تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل165

المخيم 121

المشاهدات نشر في تاريخ أكتوبر 31, 2026
Crazyy
ترجمة ورفع الفصل Crazyy
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

من منظور ليريا

الفصل 5: المخيم 121

أصل إلى كوخ عائلتي مستعينةً بالألواح المعدنية والخشبية التي تقوم مقام الطرقات وسط الوحل. أنسلّ من تحت شبكة الناموس في اللحظة ذاتها التي يشق فيها الرعد كبد السماء فوق رأسي، فينهمر المطر غزيراً، يقرع الأسقف البلاستيكية الرقيقة على امتداد الزقاق الضيق. وفي داخل الكوخ الجاف، تستقبلني رائحة اليخنة الزكية الكثيفة. أضع السلة أرضاً عند المدخل. تبلغ مساحة منزلنا خمسة أمتار في سبعة، وهو مشيد من البلاستيك المقوى الموسوم بنجمة الجمهورية وكعب صغير مجنح عند موضع التقاء البلاستيك بالأرض. وينقسم الكوخ إلى غرفتين صغيرتين تفصل بينهما قواطع بلاستيكية معتمة تتدلى من السقف؛ المطبخ وغرفة المعيشة في المقدمة، والأسرّة الطابقية في الخلف. أجد أختي آفا منحنيةً فوق موقد شمسي صغير تقلّب قدراً، فتلقي نظرةً خاطفةً نحوي وأنا أقف هناك ألهث.

“إما أنكِ تزدادين سرعةً، أو أن الغيوم تزداد بطئاً”.

أفرك موضع النغزة في خاصرتي وأجلس إلى طاولة العشاء البلاستيكية الصغيرة قائلة: “قليل من هذا وذاك على الأرجح. ألا يزال تيران يحرق القمامة؟”

“هو كذلك”.

“سيبتلّ الفتى المسكين حتى النخاع. بحق الجحيم، الرائحة هنا زكية ولطيفة”. وأستنشق عبير اليخنة بعمق.

تشرق أسارير آفا وتقول: “لقد وجد فصّ صغير من الثوم طريقه إلى القدر”.

“ثوم؟ وكيف تسلل هذا عبر عشيرة لامدا؟ أكفّوا عن احتكار الشحنات الجديدة؟”

تعود إلى تقليب القدر قائلة: “لا. بل أعطاني إياه أحد الجنود”.

“أعطاكِ إياه؟ هكذا من فيض كرم قلبه النبيل؟”

“وهذا ليس كل شيء”. وترفع طرف تنورتها لتستعرض فردتي حذاء بلون أزرق زاهٍ؛ لم يكونا من القباقيب الحكومية المعتادة، بل حذاءً حقيقياً من الجلد والمطاط الفاخر.

أسألها مذهولة: “بحق الجحيم! وما الذي أعطيتِه إياه في المقابل؟”

تغضّن آفا أنفها استنكاراً لهذا الاتهام: “لا شيء!”

“الرجال لا يهبون الهدايا بلا مقابل”.

تعقد ذراعيها أمام صدرها وتقول: “أنا امرأة متزوجة”.

أقول بنبرة لاذعة: “معذرة. لقد نسيت”. إن زوجها، فارون، من خيرة الرجال الذين عرفتهم في حياتي، ولكنه أكثرهم غياباً أيضاً. فقد تطوع هو وشقيقانا الأكبران، أينغوس وداغان، في الفيالق الحرة فور دخولنا المخيم. وكان آخر عهدنا بهم اتصالاً عبر منصة اتصالات تابعة للفيلق على فوبوس؛ يومها تلاحم الثلاثة معاً ليتسع لهم إطار الشاشة، وقالوا إنهم يبحرون مع الأسطول الأبيض صوب عطارد. يخيّل إليّ أنني كنتُ بالأمس فقط أتبع أينغوس عبر فتحات التهوية في لاغالوس بحثاً عن الفطر ليملأ به جهاز التقطير الخاص به.

أسألها: “أين الأولاد؟”

“ليام في المستوصف”.

تخترقني وخزة من الشفقة: “مجدداً؟”

تقول: “التهاب آخر في الأذن. أيمكنكِ زيارته في الصباح؟ تعلمين كم…”

أقاطعها قائلة: “بالطبع”. ليام، ثاني أصغر أبنائها، تجاوز السادسة للتو وهو كفيف منذ ولادته. لطالما كان المفضل لدي؛ ذلك الصغير العذب. “سأحضر له ما تبقى من الحلوى إن لم يلتهمها الجرذان الآخرون”.

“أنتِ تدللينه أكثر مما ينبغي”.

“بعض الصغار يستحقون التدليل”.

أجد ابنة أختي، إيلا، في عربتها بجوار الطاولة، تلهو بلعبة معلقة فوقها صُنعت من إحدى ألعاب إخوتها المكسورة. أداعب أنفها قائلة: “كيف حال زهرة الهيمانثوس الصغيرة خاصتي في هذه الأمسية العاصفة المروعة؟” فتنفجر ضاحكةً وتمسك بإصبعي، ثم تحاول قضمه. “يا لها من فتاة صغيرة”.

“سأطعمها بعد العشاء. ألديكِ أي مانع في تفقد حفاض أبي؟”

يجلس أبي على مقعده محدقاً في مكعب العرض المجسم الذي سرقته من أحد أفراد عشيرة لامدا كان ثملاً إلى حدّ أذهله عن حراسة خيمته. عينا أبي غائمتان بلون اللؤلؤ وبعيدتان، تعكسان تشويش القناة الميتة الذي يتلوى على الشاشة.

أقول له: “دعني أساعدك في هذا يا أبي”. وأغير القناة حتى تظهر صورة دراجة جاذبية تنطلق كالسهم فوق صحراء عطاردية، حيث يطارد رجال أشرار البطل الأزرق الظريف، الذي يشبه إلى حد كبير كولواي زي شار.

أسأله بينما يزمجر الرعد في الخارج: “أهذا جيد؟”

لا يجيب، ولا ينظر إليّ حتى؛ فأبتلع مرارة الاستياء في حلقي وأحاول أن أتذكره كما كان: الرجل الذي اعتاد اصطحابنا إلى أعماق المناجم، حيث كانت يداه الخشنتان تشعلان موقد الغاز، ويهمس لنا بصوته الأجش بقصص الأشباح عن “غولباك زاحف الظلام” أو “العجوز ذي القدمين المتثاقلتين”. يومها كانت ألسنة اللهب تشق الهواء، فينفجر هو بضحكة مجلجلة مرحة عند رؤية وجوهنا المرتعبة.

أما الآن، فلا أكاد أعرف هذا الرجل… هذا المخلوق الذي يرتدي جلد أبي؛ فهو لا يفعل شيئاً سوى الأكل والتغوط والجلوس هناك لمشاهدة مكعب العرض المجسم. ومع ذلك، أدفع الغضب عن صدري شاعرةً بالذنب تجاهه، وأطبع قبلة على جبينه، ثم أدسّ بطانيته قليلاً تحت ذقنه الملتحي، وأحمد الوادي لأن حفاضه نظيف.

تسمع قرقعة عند الباب إذ يندفع أبناء أختي الصغار إلى داخل المنزل، غارقين في الوحل والمطر. ويتبعهم شقيقنا المتبقي، تيران، تفوح منه رائحة الدخان المنبعثة من أكوام الحرق. إنه الأطول قامةً في العائلة، غير أنه نحيل إلى حدّ مفزع. وفي معظم الليالي، يبدو كحشيشة ملتوية وهو ينحني فوق الدفاتر الصغيرة التي يكتبها للأطفال، يملؤها بحكايات عن القلاع والوديان والفرسان الطائرين. ينفض شعره المبلل نحونا ويحاول معانقة آفا، فتستعرض أختي حذاءها الجديد أمام صغارها الغيورين بتواضع مصطنع. ويتجادل الأولاد حول الاسم الذي ينبغي إطلاقه على إحدى درجات اللون الأزرق الزاهي على لساني الحذاء بينما أصفّ أنا الأطباق على المائدة.

يستقر قرارهم قائلين: “أزرق سماوي! تماماً مثل وشوم كولواي زي شار”.

يسخر تيران مقلداً إياهم: “كولواي زي شار. كولواي زي شار”.

يقول كون باستنكار: “إن المشعوذ هو أفضل طيار في العوالم قاطبة”.

يهزأ تيران قائلاً: “بل أراهن على الحاصد في بذلة القتال الفضائية المتطورة ضد شار في ذوات الأجنحة الخاطفة في أي يوم”.

يضع كون يديه على خاصرتيه ويقول: “أنت غبي. سيفجره المشعوذ ويحوله إلى أشلاء دامية”.

تتدخل أختي قائلة: “حسناً، إنهما صديقان، لذا لن يفجر أحدهما الآخر أو يحوله إلى أي شيء. فهما مشغولان للغاية بحماية أبيكم وأعمامكم، أليس كذلك؟”

يسأل كون: “أتظنين أن أبي قد التقى بهما؟ بشار والحاصد؟”

ويضيف بارلو وهو يخبط بيديه مقلداً حركات الأوبسديان المهيبة: “وأريس؟ أو وولفغار ذي السن البيضاء؟ أو الراقص من عشيرة فاران! أو ثراكسا أو…”

“أجل، لا بد أنهم أعزّ الأصدقاء. والآن كلوا طعامكم”.

نتناول العشاء متحلقين حول الطاولة البلاستيكية بينما يقرع المطر السقف كالطبول. بالكاد يتسع المكان للأوعية والمرافق، لكننا نتراصّ حول الحساء الخفيف ونواصل الثرثرة حول مزايا ذوات الأجنحة الخاطفة مقارنة ببذلات القتال الفضائية المتطورة داخل الغلاف الجوي. وتبتسم أختي حين يقول الأولاد إن طعم الحساء أطيب اليوم.

وبعد العشاء، نجتمع حول أبي لمشاهدة أحد برامجه. أكسر نصف لوح شوكولاتة “كوزموس” إلى سبع قطع لنتقاسمها؛ فأدسّ حصتي في جيبي من أجل ليام، وأبتسم حين أرى تيران يعطي حصته لآفا. لا عجب أنه بهذا النحول. البرنامج عبارة عن نشرة إخبارية، يقدمه مذيع من البنفسجيين يذكرني قليلاً بطيور “الهيليون” — وهي طيور استوائية تقتات على قمامتنا — إذ يعلو رأسه شعر أبيض كثيف مذهل، وله فك صلب يمكنك أن تنحت به الغرانيت، غير أن يديه ناعمتان رقيقتان بشكل مثير للشفقة قياساً برجل.

يتحدث هذا الرجل المهم للغاية في تقريره عن احتفال انتصار الحاصد في مدينة هايبريون. يتغامز أبناء أختي بالمرافق حين يفترض المذيع أن الزحف القادم سيكون باتجاه كوكب الزهرة للقضاء على سيد الرماد وابنته، “الغاضبة الأخيرة”، قضاءً تاما إلى الأبد. تراقب أختي بصمت وهي تمسد حذاءها الجديد؛ فحتى هذه اللحظة، لم ترد أسماء شقيقينا ولا زوجها في شريط أسماء الضحايا الذي ينساب أسفل العرض المجسم.

يميل تيران بجسده نحو ذلك العالم البعيد؛ فلطالما كان أرقّ أفراد عائلتنا قلباً، وأكثرهم تلهفاً لإثبات ذاته. عما قريب سيحين دوره؛ إذ سيبلغ السادسة عشرة بعد بضعة أشهر فحسب، وعندها سيترك هذا الوحل كله وراءه لينطلق نحو النجوم. لا أتمالك نفسي عن الشعور بالاستياء منه منذ الآن؛ فما كان ينبغي لأيٍّ منهم أن يترك عائلته.

لا يرى الصغار اليأس الصامت في عيني أختي، بينما تتراقص صور مكعب العرض المجسم في عيونهم الحمراء؛ الألوان الزاهية، والمشهد المهيب لاحتفال الانتصار على لونا، ومجد أعظم أبناء الحمر وهو يقف إلى جوار زوجته الذهبية — السيدة الحاكمة التي وعدتنا بالكثير — رافعاً قبضته المضمومة في الهواء وهم يعوون. يظن الصغار أن بمقدورهم الصعود والارتقاء كما فعل الحاصد؛ إنهم أصغر من أن يدركوا أن حياتنا البائسة هي الكذبة المتوارية خلف تلك الأضواء البراقة.

يهتف الحشد: “الحاصد! الحاصد!”

ينضم أبناء أختي الصغار إلى الهتاف، بينما أمدّ يدي لأمسك بيد أختي، محدقةً بغضب في مكعب العرض المجسم، مستذكرةً الوعود التي لم تتحقق، ومتسائلةً في نفسي عما إذا كنتُ الوحيدة التي تشتاق إلى المناجم.

أستيقظ في جوف الليل على هدير بعيد. الغرفة ساكنة، والعرق يبلل ساقيّ. أعتدل جالسةً في فراشي وأرهف السمع؛ ثمة جلبة في الأفق، وشخير محركات بعيدة، فيما يطنّ البعوض خارج الناموسية الملتفة حول أسرتنا الطابقية. يهمس كون من جانبي: “عمتي ليريا، ما هذه الضجة؟”

“صه يا حبيبي”. أجهد سمعي، فيتلاشى صوت المحركات. أدلي ساقيّ من حافة سريري؛ يتهادى تنفس أبي الهادئ من الأسفل، فهو ما يزال نائماً. أما سرير أختي ففارغ، وكذلك فراش تيران الأرضي.

أنسلّ من خلف الناموسية وأغادر سريري مرتديةً سروالاً قصيراً وقميصاً قطنياً رطباً من شدة الرطوبة. يسألني كون: “إلى أين تذهبين؟ عمتي ليريا…” فأحكم إغلاق الناموسية خلفي بالشريط اللاصق.

أقول له: “سألقي نظرةً خاطفةً فحسب يا حبيبي. عد إلى النوم”. أنتعل صندلي وأغادر الغرفة، فأجد أختي مستيقظةً بالفعل، تقف قرب الباب وتراقب بتوتر تيران وهو ينتعل حذاءه الطويل. أسألهما بصوت خفيض: “ما الخطب؟ ظننت أنني سمعت صوت سفينة”.

يقول تيران: “لعله مجرد طيار أحمق فارغ الرأس من الجمهورية الشمسية يحلق على ارتفاع منخفض فوق المخيم”.

أردّ بحدة: “مستحيل بحق الجحيم. لم تهبط لدينا سفينة إمداد واحدة منذ شهر”.

يفحّ هامساً: “اخفضي صوتكِ، وإلا سمعكِ الصغار”.

“حسناً، لو لم تكن غبياً هكذا، لما اضطررتُ للصراخ”.

تقول آفا والقلق يرتسم على محياها: “كفّا عن ذلك أنتما الاثنان. ماذا لو كانت اليد الحمراء؟”

يزيح تيران خصلات شعره المتشابكة عن عينيه قائلاً: “لا تعقدي بدلتكِ الحارقة هلعاً. إن اليد الحمراء تبعد مئات الكيلومترات إلى الجنوب، ولن تسمح الجمهورية لأحد باختراق مجالنا الجوي”.

أتمتم ساخرة: “وكأن هذا يعني شيئاً يُذكر”.

يردّ بنبرة متعالية وكأنه بريتور: “إنهم يملكون السماء”.

أقول مستذكرةً التفجيرات التي ضربت آجيا: “إنهم لا يملكون حتى مدنهم ذاتها”.

يتنهد قائلاً: “سأذهب لإلقاء نظرة. انتبها أنتما للمنزل”.

أضحك ساخرة: “ننتبه للمنزل؟ كفّ عن التصرف كيرقة حمقاء. أنا قادمة معك”.

يردّ تيران: “كلا، لن تأتي”.

“أنا لا أقل عنك سرعة”.

يقول، فأنخر ساخرةً من كلامه: “ليس هذا هو المقصود بحق الجحيم. أنا رجل البيت هنا. أتذكرين ما حلّ بفانا، ابنة تورون؟ لا ينبغي للفتيات التجول في المجمّع ليلاً، ولا سيما نحن”. إنه يقصد عشيرة غاما، وهو محق في ذلك. فقد عرفتُ فانا منذ طفولتي؛ وحين عثروا عليها، كانت مجرد لحم ممزق وقد قُطعت يداها، فدفناها عند خط أشجار الأدغال جنوب المخيم. ويردف قائلاً: “وفضلاً عن ذلك، إن كنتُ مخطئاً، فيجب أن تكوني هنا لمساعدة آفا والصغار. سأذهب لإلقاء نظرة وأعود كلمح البصر. أعدكِ”. ثم يغادر دون أن ينبس بكلمة أخرى، وتغلق آفا الباب خلفه. تفرك يديها بقلق وتجلس إلى طاولة المطبخ، فأجلس معها وأنا أنكش الخدوش الغائرة على سطح الطاولة البلاستيكي بغيظ. قال رجل البيت قال!

أنهض واقفةً وأقول: “تبا لهذا الأمر. سأذهب لإلقاء نظرة”.

“لقد ذهب تيران بالفعل!”

“أرجوكِ، إنه لم يبلغ الحلم بالكاد. سأعود في طرفة عين”. وأتجه صوب الباب.

“ليريا…”

“ماذا؟”

تتناول مقلاتنا الوحيدة من المطبخ وتقول: “خذي هذه معكِ على الأقل”.

“تحسباً لعثوري على بعض البيض؟ حسناً، حسناً”. آخذ المقلاة منها وأقول: “ربما يجدر بكِ تجهيز بعض الماء والطعام تحسباً لأي طارئ”. تومئ برأسها فأتركها خلفي وأمضي.

الليل كئيب ورطب كهواء يخرج من فم مدخن. وحين أخرج من مجمّع غاما إلى المخيم الرئيسي، ينساب خيط من العرق أسفل ظهري. المكان يلفه السكون إلا من فحيح الحشرات، وتراقبني سحلية غابون ذابلة من فوق سطح أحد مساكن اللاجئين وهي تمضغ عثة ليلية. تتوهج الأضواء من الطرف البعيد للمخيم حيث تقع منصات الهبوط، وتبرق العيون من المداخل البلاستيكية أثناء مروري، مختلسةً النظر من خلف الناموسيات، بينما تخلو الشوارع تماماً من المارة. ينتابني خوف لم أعرفه قط في المناجم، وأشعر الآن بضآلة تفوق ما شعرت به في كوخنا.

تتعالى أصوات رجال يتجادلون أمامي، فأزحف بحذر إلى الأمام حتى أجثو خلف كومة من حاويات الشحن المهملة. هناك سفينتا نقل صدئتان من طراز “النقل” قد حطتا على المنصات الخرسانية؛ طُليت إحداهما بصورة لوجه عارضة أزياء رشيقة من الورديين تشرب زجاجة من “أمبروزيا” — وهو مشروب كولا حلو بنكهة الفلفل أصاب نصف سكان المخيم بتسوس الأسنان. تبتسم العارضة وتغمز لي بفم يفيض بأسنان بيضاء ناصعة. تسطع أضواء السفينتين في عتمة ما قبل الفجر، راسمةً ظلال مجموعة من رجال مخيمنا الذين استيقظوا وخرجوا لتفقد السفينتين الهابطتين. ألمح أخي بينهم، يتسكع في المؤخرة بارتباك وخجل؛ فينتابني فجأة شعور بالذنب لأنني سخرتُ منه حين قال إنه “رجل البيت”. إنه مجرد صبي؛ فتاي أنا، وأخي الصغير الذي يحاول أن يتصرف كالكبار. يتبادل رجال العشائر الحديث مع مجموعة أخرى من الرجال الذين نزلوا عبر منحدرات السفينتين؛ وهؤلاء الوافدون من الحمر أيضاً، غير أنهم يحملون أسلحةً وأحزمة ذخيرة طويلة متقاطعة فوق صدورهم العارية.

يسأل الوافدون الجدد عن مكان عشيرة غاما، فينشب جدال بين رجال مخيمنا، ثم يشير أحدهم نحو مجمّعنا. يدفعه رجل آخر مستنكراً، لكن سرعان ما يبدأ عدة رجال آخرين بالإشارة، ليس نحو منازلنا فحسب، بل نحو تيران وعدة أفراد آخرين بين مجموعتهم. ويبتعد بقية الرجال متراجعين عن أخي والثلاثة الآخرين من عشيرة غاما. يقول أقصر الرجال القادمين من السفينة شيئاً لم أتبينه، فيندفع أحد أفراد غاما نحوه في اللحظة ذاتها التي يرفع فيها الرجل جسماً طويلاً داكناً من جانبه. يتموج ضوء أخضر حمضي داخل كرة الذخيرة في بندقية البلازما خاصته، ثم ينقضّ من الفوهة على هيئة كرة متموجة تشق الظلام، فتشطر الرجل من منتصفه شطراً نظيفاً، ليتهادى ساقطاً على الأرض كسكير في المجمّع. أتجمد في مكاني، ويفرّ أخي مع الفردين الآخرين من غاما، فيرفع أحد الغرباء بندقيته.

تقعقع المعادن كآلة غزل حرير معطلة.

ينفجر صدر أخي بالدماء، ويمزق المسلحون الآخرون سكون الليل، فتومض أسلحتهم وتنزف ناراً. ينتفض جسد تيران ويتشنج؛ لا يسقط سريعاً، بل يتعثر خطوةً، فخطوتين، ثم يشق الهواءَ دويُّ طلقة أخرى فيهوي متدحرجاً، وقد طار نصف رأسه. تصعد صرخة عويل ملتاعة من أحشائي، ويندفع العالم بأسره من حولي ثم يغرق في صمت مطبق وأنا أحدق في تلك الكتلة المظلمة الملقاة في الوحل.

تيران…

يسير الرجل الأول الذي أطلق النار نحو جثة أخي ويمطرها بنيران سلاح البلازما، ثم يرفع بصره نحوي، فتضيء النار الخضراء الحمضية وجهاً كوجه شيطان. لم يكن رجلاً؛ بل امرأة من الحمر تغطي ندوب مروعة نصف وجهها.

تصيح المرأة بصوتها الموصول بمكبرات الصوت في كلتا السفينتين خلفها، فيدوي خوارها في أرجاء الليل: “العدالة لغاما! الموت للمتعاونين الخونة! العدالة لغاما!”.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

انتفاضة الحُمر

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.