرا. كنت أود أن أرى عدد المشاهدات التي كان سيحصدها ذلك المقطع على يوتيوب».
قلت له: «أعطني تحذيرًا مسبقًا في المرة القادمة. ربما إشارة باليد؟»
كنا قد ابتعدنا عن وحدة التخزين عندما سقط أوبر، وتراجعنا بضع خطوات أخرى بينما كان ينهض. ثم قفز ليت من السقف وهبط بجانبه.
قال غرو:
«المال. أين هو؟ وكيف عثرتما عليه؟»
ابتسم ليت ابتسامة عريضة.
«عضو فريقكم الخامس قادنا إليه مباشرة. مجرد مصادفة محظوظة، حقًا».
ثم أردف: «أما كيف عثرنا عليها…»
وتلاشت كلماته.
تحدث غرو بصوت منخفض لا يمكن أن يصل إلى الشريرين:
«لقد فعلا شيئًا ببيتش، واستوليا على المال. إذا لم نحقق انتصارًا حاسمًا هنا، فستتحطم سمعتنا تمامًا».
همست تاتلتيل: «هل نترك العنان لكل شيء؟»
أجاب غرو:
«اتركوا أحدهما في حالة تسمح باستجوابه. اختاروا ليت، لأن قدرات أوبر تجعل احتجازه مزعجًا. امنحوه فرصة، وسيكتشف كيف يفعل أي شيء كما لو كان خبيرًا بحق، ومن المرجح أن يشمل ذلك الهرب من الحبال أو الأصفاد. مفهوم؟»
قلت: «أنا موافقة».
فاجأني مقدار الحماس الذي شعرت به.
كان هذا بالضبط النوع من الأمور التي ارتديت زيًا خارقًا من أجل القيام بها.
صحيح أن الظروف لم تكن كما كنت سأختارها، لكن مواجهة الأشرار؟
ابتسمت خلف قناعي، ومددت إحساسي نحو حشراتي.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.