الفصل – 775: مقهى بلا شمس
بعد أن دخل الخمسة، صمتت نيفيس لبرهة وهي تتلفت حولها. ومع أن وجهها ظل ساكنًا وصارمًا كعادته، إلا أن ساني كاد يجزم بأنه لمح وميضًا من الفضول يرتسم في عينيها الرماديتين الباردتين.
وبعد فترة، سألت:
“أهذا منزلك؟”
بسبب نشأتها المنعزلة والمحاطة بالحماية، لم يسبق لنجمة التغيير على الأرجح أن تواجدت في مسكن عادي. والغريب في الأمر أنها كانت شخصًا لم يختبر سوى العيش في القصور الفارهة وأحياء عالم الأحلام الفقيرة والبائسة، دون أي شيء بينهما.
ومع ذلك، لم يُحبط ساني. بل ابتسم ابتسامة عريضة وأومأ برأسه فخورًا.
“أجل. اشتريته بحر مالي وجهدي، بنقاط المساهمة التي جنيتها من أول ورقة بحثية لي. أنا أمتلك هذا المكان!”
ترددت نيفيس.
“ما الذي حدث للجدران؟”
خبت ابتسامته قليلًا.
“…إيفي هي ما حدث.”
بالطبع، كان قد نظف منذ زمن طويل الفوضى التي أحدثتها الصيادة بعد الارتقاء. غير أن ساني كان منشغلًا للغاية بأمور أخرى منعته من الشروع في ترميمات مناسبة. ونتيجة لذلك، لم يكن لغرفة نوم الضيوف سوى ستارة مهلهلة تغطي مدخلها غير المنتظم، دون أي باب.
‘ربما ينبغي عليّ الشروع في إصلاحه…’
تنحنح ساني، ثم أشار بيده نحو جزء غرفة المعيشة في المساحة الرئيسية.
“اعتبروا أنفسكم في منزلكم. سأعد لنا شيئًا لنأكله.”
وبينما أخذ الفوج يستقر، توجه نحو منطقة المطبخ ووقف أمام الثلاجة المفتوحة لبعض الوقت متفكرًا. ولسبب ما، تملكت ساني رغبة عارمة في طهي شيء مميز. لا بد أن نيفيس قد سئمت أكل لحم الوحوش لسنوات… لذا…
أخيرًا، أخرج عددًا من المكونات وصفّها فوق سطح الطهي، ثم بدأ التحضير.
‘أرز مقلي… يفترض أن يفي الأرز المقلي بالغرض. ارز مقلي بالبيض؟ هل لدي بيض؟’
وبينما كان منهمكًا في عمله، بلغ الحديث نقطة مؤثرة وحرجة. إذ كانت كاسي توشك على إنهاء وصف التفاصيل الهامة لسبب علاقتهم المتوترة بقبيلة فالور.
“…وهكذا، أنجزنا هدفنا وصعدنا. ومع ذلك، فإن ذلك الرجل… موردريت… لا بد أنه قد صعد أيضًا. وعشيرته لا تعلم بذلك بعد، لذا كان ردهم عدائيًا بدرجة طفيفة فحسب. وقد تحملت مد السماء من الريشة البيضاء العبء الأكبر من اللوم على هروبه وما تلاه من موت القديس كورماك. لكن ذلك لم يعفنا من كافة العواقب، للأسف.”
توقفت قليلًا، ثم أضافت بنبرة كئيبة:
“لقد أسروا سرًا اثنين من الناجين الموالين من الشاطئ المنسي. بينما لجأ بقيتنا إلى عالم الأحلام. وعلى مدار الأشهر الستة الماضية، عملت جهة اتصال ساني في الحكومة كوسيط لترتيب مفاوضات سلمية. ويبدو أن فالور مستعدة أخيرًا للحديث، لكنهم يهدفون لتجنيد واحد منا على الأقل في عشيرتهم.”
تنهدت الفتاة العمياء.
“نحن الأربعة نشكل بالفعل أصلًا عظيم الأهمية، ولكن مع انضمام حراس النار، فإن قيمتنا تصبح هائلة بلا أدنى شك. وإذا لم يتمكنوا من ضمّنا جميعًا، فإنهم عازمون على الأقل على ضمان ألا ندين بالولاء لمنافسيهم. وبالطبع، الآن وقد أصبحتِ هنا، بات الموقف مشحونًا بتوتر أشد. وسوف تكون فالور أكثر تحفزًا بكثير.”
ابتسمت كاسي بوهن، ثم قالت بنبرة اعتذارية:
“آه… أعتذر عن إثقال كاهلك بكل هذا فور عودتك.”
ظلت نيفيس صامتة لبرهة، ثم هزت رأسها نفيًا.
“لا. كان تصرفك صائبًا بإخباري. شكرًا لكِ.”
وارتسمت ملامح التجهم والتفكير العميق على وجهها.
في هذه الأثناء، كان ساني يستمع إلى المحادثة في صمت. كان يشعر بحيرة قاتمة إزاء الطريقة التي آلت إليها حياته، حيث لم يعد سماع كلمات مثل “الموالين”، و”جهة اتصال حكومية”، و”الولاء” في محادثة عابرة يبدو غريبًا أو نافزًا.
أما إيفي، فقد نظرت إلى نجمة التغيير بفضول وسألت:
“أنا أفهم مشكلتنا مع العشائر الكبرى. لكن ما مشكلتكِ أنتِ معهم؟ ظننتُ أنكِ تحديدًا كنتِ ستكونين على وفاق وود مع كبار الورثة، يا أميرة.”
نظرت إليها نيفيس دون أدنى مرح.
“إنهم يريدون قتلي.”
طرفَت الصيادة بعينيها مرتين.
“ماذا؟ لماذا؟”
هزت نجمة التغيير كتفيها.
“عليكِ بسؤالهم.”
صمتت إيفي لبعض الوقت وهي تفكر. وبعد برهة، قطبت حاجبيها وسألت:
“إذن، هل كان كاستر…؟”
أومأت نيفيس برأسها ببساطة.
“لقد كان كذلك.”
نظر كاي إليهما بارتباك:
“كان ماذا؟”
التفت الجميع نحوه، مدركين فجأة أن الرامي كان أقل دراية ببعض الأسرار المظلمة لما حدث على الشاطئ المنسي مقارنة ببقيتهم. وبعد لحظات، هزت إيفي رأسها.
“أقصد… ألست أنت جهاز كشف الكذب المتنقل؟ ما الذي كنت تعتقد أن كاستر ينوي فعله؟”
سعل كاي.
“أوه… لقد كان بالفعل غير صادق قليلًا أحيانًا. لكني افترضت فقط أنه كان يحاول إخفاء مشاعره تجاه السيدة نيفيس…”
في تلك اللحظة، تقدم ساني حاملًا سبعة أطباق. كان يحمل اثنين بيديه، واثنين آخرين بأطراف ظلية أدت دور زوج إضافي من الأيدي، ووازن اثنين على ساعديه، بينما كان السابع يتأرجح قليلًا فوق ظل ملموس يشبه ذيلًا طويلًا.
واضعًا طبقًا شهيًا يتصاعد منه بخار الأرز المقلي أمام كاي، قال بابتسامة ملتوية ساخرة:
“أوه، كانت لديه مشاعر تجاهها بلا شك. مشاعر رغبة في قتلها لإتمام مهمته. للأسف، لقد تعثر بي أولًا.”
لقد كان أمرًا محزنًا بالفعل. لو لم يقتل ساني كاستر، ولو علمت نيفيس مسبقًا أن ذبح الرعب القرمزي سيجبر البرج الشاهق على البحث عن قناة أخرى، ولو كانت رؤيا كاسي أكثر تفصيلًا… حسنًا، لا جدوى من الندم الآن. فما حدث قد حدث وما فات قد فات.
ولم تؤدِ هذه المحادثة الحالية إلا لتبيان أن عيب كاي الغريب، رغم فائدته، كان أيضًا في كثير من الأحيان ضارًا ومضللًا.
وبينما حدق كاي في الفراغ بصدمة وذهول، وضع ساني بقية الأطباق على الطاولة، ودفع بثلاثة منها نحو إيفي، وألغى الظلال، ثم ارتمى على مقعد مريح.
بعد ذلك، التقط أدوات طعامه، واستنشق عبير الأرز المقلي، وأطلق تنهيدة رضا.
“ما الذي تنتظرونه، أيها البلهاء؟ ابدؤوا بالأكل…”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.