الفصل 771: حرس الشرف
بعد أن اتضح أن نيفيس لن تشرع في موجة من التدمير العنيف، لم تتح لأفراد المجموعة سوى وقت قصير ليقضوه مع صديقتهم، قبل أن يأتي عملاء الحكومة ويقتادوها بعيداً.
بالكاد استطاعت كاسي أن تضغط على يدها، في حين لم يتمكن إيفي وكاي إلا من التعبير عن فرحتهما بالكلمات. ظل ساني صامتًا، ولا يزال منشغلًا بأفكاره المضطربة. وأصبح الركن الذي كان يقف فيه أكثر عتمة مما كان عليه من قبل.
بدت نيف نفسها مشتتة الذهن قليلًا، لذا تحول لقاء شملهم القصير إلى شيء مشوش نوعًا ما.
كانت هناك إجراءات معينة يجب اتباعها عندما يستيقظ المرء، بل وأكثر من ذلك بمجرد أن يصبح صاعدًا. كان لابد من إجراء كل أنواع المقابلات والتقييمات والاختبارات. وكان لابد من تقديم شتى التقارير، ومنح مختلف التصاريح، وتطبيق شتى أصناف الإجراءات.
استفاقت الآلة البيروقراطية لإضفاء الشرعية على سيد جديد ودمجه في الإطار الأكبر للإنسانية.
عرف ساني هذه العملية جيدًا، لأنه خاضها بنفسه. الفارق الوحيد هو أن تجربته الخاصة كانت مقسمة إلى مرحلتين منفصلتين، وجعلتها مشاركة السيدة جيت أكثر سلاسة.
أما نيفيس، من ناحية أخرى، فكان عليها أن تخوض مجموعتي الإجراءات دفعة واحدة، وهو أمر غير مسبوق إلى حد ما. كما أنها لم تكن تحظى برعاية ممثل حكومي رفيع المستوى… حتى الآن. وربما لن يدوم ذلك طويلًا.
كانت هناك تعقيدات أخرى أيضًا؛ إذ كان وضعها فريدًا وغير طبيعي بأكثر من معنى. فمجرد حقيقة أنها أصبحت سيدًا دون إنشاء مرسى عند البوابة في عالم الأحلام كان كافيًا وحده لإرباك البيروقراطية.
كان أمام عملاء الحكومة عمل شاق حقًا.
…ومع ذلك، لم يكن الأمر سيئًا تمامًا. فالعملية، رغم أنها مزعجة قليلًا، وُجدت لسبب وجيه؛ إذ لم تكن تقتصر فقط على جمع المعلومات الضرورية وتثبيت الوضع الجديد والرفيع للصاعد رسميًا.
بل صُممت أيضًا لمساعدة العائدين على التعامل مع الآثار الأكثر ضررًا للعودة المفاجئة إلى بر الأمان بعد تجربة أهوال لا تُحصى في الكابوس، على الأقل إلى درجة معينة.
ومهما بلغت قوة نجمة التغيير، لم يشك أحد في أن مغامرتها المروعة عبر عالم الأحلام والكابوس قد تركت ندوبها على عقلها. فالحكومة كانت تدرك تمامًا مدى هشاشة العديد من المستيقظين الأقوياء في حقيقة الأمر.
ولم تكن متأهبة فقط ضد أولئك الذين قد ينهارون، بل كانت أيضًا متمرسة في استخدام شتى التدابير الوقائية للحد من احتمالية حدوث ذلك.
ونظرًا للأهمية البالغة التي تمثلها نيفيس لآلة الدعاية وللجهود الدفاعية الفعلية للبشرية بصفتها عنصرًا استراتيجيًا خاصًا آخر، سخّرت الحكومة خيرة مواردها لضمان سير الخطوات الأولى لإعادة تأهيلها بأكبر قدر ممكن من السلاسة.
وبطبيعة الحال، كانت حرة في تحديد القدر الذي ترغب بمشاركته بالضبط. ومع ذلك، كانت بعض الاختبارات الأساسية إلزامية، إذ كان من الضروري تحديد مدى أمان إطلاق سراحها بين أفراد الشعب.
ما عناه ذلك هو أن الأمر سيستغرق ساعات طويلة قبل أن يتمكن أعضاء الفوج من رؤية نجمة التغيير مرة أخرى.
ولم يكونوا الوحيدين الذين ينتظرون أيضًا.
ففي لحظة ما، غادرت كاسي وعادت إلى عالم الأحلام لإبلاغ حراس النار بهذا التطور الجديد المذهل. وسرعان ما استخدم العشرات منهم البوابة الموجودة في البرج العاجي وعادوا إلى عالم اليقظة للمرة الأولى منذ شهور.
وبما أن كبسولات نومهم كانت تقع هناك مباشرة في مجمع المستشفى التابع للأكاديمية، فلم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى تجمعوا جميعًا في الرواق بالقرب من المكان الذي كانت تخضع فيه نيفيس لمقابلاتها. والآن، احتشد نحو خمسين مستيقظًا شابًا فيه، وكأنهم يقفون حراسًا.
بعد قضاء ما يقرب من نصف عام في عالم الأحلام، بدا حراس النار خشنين قليلًا، إن لم يكونوا متوحشين بعض الشيء. وكانوا يرتدون ملابس مدنية، لكن لن يخطئ أحد في اعتبار هؤلاء الناس بشرًا عاديين، أو حتى مجرد مستيقظين عاديين.
كان هناك إحساس قوي بالتهديد الصامت يشع منهم. ورغم أن ملامحهم امتلأت بالبهجة، إلا أن نظراتهم ظلت حازمة وثقيلة، مما جعل أي شخص يقترب يشعر بعدم الارتياح. وانطبق ذلك بصفة خاصة على أعضاء فوج كاسي السابق، الذي يقوده الآن المعالج الصامد، شيم. كانوا جميعًا في حالة تأهب قصوى ومستعدين للانقضاض على أي شخص يمثل تهديدًا.
ومع وقوف حراس النار حرسًا، كان مصير أي تحرك محتمل من العشائر العظمى هو الفشل المحتوم، أو على الأقل وقوع كارثة صريحة. في الواقع، بدوا شرسين لدرجة أن الفرق الأمنية التابعة للأكاديمية توترت وأرسلت بضعة أفواج من أفرادها لمراقبة المجموعة المحتفلة.
ومع ذلك، كان من السهل قراءة التوجس البالغ على وجوه ضباط الأمن. فسواء كانوا مستيقظين أم لا، بدا أنهم يدركون أنهم لا يملكون أي فرصة أمام نخبة الشاطئ المنسي إذا احتدم الأمر.
وبملاحظة كل ذلك، لم يستطع ساني إلا أن يطرح على نفسه سؤالًا.
…إذا كان الاختباء لستة أشهر في الأمان النسبي للبرج العاجي قد ترك مثل هذا الأثر الجذري على حراس النار، فما الذي فعلته سنتان من اجتياز بعض أشد مناطق عالم الأحلام قسوة بنيفيس؟
وبعد فترة، اقترب بهدوء من كاسي وسأل بصوت منخفض:
“كيف تسير الأمور؟”
أدارت رأسها قليلًا وعقدت حاجبيها.
“ماذا تعني؟”
ابتسم ساني ابتسامة قاتمة.
“هيا. يستحيل ألا تكوني قد استخدمتِ قدرتكِ على أحد عملاء الحكومة المسؤولين عن إجراءات نيف. فما الذي يحدث إذن؟”
ترددت لبضع لحظات، ثم تنهدت.
“يبدو أنها في حالة صدمة نوعًا ما. لكنها في معظم الأمر… بخير. في الواقع، من المثير للقلق قليلًا مدى كونها بخير.”
قطّب جبينه.
“حسنًا… إنها نيفيس. أنتِ تعرفينها.”
هزت كاسي رأسها ببطء.
“إنها بشرية أيضًا يا ساني. فقط يسهل نسيان هذه الحقيقة أحيانًا بسبب… حسنًا، لأنها هي.”
صمت ساني، غير دارٍ بما يقول. وبعد لحظات قليلة، تحدثت الفتاة العمياء فجأة مرة أخرى:
“يبدو أنها مترددة في الحديث عن معظم ما حدث لها، ولكن… على الأقل، وافقت على تلقي استشارات نفسية. هذه بداية جيدة.”
رمش مرتين.
نيفيس وافقت… على ماذا؟
فكرة أن تكون نجمة التغيير مستعدة للخضوع لشيء مثل الاستشارات النفسية لم تستقر في عقله. كان الأمر أغرب من أن يُتصور.
قطّب ساني حاجبيه.
‘ربما… ربما تغيرت قليلًا.’
أخيرًا، وبعد ساعات طويلة من الانتظار، بدا أن عملاء الحكومة أنهوا الجزء الأكبر من اختباراتهم.
فُتحت الأبواب، وخرجت القامة المألوفة منها. ومثلما كان الحال في اليوم الأول الذي قابلها فيه ساني، كانت نيفيس ترتدي بدلة رياضية بسيطة صادرة عن الحكومة. ومع ذلك، صار شعرها الفضي الآن طويلًا ولامعًا، يحيط بوجهها ويمنحها مظهرًا أنثويًا لافتًا.
كان جمالها مذهلًا.
وعندما ظهرت نجمة التغيير، بدا كما لو أن الرواق بأكمله قد ازداد إشراقًا قليلًا.
نظرت نيفيس إلى أعضاء فوجها وإلى حراس النار المتجمعين حولهم، فترددت للحظة، ثم ابتسمت بارتباك.
“مرحبًا بالجميع. أنا… أنا مسرورة بلقائكم جميعًا مرة أخرى. لم أظن أنني سأفعل.”
…وقبل أن تكمل كلامها، تقدمت كاسي إلى الأمام وطوقتها بعناق وثيق.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.