فتح إيرولد عينيه ليجد نفسه ممدداً فوق أرضٍ صلبةٍ وباردة، غارقة في سكونٍ مريب. نهض بتثاقل وهو ينفض غبار الرمال الرمادية عن ثيابه، ثم أخذ يتلفت حوله بمحاولةٍ لاستيعاب مكانه الجديد. كان الضباب يلف المحيط ككفنٍ ثقيل، ومن خلاله برزت هياكل لمنازل حجرية مدمرة، مبعثرة كبقايا حضارةٍ طواها النسيان.
برز آرثر فجأة، يطفو بجانب رأس إيرولد بقلق: “ما هذا المكان المخيف؟“
رد إيرولد : “وهل تظنني أعرف يا آرثر؟“
هزَّ آرثر كيانه بحيرة : “معك حق….إذًا ماذا نفعل؟ لنستكشف المكان.“
بدأ إيرولد بالتوغل داخل المدينة المهجورة، بخطواتٍ حذرة فوق الحجارة المتكسرة، بينما كان آرثر يطفو حوله. ساد الهدوء لدرجة أن إيرولد استطاع سماع دقات قلبه، مما جعله يهمس “ :لا أعتقد أن هناك أحداً هنا. “
وفجأة توقف آرثر في مكانه. اتسعت عيناه الشفافتان وهو يحدق في زاوية أحد المنازل المنهارة. أطلق صرخةً مكتومة جعلت إيرولد ينتفض من مكانه. التفت إليه إيرولد ببرود: “هاهاها، مسلٍ يا آرثر، لن تخيفني بهذه الطريقة. “
رد آرثر بتوترٍ شديد ونبرةٍ جادة ” : لا.. لا ..لقد رأيت شيئاً خلف ذلك المنزل، كما لو كان رجلاً شفافاً بأعين تُضيء ينظر إلينا.“
انفجر إيرولد ضاحكاً وهو يواصل المشي: “ما هذا الوصف يا آرثر؟ أحسنت، كدتُ أصدقك. “
اندفع آرثر أمامه وهو يصرخ بغضب : “يا أحمق! أنا لا أكذب. ألم تشعر بشيء؟“
هزَّ إيرولد كتفيه بلا مبالاة : “لا، لم أفعل. “
وسط الضباب الكثيف، لمح إيرولد طفلةً صغيرة من الجان تراقبه من بعيد بجمودٍ مريب. ناداها بصوتٍ حاول جعله هادئاً : “مرحباً، نحن غرباء هنا. هل هناك أحدٌ غيركِ في هذا المكان؟“
لم تجب، بل استدارت واختفت داخل أحشاء الضباب. ليصرخ ارثر : ” لا تقل نحن ايه الغبي لا يمكنها ان تراني لقد أخفتَها، وظنّت أنك مجنون!“
ليتبعها إيرولد نحو الضباب بسرعة. يدخل ليتفاجأ : يجد جان من العامة يتحركون بصمت كما لو كانوا أطيافاً.
بصدمة، ينظر لهم إيرولد ويقول: “مرحباً.” لم يجب أحد.
يتقدم إيرولد يلوّح بيده أمامهم، ولكن بلا أي جدوى. يفقد إيرولد أعصابه ويقول: “حسناً، أنت أجبني.” مدَّ يده ليقبض على ذراع أحدهم بقوة.
في تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ توقف الجميع فجأة، والتفتوا نحو إيرولد بوجوهٍ خالية من الملامح وبدؤوا بصراخٍ جماعيٍّ حاد مزق سكون المكان. ، صاح آرثر برعب“ :نحن آسفون! اعتذر يا إيرولد!” وفي رمشة عين، تلاشى الجميع كالدخان.
تلفت إيرولد حوله، ليلمح وجهاً غريباً يراقبه من نافذة منزلٍ قريب. صرخ إيرولد وهو يركض نحوه “ :أنت يا هذا، توقف! “
اقتحم إيرولد المنزل وهو يهتف : “لا يمكنك الهروب! “
لكن الصدمة كانت بانتظاره؛ المنزل كان فارغاً تماماً من أي أثرٍ للحياة. وفجأة، انغلق الباب خلفه بقوةٍ هزت الجدران. صرخ آرثر بذعر” : إيرولد، أنا خائف! دانتي افعل شيئاً!“
رد دانتي وهو مستلقٍ في الظلام بصوتٍ يقطر تهكماً :“يا له من عرض جميل!“
ابتسم إيرولد بتحدٍ: “ماذا؟ هل تظنون أن إغلاق الباب سيخيفني؟“
ليتوجه إيرولد لفتح الباب، ولكن يجد أمامه شيئاً غريباً وسط الضباب: أناساً بوجوه بيضاء وأجساد تمزج بين البشر وجان يتحركون بغرابة. أغلق الباب بهدوء وقال بسخرية” : الآن حصل شيء ما!“
اهتز المكان بعنف، وضحك إيرولد بانتشاء : “أخيراً! تعالوا لنتحدث باللغة التي أفهمها.. لغة القتال! “
يضحك دانتي بداخله: “أحسنت بدأت تفهم يا فتى . “
وفجأة، دوت صرخةٌ مرعبة خلفه ليلتفت ويغطي اذنيه ليبدأ يتكون شيء غريب على الجدار بدأ الجدار يتشقق، لتتجسد منه هيئة ضبابية عملاقة، هي أقرب إلى شبح بشري هائل. كان المخلوق يبرز من الضباب الكثيف، ذراعاه الكبيرتان ممدودتان إلى الأمام، وكأنهما محاصرتان داخل الجدار. وجهه شاحب، يلمع بعيون متوهجة باللون الأبيض المخيف، وفمه مفتوح على مصراعيه في صرخة هائلة صامتة، تعكس رعباً لا يمكن سماعه، لكنه يمزق الأجواء.
استلَّ إيرولد سيفه ويقول : “ لا أهتم بما أنت عليه يا رجل، قتلك سيكون أسهل من فهمك. “
ليتقدم إيرولد ليهجم، ليسمع صوت طفلة تصرخ: “ توقف أيها الدخيل! “
يتوقف إيرولد والتفت حوله باحثاً عن مصدر الصوت، ليصرخ بتعجب : “من يتحدث؟“
تناهى إليه صوت طفوليّ رقيق لكنه مثقلٌ بسنين من الحزن: ” أنا لوري، إحدى الجان. أنت غير مدعو هنا، اخرج من هذا المكان قبل أن يبتلعك!”
رد إيرولد بصوتٍ هادر : “أود الخروج فعلاً، لكن أخبريني.. ما الذي حلَّ بهذا المكان؟“
قالت لوري بصوتٍ عميق يتردد صداه بين الجدران المتآكلة : ” لقد أصابتنا لعنة، ونحن نُعاقَب على أفعالنا. “
سأل إيرولد بدهشة : “ وماذا فعلتم لكي تستحقوا هذا؟“
انخفض صوت لوري ليصبح همساً مرعباً : “نحن من اشعلنا اخر فتيل ليُولد منها الدمار . نحن سبب موت الكثير. أنا من جعلت إيون ما هو عليه. “
ارتعدت فرائص إيرولد وسأل : “ماذا فعلتِ؟ ومَن هو إيون هذا؟“
صرخت لوري بيأس: “ أنا التي وُلد الدمار من خيانتي. هذا المكان ملعون، اخرج قبل أن تصبح واحداً منا! “
صاح آرثر برعب : “أرجوك يا إيرولد، لنرحل من هنا!”
لوري بصوت خافت : “ان الجميع يعاقب على افعاله انه يقومون بنفس الشيء مرارا و تركارا لذنبهم العظيم“
ليفتح باب الغرفة بقوة، لينكشف لإيرولد المشهد: جان يقاتلون بعضهم البعض، بينما هناك طفل مظهره غير واضح في المنتصف، والنيران تشتعل حوله. يقول بنبرةٍ غارقة في برودٍ حزين: أرجوكم…. لا أريد فعل هذا مجدداً.”
لكن صرخات الطمع كانت أعلى من توسلاته؛ صاح الجانُ وهم يتبادلون الطعنات : “ لا نهتم! مَن ينتصر في هذا القتال سوف يحصل على قلبك و قوتك يا فتى، فأنت أضعف مما وصفوك!“
كان الجانُ يتساقطون الواحد تلو الآخر غير آبهين بالموت، طمعاً في القوة الكامنة داخل ذلك الجسد الصغير، بينما كانت طفلة تقف فوق منزل تنظر إلى الطفل الذي في المنتصف، رفع الطفلُ نظره نحوها، ونادى بصوتٍ باردٍ كالصقيع رغم النيران التي تحيط به : ” لوري…. هذا أنا!“
لكن الرد جاء كخنجرٍ مسموم؛ نظرت إليه لوري باحتقارٍ وقالت بلهجةٍ قاطعة: ” مُت يا مصدر الشر، أو أناديك باسمك…. يا آشورا! “
تجمدت الدماء في عروق إيرولد، وتراجع خطوةً للوراء وهو يهمس بذهول : “مهلاً، ماذا؟ هل ذلك الطفل هو آشورا؟“
هبّت موجةٌ ضبابيةٌ عاتية، جرفت إيرولد بعيداً عن مشهد المذبحة لتلقي به وسط غابةٍ كثيفة غارقة في الغموض. تناهى إلى مسامعه صوتٌ عميق يتردد بين الأشجار : ” يمكنك الخروج من هذا الجحيم. إياك والانضمام إليه. “
تقدم إيرولد بخطىً ثقيلة، مذهولاً مما رآه، ثم التفت خلفه ليرى المدينة وهي تتلاشى وتتدمر في صمتٍ مطبق. صرخ بدهشة تعلو وجهه : ” يا إلهي! أيُّ جحيمٍ صامتٍ هذا؟ أيُّ نوعٍ من العذاب الذي يعيشونه؟“
دَوَى صوتُ آشورا الصغير يتمتم بنبرةٍ يحفُّها الموت: ” لقد صدقت القول يا ها…” وفجأة، ترددت أصوات صراخٍ وهمية في الهواء : ” أرجوك يا آشورا، لا تفعل هذا!“ قبل أن تتطاير دماءٌ غير مرئية في الأفق ويختفي الضباب كلياً.
يظهر ذلك المخلوق الغريب بين الأشجار ينظر إلى إيرولد ويشير بيديه: “من هنا.“
تبسم إيرولد بابتسامةٍ غريبة شابها الحزن” :شكراً لك.” ثم بوجه جاد: “سوف أجد حلاً لـلعنتكم، أعدكم بهذا!“
ليتوجه إيرولد داخل الغابة ليخرج من مدينة وصفها إيرولد بـ”الجحيم الصامت”.
خرج آرثر وهو يرتجف :“يا إلهي، كم كان ذلك مخيفاً!“
ليكمل إيرولد السير وتمتم بحزن :”إن هؤلاء الأرواح مساكين حقاً.“
انفجر دانتي ضاحكاً بداخله : “غبي!“
استشاط إيرولد غضباً” : تباً لك يا دانتي! كن مفيداً لمرةٍ واحدة أو اصمت!”
رد دانتي بنبرةٍ جادة وصارمة ” : كل يومٍ أعي أنك شخصٌ أحمق لا يستحق القوة التي يحملها . ألم تفهم بعد؟”
رد إيرولد بهدوء : “ماذا تعني؟“
دانتي بصوت ساخر :“أنت تمتلك قوة لجمع أرواح الجان، أو أي شخص أقام عقداً معهم. ألم تفهم بعد؟“
وقف إيرولد بصدمةٍ جمدت أطرافه” : دانتي، أتعني…؟“
أجاب دانتي بحماس ” : نعم، هذا كنزٌ لا يمكنك تفويته! صحيحٌ أنك لن تصبح فائق القوة، لكنه سيكون مصدراً لزيادة قوتك.“
تمتم إيرولد بحيرة: “هل يمكنني امتصاصهم؟ ألا يجب عليّ قتلهم؟“
أجاب دانتي ببرود” :أنت من تضع القوانين لنفسك. اذهب واستلم كنزك يا إيرولد.“
بترددٍ شابهُ العزم، استدار إيرولد وعاد أدراجه نحو المدينة الملعونة. وما إن وطئت قدماه أرضها حتى برزت لوري خلفه ، تقول بحزن :“إذًا أتيت لكي تنضم إلينا؟“
يتبسم إيرولد ابتسامة حنونه: “لا.. جئتُ لأخلصكم. يبدو أن القدر وضعني هنا لهذا السبب يا صغيرة.“
أغمض إيرولد عينيه، واستسلم لصوت دانتي الذي كان يوجهه” :الآن حاول أن تتخيل هذه المدينة بأكملها تنجذب إليك.. اجعل جسدك هو المصبّ لهذه الأرواح التائهة.“
بدأ الضباب يحوم حول إيرولد في دوامةٍ عنيفة. المقاتلون الذين كانوا يمزقون بعضهم توقفوا فجأة، وانجذبوا نحو إيرولد كالمغناطيس
في تلك اللحظة، حدث ما لم يتوقعه إيرولد؛ الفتى الصغير الذي كان يقف وسط النيران المشتعلة، نظر إليه وارتسمت على وجهه ابتسامةُ خلاص ألقى الفتى نظرةً أخيرةً على الجموع الملعونة، فأستسلم الجميع له وتوجهوا نحو إيرولد كطوفانٍ من الضياء الشاحب. بدأت النيرانُ حول الصبي بالخمود . وبينما كانت الأرواح تتدفق داخل جسد إيرولد، ابتسم الطفلُ بسلامٍ أخير قبل أن يتلاشى ويذوب في الهواء، متحرراً من سجنه الأبدي.
وقفت لوري أمام إيرولد، وعيناها غارقتان في دموعِ ندمٍ طال أمده. لم تعد تنظر إليه كدخيل، بل كمخلصٍ أخير. همست بصوتٍ يرتجف قبل أن تنجذب هي الأخرى إلى جسده : ” أوقف إيون.. أرجوك! “
امتص إيرولد آخر ذرةٍ من وجودها، فشعر في تلك اللحظة وكأنَّ جبالاً من الأحزان قد استقرت فوق كاهله. انقبض قلبه من شدة التعب والضغط الروحي، فتهاوت ركبتاه وسقط مغشياً عليه فوق تراب المدينة التي أصبحت الآن قفراً هامداً
في أعماق ظلامه، تناهت إليه ضحكة دانتي المنتشية وهو يقول بنبرةٍ يملؤها الزهو :” أخيراً تملكت الشجاعة لفعل شيء صحيح.”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.