– الجبال الشمالية (3) –
“من أين يمكن جني المال في هذه المنطقة؟ عدد السكان قليل، وحتى لو حاولوا فرض الضرائب على شيء ما، فلا بد أن أراضي أسرة الدوق الخاصة كلها تقريبًا أراضٍ جبلية، أليس كذلك؟”
“أنت لا ترى إلا جانبًا واحدًا من الأمور، وتغفل الجانب الآخر. صحيح أن عدد السكان قليل، لكن الجبال المتراصة هنا تعج بالمعادن النفيسة، أليس كذلك؟ ومع ذلك، يصعب على الغرباء التنقيب عنها خلسة، لأن الوحوش البرية شرسة، والتضاريس وعرة.”
“هذا صحيح، فباستثناء خط السكك الحديدية والطريق المتعرج، كان كل ما رأيناه عند دخولنا جبالًا شاهقة.”
“يمكنك أن تسب الملك أمام سكان هذا الإقليم، لكن إن سببت دوق تريستين، فسوف يدفنونك في الليل. لم تكن هناك صناعة هنا، ولذلك لم يبع الحاكم أراضيه أيضًا، أليس كذلك؟ ونتيجة لذلك، وعلى خلاف الأقاليم الأخرى، لا تزال معظم أراضي هذا الإقليم ملكًا خاصًا للدوق حتى الآن، لكنه فتحها لسكان الإقليم منذ أجيال دون فرض أي شروط، ولهذا يحظى باحترام هائل بينهم.”
منذ عهد ليونيد الأول، أصبحت جميع الأراضي في ألبيون ملكًا للملك وأتباعه من النبلاء. ومع مرور الزمن، انقطعت سلالات بعض الأسر، فعادت أراضيها إلى الملكية، بينما باع بعض الحكام أراضيهم لرجال الأعمال وأصحاب المزارع، فنشأت الملكيات الخاصة.
‘لكن هذا المكان لا يزال يحتفظ بالتقسيمات نفسها التي كانت قائمة قبل ألف عام. ومع ذلك، يتبع الحاكم سياسة متساهلة مع سكان إقليمه.’
نظر كليو إلى الطعام الموجود على طبقه بعينين مختلفتين هذه المرة.
كانت كرات لحم الضأن، التي أُضيف إليها البصل المفروم والمحمّر حتى اكتسبت نكهة غنية، مغطاة بالكمون وبذور الكراوية، أما لحم البقر المشوي في الفرن الحجري، فقد غُطي بكمية وفيرة من مسحوق البابريكا المدخنة والبهار الحلو.
كانت طرق الطهي بسيطة وسخية، لكن الأطباق لم تبخل بالتوابل الباهظة الثمن.
“الآن فهمت. لقد استغربت أن كل طبق يحتوي على كميات سخية من التوابل القادمة من قارة ميريديس، رغم أن هذا مجرد حانة متواضعة تابعة لنُزل في بلدة صغيرة.”
“ها أنت ذا، يبدو أنك شخص سريع البديهة. هذا صحيح. في الوقت الحالي، لا تستطيع دخول ميناء جيكابر سوى كاسحات الجليد، لكن ابتداءً من الربيع، ستبدأ السفن التجارية بالوصول تباعًا. ويمكن القول إن العالم قد انقلب رأسًا على عقب قبل خمسة وعشرين عامًا، عندما بدأت شركة آسيل التجارية تسيير سفن شحن مباشرة من جيكابر إلى كولفوس، وصولًا إلى ميناء نوتوس في قارة ميريديس.”
‘شركة آسيل التجارية هنا أيضًا. ها، لا شك أنهم مثيرون للإعجاب.’
بدا وكأنه لا يوجد مكان واحد في العالم المعروف لم تصل إليه يد غيديون آسيل.
أبدت سيل إعجابها الشديد.
“يا للروعة! يا إلهي، لقد كان والدك رجلًا عظيمًا حقًا.”
كاد ميتس يسقط عن كرسيه من شدة الدهشة، ثم أخذ يتفحص كليو من رأسه إلى أخمص قدميه.
“ماذا؟! هل أنت الابن الشاب لشركة آسيل التجارية؟ حسبما سمعت، كان عمرك أكبر من ذلك.”
“أنا الابن الثاني.”
شعر كليو بالارتباك عندما تحول محور الحديث إليه فجأة. وفي هذا الوضع، خشي أن يصاب بعسر الهضم إن أجبر نفسه على تناول المزيد، فوضع شوكته جانبًا.
“إذًا، لدى عائلة آسيل ابن ثانٍ أيضًا. هل قفزتَ الصفوف الدراسية مثل هاتين التوأمتين؟”
“لا. أنا في نفس عمر آرثر.”
“يا إلهي! ومع ذلك، تأكل بهذه الكميات الضئيلة حتى أصبحت نحيلًا إلى هذا الحد. ألا يناسب الطعام ذوقك؟”
نقر ميتس بلسانه وهو ينظر إلى الطعام الذي برد تمامًا على طبق كليو دون أن يمسه.
كان هذا المدعو ميتس يبدي اهتمامًا مفرطًا برفاهية الأطفال.
ولأن كليو لم يكن يستطيع القول إنه في الحقيقة لا ينتمي إلى هذه فئة، لكنه لم يستطع قول ذلك.
“لا. أنه لذيذ.”
وبالطبع، كان الطعام لذيذًا.
لكن المشكلة كانت في برودة الطقس، وفي شعوره بالغثيان بعد رحلة القطار الطويلة. ففي ذلك اليوم، بدا له كل اللحم الدهني جافًا وثقيلًا.
وعلى الرغم من أن كليو كان راضيًا عمومًا عن مجيئه إلى عالم آخر، فإنه كان يشعر بحزن بسيط في مثل هذه اللحظات.
‘آه، أتمنى لو أستطيع تناول حساء حار وساخن… مثل حساء دم البقر المتخثر أو حساء الأمعاء المحشوة بالأرز.’
في أعماق الجبال الشمالية، حيث تعصف عاصفة ثلجية هائجة، كان من الطبيعي أن يرغب المرء في تدفئة معدته بمرق أحمر قانٍ وساخن في مثل هذا الطقس.
لم يكن الأمر أنه جاء إلى هذا العالم الآخر ليبحث عن الكيمتشي، لكنه كان يرغب في تناول السونداي حتى لو لم يتمكن من أكل الكيمتشي.
لكن من المستحيل أن يوجد شيء كهذا هنا.
“إذًا، تناول المزيد! لقد تركت كل هذا الطعام، يا إلهي. عليك أن تأكل جيدًا كي تنمو!”
“لعل الطقس البارد هو ما يجعلني أشتاق إلى الأطباق التي تحتوي على المرق.”
ما إن سمع ميتس صوت كليو الخافت حتى نهض فجأة، ثم نادى صاحب الحانة بصوت عالٍ.
“يا إلهي! يا صاحب الحانة! لماذا تأخر الحساء أكثر من اللازم؟ هل ستضطر إلى ذبح بقرة أو خنزير لتعدّه؟!”
اندفع رجل قصير وممتلئ، احمرّت وجنتاه من وقوفه أمام الفرن الحجري، إلى جانب المنضدة، وصاح بصوت لا يقل ارتفاعًا عن صوت ميتس.
“ك-كيف عرفت ذلك؟! لقد ذبحت بقرة بالفعل مساء أمس. لا تعرف كم نقانق الدم طازجة ولذيذة! إذا تذوقتها، فستجد نفسك تعود إلى هنا مرة أخرى لأنك لن تنساها!”
“كفاك مبالغة يا صاحب الحانة. حسنًا! دعني أتذوقها وأحكم بنفسي، وأحضرها بسرعة!”
“يا لهذا الرجل، إنه لا يكف عن الإلحاح! لقد نضجت، تفضل! يا رفاق ،أخرجوا القدرين!”
طَخّ!
طَانغ!
كان الحساء ذو الزيت الأحمر القاني يغلي بشدة داخل قدرين من الحديد الزهر الأسود، وكانت نقانق الدم الداكنة تطفو في المرق وتغلي معه.
استنشق كليو الهواء بعمق، وهو يشم الرائحة.
‘هذا!!!’
انتشرت رائحة مذهلة في أرجاء الحانة. أمسكت ليبي وليتيشيا بالمغرفتين واندفعتا نحو القدرين.
“رائحته رائعة.”
“إنه حقًا مذاق جديد تمامًا.”
“واو، إنه حار جدًا. لكنه لذيذ.”
أخذت سيل ملعقة بسرعة، ثم غرفَت لإيسييل الحساء الذي يحتوي على نقانق الدم فقط، وأبعدت عنها الحساء الأحمر القاني.
“إيسييل، لا يمكنك تناول الحساء الأحمر الموجود هنا. فأنت لا تتحملين الطعام الحار.”
“شكرًا لإخباري.”
عندما تسلّم ‘جونغ جين’ وعاءه مع الآخرين، وتناول أول ملعقة من الحساء الأحمر، بدا وكأن خمسين مصباحًا من مصابيح LED قد أضاءت دفعة واحدة داخل رأسه.
‘كما توقعت!!!’
كان هذا المذاق قريبًا من حساء الكيمتشي بنسبة تصل إلى 85%.
وبينما كان كليو يأكل الحساء وكأنه على وشك غمس رأسه داخل الوعاء، رفع الطاهي، الذي كان يرتدي مئزرًا مجعدًا، كتفيه بفخر.
“أيها الطالب، أليس لذيذًا؟ إنه حساء نعدّه بقلي لحم الخنزير المملح مع الملفوف المخمّر الحامض ودهن الخنزير، ثم نضيف إليه كمية كبيرة من الفلفل الحار ونتركه يغلي. إنه الطبق المميز في حانتنا. إذا تناولت وعاءً منه، فستشعر بالدفء يسري في جسدك كله.”
“هذا صحيح. إنه لذيذ حقًا.”
“إذا أعجبك حساء لحم الخنزير، فستجد أيضًا أن حساء نقانق الدم هنا من ألذ الأطباق في العالم. أسرع وتذوقه.”
لم يكن من الممكن تصديق أن كليو هو الشخص نفسه الذي كان بالكاد يتناول الطعام قبل لحظات، إذ أفرغ وعاء حساء لحم الخنزير في لمح البصر.
وكان الشعير قد وُضع في قاع الحساء أيضًا، مما أتاح له الاستمتاع بذلك المذاق المألوف، وكأنه يسكب الحساء الحار فوق الأرز ويأكله معه.
“كما قلت، فإن الحساء الذي يحتوي على نقانق الدم رائع للغاية أيضًا.”
“ذلك الحساء يُحضّر بغلي العظام وقطع اللحم، ثم إضافة الأعشاب حتى نحصل على مرق صافٍ تماما. نتركه يغلي جيدًا، ثم نضيف الثوم والنقانق، وننهيه بزيت الفلفل الحار ومعجون الفلفل المفروم. ألا تشعر وكأن كل ما في معدتك قد انفرج وارتاح؟”
أومأ كليو برأسه بقوة وهو يمسك بالملعقة.
“إنه مذاق يثير الإعجاب حقًا.”
“هااا… من كان يظن أن شخصًا يبدو بهذه الرقة والتهذيب يعرف كيف يقدّر الطعام! هل تشرب الكحول أيضًا؟”
عندما أبدى ميتس اهتمامًا بكليو، سارع آرثر، الذي كان يلتهم الحساء بنهم، إلى التدخل.
“أستاذي، راي يتحمل الكحول جيدًا. وربما يتحمله أفضل مني. إنه يشرب كميات هائلة، ولم أره ثملًا ولو مرة واحدة.”
“حقًا؟!”
تفحّص ميتس كتفي كليو النحيلين ومعصميه الرفيعين بوضوح، وبدا عليه أنه لا يستطيع تصديق ذلك.
“ليس إلى هذا الحد، لكنني لست جاهلًا تمامًا بمذاق النبيذ.”
“يا للعجب، هذا ليس ردّ شخص عادي يشرب النبيذ.”
كان من عادة السكير أن يتعرّف إلى السكير مثله.
وقد اكتشف كليو، من دون قصد، سبب تحوّل آرثر إلى مدمن على النبيذ في مثل ذلك العمر.
‘يقول إنه أستاذه، لكن يبدو أنه لم يعلّمه المبارزة بالسيف فحسب.’
“يا صاحب الحانة! هل لديكم هنا أيضًا ذلك الشراب الصافي الذي لا يُصنع إلا في هذه المنطقة، أليس كذلك!”
“لقد أمرنا نائب قائد الفرقة فرسان بألّا نبيع المشروبات القوية في الوقت الحالي، بسبب ظهور الوحوش السحرية.”
“آه، لليوم فقط. هل تظن أنني لم أعمل بالسيف إلا يومًا أو يومين؟ من سيموت بسبب شرب النبيذ سيموت حتى لو لم يشربه. لا تتملّص، وأحضر بعضًا منه إلى هنا.”
أخرج ميتس عملة ذهبية من أوروم تبلغ قيمتها 100 دينار من جيب ردائه، ثم دسّها بخفة في الجيب الأمامي للرجل، صاحب الحانة والطاهي.
كانت العملات الذهبية من أوروم ذات نفوذ كبير.
وبعد وقت قصير، ظهرت زجاجة كبيرة تحتوي على شراب مقطّر صافٍ وشفاف، موضوعة داخل دلو مملوء بالثلج. ثم أُحضرت أكواب صغيرة.
.
.
.
“أجل، جيد. اشربوا حتى آخر قطرة! ياااه~، أنت حقًا صديق آرثر خاصتنا. تبدو وكأنك لا تستطيع شرب قطرة واحدة من النبيذ، لكنك لست شخصًا عاديًا!”
“هذا الشراب المقطّر صافٍ ونقيّ المذاق حقًا، كما أن مروره عبر الحلق سلس مقارنةً بنسبة الكحول فيه.”
أفرغ كليو الكأس الزجاجية الصغيرة تمامًا، ثم غرف بملعقته التي أمسكها بيده اليسرى قليلًا من مرق حساء لحم الخنزير الساخن وتناوله.
‘آه، هذا هو المذاق الذي أعرفه.’
كان كليو سعيدًا للغاية، وقد نسي كل مشقة ذلك اليوم. حساء نقانق الدم وحساء الكيمتشي، اللذان صادفهما وكأنهما مكافأة إضافية، بمذاق يعيد إنتاج الأصل بنسبة 85%. ومع إرفاقهما بشراب يشبه الفودكا، انطلقت منه تلقائيًا صيحة إعجاب.
‘في الواقع، كان السوجو حلوًا أكثر من اللازم، لذلك لم أكن أختار كثيرًا الجمع بين الحساء والسوجو… لكنني حين أتناوله مجددًا بعد كل هذا الوقت، أدرك أن مذاقه يهزّ الروح.’
هل يوجد شيء اسمه طعام الروح حقًا؟ بالنسبة إلى الكوريين، كان الحساء الأحمر الحار والشراب المقطّر الصافي هما طعام الروح.
“صحيح. إن ‘الينابيع الثلاثة’ هنا في إقطاعية تريستين هو أفضل أنواع المشروبات المقطّرة، الأفضل على الإطلاق. وبما أن البطاطا هي الشيء الوحيد الذي يُزرع في هذه الإقطاعية، فهي المادة الخام المستخدمة فيه أيضًا، لكنهم يصنعونه بمزجه بمياه جوفية صافية أكثر من الثلج!”
“إذًا، لم يكن هذا المذاق من فراغ. شكرًا لك على تعريفي بهذا الشراب الجيد.”
“هاااه، لقد تعرّفت فورًا إلى مذاق حساء لحم الخنزير، وأنت تعرف أيضًا كيف تميّز مذاق النبيذ! أنا حقا أحب ذوقك ، آسيل.”
“يسعدني أنا أيضًا أن تنظر إليّ بهذه النظرة الطيبة، أستاذ ميتس.”
وبينما تحوّل الرجلان اللذان التقيا للمرة الأولى إلى صديقين متفاهمين في جلسة شرب، وكأنهما يعرفان بعضهما منذ عشر سنوات، اصطحبت إيسييل التوأمتين إلى الطابق العلوي، إلى الغرفة.
أما سيل وآرثر، اللذان كانا يتنافسان على الشرب معًا، فقد سكرا وناما، جالسين جنبًا إلى جنب وملتصقين ببعضهما.
لم يكن [التعزيز] بالأثير قدرةً شاملة لكل شيء، لذا بدا أنه لا يستطيع تسريع عملية الأيض أو تحسين وظائف الكبد بصورة هائلة. حتى الفرسان لم يتمكنوا من التخلص من آثار السكر أو من صداع الكحول، ولذلك كانت القدرة على تحمّل النبيذ موهبة فطرية بحتة.
ومن المدهش أن كليو كان أقواهم تحمّلًا للنبيذ. وحدها هذه النقطة لم تتغير حتى بعد تبدّل الاسم والجسد واختلاف العالم، وهو ما جعل ‘جونغ جين’ يبتسم في قرارة نفسه.
‘لقد كنت هنا أكتفي بشرب النبيذ مع بيهيموث، أو أتناول كأسين من الويسكي أو البراندي قبل النوم، لذلك لم تتح لي الفرصة قط للشرب بهذا القدر.’
“كان آسيل يبدو ضعيفًا وكأنه عظمة سمكة تمشي على قدمين، لكنك فاجأتني. من كان يظن أنك تستطيع شرب النبيذ بهذا القدر!”
“لا يمكنك أن تسكر مع الكحول الجيد.”
كان ذلك الشراب، الذي يحمل اسم الينابيع الثلاثة، مشروبًا مقطّرًا تبلغ نسبة الكحول فيه 40 درجة، ويُصنع من البطاطا.
قيل إن العادة تقتضي وضع الزجاجة داخل دلو مملوء بالثلج عند تقديمها، لكن ما إن يذوب الثلج، حتى يمكن جلب المزيد من الثلج من الخارج وملء الدلو به قدر ما يشاؤون.
كلما ازدادت برودته، أصبح قوامه أكثر كثافة وانتعاشًا، وعندما أفرغ الكأس دفعة واحدة، انساب إلى الأسفل بحرارة لاذعة، وكأنه يكشف شكل المريء بوضوح وهو يشق طريقه عبره.
‘قد يختلف الاسم فحسب، لكنه فودكا.’
كان هذا الشراب الشمالي، البارد كالنار، متناغمًا تمامًا مع الأطعمة الدهنية والحارة.
أما الأستاذ ميتس، الذي كان من الواضح أنه أشد إدمانًا على النبيذ من آرثر، فقد تبادل الشرب مع كليو حتى أفرغا زجاجة كاملة ذات سعات لتر ونصف، ومع ذلك ظل وجهه طبيعيًا تمامًا، وواصل رفع كأسه للنخب مع كليو.
‘حتى هذا الرجل الذي يسكب الشراب في جوفه كما لو كان ماءً ليس شخصًا عاديًا.’
وبما أن كلًّا من السكيرين تعرّف إلى الآخر، فقد كانا على وشك اختبار مهاراتهما الداخلية، كلٌّ أمام الآخر، في عالم فنون القتال، حين نهض آرثر فجأة، بعدما كان يسند رأسه إلى الطاولة.
“أووه، هااه!”
“آرثر، ما بك؟”
“آه، أ… أستاذي. آه، يبدو أنني رأيت كابوسًا لأنني نمت في وضعية غير مريحة… هل لم يزل أثر النبيذ بعد؟ أشعر بالحر.”
دفع آرثر سيل، التي لم تعد قادرة على تثبيت رأسها، نحو الحائط برفق، ثم بدأ يفك أزرار قميصه ببطء وتثاقل. كان شحما أذنيه وخدّاه محمرَّين، وبدا أن حرارة جسده ارتفعت بسبب النبيذ.
“يا فتى، لا تخلع ملابسك في مكان كهذا، اخرج وادفن رأسك في الثلج.”
“لا أريد. الجو بارد…”
“تقول إنك تشعر بالبرد، فلماذا تخلع ملابسك إذًا! إن اضطررت، فاستخدم [التعزيز] بالأثير. أنت طالب يستعد ليصبح فارسًا، فلماذا تخاف من الحر والبرد!”
“آه، الأثير، صحيح. كان أثير بيرس كلاغن رماديًا مائلًا إلى البني… أووه، كان يشبه الثلج الذائب في الوحل الذي حفرته عجلات العربة.”
راح آرثر يخلع قميصه، غير مكترث بمحاولات أستاذه منعه، وأخذ يتمتم بكلمات غير مترابطة بعينين زائغتين.
“مهلًا، مهلًا، لا تفقد الوعي هنا، اصعد إلى الطابق العلوي ونَم.”
رغم خشونة كلامه، كان الأستاذ ميتس قلقًا على آرثر، فتقدّم نحو الفتى وهو يتنهد مرارًا. لو كان آرثر في حالته المعتادة، وهو شديد الحذر، لما سمح لأي شخص بالاقتراب منه حتى أثناء نومه، لكن ميتس وحده كان استثناءً، إذ اكتفى آرثر بالتحديق في أستاذه ببلادة.
وبينما كان ميتس ينهض بالفتى، الذي كان طويل القامة قوي البنية، لكن بعض الهشاشة لا تزال عالقة بمفاصله، توقفت حركاته فجأة، ثم سحب قميص آرثر إلى الخلف بعنف.
“…أين أُصبت بهذه الجروح! قاتل؟! أي قاتل تافه يستخدم هالة سيف كهذه؟!”
حين صرخ ميتس، بدا أن رأس آرثر يؤلمه، إذ أخذ يتمايل بجسده يمينًا ويسارًا كدمية تتأرجح. وبسبب ذلك، اختلّ القميص الرقيق الذي لم يكن سوى طبقة واحدة، وانكشف الجزء العلوي من جسد الفتى بالكامل تحت الضوء.
لم تلتئم آثار الضربات السيف المروّعة التي مرّت على ظهره وصدره تمامًا، حتى بسحر الشفاء، فبقيت ندوب حمراء متعرجة، كما لو أن سكينًا ملتهبة قد شقّت جسده.
كانت تلك جروحًا قديمة لا تتناسب مع عمر الفتى، وفوق الآثار السطحية التي حفرتها أوحال البحيرة، امتدت ندوب سيف من المستوى الثامن، ورغم التئامها، ظل مظهرها مروّعًا.
وقد صُدم كليو هو الآخر.
‘هل هذه هي الجروح التي تسبب بها بيرس كلاغن خلال الامتحان النهائي؟ كيف أصبحت بهذا السوء…؟’
عندما واجه بيرس آرثر، لم يكن العالم قد انقلب بعد. وبعد ذلك، غادر آرثر المكان بعد ثلاثة أيام فقط، لذا لم يخطر ببال كليو قط أن جروحه قد بلغت هذا العمق.
وشعر كليو ببعض الندم لأنه لم يلح عليه أكثر، بعدما اكتفى آرثر برفض اقتراحه الضمني بأن يلقي عليه المزيد من سحر الشفاء، حين عرض عليه كليو ذلك بدلًا من زيبيدي المنشغل.
‘هل أكون… مقصرًا في أداء واجبي؟… لا، كان على هذا الوغد أن يخبرني إن كان يعاني، بدلًا من تحمّل كل ذلك بصمت.’
ظل ميتس وكليو يحدّقان في جروح آرثر، وكلٌّ منهما يحمل صدمته الخاصة.
وفي خضم الصمت الثقيل، لم يكن آرثر يفعل سوى التثاؤب، من دون أن يراعي الجو المحيط به، إلى أن بدا أن أثر النبيذ بدأ يزول عنه قليلًا، ففتح عينيه ببطء.
“عجبًا، لماذا ملابسي على هذه الحال؟”
حرّك آرثر يديه ببطء، وأخذ يغلق الأزرار واحدًا تلو الآخر. أمسك ميتس بمعصمه، وسأله بصوت يكاد ينفجر من الغضب الذي يحاول كبحه بصعوبة.
“لم أعلّمك أن تكشف ظهرك للعدو وأنت في وضعية الاستعداد للقتال. من تجرّأ على فعل شيء كهذا بك؟ أجبني، آرثر ريونيان.”
“آه ، كما هو متوقع…أنه الطين”
أجاب آرثر بكلمات لا معنى لها، وكأنه يسخر من جدية ميتس، ثم انهار مجددًا وغاب عن الوعي، بينما كان ذراعه لا يزال ممسوكًا.
“يا فتى!!!”
***
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.