كفاح رغم الارتحال
الفصل 529 – كفاح رغم الارتحال
“لم يستأنف جيش نو إر تو زحفه، بل عسكر في موضعه يلملم شتات صفوفه ويصطاد أعدادًا غفيرة من قطعان الفهود البرية.”
سارت جحافل جيش عشيرة ما وسط مستنقع طيني موحل غاصت فيه أقدام الخيول وأرجل المقاتلين، ورغم وعورة المسالك ومشقة الطريق، ارتقت معنويات الجيش إلى عنان السماء مفعمة بالعزم والنشوة.
حمل الرسالة السيد الماكر سون شي هان بابتسامة خبيثة؛ وكانت مرسلة علنًا من تشانغ بياو، يستعرض فيها ذكريات الماضي ويدعو ملك الذئاب للقاء ودي قبل المعركة لتصفية القلوب ورؤية ولده تشانغ جي يو.
لم تزل نشوة النصر الكاسح على عشيرة دو وابتلاع كامل قواتها وغنائمها ترتسم بجلاء باذخ على وجوه القادة والجنود في كل فيلق من فيالق الجيش؛ فالغنائم بدت وفيرة والتعويضات ضخمة عززت تسليحهم ومؤنهم.
امتطى القائد الشاب ما ينغ جيه صهوة جواده المطهم، يرمق صفوف فرسانه وضباطه برضا واعتزاز وفخر باذخ يملأ جنبات صدره؛ وبينما يتأمل خطوط المسير، تقدم نحوه سيد غو استطلاعي على عجل، جاثيًا على ركبة واحدة وهو يرفع بكلتا يديه أحدث التقارير الاستخباراتية السرية الواردة من مختلف جبهات القتال في السهول الشمالية.
رفعت تشاو ليان يون رأسها فجأة وهي تشهق بالبكاء، ورمقت في تساي بنظرات تفيض بالغضب والغيظ من بين مقلتيها الغارقتين في الدموع، وركلته ركلة طفولية حانقة: “أيها الأبله الغبي! ألا تتقن حتى مواساة المنكوبين؟!”
فض ما ينغ جيه ختم اللفافة وشرع يقرأ سطورها بتمعن واهتمام بالغ:
سارت جحافل جيش عشيرة ما وسط مستنقع طيني موحل غاصت فيه أقدام الخيول وأرجل المقاتلين، ورغم وعورة المسالك ومشقة الطريق، ارتقت معنويات الجيش إلى عنان السماء مفعمة بالعزم والنشوة.
“بدأت رحى الحرب بين عشيرتي هي وليو؛ وأسفرت الجولة الافتتاحية الأولى عن تعادل دموي بين الطرفين، واستقر المعسكران متقابلين خلف خطوط الدفاع في حالة من الجمود والمراوحة.”
“أيتها الفتاة اللئيمة! أتختبئين هنا وتكلفينني عناء البحث عنكِ في هذا الوحل؟! انهضي فورًا، فوالدتكِ تطلب حضوركِ على عجل!” رُفعت ستارة العربة فجأة، وبرزت العجوز المشرفة ومدت يدها الغليظة لتجذب ذراع تشاو ليان يون بقسوة.
“تعرض جيش يي لوي لكمين ليلي غادر شنته الجيوش السبعة المتحالفة؛ وأبدى يي لوي سانغ بأسًا أسطوريًا وقهر ستة من كبار خبراء المرتبة الخامسة على التوالي، بيد أن يدًا واحدة لا تصفق وعجز بمفرده عن إنقاذ الجيش المتداعي؛ وتفر الفلول المتبقية من عشيرة يي لوي حاليًا صوب إقليم تشينغ آن.”
“ماذا؟!” شهقت العجوز في صدمة، وانحبست كلماتها في حلقها وتبدد غضبها كالسراب، ليحل محله رعب كاسح شل أطرافها.
“قبل ملك الجرذان جيانغ باو يا دعوة عشيرة يانغ، وانضم رسميًا إلى حلفهم.”
“سيدتي الصغيرة شياو يون!” سارع في تساي لإسنادها في هلع.
“لم يستأنف جيش نو إر تو زحفه، بل عسكر في موضعه يلملم شتات صفوفه ويصطاد أعدادًا غفيرة من قطعان الفهود البرية.”
“بدأت رحى الحرب بين عشيرتي هي وليو؛ وأسفرت الجولة الافتتاحية الأولى عن تعادل دموي بين الطرفين، واستقر المعسكران متقابلين خلف خطوط الدفاع في حالة من الجمود والمراوحة.”
رسمت تلك الأنباء ابتسامة بهيجة على محيا ما ينغ جيه: ‘هي لو لان وليو ون وو من أبرز المرشحين لحسم الصراع على البلاط الإمبراطوري؛ وما تصورت أن يصطدما في هذا الوقت المبكر؛ ومن الخير لنا أن يستنزف كلاهما الآخر حتى الرمق الأخير! أما يي لوي سانغ، فمع امتلاكه لغو الخلود بات جيشًا قائمًا بذاته؛ إلا أن المباغتة المنسقة للجيوش السبعة ضده تنم على الأرجح عن تحريض خفي من خالدين يقفون في كنف جبل الجليد المبارك.’
‘على من أعتمد؟! وأي سبيل أسلك في هذا العالم المظلم؟!’
لكي ترتقي عشيرة ما إلى مصاف العشائر الفائقة، تحالفت في الخفاء مع أسياد غو الخلود من المسار الشيطاني الطامعين في أسرار مبنى يانغ الحقيقي الثامن والثمانين؛ وبصفته القائد الشاب للعشيرة، أحاط ما ينغ جيه علمًا بتلك الصفقات المظلمة الدائرة وراء الكواليس.
“تعرض جيش يي لوي لكمين ليلي غادر شنته الجيوش السبعة المتحالفة؛ وأبدى يي لوي سانغ بأسًا أسطوريًا وقهر ستة من كبار خبراء المرتبة الخامسة على التوالي، بيد أن يدًا واحدة لا تصفق وعجز بمفرده عن إنقاذ الجيش المتداعي؛ وتفر الفلول المتبقية من عشيرة يي لوي حاليًا صوب إقليم تشينغ آن.”
بدت السهول الشمالية برمتها كرقعة شطرنج عملاقة مترامية الأطراف، بينما جلس أسياد غو الخلود المتعالون في أبراجهم العاجية يحركون بيادقها البشرية بمهارة ودهاء؛ وكل قطرة دم تسيل في هذا الصعيد ليست سوى ثمن لخططهم الكبرى.
‘بيد أن الموقف العام لعشيرة ما يظل الأفضل والأرسخ؛ فخصومنا المقبلون أدنى منا قوة وبأسًا؛ وطالما واصلنا حصد الانتصارات وابتلاع العشائر وتوسيع فيالقنا، فستتعاظم حظوظنا في دخول البلاط الإمبراطوري مع كل إشراقة شمس!’
فضلاً عن كبار أسياد غو الخلود في المسار الصالح، امتلك شياطين المسار الشيطاني الخالدون بيادقهم الخاصة التي يغدقون عليها الدعم في الخفاء لخدمة أطماعهم التوسعية؛ والعشائر ذات سلالة هوانغ جين لم تتورع عن مد يد التعاون والتحالف السري مع أولئك الشياطين بحثًا عن طوق نجاة يعزز فرص بقائها في هذا العالم القاسي؛ فإذا تجرعت الهزيمة المنكرة في سباق البلاط الإمبراطوري، أمكنها اللجوء إلى الأراضي المباركة التابعة لأولئك الخالدين الشياطين للاحتماء من بطش العاصفة الثلجية العشرية الماحقة التي لا تبقي ولا تذر.
رفعت تشاو ليان يون رأسها فجأة وهي تشهق بالبكاء، ورمقت في تساي بنظرات تفيض بالغضب والغيظ من بين مقلتيها الغارقتين في الدموع، وركلته ركلة طفولية حانقة: “أيها الأبله الغبي! ألا تتقن حتى مواساة المنكوبين؟!”
ديدان غو الخلود نادرة كالكبريت الأحمر، وامتلاك واحدة منها يغير موازين الوجود.
…
تسليم الشيخ الأسمى لعشيرة يي لوي دودة غو خالدة من مسار النار ليي لوي سانغ مثل رهانًا باذخًا فائق الجسارة في لعبة الموت والسيادة؛ رهانًا وضع العشيرة بأسرها على حافة الهاوية.
سارت جحافل جيش عشيرة ما وسط مستنقع طيني موحل غاصت فيه أقدام الخيول وأرجل المقاتلين، ورغم وعورة المسالك ومشقة الطريق، ارتقت معنويات الجيش إلى عنان السماء مفعمة بالعزم والنشوة.
وفق الأعراف التي سنها السلف الخالد الشمس العملاقة، طالما تمكن الفانون من انتزاع دودة غو خالدة في خضم الصراع، فلا يحق لأسياد غو الخلود استردادها بالقوة.
‘لن أقبل بالاقتران بذلك الخنزير المقيت ولو كلفني الأمر مفارقة روحي للحياة! ولكن ما هي حيلتي في هذا المعترك العاتي؟! أنا مجرد فتاة بشرية فانية لم تبلغ الثالثة عشرة من عمرها بعد، ولم يحن موعد إيقاظ فتحتها البدائية، ولا أدري حتى اللحظة إن كنت أحمل أدنى موهبة في صقل الغو أصلاً؛ وفوق ذلك كله، فإن الغريم الذي سفك دم والدي هو دو إي، ذلك الخبير المرعب من المرتبة الخامسة الذي انضوى لتوه تحت لواء تحالف ما، وغدا من كبار أركان القيادة النافذين!’
مثل هذا الرهان الجسور ينطوي حتمًا على أخطار مهلكة مقابلة.
“حيلة نفسية مكشوفة.” ابتسم فانغ يوان بسخرية وألقى الرسالة جانبًا.
فحمل يي لوي سانغ لغو الخلود جعله هدفًا ثمينًا في أعين الخالدين المتربصين، فحرضوا تلك الجيوش السبعة لمباغتته واستلاب كنزه.
وفق الأعراف التي سنها السلف الخالد الشمس العملاقة، طالما تمكن الفانون من انتزاع دودة غو خالدة في خضم الصراع، فلا يحق لأسياد غو الخلود استردادها بالقوة.
‘انضمام ملك الجرذان إلى عشيرة يانغ يعني تحالفه مع ملك النسور يانغ بو ينغ، ليغدو تحالف يانغ الحصان الأسود الجديد في صراع السيادة؛ بيد أن جذورهم أضعف بمراحل من عشيرة ما، وقطيع الجرذان تهشم بصورة فادحة، فلا يمثلون خطرًا داهمًا علينا.’
‘على من أعتمد؟! وأي سبيل أسلك في هذا العالم المظلم؟!’
‘أما نو إر تو، فرغم تلقيبه بملك الفهود، فقد تكبد خسائر فادحة في وحوشه؛ والمستغرب أنه يصطاد الفهود البرية بنفسه دون الاستغاثة بسيده الخالد الراعي، وذلك مسلك يدعو للريبة…’
قبض ما ينغ جيه على عنان فرسه بقوة، والتمعت عيناه بنيران الطموح المتوقدة؛ فطموحات الرجال تدفعهم دومًا لاقتحام الملمات وتشييد المآثر الخالدة.
‘بيد أن الموقف العام لعشيرة ما يظل الأفضل والأرسخ؛ فخصومنا المقبلون أدنى منا قوة وبأسًا؛ وطالما واصلنا حصد الانتصارات وابتلاع العشائر وتوسيع فيالقنا، فستتعاظم حظوظنا في دخول البلاط الإمبراطوري مع كل إشراقة شمس!’
بفقدانها لتلك المظلة الأبوية الحنونة التي لطالما غمرتها بالحب والعطف والحماية، أحست تشاو ليان يون بأن أركان عالمها قد تداعت دفعة واحدة وسقطت في هوة سحيقة لا قاع لها؛ ففي الليلة عينها التي قضى فيها والدها نحبه وتلطخ جثمانه بالتراب، سارعت زوجة أبيها إلى الاقتران بالزعيم الجديد لعشيرة تشاو، لتتجرد الطفلة من كل امتياز وتهوي مكانتها الاجتماعية إلى الحضيض في طرفة عين.
قبض ما ينغ جيه على عنان فرسه بقوة، والتمعت عيناه بنيران الطموح المتوقدة؛ فطموحات الرجال تدفعهم دومًا لاقتحام الملمات وتشييد المآثر الخالدة.
“لم يستأنف جيش نو إر تو زحفه، بل عسكر في موضعه يلملم شتات صفوفه ويصطاد أعدادًا غفيرة من قطعان الفهود البرية.”
في اللحظة عينها التي سادت فيها تلك البهجة العارمة أرجاء الجيش المنتصر، جلست طفلة صغيرة في زاوية معتمة من إحدى العربات تجهش بالبكاء والنحيب.
“أجلبت طعامًا؟” تناولت الطعام بنهم وبدأت تلتهمه بسرعة.
“سيدتي الصغيرة شياو يون، أرجوكِ كفي عن البكاء ولا تمزقي فؤادكِ الصغير بالحزن والأسى؛ فموت والدكِ مصاب جلل يفطر القلوب، إلا أن عليكِ أن تأكلي شيئًا من هذا الخبز وتشربي قطرات من الماء، وإلا خارت قواكِ وسقطتِ صريعة الجوع والإعياء الشديد.” وقف الصبي الأبله في تساي بجانبها داخل العربة، وقد تملكه القلق والاضطراب وهو يحاول مواساتها بعبارات خرقاء تنم عن عاطفة بريئة صادقة.
رسمت تلك الأنباء ابتسامة بهيجة على محيا ما ينغ جيه: ‘هي لو لان وليو ون وو من أبرز المرشحين لحسم الصراع على البلاط الإمبراطوري؛ وما تصورت أن يصطدما في هذا الوقت المبكر؛ ومن الخير لنا أن يستنزف كلاهما الآخر حتى الرمق الأخير! أما يي لوي سانغ، فمع امتلاكه لغو الخلود بات جيشًا قائمًا بذاته؛ إلا أن المباغتة المنسقة للجيوش السبعة ضده تنم على الأرجح عن تحريض خفي من خالدين يقفون في كنف جبل الجليد المبارك.’
تلك الطفلة المنكسرة الباكية تمثلت في تشاو ليان يون.
ارتجف جسد تشاو ليان يون بالكامل، وسقطت متهالكة فوق ألواح العربة الخشبية كغصن قصفته الرياح.
فقد ضحى والدها، زعيم عشيرة تشاو السابق، بحياته في المعركة الكبرى السابقة التي خاضتها العشيرة، حيث سقط صريعًا بسلاح خبير المرتبة الخامسة دو إي.
“لم يستأنف جيش نو إر تو زحفه، بل عسكر في موضعه يلملم شتات صفوفه ويصطاد أعدادًا غفيرة من قطعان الفهود البرية.”
بفقدانها لتلك المظلة الأبوية الحنونة التي لطالما غمرتها بالحب والعطف والحماية، أحست تشاو ليان يون بأن أركان عالمها قد تداعت دفعة واحدة وسقطت في هوة سحيقة لا قاع لها؛ ففي الليلة عينها التي قضى فيها والدها نحبه وتلطخ جثمانه بالتراب، سارعت زوجة أبيها إلى الاقتران بالزعيم الجديد لعشيرة تشاو، لتتجرد الطفلة من كل امتياز وتهوي مكانتها الاجتماعية إلى الحضيض في طرفة عين.
“ماذا؟!” صرخت تشاو ليان يون في ذهول وفزع لا إرادي.
“سقوط الضحايا قدر محتوم في كل حرب، وهذا شأن مألوف في سهولنا؛ حتى والدي استشهد وقُتل على أيدي الأعداء في ساحة الوغى.” واصل في تساي محاولاته المتعثرة لتهدئتها حين رأى دموعها السخينة تنهمر كالسيل دون انقطاع.
الفصل 529 – كفاح رغم الارتحال
رفعت تشاو ليان يون رأسها فجأة وهي تشهق بالبكاء، ورمقت في تساي بنظرات تفيض بالغضب والغيظ من بين مقلتيها الغارقتين في الدموع، وركلته ركلة طفولية حانقة: “أيها الأبله الغبي! ألا تتقن حتى مواساة المنكوبين؟!”
“ماذا؟!” صرخت تشاو ليان يون في ذهول وفزع لا إرادي.
لم يكن حزنها العميق تصنعًا أو رياءً؛ فرغم انتقالها الغامض إلى هذا العالم الغريب منذ مدة وجيزة، فإن العطف الأبوي الصادق الذي غمرها به والدها الراحل جاء خالصًا لا تشوبه شائبة؛ وأحست بامتنان جارف لذلك الحنان الصادق، وتحول اعتمادها عليه تدريجيًا إلى مودة أسرية حقيقية.
في اللحظة عينها التي سادت فيها تلك البهجة العارمة أرجاء الجيش المنتصر، جلست طفلة صغيرة في زاوية معتمة من إحدى العربات تجهش بالبكاء والنحيب.
اليوم، قضى والدها في ساحة الوغى، لتجد نفسها وحيدة طريدة بلا ناصر ولا معين.
حطمت تلك الصدمة العنيفة وذلك الواقع الجليدي القاسي كل كبرياء أحمق وادعاء فارغ لطالما حملته تشاو ليان يون في أعماقها بصفتها ‘مرتحلة عبر العوالم’ حطت رحالها من الأرض إلى هذا العالم الغريب.
“أيتها الفتاة اللئيمة! أتختبئين هنا وتكلفينني عناء البحث عنكِ في هذا الوحل؟! انهضي فورًا، فوالدتكِ تطلب حضوركِ على عجل!” رُفعت ستارة العربة فجأة، وبرزت العجوز المشرفة ومدت يدها الغليظة لتجذب ذراع تشاو ليان يون بقسوة.
تلك الطفلة المنكسرة الباكية تمثلت في تشاو ليان يون.
قاومت تشاو ليان يون وصرخت بحرقة: “أمي ماتت وشبعت موتًا، وتلك الخائنة ليست أمي! ولن أذهب معها أبدًا!”
عقب تلك الصدمة المروعة والمهانة العلنية، اكفهر وجه العجوز في كبت وحقد، وحدقت في تشاو ليان يون بحدة: “أيتها الفتاة المغرورة، حتى كبير خدم القائد الشاب لن يعصمكِ من مصيركِ المحتوم؛ فأنتِ من صلب عشيرة تشاو، ولن تفصمي وشائجكِ عنا حتى في قبركِ؛ وأمكِ الحالية هي سيدة العشيرة المطاعة؛ فاسمعي وعي جيدًا: لقد رتبت سيدة العشيرة زواجكِ رسميًا من السيد الشاب الأكبر لعشيرة وي! فالزمي الأدب واقبلي بالأمر الواقع!”
“ليس لكِ من الأمر شيء!” شخرت العجوز بازدراء وشرعت في جر الطفلة خارج العربة عنوة.
…
فعندما خدمت تشاو ليان يون في السابق، ذاقت الأمرين من مقالب الفتاة الصغيرة وسخريتها اللاذعة؛ واليوم، وهي تشهد هذا المآل المأساوي لسيدتها السابقة، غمرتها نشوة الانتقام والشماتة.
‘لن أقبل بالاقتران بذلك الخنزير المقيت ولو كلفني الأمر مفارقة روحي للحياة! ولكن ما هي حيلتي في هذا المعترك العاتي؟! أنا مجرد فتاة بشرية فانية لم تبلغ الثالثة عشرة من عمرها بعد، ولم يحن موعد إيقاظ فتحتها البدائية، ولا أدري حتى اللحظة إن كنت أحمل أدنى موهبة في صقل الغو أصلاً؛ وفوق ذلك كله، فإن الغريم الذي سفك دم والدي هو دو إي، ذلك الخبير المرعب من المرتبة الخامسة الذي انضوى لتوه تحت لواء تحالف ما، وغدا من كبار أركان القيادة النافذين!’
“اتركي السيدة الصغيرة شياو يون!” صرخ في تساي ولكم العجوز المشرفة لكمة قوية استقرت في وجهها.
شخرت تشاو ليان يون باعتداد: “لست بالفتاة العادية حتى أستسلم لتلك الحماقات! وسأعتمد عليك في تدبير أموري في هذا المعسكر يا في تساي.”
هوت العجوز خارج العربة من شدة الضربة، ثم نهضت تتحسس عينها التي اسودت وانتفخت، وزعقت بصوت حاد يشبه نعيق الغربان: “تجرؤ على ضربي؟! عبد حقير يرفع يده على مواطنة حرة؟! من أين أتتك هذه الجسارة العمياء؟! سأرفع أمرك للقادة وسأشهد هلاكك؛ سيسلخون جلدك حيًا ويعلقون جثتك في الشمس حتى تجف تمامًا!”
مثل هذا الرهان الجسور ينطوي حتمًا على أخطار مهلكة مقابلة.
استشاطت العجوز غضبًا، وبدا شعرها المنكوش ونظراتها الشرسة كدجاجة عجوز تقفز في جنون؛ واجتذبت صرخاتها الحادة أنظار المارة والجنود المحيطين بالعربة.
“أجل، لقد حسمت أمري؛ الاعتماد على النفس هو المخرج الوحيد؛ والزواج مشروط ببلوغي السادسة عشرة، وما زال أمامي متسع من الوقت للتدبير!” اشتعلت عيناها بنيران العزم والتحدي.
قبض في تساي على يديه ووقف مشدود القامة يرمق العجوز بنظرات حازمة، حاميًا تشاو ليان يون خلف ظهره كالجدار الحصين.
فضلاً عن كبار أسياد غو الخلود في المسار الصالح، امتلك شياطين المسار الشيطاني الخالدون بيادقهم الخاصة التي يغدقون عليها الدعم في الخفاء لخدمة أطماعهم التوسعية؛ والعشائر ذات سلالة هوانغ جين لم تتورع عن مد يد التعاون والتحالف السري مع أولئك الشياطين بحثًا عن طوق نجاة يعزز فرص بقائها في هذا العالم القاسي؛ فإذا تجرعت الهزيمة المنكرة في سباق البلاط الإمبراطوري، أمكنها اللجوء إلى الأراضي المباركة التابعة لأولئك الخالدين الشياطين للاحتماء من بطش العاصفة الثلجية العشرية الماحقة التي لا تبقي ولا تذر.
أزاحت تشاو ليان يون ذراع في تساي ووقفت فوق لوح العربة الخشبي، ودموعها لم تزل تبلل وجنتيها البيضاوين، ثم رمقت العجوز بنظرة ازدراء باردة وقالت: “ماذا؟! أتريدين معاقبة في تساي وتدميره؟! حسنًا، ارفعي شكواكِ؛ إلا أن الأعراف تقتضي الرجوع أولًا إلى سيده لطلب التعويض؛ وبما أن الأمر كذلك، فاذهبي لمقابلة قائد التحالف الشاب؛ ففي تساي هو كبير خدم اللورد ما ينغ جيه المسؤول عن شؤونه اليومية!”
استشاطت العجوز غضبًا، وبدا شعرها المنكوش ونظراتها الشرسة كدجاجة عجوز تقفز في جنون؛ واجتذبت صرخاتها الحادة أنظار المارة والجنود المحيطين بالعربة.
“ماذا؟!” شهقت العجوز في صدمة، وانحبست كلماتها في حلقها وتبدد غضبها كالسراب، ليحل محله رعب كاسح شل أطرافها.
‘لا عجب أن قصة فرار سو شيان الليلي حفرت مجدها في قلوب نساء السهول؛ فمطاردة السعادة خير من الاستسلام المقيت، وإن حفتها الأخطار!’
هذا الصبي الأرعن الغبي هو الخادم الشخصي للورد ما ينغ جيه؟! بل كبير خدمه المباشر المشرف على طعامه ومقامه؟!
‘انضمام ملك الجرذان إلى عشيرة يانغ يعني تحالفه مع ملك النسور يانغ بو ينغ، ليغدو تحالف يانغ الحصان الأسود الجديد في صراع السيادة؛ بيد أن جذورهم أضعف بمراحل من عشيرة ما، وقطيع الجرذان تهشم بصورة فادحة، فلا يمثلون خطرًا داهمًا علينا.’
من يضرب الكلب عليه أن يحسب حساب صاحبه أولًا!
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
قد تعد العجوز حرة ذات مكانة أرفع من العبيد، بيد أن حظوة في تساي لدى ما ينغ جيه تجعل مكانته تفوق مكانتها بمراحل؛ وإن تجرأت على إثارة الشغب، فستبادر عشيرة تشاو نفسها إلى التضحية برأسها استرضاءً للقائد الشاب!
عصف التيه والذعر بفؤاد تشاو ليان يون الصغير.
عقب تلك الصدمة المروعة والمهانة العلنية، اكفهر وجه العجوز في كبت وحقد، وحدقت في تشاو ليان يون بحدة: “أيتها الفتاة المغرورة، حتى كبير خدم القائد الشاب لن يعصمكِ من مصيركِ المحتوم؛ فأنتِ من صلب عشيرة تشاو، ولن تفصمي وشائجكِ عنا حتى في قبركِ؛ وأمكِ الحالية هي سيدة العشيرة المطاعة؛ فاسمعي وعي جيدًا: لقد رتبت سيدة العشيرة زواجكِ رسميًا من السيد الشاب الأكبر لعشيرة وي! فالزمي الأدب واقبلي بالأمر الواقع!”
تنهدت تشاو ليان يون في سرها: ‘الفائز يحوز كل شيء، وتحت العروش الباذخة ترقد تلال الجماجم؛ ويا لها من ورطة خبيثة، ارتحلت إلى هذا العالم وقبل أن يشتد عودي حُكم عليّ بالهلاك والشجون!’
“ماذا؟!” صرخت تشاو ليان يون في ذهول وفزع لا إرادي.
“سيدتي الصغيرة شياو يون!” سارع في تساي لإسنادها في هلع.
“الاقتران بالسيد الشاب لعشيرة وي بركة عظمى ونعمة لا تستحقينها!” ضحكت العجوز بخبث وغادرت تتهادى في فخر بعدما رمت قنبلتها القاتلة.
فوق ذلك كله، ترزح النساء في السهول الشمالية تحت وطأة تمييز صارخ واضطهاد متجذر في البنية القبلية؛ إذ يُعاملن كبضائع تجارية وسلع مقايضة رخيصة في عقد التحالفات والصفقات السياسية بين العشائر؛ والمرأة في هذه البقاع مقيدة بالخضوع المطلق لإرادة الرجال ولا تملك حق الاعتراض أو رد الزواج القسري مهما كان العريس مقيتًا؛ وتلك شريعة ظالمة سنها السلف الخالد الموقر، الشمس العملاقة، ورسخها كقانون لا يجرؤ أحد على نقضه عبر الأجيال المتعاقبة.
ارتجف جسد تشاو ليان يون بالكامل، وسقطت متهالكة فوق ألواح العربة الخشبية كغصن قصفته الرياح.
تلك الطفلة المنكسرة الباكية تمثلت في تشاو ليان يون.
“سيدتي الصغيرة شياو يون!” سارع في تساي لإسنادها في هلع.
ارتجف جسد تشاو ليان يون بالكامل، وسقطت متهالكة فوق ألواح العربة الخشبية كغصن قصفته الرياح.
ظلت تشاو ليان يون مسمرة الملامح في حالة من الذهول واليأس المطبق؛ وعلى مدار ثلاثة أيام بلياليها، انزوت في ركن معتم من العربة دون حراك ودون أن تنبس ببنت شفة، بينما حاول في تساي إطعامها ومواساتها كأنها دمية خشبية فاقدة للروح.
بفقدانها لتلك المظلة الأبوية الحنونة التي لطالما غمرتها بالحب والعطف والحماية، أحست تشاو ليان يون بأن أركان عالمها قد تداعت دفعة واحدة وسقطت في هوة سحيقة لا قاع لها؛ ففي الليلة عينها التي قضى فيها والدها نحبه وتلطخ جثمانه بالتراب، سارعت زوجة أبيها إلى الاقتران بالزعيم الجديد لعشيرة تشاو، لتتجرد الطفلة من كل امتياز وتهوي مكانتها الاجتماعية إلى الحضيض في طرفة عين.
حطمت تلك الصدمة العنيفة وذلك الواقع الجليدي القاسي كل كبرياء أحمق وادعاء فارغ لطالما حملته تشاو ليان يون في أعماقها بصفتها ‘مرتحلة عبر العوالم’ حطت رحالها من الأرض إلى هذا العالم الغريب.
‘بيد أن الموقف العام لعشيرة ما يظل الأفضل والأرسخ؛ فخصومنا المقبلون أدنى منا قوة وبأسًا؛ وطالما واصلنا حصد الانتصارات وابتلاع العشائر وتوسيع فيالقنا، فستتعاظم حظوظنا في دخول البلاط الإمبراطوري مع كل إشراقة شمس!’
أدركت الحقيقة المرة في سريرتها بنضج مفاجئ مسح كل أوهامها: ‘الارتحال بين العوالم لا يمنح المرء ميزة خارقة أو حصانة مطلقة من المآسي؛ فكيف تجرأت وتوهمت أن بمقدوري إشعال العواصف وقلب الموازين في هذا الوجود الموحش، وأنا التي لم أكن سوى فتاة عادية تافهة لا حول لها ولا طول في عالمي السابق البسيط؟! كم مثل ذلك التفكير سذاجة صبيانية مقيتة!’
“بدأت رحى الحرب بين عشيرتي هي وليو؛ وأسفرت الجولة الافتتاحية الأولى عن تعادل دموي بين الطرفين، واستقر المعسكران متقابلين خلف خطوط الدفاع في حالة من الجمود والمراوحة.”
فوق ذلك كله، ترزح النساء في السهول الشمالية تحت وطأة تمييز صارخ واضطهاد متجذر في البنية القبلية؛ إذ يُعاملن كبضائع تجارية وسلع مقايضة رخيصة في عقد التحالفات والصفقات السياسية بين العشائر؛ والمرأة في هذه البقاع مقيدة بالخضوع المطلق لإرادة الرجال ولا تملك حق الاعتراض أو رد الزواج القسري مهما كان العريس مقيتًا؛ وتلك شريعة ظالمة سنها السلف الخالد الموقر، الشمس العملاقة، ورسخها كقانون لا يجرؤ أحد على نقضه عبر الأجيال المتعاقبة.
‘أما نو إر تو، فرغم تلقيبه بملك الفهود، فقد تكبد خسائر فادحة في وحوشه؛ والمستغرب أنه يصطاد الفهود البرية بنفسه دون الاستغاثة بسيده الخالد الراعي، وذلك مسلك يدعو للريبة…’
في السابق، كانت تستمع إلى بطولات السلف الشمس العملاقة كأسطورة بطولية مجيدة؛ واليوم، تتجرع بنفسها ويلات ظلمه ونظرته الدونية للنساء: “النساء كالثياب، بينما الإخوة كالأيدي والأقدام!” وتلك المقولة رفعت منزلة الرجال وهبطت بمكانة النساء إلى قاع الحضيض، ليغدو السلف الشمس العملاقة أبغض كائن في وجدانها.
“الاقتران بالسيد الشاب لعشيرة وي بركة عظمى ونعمة لا تستحقينها!” ضحكت العجوز بخبث وغادرت تتهادى في فخر بعدما رمت قنبلتها القاتلة.
‘لا عجب أن قصة فرار سو شيان الليلي حفرت مجدها في قلوب نساء السهول؛ فمطاردة السعادة خير من الاستسلام المقيت، وإن حفتها الأخطار!’
‘بيد أن الموقف العام لعشيرة ما يظل الأفضل والأرسخ؛ فخصومنا المقبلون أدنى منا قوة وبأسًا؛ وطالما واصلنا حصد الانتصارات وابتلاع العشائر وتوسيع فيالقنا، فستتعاظم حظوظنا في دخول البلاط الإمبراطوري مع كل إشراقة شمس!’
‘والسيد الشاب الأكبر لعشيرة وي حثالة ونكرة ذائع الصيت في المروج؛ فهو سمين مقيت كخنزير بري يغطي الجدري والدمامل وجهه القبيح، ولا تتجاوز زراعته العقيمة ذروة المرتبة الأولى، ومع ذلك يفيض مجونًا وخلاعة وتقلبًا في النزوات؛ ولفرط حماقته وعجزه المطبق، انتُزعت وراثة زعامة عشيرة وي من يده لتؤول إلى أخيه الأصغر الأكثر حكمة!’
“ليس لكِ من الأمر شيء!” شخرت العجوز بازدراء وشرعت في جر الطفلة خارج العربة عنوة.
‘لن أقبل بالاقتران بذلك الخنزير المقيت ولو كلفني الأمر مفارقة روحي للحياة! ولكن ما هي حيلتي في هذا المعترك العاتي؟! أنا مجرد فتاة بشرية فانية لم تبلغ الثالثة عشرة من عمرها بعد، ولم يحن موعد إيقاظ فتحتها البدائية، ولا أدري حتى اللحظة إن كنت أحمل أدنى موهبة في صقل الغو أصلاً؛ وفوق ذلك كله، فإن الغريم الذي سفك دم والدي هو دو إي، ذلك الخبير المرعب من المرتبة الخامسة الذي انضوى لتوه تحت لواء تحالف ما، وغدا من كبار أركان القيادة النافذين!’
فضلاً عن كبار أسياد غو الخلود في المسار الصالح، امتلك شياطين المسار الشيطاني الخالدون بيادقهم الخاصة التي يغدقون عليها الدعم في الخفاء لخدمة أطماعهم التوسعية؛ والعشائر ذات سلالة هوانغ جين لم تتورع عن مد يد التعاون والتحالف السري مع أولئك الشياطين بحثًا عن طوق نجاة يعزز فرص بقائها في هذا العالم القاسي؛ فإذا تجرعت الهزيمة المنكرة في سباق البلاط الإمبراطوري، أمكنها اللجوء إلى الأراضي المباركة التابعة لأولئك الخالدين الشياطين للاحتماء من بطش العاصفة الثلجية العشرية الماحقة التي لا تبقي ولا تذر.
‘على من أعتمد؟! وأي سبيل أسلك في هذا العالم المظلم؟!’
فعندما خدمت تشاو ليان يون في السابق، ذاقت الأمرين من مقالب الفتاة الصغيرة وسخريتها اللاذعة؛ واليوم، وهي تشهد هذا المآل المأساوي لسيدتها السابقة، غمرتها نشوة الانتقام والشماتة.
عصف التيه والذعر بفؤاد تشاو ليان يون الصغير.
فحمل يي لوي سانغ لغو الخلود جعله هدفًا ثمينًا في أعين الخالدين المتربصين، فحرضوا تلك الجيوش السبعة لمباغتته واستلاب كنزه.
في صباح اليوم الرابع، رفع في تساي ستارة العربة حاملًا الطعام والماء، لتشرق شمس الصباح على وجه الفتاة الشاحب.
اليوم، قضى والدها في ساحة الوغى، لتجد نفسها وحيدة طريدة بلا ناصر ولا معين.
استيقظت تشاو ليان يون وفتحت عينيها المنتفختين من البكاء.
حمل الرسالة السيد الماكر سون شي هان بابتسامة خبيثة؛ وكانت مرسلة علنًا من تشانغ بياو، يستعرض فيها ذكريات الماضي ويدعو ملك الذئاب للقاء ودي قبل المعركة لتصفية القلوب ورؤية ولده تشانغ جي يو.
“أجلبت طعامًا؟” تناولت الطعام بنهم وبدأت تلتهمه بسرعة.
‘والسيد الشاب الأكبر لعشيرة وي حثالة ونكرة ذائع الصيت في المروج؛ فهو سمين مقيت كخنزير بري يغطي الجدري والدمامل وجهه القبيح، ولا تتجاوز زراعته العقيمة ذروة المرتبة الأولى، ومع ذلك يفيض مجونًا وخلاعة وتقلبًا في النزوات؛ ولفرط حماقته وعجزه المطبق، انتُزعت وراثة زعامة عشيرة وي من يده لتؤول إلى أخيه الأصغر الأكثر حكمة!’
“سيدتي الصغيرة، هل أنتِ بخير؟” تهلل وجه في تساي فرحًا.
تسليم الشيخ الأسمى لعشيرة يي لوي دودة غو خالدة من مسار النار ليي لوي سانغ مثل رهانًا باذخًا فائق الجسارة في لعبة الموت والسيادة؛ رهانًا وضع العشيرة بأسرها على حافة الهاوية.
“أجل، لقد حسمت أمري؛ الاعتماد على النفس هو المخرج الوحيد؛ والزواج مشروط ببلوغي السادسة عشرة، وما زال أمامي متسع من الوقت للتدبير!” اشتعلت عيناها بنيران العزم والتحدي.
لم يكن حزنها العميق تصنعًا أو رياءً؛ فرغم انتقالها الغامض إلى هذا العالم الغريب منذ مدة وجيزة، فإن العطف الأبوي الصادق الذي غمرها به والدها الراحل جاء خالصًا لا تشوبه شائبة؛ وأحست بامتنان جارف لذلك الحنان الصادق، وتحول اعتمادها عليه تدريجيًا إلى مودة أسرية حقيقية.
“ألن تقبلي بالزواج؟!” دهش في تساي؛ فالأعراف تقضي بالاستسلام المطلق.
لم يكن حزنها العميق تصنعًا أو رياءً؛ فرغم انتقالها الغامض إلى هذا العالم الغريب منذ مدة وجيزة، فإن العطف الأبوي الصادق الذي غمرها به والدها الراحل جاء خالصًا لا تشوبه شائبة؛ وأحست بامتنان جارف لذلك الحنان الصادق، وتحول اعتمادها عليه تدريجيًا إلى مودة أسرية حقيقية.
شخرت تشاو ليان يون باعتداد: “لست بالفتاة العادية حتى أستسلم لتلك الحماقات! وسأعتمد عليك في تدبير أموري في هذا المعسكر يا في تساي.”
“سيدتي الصغيرة، هل أنتِ بخير؟” تهلل وجه في تساي فرحًا.
“لا تقلقي، اتركي الأمر لي!” ربت في تساي على صدره بابتسامة بلهاء.
امتطى القائد الشاب ما ينغ جيه صهوة جواده المطهم، يرمق صفوف فرسانه وضباطه برضا واعتزاز وفخر باذخ يملأ جنبات صدره؛ وبينما يتأمل خطوط المسير، تقدم نحوه سيد غو استطلاعي على عجل، جاثيًا على ركبة واحدة وهو يرفع بكلتا يديه أحدث التقارير الاستخباراتية السرية الواردة من مختلف جبهات القتال في السهول الشمالية.
تنهدت تشاو ليان يون في سرها: ‘الفائز يحوز كل شيء، وتحت العروش الباذخة ترقد تلال الجماجم؛ ويا لها من ورطة خبيثة، ارتحلت إلى هذا العالم وقبل أن يشتد عودي حُكم عليّ بالهلاك والشجون!’
لم يكن حزنها العميق تصنعًا أو رياءً؛ فرغم انتقالها الغامض إلى هذا العالم الغريب منذ مدة وجيزة، فإن العطف الأبوي الصادق الذي غمرها به والدها الراحل جاء خالصًا لا تشوبه شائبة؛ وأحست بامتنان جارف لذلك الحنان الصادق، وتحول اعتمادها عليه تدريجيًا إلى مودة أسرية حقيقية.
…
“تعرض جيش يي لوي لكمين ليلي غادر شنته الجيوش السبعة المتحالفة؛ وأبدى يي لوي سانغ بأسًا أسطوريًا وقهر ستة من كبار خبراء المرتبة الخامسة على التوالي، بيد أن يدًا واحدة لا تصفق وعجز بمفرده عن إنقاذ الجيش المتداعي؛ وتفر الفلول المتبقية من عشيرة يي لوي حاليًا صوب إقليم تشينغ آن.”
في معسكر عشيرة هي، وُضعت رسالة خطية مفتوحة أمام فانغ يوان.
“حيلة نفسية مكشوفة.” ابتسم فانغ يوان بسخرية وألقى الرسالة جانبًا.
حمل الرسالة السيد الماكر سون شي هان بابتسامة خبيثة؛ وكانت مرسلة علنًا من تشانغ بياو، يستعرض فيها ذكريات الماضي ويدعو ملك الذئاب للقاء ودي قبل المعركة لتصفية القلوب ورؤية ولده تشانغ جي يو.
“قبل ملك الجرذان جيانغ باو يا دعوة عشيرة يانغ، وانضم رسميًا إلى حلفهم.”
“حيلة نفسية مكشوفة.” ابتسم فانغ يوان بسخرية وألقى الرسالة جانبًا.
فض ما ينغ جيه ختم اللفافة وشرع يقرأ سطورها بتمعن واهتمام بالغ:
ابتسم سون شي هان بمكر: “لقد وصلت إمدادات الخالدين من قطيع الذئاب المتحولة وغو معطف الروح الكامنة من المرتبة الخامسة؛ بيد أن كبار قادة التحالف يترددون في تسليمها لك إثر هذه الرسالة، ويأملون أن يبادر اللورد تشانغ إلى محاربة عشيرته لإثبات براءته المطلقة ونقاء ولائه؛ وإلا فإن تسليم الذئاب…”
فض ما ينغ جيه ختم اللفافة وشرع يقرأ سطورها بتمعن واهتمام بالغ:
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
رفعت تشاو ليان يون رأسها فجأة وهي تشهق بالبكاء، ورمقت في تساي بنظرات تفيض بالغضب والغيظ من بين مقلتيها الغارقتين في الدموع، وركلته ركلة طفولية حانقة: “أيها الأبله الغبي! ألا تتقن حتى مواساة المنكوبين؟!”
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
‘انضمام ملك الجرذان إلى عشيرة يانغ يعني تحالفه مع ملك النسور يانغ بو ينغ، ليغدو تحالف يانغ الحصان الأسود الجديد في صراع السيادة؛ بيد أن جذورهم أضعف بمراحل من عشيرة ما، وقطيع الجرذان تهشم بصورة فادحة، فلا يمثلون خطرًا داهمًا علينا.’
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
“سقوط الضحايا قدر محتوم في كل حرب، وهذا شأن مألوف في سهولنا؛ حتى والدي استشهد وقُتل على أيدي الأعداء في ساحة الوغى.” واصل في تساي محاولاته المتعثرة لتهدئتها حين رأى دموعها السخينة تنهمر كالسيل دون انقطاع.
‘أما نو إر تو، فرغم تلقيبه بملك الفهود، فقد تكبد خسائر فادحة في وحوشه؛ والمستغرب أنه يصطاد الفهود البرية بنفسه دون الاستغاثة بسيده الخالد الراعي، وذلك مسلك يدعو للريبة…’
