تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل164

مرحبا بكم في العوالم

المشاهدات نشر في تاريخ أكتوبر 31, 2026
Crazyy
ترجمة ورفع الفصل Crazyy
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

من منظور ليريا

الفصل 4: مرحبا بكم في العوالم

السماء.

هكذا كان أبي يسمي ذلك السقف المشيد من الحجر والمعدن، والذي كان يمتد فوق منزلنا في منجم لاغالوس. وهكذا اعتدنا جميعاً أن نسميه، جيلاً بعد جيل من أبناء عشيرتنا وصولاً إلى الرواد الأوائل. “السماء تتداعى”. “السماء تحتاج إلى تدعيم”.

كانت تمتد فوقنا كدرع عظيم، تحفظنا آمنين من عواصف المريخ الأسطورية التي تعصف بالخارج. وكانت تُقام الرقصات من أجل السماء، وتُغنى لها الأهازيج متمنيةً لها الحظ والبركات. حتى إنني عرفتُ فتاتين سُمّيتا تيمناً بها.

غير أن السماء لم تكن درعاً؛ بل كانت غطاءً محكماً. كانت قفصاً.

كنتُ في السادسة عشرة من عمري، فتاةً ذات ركبتين معقودتين ووجه يعلوه النمش، حين رأيتُ السماء الحقيقية لأول مرة. استغرق الأمر ست سنوات منذ مقتل السيدة الحاكمة على لونا كي تتمكن الانتفاضة من دحر آخر الذهبيين عن قارتنا سيميريا، وعامين آخرين ليحرروا منجمنا أخيراً من قبضة أمير الحرب الرمادي الذي أقام مملكته الصغيرة الخاصة في غيابهم.

ثم جاءت الانتفاضة إلى لاغالوس.

بدا منقذونا أشبه بمهرجي مهرجان الإكليل المسعورين منهم بجنود، وقد توشحوا بغنائم من خصلات الشعر الرمادي والأشقر وشارات الهرم الحديدية. وعلى صدورهم رُسمت أنصال منجلية وخوذات حمراء ذات أشواك. وفي مقدمتهم وقف رجل أحمر ملتحٍ ومنهك، بلغ من الكبر عتياً حتى ليصلح أن يكون جداً. كان يحمل سلاحاً كبيراً في إحدى يديه، وفي الأخرى رايةً بيضاء ممزقة تتوسطها نجمة الصباح ذات الرؤوس الأربعة عشر. بكى الرجل حين رأى البطون والهياكل العظمية التي تشهد على مجاعتنا تحت حكم أمير الحرب الرمادي. سقط سلاحه على الأرض، ورغم كونه غريباً عنا، تقدم نحوي وعانقني قائلاً: “أختي”. ثم عانق الرجل الواقف بجانبي وقال: “أخي”.

وبعد أربعة أسابيع، جاء رجال ونساء ذوو وجوه سمحة يرتدون خوذات بيضاء وتزدان صدورهم بنجوم ذات أربعة عشر رأساً، وأصعدونا إلى السطح. لن أنسى عيونهم ما حييت؛ فقد كانوا من الصفر والبنيين والورديين. كانوا يحملون زجاجات مياه، ومشروبات غازية حلوة، وحلوى للأطفال. وأعطونا نظارات واقية ضخمة موسومة بشعار أقدام مجنحة لحماية عيوننا التي ألفت ظلمة الكهوف من وهج الشمس. لم أرغب في ارتداء النظارة؛ إذ فضلتُ أن أنظر إلى السماء الحقيقية وشمسها بعينيّ المجردتين. غير أن ممرضة لطيفة من الصفر أخبرتني أنني قد أفقد بصري، فارتديناها صاغرين.

وحين فُتحت أبواب المصعد، خرجنا من حوض مكتظ بالسفن، وصعدنا سلالم معدنية لنفضي إلى سهل لا متناهٍ من الأعشاب الطويلة التي تهتزّ بأزيز الحشرات، وهناك رأيتها: زرقاء شاسعة، رحبةً إلى حدّ أشعرني وكأنني أسقط نحو الأعلى في جوفها. السماء الحقيقية. وهناك، كانت الشمس معلقةً كجمرة كئيبة في الأفق المستحيل؛ تمنحنا الدفء، وتملأ عينيّ بالدموع. صغيرةً للغاية حتى إنني استطعتُ حجبها بإبهامي. شمسنا. شمسي أنا.

وصلت سفن الإغاثة التابعة للجمهورية في صباح اليوم التالي على وقع أهازيج ماجنة صاخبة انطلقت من حناجر الفتيان الشجعان والفتيات. كانت السفن أنظف من أي شيء رأيته في حياتي؛ بيضاء ناصعة كأسنان ابن أخي الرضيع وهي تنحدر بهدوء نحو الأرض، وعلى بطونها تتألق نجمة الجمهورية. بالنسبة إلينا آنذاك، كانت تلك النجمة تعني الأمل.

قال جندي شاب وهو يناولني لوح شوكولاتة: “تحيات الحاصد. مرحباً بكِ في العوالم يا فتاة”.

مرحباً بكِ في العوالم.

وعلى متن المكوك الذي أقلّنا بعيداً عن منجمنا، ظهر مقطع مصور أمام كل منا؛ كان العرض المجسم نابضاً بالحياة إلى حد ظننتُ معه أن أصابعي ستلامس ذلك الوجه الذهبي الذي انبثق في الهواء. كنتُ قد رأيتها من قبل، غير أنها هنا فوق سطح الأرض وعلى متن إحدى سفنها، بدت كشخصية خرجت من إحدى أغنياتنا: فرجينيا قلب الأسد. عيناها ذهبيتان تثيران الرهبة، وشعرها كالحرير المغزول، تم تسريحه إلى الخلف عن وجهها الصافي الخالي من المسام. كانت تشرق ببهاء يفوق تلك الجمرة الشمسية الصغيرة، مما جعلني أشعر بأنني لستُ سوى طيف باهت لفتاة.

استهلت السيدة الحاكمة الشابة حديثها بنبرة رقيقة: “يا أبناء المريخ، مرحباً بكم في العوالم… أنتم على وشك الشروع في رحلة عظيمة نحو مكانكم المستحق فوق سطح الكوكب الذي شيده أسلافكم. إن عرقكم ودماءكم، وعرق ودماء ذويكم، هي التي وهبت هذا الكوكب الحياة. والآن حان دوركم لتنعموا بنصيبكم من خيرات البشرية، لتحيوا وتزدهروا في هذه الجمهورية الشمسية الجديدة وتمهدوا الطريق للجيل القادم. قلبي معكم، وآمال الشعوب وأحلامهم في كل مكان تسمو بكم. حظاً سعيداً، وعسى أن تجدوا أنتم وذووكم البهجة تحت ظلال النجوم”.

كان ذلك قبل عامين وألف وعدٍ مخلوف.

أما الآن، وتحت شمس لاهبة تغلي، أنحني فوق النهر الضحل الشحيح وراء مخيم الاستيعاب رقم 121. ظهري مقوس وأصابعي معقوفة وأنا أفرك بفرشاة خشنة سروالاً تلطخ جراء عمل “آفا” في ساحات الذبح، حيث تذبح الماشية لتملأ قدرنا بالطعام.

ذراعاي، اللتان كانتا في السابق بلون بني رمادي كحال معظم أهل لاغالوس، أصبحتا مليئتين بالعروق البارزة وقد لفحتهما الشمس بسواد قاتم ونهشتهما الحشرات التي تخرج من طين قاع النهر. إن فصول الصيف في السهول السيميرية رطبة وتعج بالبعوض؛ فألطم بيدي ثلاث بعوضات وجدت ثغرة في طبقة معجون زهرة الليدر التي تطلي جلدي.

أنا في الثامنة عشرة من عمري الآن، وما تزال بقايا امتلاء الطفولة تأبى مفارقة وجنتيّ. ينفر شعري من رأسي في تشابك كثيف، كحيوان مسعور يحاول الفرار من جمجمتي؛ ولا ألومه على ذلك. فالعيون لا تستقر طويلاً عليّ. اعتاد الفتيان في فريق الحفر التابع لأبي أن يلقبوني بـ”خنفساء الطين” بسبب لون عينيّ. ولطالما قال أبي إن آفا حازت نصيب العائلة من الجمال، بينما لم أحصل أنا إلا على حدة الطباع.

وعلى امتداد ضفة النهر، يصطف رجال ونساء ذوو أجساد صلبة مكتنزة — نحو أربعين فرداً من فئة “غاما” من أبناء عشيرتي — يدندنون “أنشودة ماري الحمقاء”، وهي الأنشودة ذاتها التي اعتادت أمي دندنتها أثناء عملها. يبرز شعرهم الأحمر الصدئ من تحت القبعات عريضة الحواف وعصائب الرأس المصنوعة من القماش الزاهي. وبعيداً عن الضفة، يتكاسل الصيادون في قواربهم وهم يدخنون التبغ ويجرون شباكهم نحو أعماق النهر.

لم تعد عشيرة “لامدا” تسمح لنا باستخدام غسالات الجمهورية الشمسية في وسط المخيم. يظن أولئك الأوغاد أن لهم الحق في ذلك لمجرد أنهم ينتمون إلى عشيرة الحاصد ذاتها؛ غير عابئين بأن صلة القرابة بينهم وبينه لا تزيد عن صلتي بالخفافيش التي تخرج من الأدغال ليلاً لاصطياد بعوض المخيم.

ولم تعد سفن الجمهورية الشمسية تأتي كثيراً دون مرافقة عسكرية كاملة، في ظل عربدة غزاة “اليد الحمراء” الذين يعيثون فساداً بجنون في الجنوب. أما السفن التي تأتي، فتلقي بالإمدادات في صناديق صغيرة بمظلات من السماء؛ والجنود الذين يهبطون فعلياً في المخيم باتوا يحتضنون الأسلحة بين أذرعهم بدلاً من الحلوى.

نحن نرى ذلك كل يوم في أخبار مكعب العرض المجسم: غارات تشنها اليد الحمراء على المخيمات العزلاء؛ أبناء يُختطفون، وآباء يُقتلون، ويُفتك بالبقية بوحشية. يزعمون أنهم يقتصون من عشيرتي، “غاما”، لتحقيق العدالة لأننا كنا الفئة المدللة لدى مضطهدينا السابقين. وفي كل مخيم يغيرون عليه، يطهروننا كما لو كنا سلالة من الجرذان الموبوءة.

تؤمن آفا بأن الجمهورية ستردع اليد الحمراء، وأن الحاصد سيأتي بفيالقه العاوية ليسحق أولئك الأوغاد سحقاً، أو شيئاً من هذا القبيل. لطالما كانت حمقاء جميلة. لقد أخرجتنا السيدة الحاكمة من التراب تحت الأرض، ثم نسيتنا في الوحل فوقها. بل إن الحاصد لم تطأ قدماه أرض المريخ منذ سنوات؛ إذ يبدو أن لديه ما يشغله ويقلقه أكثر من أبناء لونه.

وقد نهشني البعوض نهشاً، أرفع السلة فوق رأسي وأشق طريقي عائدةً إلى المخيم. تملأ الكهرباء الساكنة المنذرة بعاصفة قادمة جو المكان. وفي الأفق البعيد، عبر السافانا الملطخة بالخضرة، تبدأ سحب رعدية ضخمة في صبغ السماء بكدمات أرجوانية وسوداء؛ إنها تتشكل بسرعة.

تنتصب أكوام القمامة كأنها أسنمة تشوه المشهد الأخضر الصارخ كلما اقتربتُ من المخيم. وهنا وهناك، ينتشر فتيان الحرق النحيلون وقد اسودّت أجسادهم بالسخام؛ يربطون خرقاً بالية على وجوههم وهم يغمرون أكوام الملابس والقمامة الموبوءة بتفشي الملاريا بزيت المحركات، فتخنق النيران المشتعلة السماء بعروق سوداء سرطانية.

أخي “تيران” هناك وسط تلك الأكوام، ملثم الوجه كبقيتهم، يحدق بعينين نصف مغمضتين في اللهب مقابل قسيمة واحدة في الساعة. في المنجم، لم يكن يتمنى سوى أن يصبح غطاس جحيم؛ فقد كان ذلك أقصى ما يتمناه أيٌّ منا. اعتدتُ التسلل إلى الطابق السفلي في جوف الليل لأرتدي حذاء العمل الخاص بأبي وخوذته، وأجلس إلى طاولة العشاء حاشرةً الشوك والملاعق بين أصابعي، متظاهرةً بأنني أشغّل المخلب الحفار.

لكن أبي سقط بعد ذلك في عش لأفاعي الحفر وفقد ساقيه. وبعد وقت قصير، ماتت أمي، ومات معها ما تبقى من روح أبي. كنتُ أظن عالمي ذاك أبدياً لا يتغير؛ أن رجال العشيرة ونساءها سيظلون دوماً يحنون رؤوسهم احتراماً لأبي، وأن أمي ستظل دائماً هناك لتوقظني وتعطيني جرعة من الشراب الحلو قبل المدرسة. غير أن تلك الحياة قد ولت إلى غير رجعة. ففي كل يوم يُستدرج المزيد من عمال المناجم إلى السطح بوعود الحرية؛ وفي أعقاب خروجهم، تشتري الشركات الكبرى القادمة من المدن الكبرى تلك المناجم، وتشغّل فيها رجالاً آليين موسومين بشعار الكعب الفضي. تماماً كما حدث لمنجمنا. يقولون إننا سنحصل على حصة من العوائد حالما يحقق المنجم أرباحاً، لكننا لم نرَ حتى يومنا هذا ولو قسيمة بنصف اعتماد مالي.

يرتفع ضجيج أجش من مخيم الاستيعاب رقم 121 لحظة دخولي من بواباته المفتوحة. إنه بلدة غارقة في الوحل، مشيدة من البلاستيك والصفيح وروث الكلاب؛ يكتظ فيها خمسون ألفاً منا الآن في مكان صُمم ليتسع لعشرين ألفاً فحسب، مع توافد المزيد كل يوم. تحوم أسراب كئيبة من البعوض على ارتفاع منخفض فوق الشوارع الموحلة كالحساء، باحثةً عن لحم تمتص دمه. لقد رحل جميع الفتيان الذين بلغوا السن القانونية للالتحاق بالفيالق الحرة إلى الحرب؛ أما الفتيان والفتيات الذين تخلفوا في المخيم فيعملون في أحقر المهن مقابل قسائم طعام كي لا يموت المسنون جوعاً. لم يعد أي طفل يحلم بأن يصبح غطاس جحيم بعد الآن؛ ففي هذا العالم الجديد، لم يبقَ هناك أي غطاسي جحيم.

…..

شبّه الكاتب أكوام القمامة بأسنمة الجمال، أي الحدبات المرتفعة، للدلالة على ضخامة هذه الأكوام وتراكمها.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

انتفاضة الحُمر

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.