في مدينة صغيرة بلا اسم، كان جيش قد اقتحمها للتو وطرد مزارعي هاوية الخطيئة، وهو الآن يستريح.
وفي مقر سيد المدينة، كان لي يوفو يحمل رمز أمر وهو يسرع إلى أكثر الأفنية عزلة داخل المقر.
وبعد عزلته الأخيرة، نجح لي يوفو في الاختراق إلى المرحلة المتوسطة من عالم النواة الذهبية.
ورغم المعارك المتواصلة، لم يشعر بأي إرهاق. بل كانت ابتسامة خافتة تعلو زاويتي شفتيه كثيرًا أثناء التأمل.
وتذكّر تقييم سلفه الأعظم لعمّه الأكبر، فلم يستطع منع نفسه من الإعجاب به إعجابًا عميقًا. فحتى حين كان كلاهما في عالم بناء الأساس، كان سلفه الأعظم قد رأى إمكانات عمّه الأكبر.
وبعد هذه الحرب، ستتضمن غنائم تحالف النطاقين بالتأكيد حصة لتشين سانغ. فبضعة مناجم غنية بالموارد من السهول وحدها كافية لدعم تطور طائفة.
وبتوجيهات من تشين سانغ، كان هو وماي غو يجنّدان أيضًا تلاميذ لمعبد تشينغيانغ من بين المزارعين الجوالين. وباسم تشين سانغ وحده، قلّ من استطاع المقاومة. وقد وجدوا بالفعل عدة مواهب واعدة.
ومن السهل تخيّل أنه ما إن يعلن تشين سانغ تأسيس الطائفة، حتى يصعد معبد تشينغيانغ إلى قوة لا يمكن لأحد تجاهلها! وكل هذا بناه عمّه الأكبر وحده!
‘لم أتوقع أن تتحقق وصية السلف الأعظم الأخيرة بهذه السرعة…’ ومع تحقق أمنيته التي حملها طويلًا، لم يعد لي يوفو يشعر بالقلق ولا بالعبء. وركّز تمامًا على الزراعة.
كان يدرك بوضوح أن كل هذا مؤقت. ففي نهر الزمن اللامتناهي، نهضت طوائف لا تُحصى وسقطت كأزهار عابرة.
وكان أساس معبد تشينغيانغ لا يزال ضحلًا. لكن أساسًا كهذا لا يُبنى بين ليلة وضحاها. وحتى مع قدرات عمّه الأكبر الاستثنائية، لا يمكن إنجازه فورًا. فالمسؤولية تقع على عاتق الجيل الأصغر!
شدّ لي يوفو قبضته على رمز الأمر، وتعبيره حازم. ولما وصل أمام الفناء، فعّل الحاجز برفق وقال بهدوء: “أيها العم الأكبر، المعرفة القديمة التي ذكرتها خارج مقر سيد المدينة الآن. وهو يرغب في رؤيتك.”
وجاء صوت تشين سانغ من الداخل: “أوه؟ لقد وصل أخيرًا. أدخله.”
“أمرك!”
خرج تشين سانغ من الحجرة الهادئة، وكثّف الأرض إلى حجر، وشكّل منضدة وكرسيين.
ومنذ لقائهما الأخير، كانت هذه أول مرة يأتي فيها شانغقوان ليفنغ لزيارته.
لم يرسل تشين سانغ أحدًا للبحث عنه، كأنه نسيه تمامًا. غير أنه كان قد أمر سرًّا بالتحري عنه، وكوّن بالفعل بعض الفهم لشخصية شانغقوان ليفنغ.
وبعد لحظة، قاد لي يوفو شانغقوان ليفنغ إلى الداخل. وبعد أن أدّى التحية، انسحب بهدوء.
“تشي—أيها الكبير.” تردد شانغقوان ليفنغ لحظة وانحنى ليؤدي التحية، لكن قوة لطيفة رفعته قبل أن يكملها.
“التقينا حين كنا كلانا ضئيل الشأن. فلماذا هذا التباعد؟ من الآن فصاعدًا، ناديني ببساطة السيد الداوي تشينغفينغ. فهذا يبدو أطبع…” ابتسم تشين سانغ وأشار إلى المقعد الحجري المقابل له. “تفضّل بالجلوس!”
“شكرًا لك أيها السيد الداوي.” جلس شانغقوان ليفنغ كما طُلب منه، وإن بقي تعبيره متصلبًا متحفظًا.
تنهّد تشين سانغ في سرّه. فالفجوة في الزراعة قائمة بوضوح. ولن تعود علاقتهما إلى ما كانت عليه قط. وحتى لو أراد معاملته بلطف، فلن يجرؤ شانغقوان ليفنغ على قبوله.
تفحّص معرفته القديمة. كان شانغقوان ليفنغ يجلس منتصبًا. ولم يشبه لباسه لباس مزارع من النواة الذهبية، بل لباس محارب سيف عريض من البشر العاديين.
كان يرتدي ثيابًا ضيقة، ولم يكن سيفه العريض النفيس مخزّنًا في جسده. بل كان معلقًا مائلًا على ظهره. ومع أنه مغمد، فقد كان يمكن الإحساس بشكل غامض بإرادة سيف عريض حادة للغاية تنبعث منه، كأنه سيعطش للدم ما إن يغادر غمده.
وكانت هذه تقنية شانغقوان ليفنغ السرية الفريدة في تغذية إرادة السيف العريض.
“أيها الداوي، هل واجهت متاعب؟” لاحظ تشين سانغ التردد في عيني شانغقوان ليفنغ فسأل.
تصلّب شانغقوان ليفنغ، كأن أفكاره انكشفت، وقد باغته الأمر بوضوح.
فمنذ أن قرر زيارة تشين سانغ، كان متذبذبًا، لا يدري كيف يتكلم حين يلتقيان. فمع أنهما معرفة قديمة، فإنهما قاتلا معًا مرة واحدة فقط. ومرّ مئتا عام دون اتصال. فما الفرق بين ذلك وبين الغرباء؟
ولم يكن شانغقوان ليفنغ يعتقد أن صلة سطحية كهذه ستجعل سلفًا أعظم من مرحلة الرضيع الروحي ينظر إليه بشكل مختلف، وبخاصة أنه أنقذه قبل وقت قصير.
ولو كان الطرف الآخر متقلب المزاج، فإن تجاوز الحدود لن يؤدي إلا إلى عواقب وخيمة.
وبعد أن شدّ عزمه، نهض شانغقوان ليفنغ فجأة. “أرجو أن تغفر وقاحتي أيها السيد الداوي. أريد أن أطلب منك أن ترشدني مرة أخرى.”
بدا تشين سانغ متأملًا. فقد رأى نوايا شانغقوان ليفنغ منذ زمن طويل.
وقبل أن يسأل تشين سانغ، بادر شانغقوان ليفنغ إلى سرد تجربته. “حين افترقنا في المرة السابقة، عرضتَ عليّ بنفسك. وقد أسرني داو الذبح الكامن في فن سيفك أسرًا تامًّا. ومنذ ذلك الحين، نقشته في قلبي ولم أستطع نسيانه. وفي وقت لاحق، صادف أن واجهت معارك كبرى، فدخلت ساحة المعركة طواعية، أقاتل وأكافح مئة عام. وأدركت أخيرًا أثرًا منه. ولولا ذلك، لما واجهت على الأرجح كل هذه المصاعب ولما استغرق تشكيل نواتي الذهبية كل هذا الوقت. لكنني لا أندم! غير أنني، بعد الاختراق إلى عالم النواة الذهبية، لم أعد أرى الدرب أمامي…”
استدعى شانغقوان ليفنغ سيفه العريض النفيس إلى كفه ومسّده برفق. وظهر في عينيه أثر من الحيرة.
وبعد أن استمع، أومأ تشين سانغ إيماءة خفيفة. نظر إلى شانغقوان ليفنغ، ثم إلى السيف العريض في يده، وسأل فجأة: “قلتَ إنك سعيتَ وراء هذا مئة عام. أكنتَ حقًّا مكرّسًا لداو الذبح، أم كنتَ مغرمًا بالسيف العريض نفسه؟”
تجمّد تعبير شانغقوان ليفنغ أمام هذا السؤال. فتح فمه ولم يستطع الكلام. وتصبّب العرق على وجهه في الحال، وارتجفت شفتاه. “أنا—”
طنين! دوّى صرير سيف دون إنذار.
فزع شانغقوان ليفنغ. وفجأة اختفى كل شيء، بما فيه تشين سانغ. ولم يبقَ في مجال رؤيته سوى سيف طائر واحد!
كان السيف الطائر مثاليًّا. كل انحناءة فيه في موضعها تمامًا، خفيف شفاف كالبلّور المزجّج. كانت تلك فكرته الأولى.
ثم أدرك برعب أن السيف الطائر قد ظهر أمامه في لحظة غير معلومة، على بعد بوصات فحسب. ولم ير حتى مساره قبل أن يضغط طرفه على منتصف جبينه.
وكانت التجربة هذه المرة مختلفة تمامًا عن المرة السابقة. فلم تكن هناك طاقة سيف تكتسح الاتجاهات الثمانية، ولا أي أثر لنية القتل. لقد عاد إلى البساطة.
ومع ذلك، شعر شانغقوان ليفنغ كأنه قد قُطع عن كل شيء في العالم. ومهما كافح، لم يستطع الإفلات من هذا السيف. وبالطبع، لم تكن لديه القدرة على الإفلات أيضًا.
طقطقت عظامه بعنف. وبدت ذراعاه ثقيلتين كالجبال. واحمرّت عيناه بالدم، واحمر وجهه، وعجز تمامًا عن الحركة.
وعلى شفا الموت، لم يحطم الضغط المرعب قلب داوه. بل زأر في داخله، وهو يحدّق بعينين متسعتين في السيف الطائر أمامه.
“آه!” برزت العروق في جسد شانغقوان ليفنغ. والتوى تعبيره وهو يطلق أخيرًا زئيرًا أجشّ.
وبكل قوته، ضخّ جوهره الحقيقي في سيفه العريض وشقّ إلى الأمام بكل ما أوتي!
سلاش! وسط زئيره، مزّق ضوء السيف العريض الهواء كقوس قزح منطلق، وضرب السيف الطائر بدقة تامة.
وفي اللحظة التالية، اختفى ضوء السيف العريض والسيف الطائر كلاهما بلا صوت. وفي الوقت نفسه، زال الضغط عن شانغقوان ليفنغ.
“هاف، هاف…” دعم نفسه بسيفه العريض على الأرض، وهو يلهث. وشعر جسده كله بالاستنزاف، كأن كل جوهره الحقيقي قد استُهلك في تلك الضربة الواحدة.
زقزقة، زقزقة… جاء تغريد الطيور من السماء.
مرّت بضعة طيور في الأعلى، تغرّد بمرح، غير مدركة تمامًا للشذوذ في الفناء.
استعاد شانغقوان ليفنغ وعيه كمن يستيقظ من حلم. أغمد سيفه العريض وانحنى باحترام. “أيها السيد الداوي، شكرًا على إرشادك.”
لم تبدد تلك الضربة حيرته كليًّا، لكنها شقّت صدعًا في الضباب اللامتناهي، مما أتاح له أن يلمح نوعًا آخر من المشاهد.
غير أن هذه التجربة بدت مختلفة إلى حد ما عن السابقة. ولم يستطع أن يعبّر بوضوح عن موضع الاختلاف.
وعزاه إلى تغيّر مستويات زراعتهما. ومع ذلك، أحب شانغقوان ليفنغ هذا الشعور كثيرًا. وبدا أنه بالضبط ما كان يبحث عنه.
“كانت لي معرفة قديمة زرعت الفن نفسه الذي أزرعه. وبناءً على ذلك الفن، ألّف مخطوطة سيف. وما رأيته للتو هو الشكل الأول من تلك المخطوطة،” قال تشين سانغ بهدوء.
ذُهل شانغقوان ليفنغ.
نهض تشين سانغ وسار نحو الحجرة الهادئة. “حين تجد جواب ذلك السؤال، تعال وابحث عني مجددًا.”
وأدرك شانغقوان ليفنغ أنه يُصرف، فأدّى تحية القبضة والكف وانسحب من الفناء.
كان لي يوفو ينتظر في الخارج. ولما رآه يخرج، أشار وقال: “كلّفني العم الأكبر بإعداد حجرة هادئة لك. تفضّل بالمجيء معي.”
“شكرًا لك أيها الداوي.” شكره شانغقوان ليفنغ وهو شارد الذهن.
لاحظ لي يوفو شيئًا غير عادي وشعر بفضول إزاء ما فعله عمّه الأكبر به.
‘أترى هذا الرجل سينضم إلى معبد تشينغيانغ في المستقبل؟ إن كان الأمر كذلك، فسيكون لمعبد تشينغيانغ ثلاثة مزارعي نواة ذهبية. وفوق ذلك، لهذا الرجل بعض السمعة، ويبدو أن العم الأكبر يقدّره كثيرًا. وربما تكون لديه حتى إمكانية بلوغ عالم الرضيع الروحي.’ فكّر لي يوفو.
وبعد ذلك اليوم، لم يذهب شانغقوان ليفنغ للبحث عن تشين سانغ مرة أخرى. ولم يستعجله تشين سانغ كذلك، بل منحه الوقت.
فمنذ القدم، ذُكر السيف العريض والسيف معًا. وبين مزارعي المراتب الدنيا، كان الفرق بينهما ضئيلًا، إذ كلاهما سلاح قتل. لكن كلما ارتفع عالم المرء، اتسع الفرق بينهما حتى يصير كالمسافة بين السماء والأرض.
وإن لم يكن شانغقوان ليفنغ راغبًا في التخلي عن السيف العريض وزراعة السيف، فحتى لو نقل إليه تشين سانغ مخطوطة سيف تشينغتشو، فسيصعب عليه تحقيق الكثير، إلا إن كان يملك موهبة الكبير تشينغتشو المذهلة ويستطيع دراسة مخطوطة السيف مع استيعاب فنون السيف العريض منها.
لكن تشين سانغ رأى أن الفرص ضئيلة، لأن شانغقوان ليفنغ لم يبقَ لديه كثير من الوقت. ففي أكثر من مئتي عام بقليل، عليه أن يخوض زراعة شاقة، ويستعد لتشكيل رضيعه الروحي، ويبتكر أيضًا فن سيفه العريض الخاص. وصعوبة ذلك واضحة!
وكانت قوة شانغقوان ليفنغ تكمن في تركيزه المطلق، وهذا في حد ذاته نوع من الموهبة.
ولو استطاع مواصلة درب السيف الذي شقّه الكبير تشينغتشو، فقد يحقق شيئًا، ولهذا السبب كان تشين سانغ مستعدًّا لمنحه فرصة.
لكن من بين كل شيء في العالم، أصعب ما في الأمر هو الاختيار، وبخاصة حين يتعلق بدرب الزراعة الخاص بالمرء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تم تغيير مزارعين مارقين الى جوالين افضل لسمعي
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.