وورم — الفصل البيني 3½ (إضافي)
كانت كايدن جاثية بجوار سرير الأطفال، تسند ذراعيها المطويتين إلى حافته، وتراقب صدر طفلتها وهو يرتفع وينخفض. شعرت بالسلام. كانت أستر مثالية، خالية من العيوب، لم يمسسها دنس الفوضى والشرور التي تملأ العالم خارج الشقة وغرفة الحضانة. حتى حين تكون مستيقظة، لم تكن كثيرة المطالب؛ فما إن تسمع تطمينات بأن الطعام أو الصحبة أو تغيير حفاضها في الطريق، حتى تسارع إلى تحويل صراخها إلى أنين خافت. ليس لأنها تفهم ما يُقال لها بالطبع، بل لأنها تثق بأن أمها ستوفر لها ما تحتاج إليه. لم يكن بوسع كايدن أن تطلب أكثر من ذلك. حرفيًا، لم يكن ثمة شيء تستطيع أستر فعله أو امتلاكه أو أن تصبح عليه ليجعلها أفضل مما هي عليه.
وبطريقة غريبة، كما افترضت كايدن، كانت تجد ملاذًا في أستر. كانت تستمد العزاء من وجود طفلتها إلى جوارها، وسط عالم لم يعد لديها أمل يُذكر فيه.
احتاجت إلى قوة إرادة كي تجبر نفسها على الابتعاد، وتخرج بهدوء من غرفة الحضانة، ثم تترك الباب مواربًا خلفها. وحين رأت ثيو، الفتى الممتلئ البالغ من العمر خمسة عشر عامًا، جالسًا أمام التلفاز، شعرت للحظة بالارتباك. ثم اخترقها وخز من الذنب. لقد نسيت أمر الفتى وسط انشغالها برعاية أستر واستعداداتها لقضاء ليلتها.
قالت: «ثيو، أنا آسفة». كان الفتى مأخوذًا بمشهد التصويت النهائي في أحد برامج تلفزيون الواقع، لكنه لم يتردد لحظة في كتم صوت التلفاز ومنح كايدن كامل انتباهه.
«لقد كنت منشغلة للغاية، ولم أُطعمك».
أجابها ثيو وهو يشيح بنظره: «لا بأس».
لكن الأمر لم يكن كذلك.
«اسمع، سأخرج قليلًا…»
«بالزيّ؟»
«أجل»، أجابت كايدن.
حاولت قراءة التعبير على وجه الفتى، لكن ثيو كان كجدار من الحجر. وكان لا بد أن يكون كذلك، حقًا، بالنظر إلى ما نشأ عليه.
قاومت رغبتها في التعليق أو الضغط عليه كي يبدي رأيًا أو ينتقدها أو يدعمها، ثم تابعت: «سأترك لك ثلاثين دولارًا هنا على طاولة المطبخ. إذا أردت استخدامها لطلب الطعام، فلا تتردد. وإلا، فبإمكانك أن تفتش خزائني أو ثلاجتي، أو تستخدم المال للنزول إلى المتجر الصغير في بهو المبنى، اتفقنا؟ وإذا قررت استئجار فيلم، فاتركه هنا كي أعيده بنفسي. ربما أرغب في مشاهدته». ابتسمت كايدن، محاولةً أن تستدرج منه ابتسامة مماثلة.
قال ثيو بوجه خالٍ من التعبير: «حسنًا. متى ستعودين؟»
في الوقت المناسب لأعيدك إلى أبيك، كادت تقول.
لكن فكرة خطرت لها.
«قد أتأخر. هل سيكون من المقبول أن تبيت هنا هذه الليلة؟ كل ما عليك فعله هو الاطمئنان على أستر كل بضع ساعات. أبقِ أذنيك مفتوحتين تحسبًا لبكائها. وسأدفع لك مقابل رعاية الطفلة طوال الليل».
كانت اللحظات التي يسمح فيها ثيو بظهور لمحة من مشاعره نادرة ومتباعدة. لكن ابتسامة صادقة ارتسمت على وجهه، وكادت تحطم قلب كايدن في تلك اللحظة.
أجابها بصدق: «سأكون سعيدًا بذلك».
«إذًا اتفقنا. آسفة لأنني قاطعت برنامجك».
قال ثيو: «لا بأس»، بسرعة زائدة قليلًا.
لم يكن الأمر على ما يرام، على ما يبدو، لكنه لن يعترف بذلك أبدًا. بل لم يكن يستطيع الاعتراف به أصلًا. شعرت كايدن بومضة من الكراهية تجاه الرجل الذي محا كل ذرة من شخصية ابنه وقدرته على التعبير عن نفسه. كانت مستعدة للتخلي عن يدها اليمنى مقابل تعليق ساخر من ثيو، أو نظرة متأففة بعينيه، أو حتى أن يتجاهلها مفضلًا متابعة برنامجه التلفزيوني.
كان عليها أن تعزّي نفسها بأنها، على الأقل، ستمنح ثيو ليلة واحدة يستريح فيها من ذلك الرجل. لم يكن هذا كافيًا بالطبع، لكن لم يكن بوسعها فعل الكثير. كل ما استطاعت تقديمه هو بعض اللطف البسيط، وإيماءات صغيرة من الحب والمودة، والأمل في أن تُحدث فرقًا.
وبناءً على ذلك، أخذت كايدن بعض الملاءات وجهزت الأريكة الأخرى كي يجد ثيو مكانًا مريحًا حين ينتهي من مشاهدة التلفاز.
وحين فرغت، ألقت نظرة سريعة على التلفاز لتتأكد من أنها لم تقاطعه عن شيء مهم، ثم قالت لثيو:
«تمنَّ لي الحظ».
أجاب الفتى بنبرة متكلفة لا تحمل أي صدق: «حظًا موفقًا».
آلمت الكلمات الزائفة كايدن أكثر مما لو لم يقل شيئًا على الإطلاق. لم تكن هذه الليلة المناسبة لمواجهة تلك المشكلة. غادرت الشقة وأغلقت الباب خلفها، ثم صعدت الدرج إلى السطح وخلعت رداء الحمام.
وضعت الرداء في الفجوة بين صندوقين من صناديق الزهور، حيث لن يعثر عليه أحد ما لم يكن يبحث عنه تحديدًا.
ثم خطت إلى خارج حافة السطح.
عبثت الرياح بشعرها، ولفحت وجهها ببرودتها. وبينما كانت تتقلب رأسًا على عقب في الهواء، لا ترى سوى لمحات متقطعة من أضواء الشوارع والسيارات في الأسفل، انتظرت.
كان مبنى شقتها يتألف من خمسة عشر طابقًا، وهو ارتفاع لا يمنحها وقتًا طويلًا كما قد يظن المرء. ثانية واحدة من الشك، أو خطأ واحد، أو لحظة تردد عابرة، وكل شيء سينتهي بارتطامها بالأرض.
أستر.
كان من الملائم أن تفكر في ابنتها. كانت تفعل ذلك دائمًا هذه الأيام، في كل مرة تقفز فيها. لقد أصبح الأمر طقسًا، وكأنها لا تستطيع الانطلاق لتنظيف المدينة ما لم تذكّر نفسها بالسبب الذي يدفعها إلى ذلك.
غمرت الطاقة جسدها.
أضاءت السماء بأكملها في ومضة ضوء ساطعة عمياء. وبحلول الوقت الذي زالت فيه البقع الضوئية من أعين المارة في الشارع، كانت قد اختفت بالفعل، مندفعة فوق وسط مدينة بروكتون باي، تاركة وراءها أثرًا أبيض من الضوء.
لم تكن كايدن ترتدي قناعًا، لكنها لم تكن بحاجة إليه. حين تنشّط قواها، يتحول شعرها البني وعيناها إلى اللون الأبيض المتوهج، وينبعث منهما ضوء ساطع إلى حد يستحيل معه النظر إليها مباشرة. حتى نسيج زيّها ذي اللون الأبيض الناصع كان يشع بوهج خافت، يتموج مثل الضوء فوق سطح الماء.
كان روتينها المعتاد أن تقوم بدورية لمدة ساعة أو ساعتين، تستطلع خلالها الأوضاع وتكوّن فكرة عما يجري، ثم تتدخل حيث ترى أن تدخلها سيكون أنسب. لكنّها كانت محبطة هذه الليلة، ولم تكن قد بدأت عملها حتى.
قبل عام، جعلت عصابة «أولاد أزِن الأشرار» هدفًا رئيسيًا لها. كانت تشن ثلاث إلى خمس ضربات دقيقة أسبوعيًا على عمليات العصابة الصغيرة، فتوقف شحناتها، وتضرب الموزعين والبلطجية، وتهاجم أماكن عملهم، وفي الوقت نفسه تجمع المعلومات.
وكانت تلك المعلومات تؤتي ثمارها بين الحين والآخر؛ فقد واجهت لونغ مباشرة في أربع مناسبات على الأقل، وصادفت أوني لي مرتين. وفي جميع تلك المواجهات باستثناء واحدة، نجحت في إجبارهم على التراجع والتخلي عما كانوا يفعلونه حينها.
كانت تلك أيامها الجيدة.
لكن كانت هناك أيام سيئة أيضًا. في معظم الأحيان، كانت تحرص على توجيه ضربات قاسية إلى أعضاء العصابة من الرتب الدنيا بعد إسقاطهم، بما يكفي لجعلهم يعيدون التفكير في اختيارهم المهني، وربما يدفعهم إلى التفكير في الانتقال إلى مدينة أخرى.
وفي إحدى المرات، نصب لها لونغ فخًا، ونجح في رد الصاع صاعين. استغرقت شهرين للتعافي من جميع إصاباتها.
أما الأيام الأخرى، التي كانت أسوأ بطريقة ما، فكانت تجد نفسها فيها عاجزة عن إحداث فرق، إلى أن تدرك تدريجيًا أنها فشلت في تغيير أي شيء.
كان هذا الأسبوع سلسلة طويلة من تلك الأيام السيئة.
حين قرأت في الأخبار أن لونغ قد أُلقي القبض عليه، أخلت جدولها من الالتزامات. أخذت كايدن إجازتها من العمل واتصلت بثيو بشأن رعاية أستر. كانت تعتقد أن هذه أفضل فرصة ستحصل عليها للقضاء على عصابة «أولاد أزِن الأشرار» نهائيًا، وإخراج أولئك الأوغاد من مدينتها بينما لا قائد لهم.
مرّت خمسة أيام من أصل أيام إجازتها السبعة، ولم تحقق شيئًا.
بل أقل من لا شيء.
لقد أصبحوا أقوى.
تخلّت عن مسار دوريتها المعتاد واتجهت مباشرة إلى الجزء الشمالي من المدينة، حيث تفقدت منطقة الأحواض. لم تجد هناك أي أعضاء من العصابة، باستثناء فتاتين كوريتين كانتا تستريحان من ممارسة الدعارة قرب العبّارة، وتتحدثان مع قوّادهما العجوز البدين، ذي المظهر الأمومي.
قاومت كايدن رغبتها في التدخل وطردهن من المكان، كما قاومت رغبتها في استجوابهما للحصول على معلومات. فقد فعلت ذلك الليلة الماضية مع مجموعة من الموزعين، ولم تحقق سوى القليل، إن لم يكن لا شيء على الإطلاق.
كانت العصابة لا تزال نشطة. بل إنها، حتى بعد اختفاء زعيمها، أصبحت أكثر تنظيمًا مما كانت عليه تحت قيادة لونغ.
لكن استجوابات كايدن لم تنجح في انتزاع أي تفاصيل تفسر السبب. حتى كسر أذرع البلطجية وأرجلهم لم يكن كافيًا لإيلامهم أو إخافتهم إلى حد يجعلهم يتحدثون عما يجري.
في مثل هذا الموقف، كانت كايدن تلجأ عادةً إلى مخبريها للحصول على المعلومات، وتعيد إحياء التحالفات القديمة، وتطلب المساعدة في سحق العصابة قبل أن تستعيد توازنها.
قبل ثلاثة أيام، تعقبت أصدقاءها القدامى ومعارفها وزملاءها السابقين في الفريق، لكنها شعرت بالإحباط بسبب غياب الاستجابة والحماسة.
وكان ماكس، والد ثيو، هو المسؤول عن ذلك.
فكما خرجت هي من فريقه شخصًا أكثر تحطمًا مما كانت عليه حين انضمت إليه، مرّ آخرون بالتجربة نفسها. كان ماكس يتمتع بالكاريزما وبقدرة حادة على فهم الناس، وقد أقنع أشخاصًا من مختلف أنحاء البلاد بالانضمام إلى فريقه. وبالسهولة نفسها، كان يحطمهم من الداخل دون أن يدركوا أنه يفعل ذلك.
ثقة محطمة، وشكوك تنهشهم، وارتياب تجاه الجميع باستثناء الرجل الوحيد الذي تسبب في ذلك الارتياب أصلًا؛ هكذا كانوا يتفرقون وينشقون عن الفريق.
ولم يكن ماكس يبالي بذلك. فقد كان هناك دائمًا مخزون جديد من المجندين اللامعين المتحمسين، مستعدون ليحلوا محل كل شخص يحطمه.
والآن، اختفى معظم أفراد العصابة، وربما كانوا ينفذون عملية كبيرة في مكان ما، ولم تكن لديها أدنى فكرة عن موقعهم.
ولم تكن تعرف حتى أين يمكنها أن تبحث عن تلك المعلومة.
جزّت كايدن على أسنانها. لم تكن هذه الطريقة تجدي نفعًا. وإذا أرادت إحراز أي تقدم قبل انتهاء أيام إجازتها، فعليها أن تتحرك الآن.
عليها أن تعقد صفقة مع الشيطان.
عادت إلى وسط المدينة.
كان من الصعب التنقل بين الشوارع من ذلك الارتفاع الشاهق، حتى وإن كانت تلك الطرق نفسها التي تسلكها يوميًا حين لا ترتدي زيّها. فمن الأعلى، بدت جميع المباني متشابهة، بواجهاتها العاكسة وأسقفها المغطاة بالحصى.
حلّقت مرتين حول الطوابق العليا لمبنيين خاطئين، وهي تبحث عن الشعار المثبت على جانب المبنى الذي يميز مقر ماكس عن غيره.
تاج أسود على خلفية حمراء وصفراء.
توقفت حين رأته، ولعنت تحت أنفاسها. وعندما اقتربت، رأته لا يزال في مكتبه. لم يكن ذلك غريبًا؛ فقد اعتاد العمل حتى وقت متأخر كل ليلة خلال زواجهما.
كان أمامه حاسوب محمول، وعلى يمينه شطيرة ملفوفة بورق، وعلى يساره مجموعة من الأوراق المبعثرة فوق المكتب.
استدار لمواجهتها حين اقتربت من النافذة، وابتسم ابتسامة خفيفة.
تبًا له. كان يكبرها بخمس سنوات، ويقترب من الخامسة والثلاثين، ومع ذلك ظل أفضل رجل وقعت عيناها عليه في حياتها. حتى التجاعيد عند زوايا عينيه لم تفعل سوى أن تزيده جاذبية.
كان قد خلع ربطة عنقه وسترة بدلته، ورفع أكمام قميصه إلى منتصف ساعديه، ما أجبرها على ملاحظة أنه لا يزال يحافظ على لياقته البدنية.
انتظرها، ويداه متشابكتان فوق بطنه، وعلى وجهه أضعف تعبير ممكن عن التسلية.
كانت تعرف أنه قادر على فتح نافذة مكتبه. لكنه كان ينتظر منها أن تطلب الدخول.
كانت تلك إحدى ألعاب القوة الصغيرة التي يعشقها.
في ليلة أخرى، كانت ستختبر إرادتها في مواجهته. دون جدوى عادةً، لكنها كانت ستحاول على أي حال. وربما كان الأمر سينتهي بها وهي تطير مبتعدة، لتثبت له أنها تستطيع الاستغناء عن مساعدته.
لكنها الليلة كانت تشعر بمرارة إحباط إجازتها العقيمة، فدفعت نفسها إلى مد يدها وطرق النافذة.
وقبل أن تتمكن من طرقها مرة ثانية بمفاصل أصابعها، صدر صوت نقرة وانفتحت النافذة إلى الأعلى.
تحركت حولها ودخلت المكتب. لم يبدُ أنه حرّك عضلة واحدة حين فتح النافذة. كان يحب مثل هذه الاستعراضات الصغيرة.
وضعت قدميها على سجادة المكتب وتركت الضوء المنبعث من داخل جسدها يخفت. توقف شعرها عن الاضطراب والتموج استجابةً للطاقة التي كانت تتدفق خلاله، فاسترخى وعاد إلى لونه البني. وخفتت عيناها حتى استعادتا لونهما العسلي الداكن.
سمعت نقرة أعقبها أضعف صوت هسهسة، بينما أُغلقت النافذة خلفها ببطء.
قال ماكس مرحبًا بها، ونجح في جعل التحية تبدو انتقادًا في اللحظة نفسها: «كايدن. مضى وقت منذ آخر مرة رأيتك فيها».
استدار نصف استدارة ليكتب شيئًا على حاسوبه، وتغيّرت إضاءة المكتب لتصبح وهجًا قويًا من مصابيح الهالوجين. أغمضت عينيها للحظة واستمتعت بالضوء، شاعرةً بأن مخزون الطاقة داخل جسدها يتجدد.
قالت: «ماكس. شكرًا على الضوء».
«أنت بخير، على ما أفترض؟»
«أنا بخير».
«وابنتنا؟»
قالت بهدوء قدر استطاعتها، بينما كان قلبها يدق بعنف داخل أذنيها: «أستر بخير».
كانت تعرف أنه لا يهتم حقًا. لقد كان يذكّرها بأنه لم ينسَ أستر، وأنه يستطيع في أي وقت، وفي أي لحظة، أن ينتزع حضانة طفلتهما منها. كان يملك المال والعلاقات. ولم يكن بوسعها فعل شيء لمنعه.
تذكرت أن تضيف: «ثيو يرعاها هذه الليلة».
«أعرف. اتصل بي قبل قليل ليسأل إن كان يستطيع المبيت هنا. أخبرته أن ذلك لا بأس به. من الجيد له أن يقضي بعض الوقت معك ومع أستر. إنه يحتاج إلى بعض التأثيرات النسائية في حياته».
أجابت كايدن بإيماءة مقتضبة.
لأي شخص آخر، كان هذا الحوار سيبدو بريئًا تمامًا. لكن بعد عشر سنوات قضتها تعمل إلى جانب ماكس، وسنة واحدة من الزواج به، كانت تعرف أن كل كلمة هنا جزء من مفاوضات.
كان يوضح لها أنه يقدم لها خدمة، وأنه يتوقع مقابلًا لها في وقت ما، سواء الليلة أو بعد أسبوع.
هكذا كان ماكس دائمًا؛ يسعى إلى القوة، وإلى التفوق، وإلى الهيمنة. وكان يفعل كل ذلك بطريقة تجعل مواجهته بالأمر مستحيلة. فإذا اتهمته بما يفعله، تظاهر بالبراءة، وبدت هي وكأنها المجنونة، وكأنها الطرف المخطئ.
وأحيانًا كانت تبدو كذلك حتى في نظر نفسها.
استند إلى كرسيه إلى الخلف وسألها: «إذًا، ماذا يمكنني أن أفعل من أجلك؟»
«تفتقر عصابة أولاد أزِن الأشرار إلى القيادة. أو على الأقل، إلى قيادة ذات خبرة. أريد القضاء عليهم قبل أن يعيدوا تنظيم صفوفهم. ولتحقيق ذلك، أريد إعادة جمع فريقنا القديم».
«وأنت تعترفين بأنك لا تستطيعين فعل ذلك دون مساعدتي».
«أجل»، قالتها بألم.
«لست مهتمًا»، قالها وهو يدور بكرسيه نحو الحاسوب. صدرت نقرة، وبدأت النافذة خلف كايدن تنفتح مجددًا. ومع تدفق الهواء الخارجي إلى الداخل، انسدلت خصلة من شعرها على وجهها، فأعادت وضعها خلف أذنها.
«لقد تحدثت إلى الآخرين، لكن لا أحد ممن عملوا لديك مستعد لأن يكون أول من ينضم إليّ. بعضهم يقول إنه يخشى أن يسيء إليك. والبعض الآخر لا يزال خائفًا منك، أو أنه استسلم بالفعل. إنهم يسألونني: لماذا يُفترض أن تحقق مجموعة من الأشخاص الذين لفظتهم أنت نتائج أفضل مما حققوه حين كانوا جزءًا من فريقك؟ أنا لا أحرز أي تقدم، والوقت ينفد. كل ما أحتاج إليه هو كلمة واحدة منك، وسأتمكن من جمع فريق من أربعة أو خمسة أشخاص. وعندها سأستطيع تعقب العصابة وسحقها».
نهض ماكس وجلس على حافة مكتبه، مواجهًا كايدن.
قال: «لا أرى أن الأمر يستحق العناء. ما الذي سأحصل عليه في المقابل؟»
«ستختفي العصابة، وهذا في حد ذاته مكسب».
«ستختفي في نهاية المطاف على أي حال. أنا صبور. ماذا أيضًا؟»
أجابته: «ليس لدي شيء آخر أقدمه لك يا ماكس».
كانت تلك كذبة، وهي تعرف ذلك… لكن أقرب شيء لديها إلى ورقة ضغط كان شيئًا لن تتخلى عنه حتى بعد مليون سنة.
لن تتخلى عن أستر أبدًا.
قال ماكس: «أريدك أنت. أريدك أن تعودي إلى فريقي».
«لا».
«ستكونين نائبتي. سأتحدث إلى أعضاء الفريق القدامى، وأجعلهم يشكلون مجموعة منفصلة تعمل تحت قيادتك. ستراجعين معي كل ما تفعلينه، لكن بخلاف ذلك، ستكون لك حرية التصرف الكاملة. يمكنك استخدام فريقك بالطريقة التي ترينها مناسبة».
بخلاف ذلك.
كأن مراجعة كل خطوة تخطوها معه أمر لا يُذكر.
قالت: «أنا لا أوافق على طريقتك في إدارة الأمور. ولا أريد أن أكون مرتبطة بك».
ضحك ضحكة عميقة، أجشّة، ثرية النبرة، بينما ظلت واقفة أمامه بجمود صخري.
وحين انتهى، قال: «كايدن، أنت مرتبطة بي بالفعل. الناس يذكرون اسمينا معًا حتى عندما لا نكون قد عملنا سويًا منذ عامين. وحين يظهر اسمي في الصحف، لا يكون اسمك بعيدًا عنه أبدًا».
«أنا أحاول تغيير ذلك».
«وستقضين عقودًا تحاولين تغيير هذه الصورة، دون أن تحققي أي نتيجة. أضمن لك ذلك».
استدارت كايدن ونظرت من النافذة، رافضةً مواصلة النظر إلى عيني ماكس الزرقاوين البراقتين.
واصل حديثه، وكانت تعرف أنه يبتسم لها ابتسامة متغطرسة حتى دون أن تنظر إليه.
«بغض النظر عن اختلاف أساليبنا، فقد كانت أهدافنا واحدة دائمًا: تنظيف عالمنا القذر هذا».
«أنت تفعل ذلك بطرح المخدرات في الشوارع، والسرقة، والابتزاز. لا أستطيع الموافقة على ذلك. ولم أوافق عليه يومًا. ليس من المنطقي أن تحاول تحسين الأمور بجعلها أسوأ».
ابتسم ماكس.
«قد تبدو طريقتي قبيحة من الخارج، لكنها تمنحني مزيدًا من المال والقوة، وتوفر لي النفوذ الذي أحتاج إليه لإحداث تغيير حقيقي. والأشخاص الوحيدون الذين أؤذيهم هم أنفسهم الذين يتسببون في المشكلات من الأساس».
كانت قد سمعت هذه العبارة مرارًا من قبل. فعقدت ذراعيها.
غيّر أسلوبه وقال: «دعيني أسألك: هل تفضلين الاستمرار في العمل بطريقتك، والفشل في تغيير أي شيء، أم تفضلين العمل تحت إمرتي وإحداث فرق حقيقي؟»
أجابت كايدن: «أنا أحدث فرقًا بالفعل. أعمل على جعل هذا العالم مكانًا أفضل».
«بالطبع»، ردّ، ولم يفتها ما في صوته من استعلاء. «لقد تركتِ فريقي لتقومي بأعمال الخير، ومجرد مصادفة بحتة هي أنك تستهدفين المجرمين السود والبنيين والآسيويين».
عقدت كايدن حاجبيها.
«من الصعب تجنب ذلك حين تكون العصابة البيضاء الوحيدة البارزة هي عصابتك. ما زال بعض أصدقائي وحلفائي القدامى يعملون لديك… لا أستطيع التجول في المدينة والاعتداء عليهم، أليس كذلك؟ أنا أحاول تحسين مدينتنا، لكنني لن أضرب أشخاصًا سبق أن خرجت معهم لتناول المشروبات».
ابتسم ماكس.
«وفي أثناء ذلك، لا تفعلين الكثير لتبديد الاعتقاد بأنك جزء من إمبراطورية الثمانية والثمانين. من المضحك سماعك تحاولين تبرير وجهة نظرك، لكنك تتجاهلين الفيل الجالس في وسط الغرفة. كفى هراءً، واعترفي بأنك تشعرين بشيء مختلف حين تنظرين إلى وجه أسود مقارنةً بما تشعرين به حين تنظرين إلى وجه أبيض».
لم تجد كايدن جوابًا.
وكان ذلك خطأه هو، في الحقيقة.
فلاعب البيسبول في المدرسة الثانوية الذي أُعجبت به حين كانت في المرحلة الإعدادية، انتهى به الأمر ليكون الشخص نفسه الذي اقترب منها أول مرة عندما بدأت الخروج بزيّها الخارق.
لقد أعمتها وسامته وطريقته في الكلام، فتأثرت به واقتنعت بأسلوب تفكيره.
حاولت تغيير نظرتها إلى العالم منذ الطلاق، لكنها رأت الكثير خلال السنوات العشر التي قضتها عضوًا في فريقه. وأصبح من المستحيل الآن أن تنظر إلى المدينة وتتجاهل حقيقة أن قدرًا كبيرًا مما يجعلها مكانًا قبيحًا للعيش وتربية الأطفال يمكن إرجاعه إلى أشخاص من الأنواع نفسها.
صحيح أن البيض لديهم مجرمون أيضًا، لكنهم على الأقل كانوا متحضرين بحقارة أفعالهم.
وحين لم يصدر عنها أي رد، قال ماكس:
«هذا ما ظننته. مهما اختلفت أساليبنا، وبغض النظر عن استعدادك للاعتراف بذلك علنًا، أعتقد أن نظرتينا إلى الأمور متشابهتان جدًا. وهذا عرضي: اسمحي لي بأن أثبت لك أن أساليبي ناجحة. انضمي إلى فريقي، واعملي نائبتي لعام آخر. لن تكون هناك سوى جهة واحدة تجيبين أمامها: أنا. وسأمنحك فريقًا خاصًا بك. يمكنك اختيار أفراد مجموعتك بنفسك من بين المرشحين للانضمام إلينا والأعضاء السابقين، وإن كنت لا أستطيع أن أضمن أن كل شخص تسمّينه سيهرع للانضمام إليك…»
«ماكس…» هزّت كايدن رأسها.
«أما الجزء الأخير من الاتفاق فهو التالي: إذا لم تكوني راضية عما حدث عند انتهاء عامك، فستصبح إمبراطورية الثمانية والثمانين ملكًا لك. بكل ما فيها، من الألف إلى الياء، بما في ذلك أعمالي، وجميع الموظفين، وكل الأصول، المشروعة منها وغير المشروعة. سأصبح أنا نائبك، وسأنفذ أوامرك. يمكنك تحويل إمبراطورية الثمانية والثمانين إلى مؤسسة إنسانية، أو بيع الشركة، أو تحويلنا جميعًا إلى أبطال خارقين. لا يهمني. إذا لم أستطع إقناعك بنجاح ما أفعله، فهذا يعني أن ما أفعله لا يستحق التمسك به أصلًا».
لفت ذلك انتباهها.
قبل سنوات، ربما كانت كايدن ستقبل عرضًا كهذا دون تردد. لكن زواجها من ماكس لمدة أحد عشر شهرًا، واستيقاظها تدريجيًا على حقيقة شخصيته، منحاها منظورًا مختلفًا وحذرًا أكبر.
فكرت طويلًا لبضع لحظات، محاولةً فهم ما يخفيه وراء العرض.
كانت تعرف أنه يقول الحقيقة. فمهما كان ماكس، فإنه لن ينكث وعدًا من هذا النوع.
سألته: «هل أعمالك على وشك الإفلاس؟»
هل كان يحاول التخلص من شيء عديم القيمة؟
«بل تزدهر. أعدك».
«ماذا تريدني أن أفعل؟»
«الأمر نفسه الذي كنت تفعلينه من قبل. ستكونين القوة الضاربة لديّ، والمنفذة لأوامري. إذا احتجت إلى أن أجعل شخصًا ما عبرة للآخرين، فستقومين بذلك. الفرق الوحيد بين الماضي والحاضر هو أن إمبراطوريتي أصبحت أكبر وأفضل. يمكننا معًا إحداث تأثير أعظم».
مزيد من الدماء على يديّ.
عبرت الفكرة ذهنها، فنظرت إلى يديها المغطّاتين بالقفازين. قماش أبيض ناصع، بدا صارخًا تحت وهج مصابيح الهالوجين.
كانت تعرف ما يفعله، وكانت تعرف ذلك منذ اللحظة التي قررت فيها المجيء.
كان يعثر على نقطة ضعف الشخص، ثم يهاجمها ويحوّلها إلى ميزة لصالحه. لقد عرف أنها محبطة من محاولاتها العمل بمفردها، وربما خطط لهذا الحوار قبل أيام أو أسابيع، وراح يتخيل مجرياته في رأسه، ويعدّ جوابًا لكل ما قد تقوله.
كيف يمكنها منافسة ذلك، وهي نادرًا ما تنظر إلى ما يتجاوز الساعات الأربع والعشرين التالية؟
هكذا كانت طبيعتها، وهكذا كانت تفكر.
وكان هذا على الأرجح سببًا في كونهما ثنائيًا فعالًا إلى هذا الحد، كما اضطرت إلى الاعتراف لنفسها.
قال ماكس: «إذًا، سأطرح عليك السؤال مجددًا يا كايدن: هل تريدين قضاء وقتك في الفشل في صنع اسم لنفسك بمفردك، أم أنك مستعدة للانضمام إليّ وتغيير الأمور فعلًا؟ تعالي معي، وأضمن لك أنك ستخرجين منتصرة بطريقة أو بأخرى».
أضاءت عيناها، وبدأ شعرها يتحول إلى الأبيض من الجذور إلى الأطراف.
وفي غضون لحظات، عادت إلى هيئتها الخارقة المتوهجة.
بيوريتي.
وكأنه يستجيب لذلك، التقط فتاحة رسائل ورفعها أمام صدره.
بدأت شفرات معدنية تتفرع منها، ثم أخذ كل فرع يتشعب بدوره إلى فروع أخرى. في البداية، كان النمو بطيئًا، لكن شبكة المعدن سرعان ما أحاطت بصدره، ثم امتدت إلى بقية جسده.
اتخذت القضبان والشفرات والأنابيب والصفائح المعدنية أماكنها حوله.
كانت تعرف أنه، بفضل قوته، يستطيع جعل المعدن ينبثق من أي سطح صلب حوله، بما في ذلك المعدن الذي أنشأه بالفعل. وبالسهولة نفسها التي يستطيع بها جعل رماح حديدية بطول ثلاثين قدمًا تندفع من الأرض أو الجدران، كان قادرًا على تشكيل درع متقن الصنع، ثم تزيينه بالشفرات والأشواك الملتوية.
واختتمه بتاج غير متناسق من النصال.
مدّ يده المغطاة بالقفاز المعدني، وأبقاها ممدودة كي تأخذها.
كانت تلك أبسط إيماءة ممكنة. فهو لم يكن يقدم على خطوة تتيح لشخص ما أن يرفضه أو يتركه واقفًا بيده الممدودة دون استجابة.
وكان لتلك الإيماءة معنى عظيم لديها، حتى وهي تشك في أنه اختارها بعناية ليضمن هذا التأثير تحديدًا.
سامحيني يا أستر، فكرت.
أنا أفعل هذا من أجلك.
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.