«سيُسجَّل رفض جلالتكم رسميًا.»
أغلقت المحققة الملف الذي كانت تقرأ منه، فسمع أهل القاعة الجلد ينطبق على الأوراق. نظر إليها الإمبراطور مدة تكفي لأن يظن بعضهم أنه سيجيب بالكلام، ثم تحرك.
لم يرَ أكثر الحاضرين كيف نزل الدرجات. رأوا العرش فارغًا وسمعوا صوتًا مكتومًا ثقيلًا كصوت باب من البلوط ينهار، وحين التفتوا كانت المحققة تعبر القاعة في الهواء وثوبها الأسود ملتف عليها. ارتطمت بالعمود الرابع من الصف الشمالي، فتشقق الحجر من موضع كتفها إلى التاج، وسقط غبار أبيض على رؤوس الواقفين تحته. ارتدّ جسدها عن العمود وانزلق عبر القوس الجانبي إلى الممر الذي وراءه، وسُمع وقعه على البلاط مرتين ثم انقطع.
سقط كأس من يد نبيل قرب النافذة وتحطم. ظل صوته أعلى ما في القاعة عدة أنفاس.
على الرخام خط أحمر يبدأ عند العمود وينتهي عند العتبة. وقف الإمبراطور حيث كانت المحققة تقف، وعلى مفاصل أصابعه اليمنى دم ليس دمه. مسحه بطرف كمه دون أن ينظر إليه، ثم تكلم بالنبرة التي تُقرأ بها المراسيم، فبلغ صوته الأبواب:
«أي تغيير في هذه الإمبراطورية يمر من تحت سيفي فقط.»
ولم يمهل أحدًا ليستوعب ذلك:
«لا أعترف بوصاية المحكمة العليا داخل أرضي.»
وحين أدار رأسه إلى الصفين على جانبيه، بدا كل وجه فيهما يتجنب عينيه:
«ومن يمد يده إليها هنا… فقد اختار أن يكون خائنًا.»
نائب المحققة لم ينظر إلى القوس الذي اختفت منه. سحب سيفه، وكانت الرون على النصل تتوهج بلون الجمر، وقال بصوت خشن:
«تقدّموا.»
انفتحت صفوف رجال المحكمة خلفه. تقدم الفرسان ذوو الدروع الرمادية بخطى واحدة، وتراجع الكتبة والمساعدون بين أرجلهم يحملون الأختام والصناديق ولا يحملون شيئًا يُقاتل به.
الكونت ذو اللحية الرمادية، الذي شغل مقعده ثلاثين سنة دون أن يرفع صوته مرة، صعد درجتين نحو العرش وسحب سيفه إلى جانب الإمبراطور. قال له جاره الأصغر: «هذا جنون.» وسحب سيفه بعد ذلك، لأن الوقوف بلا سلاح في هذا الجانب من القاعة كان أخطر من الوقوف به.
نبيل شاب في معطف أزرق التصق بالجدار ويده على مقبض لم يُخرج منه شيئًا. لم يتجه إلى أي طرف. كان ينظر إلى الأبواب ثم إلى العرش ثم إلى الأبواب.
امرأة في ثوب أخضر أمسكت ذراع ابنها المراهق وجرّته نحو المخرج، وقالت لمن سدّ طريقها: «أفسحوا.» فلما لم يُفسح لها دفعته بكتفها وهي لا تترك الذراع.
سيد عجوز عند النافذة بقي واقفًا وفي يده كأس نبيذ لم يُفرغها، وفمه مفتوح قليلًا، يحدق في الخط الأحمر على الأرض.
وفي الزاوية الشرقية لم ينتظر الدوق صاحب الشارة الذهبية أن يتضح الطرف الغالب. اقترب من رجل يخاصمه منذ عشر سنين على ميراث أرض، ووقف بجانبه كمن يحميه، ثم أدخل الخنجر بين ضلوعه من تحت الذراع. قال في أذنه وهو يسنده حتى لا يُسمع سقوطه: «عشر سنين.»
اندفع الخدم نحو أبواب الخدمة. سقطت الصواني وتدحرجت الكؤوس. داست ركبة هاربة على خادم وقع، ولم يتوقف أحد ليرفعه. اكتظ الناس عند الأبواب الكبرى، ولم تنفتح إلا بمقدار كتفين، فصار المخرج فمًا ضيقًا تُدفع فيه الأجساد وتُداس.
حرس القاعة، الذين وقفوا سنين بدروع لامعة على أعمدتها، نظر بعضهم إلى بعض. رفع أحدهم رمحه ثم خفضه. صاح قائدهم بأمر لم يسمعه أحد، وجندي شاب في آخر الصف كانت الدموع تسيل على وجهه وهو يحدق في الفرسان الرماديين، لا يعرف أيضرب أم يفتح لهم الطريق.
التقى أول فارس من المحكمة بأول نبيل مدافع، وخرجت الشرارة الأولى من احتكاك قوة بقوة.
بعدها امتلأت القاعة. سقط رجل بسيف في خاصرته، وسقط آخر بخنجر في ظهره من يد لم يرها. رجل ينادي أخاه. رجل جالس على الأرض يحاول أن يعيد أمعاءه إلى بطنه بكفيه. الرخام الأبيض الذي صُقل ليعكس وجوه الحكام صار يعكس الأحذية وهي تنزلق على الدم. لكل ضربة سبب: أب يحمي ابنه، وحاقد يقتص، ورجل يقتل قبل أن يُقتل، ورجل يتقدم نحو الجهة التي يظنها أقرب إلى الفوز. ولم يكن أحد يعرف أي جهة ستفوز.
شقّ الإمبراطور طريقه بين الأجساد. مدّ فارس من المحكمة سيفه نحوه، فأزاحه بساعده المدرّعة وضرب وجهه بمرفقه، وسقط الرجل قبل أن يكمل حركته، ولم يتوقف الإمبراطور عن السير.
صعد الدرجات إلى ما وراء العرش. كان السيف هناك، مسندًا إلى الحجر منذ زمن أقدم من أعمار من في القاعة، في غمد بلا زينة. سحبه ببطء، على غير ما جرى حوله. نصل رمادي بلا نقش ولا وهج.
نزل إلى وسط القاعة حيث تلتقي الخطوط المنقوشة في الأرضية، ورفع السيف بيديه معًا وغرسه في الرخام. لم يكن للغرس دوي. دخل النصل الحجر كما يدخل الماء.
انطفأ ما في الجدران أولًا. العروق الضوئية التي كانت تجري في الحجر خبت من الأعلى إلى الأسفل، وخمدت الأحجار المعلقة في الثريات واحدًا بعد آخر، فانقلب الذهب في القاعة إلى رمادي شاحب يتسلل من النوافذ العالية. ذبلت الأختام المرسومة عند أطراف الأرضية حتى صارت حبرًا على حجر. نصل فارس كان يتوهج قبل ثوانٍ ظهر عليه فجأة لون الحديد الخام.
في الصف الأمامي رفع ساحر من رجال المحكمة يده وتمتم بسرعة. ظهر في راحته وميض بحجم حبة عدس ومات. أعاد الكلمات فلم يظهر حتى الوميض. نظر إلى كفه وقال بصوت مبحوح: «السحر…» ولم يُتم. كل من في القاعة كان قد أحس بها: القدرة التي اعتادوها في الهواء صارت بعيدة، في غرفة أخرى خلف جدار لا يُفتح.
وعند العتبة الكبرى، حيث ينتهي الرخام ويبدأ الممر، كان المصباح الحجري ما يزال مضيئًا. مرّ الخط بين النور والعتمة فوق الباب تمامًا.
لم يبقَ في القاعة سوى الحديد. السيوف والخناجر والأيدي والدم.
الفرسان الذين دخلوا بأسلحة تتوهج صاروا يحملون قطع معدن ثقيلة، وتبين للكتبة أن أختامهم أحجار ميتة وأن مدادهم حبر. القاعة التي امتلأت قبل ساعة بالطقوس والوثائق والتوقيعات لم يعد فيها ما يُنجز إلا بما تفعله يدان. سكت الصراخ لحظة واحدة، لأن الجميع كانوا يتحسسون ما فقدوه، ثم عاد أعلى.
اندفع نائب المحققة عبر الجثث نحو الإمبراطور. كان يعلم أن الرون على نصله ماتت، ولم يتوقف. تدرب سنين على السيف قبل أن يتعلم شيئًا غيره، ووجد أن ما بقي في يده يكفيه.
ضرب من الأعلى فرد الإمبراطور الضربة بنصف قوس قصير. ضرب من الجانب فأمال الإمبراطور كتفه وترك النصل يمر. جاءت الطعنة من الأسفل، دقيقة كما يُعلّمها المعلمون، فزاح الإمبراطور بقدمه خطوة واحدة وأخذها على حد سيفه مائلًا، وتحرك في الفراغ الذي فتحته. لم يفعل شيئًا لافتًا. كان يتحرك بقدر ما تحتاجه الحركة، وينتظر أن يخطئ الآخر.
أخطأ النائب حين وسّع ضربته ليتخلص من الضغط. فتح دفاعه قدر إصبعين، وفي الإصبعين دخل السيف الرمادي تحت إبطه حيث تلتقي صفائح الدرع.
تراجع النائب بصرخة مخنوقة ولم يسقط. رفع سيفه بيد واحدة وضرب، فانحنى الإمبراطور تحت النصل وقطع الرباط في معصمه، وسقط السيف من أصابع لم تعد تطيعه. أمسك الإمبراطور بحلق الخوذة بيده الحرة، وأدخل النصل في الفراغ بين الخوذة والدرع ودفعه حتى وصل حده إلى الفولاذ من الجهة الأخرى.
انفتح فم النائب على صوت من يحاول ابتلاع الماء. انحنى على النصل، وسال الدم من تحت الخوذة إلى صدره ثم إلى الأرض. سحب الإمبراطور السيف فسقط الجسد بثقله على الرخام، وتدحرجت الخوذة بعيدًا حتى اصطدمت بحذاء رجلين يتقاتلان عليها، ولم يلتفتا إليها.
مسح الإمبراطور النصل بكمه ثم التفت إلى العمود الرابع. الغبار الأبيض ما زال حوله، والشق ما زال في الحجر، والخط الأحمر يمتد على الأرض إلى القوس.
وعند نهايته لم يكن أحد.
كانت المحققة مستلقية على بلاط الممر، على جانبها الأيمن.
فتحت عينيها فرأت المصباح الحجري في السقف يضيء. الأصوات خلفها، صراخ وحديد، تصل إليها بعيدة ومكتومة. حين تنفست وجدت في صدرها ضلعًا مكسورًا يتحرك مع كل نفس. مررت يدها اليسرى على جنبها ورفعتها حمراء.
لم تنظر خلفها. وضعت كفها على الجدار وحاولت أن تنهض، فسقطت مرة على كتفها، ثم أخرى، ثم وقفت. سال الدم من جانب رأسها على عنقها وتحت ياقة ثوبها. ملفها الجلدي بقي في القاعة، وهي لا تحتاجه. الرفض سُجّل بكلماتها أمام مئتي شاهد.
على بعد عشر خطوات وقف خادمان بصينية فارغة بينهما. حين مرّت بهما تراجعا حتى التصقا بالجدار.
عند المنعطف ظهر جندي من الحرس الإمبراطوري برمح ودرع. نظر إليها، ثم إلى الدم الذي يسيل خلفها على البلاط، ثم إلى الباب المفتوح في آخر الممر. رفع الرمح نصف رفعة. تلاقت عيناه بعينيها. لم يعرف لمن يطيع، فأنزل الرمح وأدار وجهه إلى الحائط.
نزلت درجات القصر واحدة واحدة ويدها على جنبها، وقطرات دمها تسقط على الحجر الأبيض في أثرها. كان الفناء مملوءًا بالعربات والخيول، والحراس يصرخون بأوامر متناقضة، ولم يوقفها أحد. عند البوابة الخارجية كان فارسان من المحكمة ينتظران بجانب خيولهما لأنهما لم يُسمح لهما بالدخول. رأياها فأسرعا إليها، فقالت وهي تتناول عنان أقرب حصان:
«إلى المحكمة العليا. الآن.»
صعدت السرج بمساعدة أحدهما، وأمسكت العنان بيد ملطخة، وخلفها من وراء الجدران ما زالت السيوف تُسمع.
كان فاليريوس ملتصقًا بعمود في الجناح الشرقي منذ بدأت السيوف تتحرك. معطفه ممزق عند الكتف، وشعره مبعثر، ويده اليمنى مضغوطة على صدره. حوله نبيلان صغيران يتشاجران على ممر بين الجثث، وسيدة عجوز على الأرض تنادي خادمتها باسم لا يُجيب صاحبه.
سمع اسمه.
لم يكن نداءً كاملًا، بل زفيرًا خرج مع الاسم. التفت.
رجل خرج من بين مجموعتين تتقاتلان، وجهه مغطى بالدم في الغالب ليس دمه، وبيده سكين قصير عريض النصل من النوع الذي يحمله الصيادون لسلخ الطرائد. عيناه على فاليريوس وحده.
قال بصوت مبحوح وهو يقترب:
«وأخيرًا… جاء دورك يا ابن—!»
لم يكمل.
تراجع فاليريوس خطوة، فاصطدم ظهره بالعمود. انزلقت قدمه على سائل لزج تحته، فسقط على ركبة واحدة. ارتطمت يده بالأرض ثم ارتفعت أمامه، ثم الأخرى، بكفين مفتوحتين ترتجفان.
«انتظر.» كان صوته عاليًا ويتكسر في منتصفه. «انتظر، أرجوك.»
خطا الرجل خطوة. مدّ فاليريوس يده وأمسك بطرف عباءته وشدّ عليها بأصابع ابيضت مفاصلها، ثم بكلتا يديه.
«رجاءً… لا تقتلني.»
سحب الرجل عباءته فلم تنفلت.
«لا أريد أن أموت.»
كانت أنفاسه تخرج من بين أسنانه متقطعة، وفي عينيه دمع لم ينزل بعد.
«سأعطيك المال.»
نظر إليه الرجل.
«الأراضي.»
شدّ الرجل مرة أخرى.
«كل ما أملك.» كان يتكلم بسرعة والكلمات تتعثر بعضها ببعض. «فقط دعني أعيش. أرجوك. فقط دعني أعيش.»
قريبًا منهما توقف نبيلان عن القتال ثانية وحدقا في المشهد. قال أحدهما شيئًا لا يُسمع ثم رفع سيفه إلى خصمه من جديد. الآخر أطال النظر قليلًا ثم استدار. وفي الجهة المقابلة كان رجل يصرخ «أبي!» ولا يرى غير الجسد الذي أمامه.
ضحك القاتل ضحكة قصيرة جافة.
«احتفظ بأراضيك. الدود أحوج إليها.»
رفع يده، ونزلت السكين.
دخلت الحنجرة تحت الفك مباشرة ثم سُحبت. اندفع الدم حارًّا على يد الرجل وكمه والوجه المنحني أمامه. أصدر فاليريوس صوتًا مبلولًا ليس كلمة ولا صرخة. أمسكت يداه بالعباءة أكثر، ثم أفلتتاها، ثم عادتا إليها. ارتجف جسده. فتح فمه فخرج منه دم بلا صوت. حاولت يده اليمنى أن تصل إلى عنقه ولم تبلغه، وسقطت على صدره.
انزلق على العمود، وارتطم كتفه بالرخام ثم رأسه. ظل جسده يرتعش بضع ثوانٍ وقدمه اليمنى تخدش الأرض، ثم سكن.
انتشر الدم تحت عنقه على الرخام الأبيض، تتبع خطوط الفواصل بين البلاطات ثم اتسع. كانت عيناه مفتوحتين إلى السقف.
وبقي الجسد على الأرض.
في الأسفل استقبله الحجر الحاد بقطعٍ في جلده، والدماء التي على ذقنه تلطخت بها أطراف الشق الضيق. سحبه الهواء الرطب إلى الداخل، واختنق لسانه برائحة الغبار القديم والعفن المتراكم منذ عقود بين جدران القصر المخفية.
من خلفه، سمع ضربة قبضة الحارس وهي ترتطم بالرخام حيث كان يقف، فتفتت الحجر وسقطت منه شظايا أصابت كعبه، لكن الأختام على الجدار كانت قد أُغلقت خلفه جزئياً بانهيار البلاط، ليدخل في حلكة مطلقة لا ترى فيها العين شيئاً.
كان يزحف على بطنه. التحفة الباردة مضغوطة في قبضته اليمنى، ويده اليسرى تخشّب الملاط الخشن. الخاتم في إصبعه كان ينبض ببرود مكتوم، يبث في عروقه شحذًا ضئيلاً لم يساعده على تقليل ألم أضلاعه المكسورة، لكنه أبقاه واعيًا بشكل مرعب.
كل زفرة كانت تخرج منه تعصر صدره بكابوس من الألم. سار على ركبتيه ويديه عبر ذلك الممر الضيق، والدخان المتسرب من شقوق القاعة العليا بدأ يتسلل إلى الأنفاق المخفية، مترافقاً مع هزة أرضية مكتومة إثر ضربات السيوف وهدم الأعمدة في الأعلى.
بعد زحف استغرق ما يشبه الأبدية، انفتح الممر الضيق فجأة على فجوة صفراء خافته.
خرج أورِن يتنفس بصعوبة، يتهاوى على ركبتيه فوق أرضية من الحصى والمياه الركودة. كانت هذه الحديقة الخلفية للجناح الشرقي النقطة المحددة في الخريطة. المكان الذي كان عليه أن يلتقي فيه باللورد فاليريوس.
وقف أورِن وهو يترنح، مسح الدم عن ذقنه بظهر كمه الممزق، ونظر حوله.
الهدوء هنا كان زاغاً ومروعاً. كان السواد يلف الأشجار الأثرية، لكن السماء فوق القصر كانت تتوهج بسحب حمراء ودخان أسود كثيف ينبعث من قاعة العرش. أصوات القتال البعيدة تصل كحشرجة جائعة.
“اللورد…؟”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.