بقي أورِن واقفًا أمام الجثة لحظات، والخنجر ما زال غارزًا في الصدر المتشقق.
انحنى ليسحبه.
مع سحب النصل، انزاحت طبقة من المادة الرمادية المتجمدة على ساعد الجثة، فظهرت تحتها ندبة على شكل هلال غائر فوق المفصل.
توقفت يده في الهواء.
تلك الندبة…
نظر إليها ثانية، وحاول أن يمرّ عنها بلا اهتمام. ندبة عادية. ضربة فأس أخطأت هدفها يومًا. أي رجل عمل في الحقول يمكن أن يحمل ندبة كهذه.
لكن عينيه لم تغادرا الشكل.
لا.
ليس هو.
دارين في القرية، يعمل، ينتظر عودته معه.
هذا مستحيل.
نظر إلى الجثة كاملة، لا إلى الندبة وحدها. الطول نفسه. بنية الكتفين نفسها. ميل الرأس نفسه حين يستمع لشيء لا يفهمه. ثم شيء صغير في الوجه، في زاوية الفم تحت طبقة الشقوق الرمادية، شيء لم يكن يحتاج إلى دليل أكبر منه.
عرف.
لم يقل الاسم. لم يستطع أن يقوله. وقف بلا حركة، والخنجر في يده يقطر ما تبقى من المادة الرمادية.
ثم مسح النصل بسرعة على ثوبه، ونهض، وابتعد عن الجثة بخطوات أسرع مما احتاجه جنبه المصاب. عاد الألم يضرب أضلاعه بقوة مع كل خطوة، ولم يهتم له.
رآه إليان من مكانه عند العربة، ولم يسأله عما رآه، ولا عن سبب اضطراب وجهه.
قال فقط: «اصعد.»
صعد أورِن دون أن يقول شيئًا.
وصلت العربة إلى حدود القرية والشمس بدأت تظهر فوق الأشجار.
لم يكن هناك نباح، ولا صوت أطفال يلعبون، ولا صوت أدوات في الحقول، ولا طيور فوق الأسطح. حتى الأشجار المحيطة بالقرية بدت ساكنة أكثر مما تسكن الأشجار عادة، بلا حفيف ولا حركة أوراق.
نظر أورِن من نافذة العربة.
كانت المداخن تُخرج دخانًا من بعض البيوت، لكن الدخان لم يتحرك كما يتحرك الدخان. بقيت خيوطه معلقة في الهواء لثوانٍ طويلة، ثابتة كأنها رُسمت، ثم تتحرك بضع بوصات ببطء شديد، ثم تثبت من جديد.
نزل أورِن من العربة، وسار خطوات قليلة بين البيوت.
رأى أهل القرية.
امرأة تحمل سلة خضار وتمشي نحو بيتها. رجل يجر عربة يد صغيرة فيها حزم قش. طفل يمشي خلف أمه بخطوات قصيرة.
لكن لا أحد منهم تكلم.
لا أحد نظر إلى الآخر وهما يتقاطعان في الطريق نفسه.
مرّ رجل بجانب أورِن دون أن يلتفت إليه، وفي اللحظة نفسها كان رجل آخر، على بعد بيوت، يرفع قدمه اليسرى بالزاوية نفسها تمامًا وبالسرعة نفسها، وكأن حركة واحدة تُعاد في أكثر من جسد.
لم يبدُ الأمر واضحًا بما يكفي ليقول أورِن لنفسه إن هؤلاء ليسوا بشرًا. كان أقرب إلى شعور يتسلل من زاوية العين، شيء يجعله يمشي أبطأ ويراقب أكثر مما يمشي.
شعر ببرودة في إصبعه.
نظر إلى الخاتم. لم يهتز. لم يومض. كانت البرودة فقط، مستمرة، لا تنقص ولا تزداد، ولا تختفي مهما ابتعد أو اقترب. لم يعرف ماذا يعني ذلك، لكنه وضع يده الأخرى على مقبض الخنجر تحت معطفه، وواصل السير أكثر حذرًا.
عند عتبة بيت صغير في نهاية الزقاق، وقفت فتاة صغيرة، شعرها مضفور بظفيرتين تتدليان على كتفيها. وفي يديها سلة زهور.
توقف أورِن.
لم يكن مظهرها هو ما أوقفه. كان وجهها. شيء فيه يحرك شيئًا في مكان بعيد من ذاكرته، مكان لا يستطيع تحديد بابه.
التفتت الفتاة نحوه ببطء، وكأن رأسها يتحرك على محور أثقل من رأس طفلة حقيقية. كانت عيناها بشكل عادي تمامًا.
قالت بصوت جاف ثابت، خالٍ من أي نبرة:
«أنا أنتظر أبي.»
توقفت.
«لقد عاد من العمل للتو ليأخذني إلى المنزل.»
لم تتحرك بعد ذلك. بقيت واقفة عند العتبة كما كانت، وكأن الجملة انتهت ولم يبقَ ما تقوله.
انفتح باب البيت خلفها ببطء.
خرج منه رجل.
ثيابه أنيقة لكن قصّتها تنتمي إلى زمن أقدم مما تُخاط به ثياب هذه القرية الآن. شعره أسود مشط إلى الخلف. عيناه ضيقتان قليلًا، وأنفه معقوف عند منتصفه، وفمه رفيع، ورأسه يميل قليلًا عندما ينظر إلى شيء أمامه، بالزاوية نفسها التي يميل بها رأس من ينظر إلى أدنى منه مكانة.
نظر إليه أورِن.
رأيته من قبل.
أين؟
لم تأتِ الإجابة فورًا. وقف يراقب طريقة الرجل في السير نحو الفتاة، خطوات مقاسة، يد تتحرك بجانب جسده دون أن تتأرجح كثيرًا، كأن صاحبها تدرب طويلًا على أن يبدو هادئًا في كل الظروف.
اقترب الرجل من الفتاة، ومدّ يده نحوها.
عند تلك اللحظة بردت حلقة الخاتم فجأة أكثر مما بردت طوال الطريق، وامتد البرد من الإصبع إلى الذراع كسلك مشدود.
ثم أتت الذكرى، لا كصورة واحدة، بل شظايا متتابعة تضرب واحدة تلو الأخرى:
مارِن.
غرفة بلا نوافذ.
باب مغلق من الخارج.
صوتها يناديه من خلف الباب.
هذا الرجل، في مكان آخر، بثياب أخرى، يقف قريبًا منها.
يده.
ألم مارِن.
سكين في يد أورِن نفسه.
الدم على أصابعه.
ثم لا شيء. توقفت الشظايا كما بدأت، فجأة، وترك مكانها فراغًا يرن في رأسه.
عرف من أمامه.
هذا هو الرجل الذي احتجز مارِن. الذي جعلها تتألم في تلك الغرفة. الذي واجهه أورِن، وغرس فيه السكين بيده، ورآه يسقط، ورأى دمه على الأرض.
قتلتك.
رأيت دمك.
كنت ميتًا.
وقف أورِن بلا حركة، ويده على مقبض الخنجر تحت معطفه، لا تسحبه.
نظر إليه الرجل.
لم تكن في عينيه حدة ولا عداء. ابتسم ابتسامة هادئة، مصقولة، من نوع الابتسامة التي يبادل بها الجيران بعضهم في صباح عادي.
مدّ يده نحو الفتاة، فأمسكت بها الطفلة، وأدارت وجهها نحو باب البيت دون أن تنبس بكلمة.
نظر الرجل إلى أورِن مرة أخيرة.
قال بصوت هادئ ومألوف:
«تأخرت.»
ثم وضع يده على كتف الفتاة، والتفت معها نحو الداخل.
بقي أورِن حيث هو، غير قادر على الحركة، والخاتم بارد في إصبعه بردًا لا يتراجع، وشظايا الذكرى التي كان عقله يحاول أن يبقيها مدفونة صارت، للمرة الأولى، واضحة كل الوضوح: مارِن، الغرفة المغلقة، هذا الرجل، والسكين في يده.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.