بقي أورِن أمام الباب المغلق دقيقة كاملة، ربما أكثر.
ويده لا تزال قريبة من مقبض الخنجر تحت المعطف دون أن تسحبه.
كان قد قتل هذا الرجل.
كان يتذكر يده وهي تدفع النصل، ويتذكر الصوت الذي خرج من الرجل حين سقط، ويتذكر الدم الذي انتشر تحته على أرضية لم تكن هذه الأرضية. لم يكن هذا خبرًا سمعه عن شخص آخر. كان فعلًا فعله بيده.
ومع ذلك، منذ لحظات، كان الرجل نفسه واقفًا أمامه، بثيابه وابتسامته الهادئة، يُمسك بيد طفلة تناديه أبًا.
حاول أن يفكر بترتيب، فلم ينجح.
ربما أخطأ في الوجه. الرجال يتشابهون أحيانًا، والذاكرة تخون في التفاصيل الدقيقة حتى وإن احتفظت بالمعنى العام. لكنه رفض هذا الاحتمال بمجرد أن طرحه على نفسه؛ لم يكن تشابهًا في الملامح وحدها، بل في طريقة الوقوف، وميل الرأس، ونبرة الصوت حين قال تلك الكلمة الواحدة.
ربما كان مخطئًا في تفاصيل موته. ربما لم يمت فعلًا يومها، ربما نجا من الجرح ولم يعرف أورِن ذلك. لكنه تذكر الدم بوضوح شديد، وتذكر أنه بقي واقفًا فوق الجسد حتى توقف عن الحركة تمامًا.
عاد إلى الاحتمال الأول، ثم رفضه من جديد، ثم عاد إليه مرة أخرى، دون أن يستقر على شيء. لم يكن يملك ما يكفي ليحسم الأمر، لا من جهة الرجل ولا من جهة ذاكرته هو.
نظر إلى الباب مرة أخيرة. لم تخرج منه أصوات. لا حديث، ولا حركة أثاث، ولا خطى. كان صامتًا كما كانت القرية كلها.
ابتعد عنه أخيرًا، والكلمة الواحدة التي قالها الرجل، «تأخرت»، ظلت عالقة في رأسه بلا معنى واضح يمكنه أن يعلقها عليه.
عاد عبر الأزقة نحو الساحة التي دخل منها القرية، وتوقف قليلًا ليستعيد أنفاسه، فقد كان الألم في جنبه قد عاد يضغط بثقل مع كل خطوة سريعة اتخذها دون تفكير.
مرّ ببيوت متشابهة، وسكان يمشون ببطء لا يتفاعلون معه ولا مع بعضهم، ولم ينظر إليهم هذه المرة بقدر ما نظر إليهم في المرة الأولى. كان عقله في مكان آخر.
عند مدخل الساحة وقف تمثال حجري لم يتذكره بهذا الموضع.
توقف أورِن.
اقترب خطوتين.
كان التمثال قديمًا، حجره متآكل عند الحواف، ووجه الرجل المنحوت فيه بدا مبهمًا نتيجة سنوات من الرياح والمطر أكثر مما بدا نتيجة نقش أصلي غير دقيق.
نظر إلى القاعدة الحجرية تحت التمثال، حيث نُقش اسم بخط قديم:
“فاليريوس فاليكر “
اقترب أكثر، ولمس الحجر بأصابعه، كأن الملمس قد يخبره بشيء لا يخبره به النظر. كان باردًا وخشنًا، ولم يخبره بشيء.
حاول أن يستعيد صورة هذه الساحة كما مرّ بها قبل أن يدخل القرية أول مرة. تذكر مكانًا فارغًا هنا. أو ربما لم يكن فارغًا؛ ربما كان هناك شيء آخر لم يعره اهتمامًا وقتها. لم يكن متأكدًا، وهذا ما أزعجه أكثر من التمثال نفسه.
ضغط فجأة في رأسه، خلف عينيه مباشرة، جعله يغمض جفنيه للحظة. لم يكن ألمًا حادًا، بل ثقلًا مفاجئًا، مثل من يحاول أن يتذكر شيئًا كان يعرفه جيدًا فيجد الطريق إليه مغلقًا بلا سبب.
شعر ببرودة خفيفة تمر في إصبعه حيث الخاتم، أقل من البرودة التي شعر بها عند البيت، ثم اختفت.
ابتعد عن التمثال دون أن يصل إلى شيء، وتذكر فجأة سبب وجوده هنا أصلًا.
دارين.
كان دارين يعيش في هذه القرية. عمل حدادًا في ورشة أبيه، على الطرف الغربي، حيث يمكن سماع صوت المطرقة من الساحة في ساعات الصباح. تذكر أورِن الباب الخشبي المائل قليلًا عند إطاره، والنافذة الصغيرة فوق الفرن التي كانت تخرج منها رائحة الفحم دائمًا حتى في أيام لا يعمل فيها أحد.
اتجه إلى هناك بخطى أسرع، متجاوزًا بيتين وثالثًا، حتى وصل إلى المكان الذي كان يعرف أنه المكان.
لم تكن هناك ورشة.
كان هناك بيت عادي، بابه مستقيم لا يميل، ونافذة واحدة صغيرة في الجهة الأخرى تمامًا من حيث تذكرها. لا فرن. لا سندان. لا كومة فحم عند الجدار. لا أثر لأدوات معلقة أو رماد متراكم أو صدأ حديد قديم.
وقف أورِن أمام الباب، ونظر إلى الجدار حيث كان يفترض أن تكون فتحة التهوية فوق الفرن.
لم تكن هناك فتحة.
طرق الباب.
فُتح بعد لحظات، وظهر رجل في منتصف العمر، ملامحه تشبه ملامح رآها أورِن من قبل عند دارين نفسه، لكن أكبر سنًا وأثقل جسمًا. نظر إلى أورِن نظرة من يعرف وجهًا مرّ به من قبل دون أن يربطه بشيء واضح.
«أبحث عن دارين،» قال أورِن.
رفع الرجل حاجبيه قليلًا، بلا انزعاج ظاهر، وكأن السؤال غريب لا مزعج.
«دارين؟»
«ابنك.»
نظر إليه الرجل بهدوء تام، وقال بصوت طبيعي كمن يصحح معلومة بسيطة:
«ليس لدي أبناء. أنا وزوجتي لم نُنجب قط.»
ولم يبدُ عليه أي ارتباك في قول ذلك. كانت الجملة عادية بالنسبة إليه كأي جملة أخرى يقولها في يوم عادي.
حاول أورِن مرة أخرى:
«كانت هناك ورشة حدادة هنا.»
«لم تكن هنا ورشة قط،» قال الرجل. «هذا بيتي منذ أن بنيته بيدي، قبل زواجي.»
لم يرفع صوته، ولم يكرر الجملة، ولم يبدُ عليه أنه يخفي شيئًا. أجاب وكأنه يجيب عن سؤال عن الطقس.
نظر إليه أورِن لحظة أطول مما ينبغي، ثم أومأ برأسه دون أن يعرف لماذا أومأ، وابتعد الرجل عن الباب وأغلقه بهدوء، دون فضول، ودون أن يسأل أورِن من هو أو ماذا يريد أكثر من ذلك.
سار أورِن بضع خطوات بعيدًا عن البيت، ثم توقف وسط الطريق.
دارين.
كرر الاسم في ذهنه، فبدا واضحًا تمامًا كما كان قبل دقائق. تذكر أنه كان يبحث عن شخص بهذا الاسم، وأن هذا الشخص كان جزءًا من شيء أكبر، شيء يخصه هو نفسه بطريقة ما.
حاول أن يستعيد وجهه. جاءته ملامح عامة: شعر داكن، جسم نحيل، يدان معتادتان على العمل الشاق. لكن حين حاول أن يثبّت هذه الملامح في صورة واحدة، وجد الصورة تتفكك بمجرد أن يقترب منها أكثر، كأنها رسمة على سطح ماء يتموج بلمسة إصبع.
ربط الاسم بالحدادة. الحدادة بالورشة. الورشة بالبيت الذي رآه للتو. حاول أن يمسك هذه السلسلة، فوجد أن كل حلقة فيها تُفلت من التالية بمجرد أن يريد الإمساك بها معًا.
قال الاسم بصوت منخفض، لنفسه فقط.
«دارين.»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.