ون شوت
لوريلاي وقفت في المنتصف، شعرها الأسود المتشابك يرفرف كأعلام الموت.
“لوريلاي كروفورد! هل تنتبهين؟”
أن يكون العالم هو العنكبوت.
ليس بطريقة مثيرة.
صوت الآنسة كالدويل انشقَّ عبر ضباب الصف مثل سكين صدئ، حادٌّ بما يكفي لجرح الهواء نفسه. كانت المعلمة واقفة أمام السبورة، جسدها النحيل يلوح كظلٍّ طويل تحت الضوء الباهت للمصابيح الكهربائية التي تتدلى من السقف المتشقق. يديها المشوّهتين بالأورام والعقد تضغطان على حافة المنضدة، وكأنها تخشى أن تنهار الأرض تحت قدميها لو تركتها.
الأنياب تغوص في الرقبة.
عيناها صغيرتان، ضيقتان، بلون الطين الجاف تحدقان في لوريلاي بتقزُّزٍ واضح، كما لو كانت الفتاة بقعة عَفِنَة على جدار الفصل. خطوط التجاعيد على وجهها كانت عميقةً كخنادق، محفورةً بسنوات من العبوس والامتعاض. شعرها الرمادي، المربوط في كعكةٍ مشدودةٍ إلى حدِّ الألم، بدا وكأنه يحاول الفرار من جمجمتها.
الجنازة.
لكن لوريلاي لم تكن تنتبه.
ثم ستقف أمام المرآة، تجاويف عينيها الفارغة تنزف أسوداً، لكنها ستبتسم أخيراً، لأنها لن ترى الوحوش بعد اليوم.
“حسنًا.”
كانت عيناها تلك العينان الغائرتان، السوداوتان كحبر الأخطبوط تحدقان في شيءٍ ما خلف كتف المعلمة. شيءٍ لا يراه أحدٌ غيرها.
“العناكب…” همست، صوتها خشنٌ كحفيف أوراق الخريف الميتة. “كنتم تتحدثون عن العناكب.”
“أنتِ غير حقيقية.”
ضحك الفصل. لكنه لم يكن ضحكاً طبيعياً بل كان صوتاً مكسوراً، مشوهاً، كصراخ غربانٍ تُذبح واحدةً تلو الأخرى. الضحكات ارتدت من الجدران العارية، مختلطةً مع همساتٍ مسمومة:
اقترب.
“مجنونة…”
“أمها عاهرة، طبعاً ستكون هكذا…”
“بنت الشيطان…”
“سعيد برؤيتك.”
صوتٌ مجوفٌ يتردد في جمجمتها، كجرسٍ مدفون تحت أميال من التراب الرطب.
الآنسة كالدويل ضربت عصاها الخشبية على المنضدة. الصوت كان كطلقة مسدس في صمت المقبرة.
“وقاحة!” هزت رأسها، وكأنها تتخيل كيف سيكون شكل لوريلاي مشنوقةً بحبلٍ من أمعائها. “العناكب خيال! أوهام! مثل وحيد القرن والهيبوجريف خرافاتٌ لا مكان لها في عالم العقل!”
لكنها قفزت.
لكن لوريلاي لم تسمع.
أصابعها النحيلة، الشاحبة كديدان المقابر، كانت ترسم على ظهر يدها. خطوطٌ سوداء من قلم الحبر تكوّن شكلاً ثماني الأرجل… ثم عيوناً… ثم فماً مفتوحاً يقطر سماً أسود.
أصابعها النحيلة، الشاحبة كديدان المقابر، كانت ترسم على ظهر يدها. خطوطٌ سوداء من قلم الحبر تكوّن شكلاً ثماني الأرجل… ثم عيوناً… ثم فماً مفتوحاً يقطر سماً أسود.
العنكبوت على يدها تحرّك.
لم يكن صريرًا، ولا طقطقة.
لكنها لم تفزع.
ثم ضحكت.
اليأس.
لقد اعتادت عليها.
لوريلاي تركت حقيبتها تسقط على الأرض.
—
“توقفي عن التحديق بي هكذا، لوريلاي كروفورد، إنه مروع.”
لكن الأغرب…
“أخبريني…”
البلدة تصغر تحتها.
همسةٌ لاذعةٌ من المقعد المجاور. ميلاني بروكس فتاةٌ ذات وجهٍ مدببٍ كالفأر، وعينين زائغتين بلون الماء الراكد تميل نحوها، مبتسمةً بسنٍّ واحدةٍ مكسورة.
“هل هناك أي عناكب عليَّ الآن؟”
وأغلقت عينيها.
لوريلاي التفتت إليها ببطء. رأسها مال قليلاً، كطائرٍ ينظر إلى دودةٍ تتعفن تحت أشعة الشمس.
لكن لوريلاي لم تكن تفكر في جمال عينيها بل في إزالتهما.
الطبيب الشرعي كتب بخط متعب: “تسمم كحولي حاد”.
ثم رأته.
العنكبوت الأسود الكبير يزحف من بين شفتي ميلاني، ساقاه الأماميتان تمسكان بلسانها المتعفن بينما يجرّ جسده المتورم عبر ذقنها. شعيرات أرجلَه تخدش جلدها، تاركةً خيوطاً لزجةً من الظلام.
كان أول عنكبوت رأته في حياتها يخرج من فم أبيها المعوج، في ذلك اليوم الذي اختفى فيه إلى الأبد، تاركاً وراءه فقط رائحة الويسكي وبطاقة ائتمانٍ منتهية الصلاحية.
لوريلاي أومأت.
لكن لوريلاي لم تكن تنتبه.
“على رقبتك.”
حتى تنظر إلى الأسفل، إلى كل تلك الوجوه الصغيرة التي ضحكت عليها، إلى العالم الذي لم يرغب بها أبدًا.
سجارة متدلية من شفتيها الكرزية المزيفة، الرماد يسقط على صدرها البادي.
لحظةٌ من الذعر. عينا ميلاني اتسعتا، يدها ارتعشت نحو عنقها…
ثم ضحكت.
عينا لوريلاي كانتا مفتوحتين.
“لطالما حلمت بالرحيل…”
ضحكةٌ مكتومة، كأنها تختنق بدمائها الخاصة.
الذبابة تنتفض، ثم تسقط ساكنة.
“حقاً، كروفورد، أنتِ أكثر غرابةً مما يقولون!”
لوريلاي التفتت إليها ببطء. رأسها مال قليلاً، كطائرٍ ينظر إلى دودةٍ تتعفن تحت أشعة الشمس.
لكنها لم تفزع.
لكن لوريلاي لم تعد تنظر إليها.
صياد عجوز عيناه غائمتان من الخمر والسنين رأى شيئًا أسود يتلوى على أرضية الغابة.
فالعنكبوت على رقبة ميلاني كان قد التفتَ نحوها الآن، وعيونه الثمانية، السوداء، اللامعة تحدق مباشرةً في عيني لوريلاي.
“لطالما حلمت بالرحيل…”
وفمُه إن كان له فم ابتسم.
—
السقف فوقها كان متشققاً، خطوطٌ سوداء تتفرع كأوردة ميتة. لوريلاي حدّقت فيه، محاولةً أن تتخيل نفسها تذوب في الظل.
“سعيد برؤيتك.”
ليس فقط خاليًا من الأطفال، بل خاليًا من الحياة ذاتها. الأرجوحة المتحللة تئن تحت ريح خفيفة، كأنها تندب طفلاً لم يعد موجودًا. حبات المطر الأولى بدأت بالسقوط، باردة كدموع الأشباح.
لكن لوريلاي لم تعد تنظر إليها.
في منزل المقطورة المهجور، وجدوا ريفا كين ممددة على الأريكة البالية. زجاجات الخمر الفارغة تحيط بها كأتباع مخلصين. عيناها الزجاجيتان اللتان طالما أخفتها خلف نظارات شمسية فاخرة كانتا مفتوحتين على مصراعيهما، والفم المغطى بأحمر شفاه زهري فاتح مثقوب بخيط عنكبوت أسود يمتد إلى الحلق.
“لطالما حلمت بالرحيل…”
.
الظلال في عقل لوريلاي لم تكن مجرد غياب ضوء، بل كيانات حية تتنفس، تتشكل من خيوط العتمة التي تتسلل من زوايا عالمها. كانت تتخيلها أحيانًا كأيدٍ باردة، زلقة كحبر الأخطابيط، تنزلق حول عنقها النحيل، تضغط بلطفٍ قاتل حتى يختفي الهواء، حتى يختفي الضوء، حتى لا يبقى سوى ذلك **الصدى**.
“حسنًا.”
استمرت في وليمتها.
صوتٌ مجوفٌ يتردد في جمجمتها، كجرسٍ مدفون تحت أميال من التراب الرطب.
لأن العناكب تحب المشاعر القذرة.
العدم.
“هناك… هناك شيء…”
لكنها لم تكن لتذهب بهذه السهولة.
“مجنونة…”
“حسنًا.”
—
فسحة المدرسة.
الأطفال ساروا في صفوف مرتبة، كل منهم يحمل زهرة بيضاء كاذبة. لكن لا أحد نظر مباشرة إلى التابوت الصغير المفتوح جزئياً.
القاعدة الوحيدة التي يطيعها الجميع هنا. ليس خوفًا من العقاب، بل لأن هناك شيئًا في تلك الظلال يجعل حتى أكثر الأطفال وقاحةً يتراجعون. شيءٌ يجعل الغابة تبدو وكأنها فمٌ مفتوح، ينتظر أن تخطو إليه، أن تسقط بين أسنانه الخشبية، أن تختفي إلى الأبد.
خرجوا كالقطيع، ضحكاتهم المكسورة تتصادم في الهواء كزجاجٍ مهشم. وقفت لوريلاي على حافة الملعب، حذاؤها البالي المقاس خطأ، مهدى من “متجر الخير” مفتوحٌ عند الأصابع، كفمٍ ميتٍ يئن. أصابع قدميها، الشاحبة والمشوهة كديدان تعرضت للشمس، تلمس حافة الإسفلت المتشقق.
“هناك… هناك شيء…”
نظرت نحو الغابة.
لوريلاي أومأت.
أشجار الصنوبر السوداء تمتد كأصابع ميتة نحو السماء الرمادية، أغصانها العارية تتشابك كعروقٍ في جسد عملاقٍ مريض. تخيلت تسلقها اللحاء الخشن يمزق جلدها الورقي، الدم الأسود، الغليظ كالقطران، يسيل على ذراعيها بينما تتسلق أعلى، أعلى…
حتى تصل إلى القمة.
—
صوت الآنسة كالدويل انشقَّ عبر ضباب الصف مثل سكين صدئ، حادٌّ بما يكفي لجرح الهواء نفسه. كانت المعلمة واقفة أمام السبورة، جسدها النحيل يلوح كظلٍّ طويل تحت الضوء الباهت للمصابيح الكهربائية التي تتدلى من السقف المتشقق. يديها المشوّهتين بالأورام والعقد تضغطان على حافة المنضدة، وكأنها تخشى أن تنهار الأرض تحت قدميها لو تركتها.
حتى تنظر إلى الأسفل، إلى كل تلك الوجوه الصغيرة التي ضحكت عليها، إلى العالم الذي لم يرغب بها أبدًا.
“حسنًا.”
“عيناك؟“ سخرت، “الغرور سيكون سبب دمار جيلكم.”
لكنها لم تتحرك.
لكن الممرضة التي ساعدت في نقل الجثة ستقسم لاحقاً أنها رأت شيئاً يتحرك تحت جلد الرقبة.
“ممنوع دخول الغابة.”
القاعدة الوحيدة التي يطيعها الجميع هنا. ليس خوفًا من العقاب، بل لأن هناك شيئًا في تلك الظلال يجعل حتى أكثر الأطفال وقاحةً يتراجعون. شيءٌ يجعل الغابة تبدو وكأنها فمٌ مفتوح، ينتظر أن تخطو إليه، أن تسقط بين أسنانه الخشبية، أن تختفي إلى الأبد.
ليس بطريقة مثيرة.
المساء.
بل بطريقة كئيبة، وقاتلة، وغير ملحوظة.
مشيت إلى المدرسة.
—
لوريلاي أومأت.
العناكب.
لاحظتهم على حافة الغابة.
لكنها لم تكن لتذهب بهذه السهولة.
انحنت، أخذت السجارة من بين الأصابع المتصلبة. أطفأتها في المنفضة التي كانت على وشك السقوط، مثل كل شيءٍ في هذا المنزل.
مئات منهم، متشابكين في شبكاتٍ معقدةٍ كالهيروغليفيات المظلمة، أجسادهم السوداء تتنفس مع الريح. رأت ذبابةً تقترب من أحدهم لحظةٌ من التردد، ثم انقضاض.
“لوريلاي كروفورد! هل تنتبهين؟”
الأنياب تغوص في الرقبة.
الآنسة كالدويل كانت هناك بالفعل. العناكب تزحف على جفونها المتورمة، تتسلل إلى أذنيها، تنسج خيوطاً بين رموشها.
الأرجل الأمامية تضرب كالسكين.
أعلى.
الذبابة تنتفض، ثم تسقط ساكنة.
.
ولكن لوريلاي كانت بخير مع ذلك.
لوريلاي أغلقت عينيها.
لثانيةٍ واحدة، تمنت أن تكون هي الذبابة.
الأرض تقترب.
أن يكون العالم هو العنكبوت.
العدم.
أصابعها النحيلة، الشاحبة كديدان المقابر، كانت ترسم على ظهر يدها. خطوطٌ سوداء من قلم الحبر تكوّن شكلاً ثماني الأرجل… ثم عيوناً… ثم فماً مفتوحاً يقطر سماً أسود.
أن ينتهي كل شيء بهذه السرعة.
حتى تصل إلى القمة.
أكبر شجرة في الغابة جذعها الأسود المتشقق يشبه وجهًا معذبًا، أغصانها الملتوية كأذرع تبحث عن ضحية.
—
“على رقبتك.”
لكن لوريلاي لم تكن تفكر في جمال عينيها بل في إزالتهما.
أكثر مكانٍ في العالم مليء بالعناكب.
أصابعها النحيلة، الشاحبة كديدان المقابر، كانت ترسم على ظهر يدها. خطوطٌ سوداء من قلم الحبر تكوّن شكلاً ثماني الأرجل… ثم عيوناً… ثم فماً مفتوحاً يقطر سماً أسود.
أصابعها النحيلة، الشاحبة كديدان المقابر، كانت ترسم على ظهر يدها. خطوطٌ سوداء من قلم الحبر تكوّن شكلاً ثماني الأرجل… ثم عيوناً… ثم فماً مفتوحاً يقطر سماً أسود.
منزلٌ متنقلٌ متداعٍ في نهاية طريق المقاطعة، صندوق بريده معوجٌ كفكٍّ مكسور نتيجة اصطدام بسيارة شيفروليه ترافيرس يقودها مراهقون سكارى بسرعة 80 ميلاً في الساعة. المزاريب مسدودة بأوراق الشجر المتحللة، جوانبه الفينيلية تتقشر كجلدٍ ميت.
في منزل المقطورة المهجور، وجدوا ريفا كين ممددة على الأريكة البالية. زجاجات الخمر الفارغة تحيط بها كأتباع مخلصين. عيناها الزجاجيتان اللتان طالما أخفتها خلف نظارات شمسية فاخرة كانتا مفتوحتين على مصراعيهما، والفم المغطى بأحمر شفاه زهري فاتح مثقوب بخيط عنكبوت أسود يمتد إلى الحلق.
أعلى.
لكن الشرفة…
—
الشرفة الأمامية كانت تحفةً من الرعب.
نظرت نحو الغابة.
—
خيوط العنكبوت تغطيها من الأعلى إلى الأسفل، سميكةٌ لدرجة أنها بدت كقطعة قماشٍ أسود يرفرف في الريح. العناكب تتدلى كثمارٍ مسمومة، تتلوى، تتزاوج، تلتهم بعضها البعض.
كان خشنًا كجلد ميت، دافئًا بشكل غريب، وكأنه يتنفس.
لأن العناكب تحب المشاعر القذرة.
الخوف.
فسحة المدرسة.
في ضوء الشفق الباهت، بدت الأشجار وكأنها أصابع ميتة تمتد نحو السماء، تتشابك في صرخة صامتة. الأغصان العارية تتمايل كعظام معلقة، والضباب يتسلل بينها كأشباح تبحث عن جسد.
اليأس.
فالعنكبوت على رقبة ميلاني كان قد التفتَ نحوها الآن، وعيونه الثمانية، السوداء، اللامعة تحدق مباشرةً في عيني لوريلاي.
الغضب.
ولكن لوريلاي كانت بخير مع ذلك.
بدأت تتسلق.
الخطيئة.
حلمت بأنها في حفرةٍ عميقة، جدرانها ملساء كالعظام المكسوة بالجلد. حاولت الصراخ، لكن العناكب ملأت فمها، تسحل نفسها إلى حلقها، تختنق بها…
خرجوا كالقطيع، ضحكاتهم المكسورة تتصادم في الهواء كزجاجٍ مهشم. وقفت لوريلاي على حافة الملعب، حذاؤها البالي المقاس خطأ، مهدى من “متجر الخير” مفتوحٌ عند الأصابع، كفمٍ ميتٍ يئن. أصابع قدميها، الشاحبة والمشوهة كديدان تعرضت للشمس، تلمس حافة الإسفلت المتشقق.
—
أعلى.
“العناكب…” همست، صوتها خشنٌ كحفيف أوراق الخريف الميتة. “كنتم تتحدثون عن العناكب.”
صرير الدرجات تحت قدميها كأنين ميتٍ يعود للحياة. الباب الذي فقد قدرته على الإغلاق منذ زمن انفتح بصوتٍ يشبه ضحكةً مكتومة.
. كان معكم لوك
الصباح.
**”أمي.”**
حتى تصل إلى القمة.
المرأة على الأريكة المتهالكة لم تتحرك. شعرها الأشعب المصبوغ بثمنٍ رخيص منتشرٌ كشبكة عنكبوت على الوسادة المتسخة. نظارتها الشمسية ذات العدستين الماسيتين تخفي عينيها الحمراوتين، المتسعتين كعيني جرذٍ في قفص.
رأتهم يختفون.
سجارة متدلية من شفتيها الكرزية المزيفة، الرماد يسقط على صدرها البادي.
عينا لوريلاي كانتا مفتوحتين.
لكن لوريلاي لم تكن تنتبه.
لوريلاي تركت حقيبتها تسقط على الأرض.
“سعيد برؤيتك.”
ارتفعت.
انحنت، أخذت السجارة من بين الأصابع المتصلبة. أطفأتها في المنفضة التي كانت على وشك السقوط، مثل كل شيءٍ في هذا المنزل.
“كان لدي يومٌ جيد في المدرسة.” كذبةٌ بيضاء، صغيرة، لا تضر أحداً. “سأعد العشاء.”
نظرت إلى المطبخ الأطباق المتسخة، العفن في الزوايا، العناكب على السقف.
ثم إلى أمها الجسد الهامد، الروح الميتة منذ زمن.
“حقاً، كروفورد، أنتِ أكثر غرابةً مما يقولون!”
ست ساعات على الأقل.
السيارة الحمراء الهوندا العجوز التي تبدو وكأنها على وشك الموت في أي لحظة كانت مغطاة بطبقةٍ من الغبار وخيوط العنكبوت. لكن لوريلاي لم تكن كبيرةً بما يكفي لقيادتها.
لوريلاي أحصت علب البيرة الفارغة المتناثرة على الأرض كقبورٍ صغيرة في مقبرةٍ مظلمة. اثنتان تحت الطاولة، ثلاث بجوار الأريكة، واحدةٌ مقلوبة بجانب التلفاز المشوش. رائحة الكحول المتعفنة تختلط بعطر أمها الرخيص رائحةٌ تشبه محاولة إخفاء جثةٍ تحت أكوام من الزهور الذابلة.
العشاء سيكون لها وحدها.
لقد اعتادت عليها.
فتحت خزانة المطبخ الصدأ يزحف على مفاصلها كحشراتٍ جائعة. علبة فاصوليا خضراء منتهية الصلاحية، ووافل توست متعفن من الأسبوع الماضي. أكلت على الأريكة بجانب جسد أمها الهامد، بينما التلفاز بشاشته المشوشة التي تظهر الخطوط العمودية كأعمدة سجن يعرض الأخبار.
حلمت بأنها في حفرةٍ عميقة، جدرانها ملساء كالعظام المكسوة بالجلد. حاولت الصراخ، لكن العناكب ملأت فمها، تسحل نفسها إلى حلقها، تختنق بها…
لكنها لم تكن أخباراً عادية.
عنكبوتة سوداء زحفت من عين المراسل اليسرى، تاركةً خيطاً من السائل الأسود يسيل على خده. لوريلاي عرفت ما يعنيه ذلك.
كان خشنًا كجلد ميت، دافئًا بشكل غريب، وكأنه يتنفس.
الخيانة.
.
كان أول عنكبوت رأته في حياتها يخرج من فم أبيها المعوج، في ذلك اليوم الذي اختفى فيه إلى الأبد، تاركاً وراءه فقط رائحة الويسكي وبطاقة ائتمانٍ منتهية الصلاحية.
أنواع العناكب:
- الرمادية: القلق الذي لا ينتهي، الذي يختبئ تحت وسادتك ويَهمس في أذنك عندما تحاول النوم.
- عنكبوت الذئب: العزلة. الخوف من أن تكون وحيداً للأبد.
- السوداء: الخيانة العميقة، التي تأكل أحشائك من الداخل.
حتى في نومها، لم تكن آمنة.
كان خشنًا كجلد ميت، دافئًا بشكل غريب، وكأنه يتنفس.
حلمت بأنها في حفرةٍ عميقة، جدرانها ملساء كالعظام المكسوة بالجلد. حاولت الصراخ، لكن العناكب ملأت فمها، تسحل نفسها إلى حلقها، تختنق بها…
لكنها لم تكن أخباراً عادية.
استيقظت وهي تلهث، يداها الصغيرتان تضغطان على عنقها كما لو كانت تحاول منع شيءٍ ما من الخروج.
لم يكن صريرًا، ولا طقطقة.
لم تنم بقية الليل.
الصباح.
. كان معكم لوك
أمها ما زالت نائمة. وجهها الشاحب أصبح أشبه بقناعٍ من الشمع، شفتاها الزرقاوان تنتفخان كحشرةٍ ميتة. لوريلاي لم تتحسس نبضها كانت تخشى ما قد تجده.
السيارة الحمراء الهوندا العجوز التي تبدو وكأنها على وشك الموت في أي لحظة كانت مغطاة بطبقةٍ من الغبار وخيوط العنكبوت. لكن لوريلاي لم تكن كبيرةً بما يكفي لقيادتها.
مشيت إلى المدرسة.
حذاؤها الممزق يضرب الرصيف بإيقاعٍ أشبه بدقات قلبٍ مريض. السادسة والنصف صباحاً، والشوارع خاوية إلا من الظلال التي تلوح لها من زوايا عينيها.
وصلت مبكراً كالعادة. الباب كان مفتوحاً كما لو أن أحداً كان ينتظرها.
المعلمون يكرهون وجودها هنا قبلهم. كان ذلك واضحاً في الطريقة التي يتجنبون بها النظر إليها، كما لو كانت نذير شؤم.
استيقظت وهي تلهث، يداها الصغيرتان تضغطان على عنقها كما لو كانت تحاول منع شيءٍ ما من الخروج.
الآنسة كالدويل كانت هناك بالفعل. العناكب تزحف على جفونها المتورمة، تتسلل إلى أذنيها، تنسج خيوطاً بين رموشها.
حلمت بأنها في حفرةٍ عميقة، جدرانها ملساء كالعظام المكسوة بالجلد. حاولت الصراخ، لكن العناكب ملأت فمها، تسحل نفسها إلى حلقها، تختنق بها…
لوريلاي حدقت.
ثم رأته.
“توقفي عن التحديق بي هكذا، لوريلاي كروفورد، إنه مروع.”
الآنسة كالدويل رفعت حاجبها عنكبوت صغير سقط منه، اختفى بين طيات ملابسها.
لكن لوريلاي لم تكن تحدق فيها بل في ما كان يغطيها.
“آسفة. كنت أفكر في عيني.” صوتها كان كحفيف أوراق الخريف الميتة.
وفي الزاوية المظلمة من الصالة، حيث لا يصل ضوء الشمس أبداً، بدأت الخيوط الأولى بالظهور…
الآنسة كالدويل رفعت حاجبها عنكبوت صغير سقط منه، اختفى بين طيات ملابسها.
“لطالما حلمت بالرحيل…”
“عيناك؟“ سخرت، “الغرور سيكون سبب دمار جيلكم.”
نظرت نحو الغابة.
لكن لوريلاي لم تكن تفكر في جمال عينيها بل في إزالتهما.
تخيلت نفسها تأخذ سكين المطبخ الصدئ، تضعه تحت جفنها، تقطعه بعناية…
العيون ستسقط مثل حبات عنبٍ فاسد، والعناكب ستسقط معها.
لوريلاي لمست الشبكة بأصابعها المرتعشة. كانت متينة، قوية، صنعت لتبقى.
ثم ستقف أمام المرآة، تجاويف عينيها الفارغة تنزف أسوداً، لكنها ستبتسم أخيراً، لأنها لن ترى الوحوش بعد اليوم.
“أنا آسفة.”قالت لوريلاي
لكن لوريلاي لم تكن تنتبه.
“اخرجي إلى الملعب حيث ينتظرك الأطفال الآخرون، من أجل السماء.”
صوت الآنسة كالدويل انشق كالسيف الصدئ عبر صمت الفصل، كل كلمة تسقط كقطرة سمّ على أذن لوريلاي. عينا المعلمة الضيقتان كشقوق في جدار قديم تحدقان فيها بتقزز، كما لو كانت الفتاة بقعة عفنة على جدار المدرسة المهترئ.
ثم ستقف أمام المرآة، تجاويف عينيها الفارغة تنزف أسوداً، لكنها ستبتسم أخيراً، لأنها لن ترى الوحوش بعد اليوم.
“حسنًا.”
حتى تنظر إلى الأسفل، إلى كل تلك الوجوه الصغيرة التي ضحكت عليها، إلى العالم الذي لم يرغب بها أبدًا.
نهضت لوريلاي، معطفها الأسود الكبير بقياسين يبتلع جسدها النحيل، فبدت كشبح طفل ينسحب من عالم الأحياء. الحواف البالية للمعطف تلامس الأرض، تلتقط الغبار والأوراق الميتة كذاكرة ترفض الانفصال.
الأطفال تفرقوا كالنمل عند إشعال النار في عشه.
“مجنونة…”
—
العشاء سيكون لها وحدها.
المرأة على الأريكة المتهالكة لم تتحرك. شعرها الأشعب المصبوغ بثمنٍ رخيص منتشرٌ كشبكة عنكبوت على الوسادة المتسخة. نظارتها الشمسية ذات العدستين الماسيتين تخفي عينيها الحمراوتين، المتسعتين كعيني جرذٍ في قفص.
الملعب كان خاليًا.
لكن الممرضة التي ساعدت في نقل الجثة ستقسم لاحقاً أنها رأت شيئاً يتحرك تحت جلد الرقبة.
الغضب.
ليس فقط خاليًا من الأطفال، بل خاليًا من الحياة ذاتها. الأرجوحة المتحللة تئن تحت ريح خفيفة، كأنها تندب طفلاً لم يعد موجودًا. حبات المطر الأولى بدأت بالسقوط، باردة كدموع الأشباح.
“عيناك؟“ سخرت، “الغرور سيكون سبب دمار جيلكم.”
لوريلاي وقفت في المنتصف، شعرها الأسود المتشابك يرفرف كأعلام الموت.
كانت وحيدة.
أن يكون العالم هو العنكبوت.
ليس وحيدة كما في “لا أحد يلعب معي”، بل وحيدة كما في “لقد اختفى العالم كله، ولم يتبق سواي”. الهواء كان ثقيلاً برائحة الأرض الرطبة والأشياء التي تتعفن تحت الصخور.
بدأت تتسلق.
نظرت نحو الغابة.
لمست اللحاء.
في ضوء الشفق الباهت، بدت الأشجار وكأنها أصابع ميتة تمتد نحو السماء، تتشابك في صرخة صامتة. الأغصان العارية تتمايل كعظام معلقة، والضباب يتسلل بينها كأشباح تبحث عن جسد.
فالعنكبوت على رقبة ميلاني كان قد التفتَ نحوها الآن، وعيونه الثمانية، السوداء، اللامعة تحدق مباشرةً في عيني لوريلاي.
انحنت، أخذت السجارة من بين الأصابع المتصلبة. أطفأتها في المنفضة التي كانت على وشك السقوط، مثل كل شيءٍ في هذا المنزل.
ما زالت تبدو كالمكان الذي قد تموت فيه.
في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان المغطاتان بالندوب والجروح القديمة تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.
لثانيةٍ واحدة، تمنت أن تكون هي الذبابة.
ولكن لوريلاي كانت بخير مع ذلك.
الملعب كان خاليًا.
تسلقت السياج.
المعلمون يكرهون وجودها هنا قبلهم. كان ذلك واضحاً في الطريقة التي يتجنبون بها النظر إليها، كما لو كانت نذير شؤم.
لأنه في اللحظة الأخيرة، قبل أن يلمسها الموت…
أصابع قدميها المعوجة الشاحبة كديدان المقابر تشبثت بقضبان السلسلة الحديدية الباردة. الحديد كان يئن تحت وزنها الضئيل، كأنه يحذرها.
لكنها لم تكن أخباراً عادية.
لكنها قفزت.
—
إبر الصنوبر اخترقت باطن قدميها العاريتين.
“أوه.”
“عناكب…”
صوتها الصدئ، المبحوح كبوق قديم، انعكس بين الأشجار واختفى. لم يسمعه أحد.
الشرفة الأمامية كانت تحفةً من الرعب.
—
همست الكلمات، وصوتها كان كالريح بين القبور.
صوت الآنسة كالدويل انشقَّ عبر ضباب الصف مثل سكين صدئ، حادٌّ بما يكفي لجرح الهواء نفسه. كانت المعلمة واقفة أمام السبورة، جسدها النحيل يلوح كظلٍّ طويل تحت الضوء الباهت للمصابيح الكهربائية التي تتدلى من السقف المتشقق. يديها المشوّهتين بالأورام والعقد تضغطان على حافة المنضدة، وكأنها تخشى أن تنهار الأرض تحت قدميها لو تركتها.
حلمت بأنها في حفرةٍ عميقة، جدرانها ملساء كالعظام المكسوة بالجلد. حاولت الصراخ، لكن العناكب ملأت فمها، تسحل نفسها إلى حلقها، تختنق بها…
أكبر شجرة في الغابة جذعها الأسود المتشقق يشبه وجهًا معذبًا، أغصانها الملتوية كأذرع تبحث عن ضحية.
الرمادية: القلق الذي لا ينتهي، الذي يختبئ تحت وسادتك ويَهمس في أذنك عندما تحاول النوم. عنكبوت الذئب: العزلة. الخوف من أن تكون وحيداً للأبد. السوداء: الخيانة العميقة، التي تأكل أحشائك من الداخل.
لمست اللحاء.
الآنسة كالدويل ضربت عصاها الخشبية على المنضدة. الصوت كان كطلقة مسدس في صمت المقبرة.
كان خشنًا كجلد ميت، دافئًا بشكل غريب، وكأنه يتنفس.
فالعنكبوت على رقبة ميلاني كان قد التفتَ نحوها الآن، وعيونه الثمانية، السوداء، اللامعة تحدق مباشرةً في عيني لوريلاي.
بدأت تتسلق.
حلمت بأنها في حفرةٍ عميقة، جدرانها ملساء كالعظام المكسوة بالجلد. حاولت الصراخ، لكن العناكب ملأت فمها، تسحل نفسها إلى حلقها، تختنق بها…
في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان المغطاتان بالندوب والجروح القديمة تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.
في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان المغطاتان بالندوب والجروح القديمة تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.
.
—
ارتفعت.
أعلى.
صوتها الصدئ، المبحوح كبوق قديم، انعكس بين الأشجار واختفى. لم يسمعه أحد.
الغضب.
أعلى.
ليس وحيدة كما في “لا أحد يلعب معي”، بل وحيدة كما في “لقد اختفى العالم كله، ولم يتبق سواي”. الهواء كان ثقيلاً برائحة الأرض الرطبة والأشياء التي تتعفن تحت الصخور.
حتى أصبحت البلدة كلها تحت قدميها.
ثم ضحكت.
—
الصباح.
أن ينتهي كل شيء بهذه السرعة.
العناكب.
عندما فتحت عينيها، كانوا هناك.
العشاء سيكون لها وحدها.
فسحة المدرسة.
خيوط العنكبوت البيضاء – السميكة كحبال المشنقة – تحيط بها من كل اتجاه، تحول الفرع إلى قفص حريري. العناكب المدارية السوداء والصفراء تزحف على الخيوط، عيونها الثمانية اللامعة تتابع كل حركة لها.
—
كانت محاصرة.
لوريلاي أومأت.
الهواء حولها أصبح كثيفًا، ضبابيًا، مسمومًا.
في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان المغطاتان بالندوب والجروح القديمة تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.
لكن الأغرب…
حتى أصبحت البلدة كلها تحت قدميها.
الأطفال تفرقوا كالنمل عند إشعال النار في عشه.
لم يكن هناك عنكبوت واحد عليها.
أعلى.
عينا لوريلاي كانتا مفتوحتين.
لوريلاي لمست الشبكة بأصابعها المرتعشة. كانت متينة، قوية، صنعت لتبقى.
لوريلاي لمست الشبكة بأصابعها المرتعشة. كانت متينة، قوية، صنعت لتبقى.
“أنتِ غير حقيقية.”
في البداية ببطء، ثم بسرعة مخيفة، كأن شيئًا ما يسحبها للأعلى. يداها الصغيرتان المغطاتان بالندوب والجروح القديمة تمسكان بالأغصان بقوة غير بشرية.
. كان معكم لوك
همست الكلمات، وصوتها كان كالريح بين القبور.
وفي لحظة…
لوريلاي أحصت علب البيرة الفارغة المتناثرة على الأرض كقبورٍ صغيرة في مقبرةٍ مظلمة. اثنتان تحت الطاولة، ثلاث بجوار الأريكة، واحدةٌ مقلوبة بجانب التلفاز المشوش. رائحة الكحول المتعفنة تختلط بعطر أمها الرخيص رائحةٌ تشبه محاولة إخفاء جثةٍ تحت أكوام من الزهور الذابلة.
اختفوا.
لمست اللحاء.
كلهم. الخيوط، العناكب، السجن.
لوريلاي أومأت.
صوتٌ مجوفٌ يتردد في جمجمتها، كجرسٍ مدفون تحت أميال من التراب الرطب.
ابتسمت.
أصابع قدميها المعوجة الشاحبة كديدان المقابر تشبثت بقضبان السلسلة الحديدية الباردة. الحديد كان يئن تحت وزنها الضئيل، كأنه يحذرها.
—
وأغلقت عينيها.
المعلمون تجمدوا في أماكنهم.
الشرفة الأمامية كانت تحفةً من الرعب.
البلدة تصغر تحتها.
جسدها الصغير انحدر للأمام، معطفها الأسود يرفرف كأجنحة الغربان.
“هل هناك أي عناكب عليَّ الآن؟”
الهواء صفر في أذنيها.
كانت وحيدة.
البلدة تصغر تحتها.
لكن الممرضة التي ساعدت في نقل الجثة ستقسم لاحقاً أنها رأت شيئاً يتحرك تحت جلد الرقبة.
“ممنوع دخول الغابة.”
الأرض تقترب.
صياد عجوز عيناه غائمتان من الخمر والسنين رأى شيئًا أسود يتلوى على أرضية الغابة.
أرض خالية من العناكب.
ثم ضحكت.
**”شهيق.”**
**”زفير.”**
“بنت الشيطان…”
**الصوت.**
“العناكب…” همست، صوتها خشنٌ كحفيف أوراق الخريف الميتة. “كنتم تتحدثون عن العناكب.”
لم يكن صريرًا، ولا طقطقة.
—
بل كان صوتًا رطبًا، كفاكهة مفرطة النضج تسقط على الأرض.
ضحك الفصل. لكنه لم يكن ضحكاً طبيعياً بل كان صوتاً مكسوراً، مشوهاً، كصراخ غربانٍ تُذبح واحدةً تلو الأخرى. الضحكات ارتدت من الجدران العارية، مختلطةً مع همساتٍ مسمومة:
المساء.
صياد عجوز عيناه غائمتان من الخمر والسنين رأى شيئًا أسود يتلوى على أرضية الغابة.
لوريلاي أحصت علب البيرة الفارغة المتناثرة على الأرض كقبورٍ صغيرة في مقبرةٍ مظلمة. اثنتان تحت الطاولة، ثلاث بجوار الأريكة، واحدةٌ مقلوبة بجانب التلفاز المشوش. رائحة الكحول المتعفنة تختلط بعطر أمها الرخيص رائحةٌ تشبه محاولة إخفاء جثةٍ تحت أكوام من الزهور الذابلة.
اقترب.
الخوف.
—
ثم صرخ.
الجثة الصغيرة كانت مغطاة بعناكب سوداء ضخمة، تتلوى وتتزاوج وتأكل بعضها البعض فوق جسدها. الدم الأسود في ضوء القمر انتشر كتاج تحت رأسها.
القاعدة الوحيدة التي يطيعها الجميع هنا. ليس خوفًا من العقاب، بل لأن هناك شيئًا في تلك الظلال يجعل حتى أكثر الأطفال وقاحةً يتراجعون. شيءٌ يجعل الغابة تبدو وكأنها فمٌ مفتوح، ينتظر أن تخطو إليه، أن تسقط بين أسنانه الخشبية، أن تختفي إلى الأبد.
عينا لوريلاي كانتا مفتوحتين.
لم يكن هناك عنكبوت واحد عليها.
نهضت لوريلاي، معطفها الأسود الكبير بقياسين يبتلع جسدها النحيل، فبدت كشبح طفل ينسحب من عالم الأحياء. الحواف البالية للمعطف تلامس الأرض، تلتقط الغبار والأوراق الميتة كذاكرة ترفض الانفصال.
وكانتا تبتسمان.
حتى تصل إلى القمة.
لأنه في اللحظة الأخيرة، قبل أن يلمسها الموت…
**الصوت.**
رأتهم يختفون.
الخوف.
“عناكب…”
المعلمون تجمدوا في أماكنهم.
همس الضابط بينما تراجع خطوة للوراء، عيناه الرماديتان تتسعان أمام المشهد الكابوسي. المخلوقات السوداء اللامعة تتحرك في انسجام غريب، كأنها تؤدي طقوساً جنائزية على جسد الطفلة. إحداها ضخمة بحجم كف رجل رفعت مقدمتها نحو الضوء، وكأنها **تستنشق** رائحة الخوف التي تفوح من الحضور.
المدرسة أغلقت أبوابها ليوم واحد فقط. الآنسة كالدويل وقفت في غرفتها الفارغة، تحدق في المقعد الخالي حيث كانت لوريلاي تجلس. على السبورة، بقعة من الحبر الأحمر حيث كانت قد ألقت بالقلم يوماً في غضب تشبه الآن دمعة متجلطة.
“كانت أمي تحكي عن مثل هذه الأشياء…”
“توقفي عن التحديق بي هكذا، لوريلاي كروفورد، إنه مروع.”
شانتال بريغز الفتاة التي كانت تجلس بجوار لوريلاي في ذلك اليوم بدأت ترتجف فجأة.
صوته ارتعش كما لو كان طفلاً مرة أخرى، يختبئ تحت الأغطية من حكايات الجدة عن كائنات الليل. أصابعه التي اعتادت الإمساك بالمسدس ارتعدت الآن، ترفض الاقتراب من تلك الحاشية السوداء التي تحتل الجثة.
ولكن لوريلاي كانت بخير مع ذلك.
“على رقبتك.”
العناكب لم تهتم.
في ضوء الشفق الباهت، بدت الأشجار وكأنها أصابع ميتة تمتد نحو السماء، تتشابك في صرخة صامتة. الأغصان العارية تتمايل كعظام معلقة، والضباب يتسلل بينها كأشباح تبحث عن جسد.
استمرت في وليمتها.
وأغلقت عينيها.
عينا لوريلاي كانتا مفتوحتين.
بعضها تسلق أعلى الذراعين المكسورتين، يدخل ويخرج من تحت الجلد الشاحب عبر الجروح التي خلفتها الأغصان. آخرون تجمعوا حول العينين المغلقتين، كأنهم حراس مقبرة من نوع غريب.
في منزل المقطورة المهجور، وجدوا ريفا كين ممددة على الأريكة البالية. زجاجات الخمر الفارغة تحيط بها كأتباع مخلصين. عيناها الزجاجيتان اللتان طالما أخفتها خلف نظارات شمسية فاخرة كانتا مفتوحتين على مصراعيهما، والفم المغطى بأحمر شفاه زهري فاتح مثقوب بخيط عنكبوت أسود يمتد إلى الحلق.
—
“عناكب…”
أسبوعٌ من الصمت.
ما زالت تبدو كالمكان الذي قد تموت فيه.
المعلمون تجمدوا في أماكنهم.
المدرسة أغلقت أبوابها ليوم واحد فقط. الآنسة كالدويل وقفت في غرفتها الفارغة، تحدق في المقعد الخالي حيث كانت لوريلاي تجلس. على السبورة، بقعة من الحبر الأحمر حيث كانت قد ألقت بالقلم يوماً في غضب تشبه الآن دمعة متجلطة.
في منزل المقطورة المهجور، وجدوا ريفا كين ممددة على الأريكة البالية. زجاجات الخمر الفارغة تحيط بها كأتباع مخلصين. عيناها الزجاجيتان اللتان طالما أخفتها خلف نظارات شمسية فاخرة كانتا مفتوحتين على مصراعيهما، والفم المغطى بأحمر شفاه زهري فاتح مثقوب بخيط عنكبوت أسود يمتد إلى الحلق.
ليس فقط خاليًا من الأطفال، بل خاليًا من الحياة ذاتها. الأرجوحة المتحللة تئن تحت ريح خفيفة، كأنها تندب طفلاً لم يعد موجودًا. حبات المطر الأولى بدأت بالسقوط، باردة كدموع الأشباح.
الطبيب الشرعي كتب بخط متعب: “تسمم كحولي حاد”.
“عيناك؟“ سخرت، “الغرور سيكون سبب دمار جيلكم.”
الغضب.
لكن الممرضة التي ساعدت في نقل الجثة ستقسم لاحقاً أنها رأت شيئاً يتحرك تحت جلد الرقبة.
—
نظرت نحو الغابة.
الجنازة.
“لوريلاي كروفورد! هل تنتبهين؟”
الصالة الرياضية التي عادة ما تكون مليئة بضجيج الطلاب تحولت إلى كهف من الهمسات. صور لوريلاي الوحيدة، التي التقطتها المدرسة بشكل إجباري، علقت على لوحة سوداء بسيطة.
الأطفال ساروا في صفوف مرتبة، كل منهم يحمل زهرة بيضاء كاذبة. لكن لا أحد نظر مباشرة إلى التابوت الصغير المفتوح جزئياً.
الخطيئة.
شانتال بريغز الفتاة التي كانت تجلس بجوار لوريلاي في ذلك اليوم بدأت ترتجف فجأة.
همس الضابط بينما تراجع خطوة للوراء، عيناه الرماديتان تتسعان أمام المشهد الكابوسي. المخلوقات السوداء اللامعة تتحرك في انسجام غريب، كأنها تؤدي طقوساً جنائزية على جسد الطفلة. إحداها ضخمة بحجم كف رجل رفعت مقدمتها نحو الضوء، وكأنها **تستنشق** رائحة الخوف التي تفوح من الحضور.
“هناك… هناك شيء…”
لوريلاي أومأت.
صوتها ارتفع إلى صرخة عندما انفجر العنكبوت الأسود السمين من كمها. المخلوق الزيتي سقط على الأرض بطنين غريب، ثم بدأ يزحف بسرعة مخيفة نحو أقرب ظل.
“توقفي عن التحديق بي هكذا، لوريلاي كروفورد، إنه مروع.”
الأطفال تفرقوا كالنمل عند إشعال النار في عشه.
صوتٌ مجوفٌ يتردد في جمجمتها، كجرسٍ مدفون تحت أميال من التراب الرطب.
لاحظتهم على حافة الغابة.
المعلمون تجمدوا في أماكنهم.
بعضها تسلق أعلى الذراعين المكسورتين، يدخل ويخرج من تحت الجلد الشاحب عبر الجروح التي خلفتها الأغصان. آخرون تجمعوا حول العينين المغلقتين، كأنهم حراس مقبرة من نوع غريب.
لقد اعتادت عليها.
وفي الزاوية المظلمة من الصالة، حيث لا يصل ضوء الشمس أبداً، بدأت الخيوط الأولى بالظهور…
—
.
أعلى.
.
حتى تنظر إلى الأسفل، إلى كل تلك الوجوه الصغيرة التي ضحكت عليها، إلى العالم الذي لم يرغب بها أبدًا.
.
.
.
.
—
.
حتى تصل إلى القمة.
.
كان معكم لوك
