سقطت القاعة الكبرى في صمت مطبق.
تنهّد الداوي تشي في سرّه وأوعز بهدوء إلى مرؤوسيه الموثوقين بمراقبة تحركات تحالف النطاقين عن كثب. فهؤلاء الوحوش العجائز متكبرون جامحون. ولن يطيعوا أوامره طاعة تامة أبدًا.
“أين يُحتجز أتباع الشيطان العجوز يي الموثوقون الآن؟” قال رجل عجوز فجأة، والتفت لينظر إلى الداوي تشي.
وبينما كان الداوي تشي على وشك أن يجيب، أطلق رجل في منتصف العمر بجانب العجوز ضحكة ساخرة. “من الواضح أن الشيطان العجوز يي قد جنّ تمامًا. أما زلت تظن أنك تستطيع استخدام أولئك الناس لتهديده؟ إن مساعديه الموثوقين وتلاميذه لم يكونوا سوى أدوات لإخفاء نواياه الحقيقية. ولا سبيل إلى أنه كشف لهم أي أسرار حقيقية.”
“وعند التفكير في الأمر الآن، لم أسمع قط أن للشيطان العجوز يي أقارب بالدم ما زالوا أحياء. ومع ذلك، فإن تلاميذه القلائل هؤلاء كانوا جميعًا موهوبين إلى حد كبير. ويا للأسف،” قال أحدهم بلا اكتراث.
فقد أساء الشيطان العجوز يي إلى فصائل كثيرة جدًّا. ومن السهل تخيّل المصير الذي ينتظر تلاميذه. فلعجز تلك الفصائل عن العثور عليه، لم يكن بوسعها سوى تفريغ غضبها فيهم بدلًا منه.
ولم تكن لدى هؤلاء الوحوش العجائز قط قلة في وسائل تعذيب الآخرين. وحتى الموت سيكون بعيد المنال.
وكان بين مزارعي الرضيع الروحي أيضًا موالون متعصبون للشيطان العجوز يي، مثل جيانغ تشينزي. غير أنه قبل أن يتحرك أي أحد آخر، كان الشيطان العجوز يي قد قتلهم جميعًا بنفسه. وهذا يبيّن مدى شرّه وقسوته.
أما بقية الشياطين العجائز، فلم يخضعوا إلا بسبب قوة الشيطان العجوز يي الساحقة. ولم يكن أي منهم من المقرّبين الحقيقيين له.
“سأذهب لألقي نظرة.” أطلق العجوز شخيرًا باردًا، ونهض، وخطا نحو الباب.
ورثى الداوي تشي أولئك الناس في صمت.
وجاء تذبذب فجائي من خارج القاعة. “لقد عاد الحكيم!”
انتفض الجميع واقفين. وفي اللحظة التالية، دفع تسانغهونغ الباب ودخل. فتوقف العجوز على عجل في مكانه.
وفي اللحظة التي رأوا فيها أن تسانغهونغ عاد وحده، ارتفع في قلب الجميع شعور سيئ.
“لقد خذلتكم جميعًا. فقد كانت قوتي غير كافية. أخفقت في إيقاف الشيطان العجوز يي، وقد هرب إلى قصر إله الخطيئة. والجنية تشيوتشي تنصب الآن مصفوفة لإغلاق مخرج البوابة السماوية.” مسح تسانغهونغ القاعة بنظره، وصارت نبرته جادة. “وهناك أيضًا خبر آخر تلقيته للتو…”
وبعد ساعة، خرج الجميع الواحد تلو الآخر، وعلى كلٍّ منهم تعبير ثقيل، يتحركون على عجل.
***
وفي معسكر تحالف النطاقين، ارتفعت الأصوات وانخفضت وهم جميعًا يناقشون طرق كسر المصفوفة.
وفجأة، دخل مزارع من الأجيال الأصغر في عالم النواة الذهبية ليبلّغ، وقدّم شريحة يشم.
تناول تشنيي شريحة اليشم. وبعد أن قرأها، ظهر أثر من الدهشة على وجهه، وضحك. “هذه رسالة بخط يد تسانغهونغ. هاوية الخطيئة تريد التفاوض على السلام.”
“التفاوض على السلام، أم الاستسلام؟” ذُهل الجميع.
لقد توقعوا منذ زمن طويل أن هذا اليوم سيأتي. فحتى لو طردوا أعداءهم من أرض هاوية الخطيئة، فسيظل من الصعب القضاء عليهم تمامًا، نظرًا إلى أن الطرف الآخر ما زال لديه خبراء من الطراز الأول يشرفون عليهم.
وما لم يتوقعه أي منهم أن يحدث ذلك بهذه السرعة.
“التفاوض على السلام!” شدّد تشنيي. “أما الشروط المحددة، فسيرسل الطرفان ممثلين للقاء وجهًا لوجه عند الفجر غدًا. ما رأيكم جميعًا؟”
وبينما كان يتكلم، مرّر شريحة اليشم بينهم ليقرأها الجميع.
“لا عجب أنهم يريدون السلام. فحبة الأصل الذابل كانت احتيالًا تامًّا. ومواصلة هذه الحرب لا تعود على هاوية الخطيئة بأي منفعة.”
“لكن ما لم ندفعهم إلى الحافة، فلن يستسلموا بسهولة. والتفاوض الآن يصعّب استخراج أفضل الشروط.”
“لا ضرر من لقائهم أولًا. لنرَ ما الذي يستطيعون عرضه. وإن فشلت المحادثات، استأنفنا القتال!”
“لا أحد يعرف هل الشيطان العجوز يي حي أم ميت. وهم في عجلة شديدة للتفاوض، مما يعني أن متغيرًا جديدًا قد ظهر. ويجب أن نتبين حقيقة الأمر.”
“هذا صحيح. يجب أن نكشف كل شيء عن الشيطان العجوز يي، من البداية إلى النهاية!”
“في رسالته، كتب تسانغهونغ أنه مستعد لمناقشة الأمور المتعلقة بالشيطان العجوز يي معنا. ويبدو أنه ينوي استخدام ذلك ورقة مساومة.”
وتحوّل النقاش سريعًا كليًّا إلى الشيطان العجوز يي.
وكان واضحًا أنهم، مثل مزارعي الرضيع الروحي في هاوية الخطيئة، أشد اهتمامًا بالشيطان العجوز يي منهم بأي شيء آخر. فبالنسبة إليهم، لن يعني ضمّ هاوية الخطيئة سوى الاستيلاء على مزيد من الأراضي. وهذا لا يقارن إطلاقًا بقيمة الأسرار المخبأة لدى الشيطان العجوز يي نفسه.
وقد أمسك تسانغهونغ بتلك النقطة بالضبط!
نقر سيد الشياطين تونغيو الطاولة بإصبعه نقرة خفيفة وقال بصوت عميق: “لقد ألحقت هذه الحرب خسائر فادحة بالنطاقين. والناس تتوق إلى الاستقرار. وقد حان وقت التعافي. ومع ذلك، فما قاله رفاقي الداويون صحيح أيضًا. فلا يمكننا تركهم بهذه السهولة. يجب على هاوية الخطيئة أن تعوّضنا عن كل الخسائر التي تسببت بها. والآن وقد انقلب المدّ، فإن أرادوا السلام، فهناك أشياء معينة عليهم تسليمها. كما أن خطة الهجوم التي وضعناها للتو ستمضي كما هو مقرر!”
أومأ الجميع موافقين. فلا بأس بالمفاوضات، لكن لن يُسمح لهاوية الخطيئة أبدًا باستخدام محادثات السلام لكسب الوقت!
قال تشيو هوان فجأة: “لا يهمني أي شيء آخر. أخبروهم بأنه يجب عليهم تسليم ساق من الروتم الأصفر!”
“الروتم الأصفر؟ أليس هذا أحد أثمن الأعشاب الروحية في طائفة شينغهنغ؟ سمعت أن واحدًا فقط ينضج كل ألف سنة، ولم يُسمح له قط بمغادرة الطائفة،” قال الشيخ جي بدهشة، كاشفًا فورًا عن أصل العشبة.
ضحك تشيو هوان. “أيها الشيخ جي، أنت واسع المعرفة! هذا صحيح. ولو لم يكن الروتم الأصفر نادرًا إلى هذا الحد، لكنت وضعت يدي عليه منذ زمن بعيد.”
أومأ تشنيي إيماءة خفيفة. “إسهامات الداوي تشيو واضحة للجميع. وبما أن لدى الداوي تشيو طلبًا، فسنبذل بالتأكيد قصارى جهدنا لتأمينه له. وإن كانت لدى أي منكم مطالب خاصة، فاطرحوها الآن لنتفاوض بهدف واضح.”
وسرعان ما حُدد الوفد الأولي للمفاوضات: تشنيي والشيخ جي وسيد الشياطين تونغيو وتشينغ جون وتشين سانغ، إضافةً إلى تشيو هوان، الذي يعرف هاوية الخطيئة أفضل من الجميع.
“أوه؟ هل لا تزال الداوية لينغ في الخارج؟” نظر تشنيي إلى تشين سانغ بدهشة.
أومأ تشين سانغ. “اطمئن أيها السيد الداوي. سأرسل إلى الداوية لينغ كل التفاصيل. وإن لم تعد بحلول فجر الغد، فلن نحتاج إلى انتظارها.”
فبعد اختراق مصفوفة مدينة يو الدفاعية، كانت تشينغ جون قد وجدت تشين سانغ وقالت إن لديها أمرًا عاجلًا يجب أن تعالجه فورًا. ثم غادرت ولم تعد بعد.
ولم يكن لدى تشين سانغ أدنى فكرة عما يجري، ولم يسأل. وفي الوقت الحالي، تولّى مؤقتًا واجبات أخته الكبرى.
ولحسن الحظ، كانت هاوية الخطيئة قد انسحبت إلى داخل المدينة ولم تجرؤ على شنّ هجوم، فلم تطرأ أي تغيرات غير متوقعة.
***
وطوال الليل كله، سطعت الأضواء خارج المدينة. وأعدّ تحالف النطاقين نفسه للحرب بهدوء ومنهجية، غير متأثر إطلاقًا بالمفاوضات القادمة.
وفي صباح اليوم التالي، أضاء أول إشعاع للفجر الأفق الشرقي، ممتزجًا بدرع الضوء الذهبي في الأعلى. ولم تكن تشينغ جون قد عادت بعد.
اندلعت الحرب، وهزّت صيحات المعركة السماوات. وقلّة جدًّا لاحظت أن خمس هيئات ارتفعت بهدوء إلى السماء.
اجتمعت غيوم بيضاء في الأعلى وتشكّلت في منصة سحاب شاسعة. وفي اللحظة التي خطوا فيها عليها، ظهرت عدة هيئات على الجانب المقابل، وتسانغهونغ يقف في الوسط.
لمح تشين سانغ وجهًا مألوفًا، الجنية تشيوتشي. والتقت نظراتهما، وأومآ تحية.
ومع أنهما خاضا معركة كبرى ضد بعضهما، فلم يكن بينهما كراهية تُذكر. بل كان لدى كل منهما قدر من الإعجاب بقدرات الآخر الخارقة.
“لقد تجرأت فعلًا على مغادرة المدينة. ألا تخشى أن نتحرك هنا؟” نفض تشنيي مذبّته، ومضت في عينيه بارقة باردة.
“أهلًا بك إن جرّبت.” بدا تسانغهونغ واثقًا تمامًا. ومسحت نظرته الخمسة. وحين لم يرَ تشينغ جون، ضاقت عيناه قليلًا، وإن بقي تعبيره هادئًا وهو يمشي على منصة السحاب.
أيقظ تشين سانغ فراشة العين السماوية واكتشف أن كلًّا منهم مغطى بطبقة خافتة من درع ذهبي، لا تكاد تُدرك، بدا أنها وُلدت من المصدر نفسه الذي وُلد منه درع الضوء الذهبي للمصفوفة العظمى.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.