الفصل 85: الفصل 67 الشمس المظلمة وضوء الخفاش (الجزء 1)_1
في مدينة غوثام، في صباح ليس مشمسًا ولا دافئًا، يواجه طلاب جامعة غوثام امتحانهم النهائي في علم النفس .
عندما بدأ إيفانز في توزيع الأوراق، اندلعت سلسلة من التأوهات والأنين في الفصل الدراسي. وبعد ذلك مباشرةً، تلاشى صوت كعب الحذاء وهو يضرب الأرضية الرخامية خارج الباب، وفي لحظة ساد الصمت الفصل الدراسي .
دخل شيلر إلى الفصل الدراسي، وحزم مظلته. وعندما رأى الجميع منغمسين في أوراقهم، أومأ برأسه راضيًا .
ثم وضع مظلته على الأرض وأراح يده على المقبض، ووقف في منتصف الغرفة، وقال: “مدة هذا الامتحان ساعة و40 دقيقة. من الناحية النظرية، يمكنك تقديم الورقة مسبقًا، لكنني سأشعر بالملل من المراقبة هنا، لذلك سأتحقق بالتأكيد من أي ورقة تقدم مبكرًا”.
” على الأقل، عليك التأكد من أن ما تكتبه كافٍ لإبقائي اقرأ حتى مغادرة الفصل الدراسي .”
” وعلاوة على ذلك، ورغم أنني لم أطلب منكم الجلوس منفصلين، فمن الأفضل عدم الهمس. يرجى الكتابة بشكل أنيق، ولا يُسمح باستخدام الخطوط المزخرفة. والأهم من ذلك، تأكد من كتابة اسمك القانوني بوضوح. لا أريد التأكيد كما فعلت في بداية الفصل الدراسي على أنه لا ينبغي استخدام ألقابكم.”
” الآن يبدأ الأختبار.”
ثم ساد الصمت التام الفصل بأكمله، ولم يسمع سوى صوت حفيف أطراف الأقلام وهي تخدش سطح الورق .
لم يسبق لأي فصل دراسي في جامعة غوثام أن امتلأ بجو التعيلم القوي هذا. توقف بروس عن الكتابة لينظر إلى الأعلى، فرأى ابن شقيق الضبع الشرقي جالس أمامه على اليمين. كان هذا الرجل مثيرًا للمشاكل حقًا، يدخن ويشرب ويتشاجر مذ كان في العاشرة .
ولكن في تلك اللحظة لازال جالس يكتب بجد على مكتبه. لقد مرت عشر دقائق بالفعل، و من المدهش أن عقله، الذي عادةً ما يكون مليئ بالكحول والنيكوتين، لا يزال بأمكانه العمل حتي الأن .
على يسار بروس كان هناك فنان جرافيتي مشهور من جامعة غوثام. كان ماهر في الرسم بعبوات الرش وكان يترك الجدران في حالة من الفوضى غالبًا. عندما فرض شيلدون حظر على الكحول في الحرم الجامعي، قام برسم صورة كاريكاتورية له بعبوات الرش على الحائط في ممر مكتب مدير الجامعة .
ولكنه كان على وشك فقدان طاقته الآن، ولم يتمكن من البدء في الإجابة على السؤال المقالي الأول، فبدأ في رسم كل أنواع الخطوط العريضة على الورقة بدلاً من ذلك.
وباستخدام بصره المتميز، ألقى بروس نظرة سريعة ولاحظ أنه يرسم شيلر. وعلى عكس رسوماته النمطية غير التقليدية، بدت هذه الصورة لشيلر، وهو يقف وظهره إلى الشمس المظلمة ويداه ممدودتان على اتساعهما، محاطًا بأنماط تشبه النقاط، غريبة بعض الشيء ولكنها رائعة. وتسائل بروس عما إذا كان شيلر سيعطيه تقدير إضافي لهذا المجهود الإبداعي .
بعد مرور نصف ساعة، كان أكثر من ثلثي الفصل لا يزالون يكتبون. وهو أمر لا يصدق بالنسبة لجامعة غوثام .
في الاختبارات النهائية السابقة، كان بعض المتمردين يتغيبون دائمًا، مما يترك بعض المقاعد شاغرة. و بعد دقيقتين من بدء الاختبار، كان بعض الطلاب ينتهون من كتابة أسمائهم ويغادرون على الفور .
و بعد مرور عشر دقائق على بدء الامتحان، يكون العديد من الطلبة قد خمنوا جميع إجابات الأسئلة الموضوعية، ويلقون أقلامهم، ويسلمون أوراقهم، ويغادرون.
في السابق، و بعد عشرين دقيقة، سيكون الفصل بأكمله فارغ تقريبًا. و القليلون الذين سيبقون هناك لم يبقوا لكتابة الاسألة المقالية، بل فقط لأنهم لا يملكون أي ترتيبات لاحقة وقرروا استغلال الفصل الهادئ للنوم .
ولكن الآن، نظر بروس إلى ساعته، لقد مرت 40 دقيقة بالفعل ولكن نصف الطلاب ما زالوا يكتبون.
لم يجرؤ أحد على تسليم ورقته مبكرًا. ورغم أن أغلبهم استنفدوا أفكارهم وكانوا في حيرة من أمرهم، لكنهم ما زالوا يمضغون أقلامهم، ويجلسون في مقاعدهم، على أمل أن تتمكن قدرات أدمغتهم المحدودة من استخراج بضع كلمات أخرى لكتابتها على الورقة، محاولين منع هذا الأستاذ من الغضب بشدة عندما يرى إجاباتهم شبه الأمية.
في الواقع، حتى الكتب التمهيدية لعلم النفس مليئة بالمصطلحات التقنية، والأسماء، والنظريات، والتعريفات التي يمكن أن تكون صعبة للغاية .
ناهيك عن طلاب جامعة غوثام الذين لا يهتمون بالجانب الأكاديمي. حتى طلاب الجامعات الأمريكية الشهيرة كان عليهم أن يستعدوا قبل المحاضرات الموضوعية، وإلا فإنهم سيشعرون بالضياع.
كان حفظ كل هذه المصطلحات يشكل مشكلة بالنسبة لهم بالفعل، ناهيك عن استيعابهم في أسبوع أو أسبوعين .
مرت ساعة وتوقف أغلب الطلاب عن الكتابة. قام بروس بعمل قائمة بالطلاب الذين ما زالوا يعملون على أوراقهم. سيكون هؤلاء هم العمود الفقري لنادي علم النفس الذي يخطط لتأسيسه .
فكر للحظة وقرر إضافة اسم فنان الجرافيتي إلى القائمة. ففي النهاية، يحتاج النادي إلى شخص ماهر في إنشاء الأعمال الفنية الترويجية.
وأخيرا، و بعد مرور ساعة وأربعين دقيقة، عندما تردد أمر الأستاذ “بجمع الأوراق” بقوة على الأرض، ترددت سلسلة من التنهدات في الفصل الدراسي حيث شعر الطلاب وكأنهم سيصابون بالجنون.
وبعد جمع الأوراق، لم يجرؤ أحد على المغادرة. فقط عندما انتهى شيلر من تأمين الأوراق، وفحص الأرقام، وفحص الأسماء، وغادر الفصل الدراسي مع كومة من أوراق الاختبار، انفجر الفصل الدراسي مثل القنبلة محدثين ضجة .
” لقد أنتهيت! لم أعرف سوى نصف الأسئلة التي يجب إكمالها !”
” يا إلهي، لقد قمت بجمع كل تعريفات علم النفس الليلة الماضية! ولكن لم يخطر ببالي أي شيء الأن؟ لو كنت أعلم، لما أضعت كل هذا الوقت من البداية!”
” لقد كتبت إجابة السؤال الثاني المقالي تحت السؤال الرابع، يا إلهي، ماذا أفعل الآن؟ بالتأكيد لن أحصل على أي درجات في المقالي!”
” من يتقدم بطلب للدراسات العليا هنا؟ إيفانز، هل تقدمت بطلب؟ قال والدي بالأمس، إذا كان عقلي قادر على التعامل مع الدراسات العليا، فسيكون ذلك مثل توقع أن يتسلق كلبنا الأشجار! لكن كلبنا من فصيلة كورجي(فصيلة كلاب سمينة بأقدام قصيرة جداً)…..”
” لدي مقالتان غير مكتملتين يجب أن أكملهما قبل العطلة، وإلا فسأضطر إلى قضاء إجازتي في توتر، ولن أتمكن من الاستمتاع بها على الإطلاق …”
تجمع عدد قليل من الأشخاص حول مكتب بروس. كانوا أول دفعة من أعضاء النادي الذين دعاهم بروس. قال ليني، فنان الجرافيتي الذي يرتدي عصابة رأس صفراء فسفورية: “يعجب الأستاذ برسمتي، أستطيع أن أري إنه رجل ذو ذوق فني”.
” لكن ربما يفضل رؤية إجاباتك الصحيحة.” رد بروس .
” من فضلك، لا أعرف شيئًا عن علم النفس، وتذكر كل هذا سيلوث دماغي”، فرك ليني أنفه. كان ألماني نموذجي، بعيون خضراء وبقع من النمش. و يرتدي ملابس على طراز موسيقى الريغي .
” ومن قال أن هذه ليست إجابة صحيحة؟ من قال أن الإجابات يجب أن تكون مكتوبة بالكلمات؟ الرسم مفيد أيضًا. سأنجح !”
” حسنًا، سأدفع لك مقابل تصميم ملصق لي. يجب أن يكون الملصق كبير وله تأثير قوي، من أجل الترويج للنادي. يمكنك تحديد السعر ولكن يجب أن يكون استثنائي”، قال بروس .
نقر ليني بأصابعه، “زعيم، لقد أتيت إلى الشخص المناسب! لا أحد في غوثام يعرف كيف يترك انطباعًا أكبر مني !”
تجمعت بعض الرؤوس معًا، وهمسوا بصوت خافت .
” ماذا؟ أنت تقول أنك تريد أن …”
” أنت عبقري …”
” اعتبرني من ضمن المشاركين، أريد أن أكون جزءًا من هذا!”
” هذه مفاجأة كبيرة…نعم، أرى ذلك …”
” ربما، بناءً على هذا، قد ننجح …”
وبعد بضعة أيام، بدأ شيلر في تصحيح الأوراق، فتراكمت عليه مشاعر الإحباط. ورغم أنه توقع عدم كفاءة هؤلاء الطلاب في جامعة غوثام، إلا أنه لم يتوقع منهم أن يفشلوا إلى هذا الحد .
ولأنه لم يرغب في تلويث عقله باستمرار بهذه الكوارث الأكاديمية، قرر شيلر العمل الإضافي وتصحيح كل الأوراق دفعة واحدة، وخطط لمنح معظمهم درجة الرسوب بشكل حاسم .
فجأة سمع صفارة إنذار حادة من خارج نافذة مبنى المكاتب. بدت مثل صفارة إنذار حريق إلى حد ما، لكنها كانت أقصر وأكثر حدة .
وقف شيلر وألقى نظرة من النافذة، فلاحظ بعض الأضواء الخافتة. كان الوقت بعد غروب الشمس مباشرةً، ولم تكن مصابيح الشوارع قد أضيئت بعد. ولم يغادر معظم المعلمين والطلاب المدرسة بعد .
سمع ضجة من الأسفل، يبدو أن أحدهم ينادي باسمه. وضع شيلر قلمه، وترك مكتبه، وسار نحو النافذة .
كان الجانب بأكمله من المبنى المقابل مغطى بستارة ضخمة. سمع شيلر أنها كانت لتجديد الجدار. لكنه نادرًا ما استخدم هذا الطريق ولم ينتبه إليه كثيرًا .
ولكن بمجرد أن اقترب من النافذة، سقط الستار من على الحائط المقابل فجأة، ليكشف عن رسم جرافيتي ضخم يبلغ ارتفاعه حوالي سبعة طوابق. وفجأة أضاء صف من الأضواء الكاشفة، فأضاء الجانب بأكمله من المبنى ساطعًا كضوء النهار .
كان رسم جرافيتي ضخم حقاً. في الأسفل كانت صورة ظلية لشيلر، وفوقه كانت هناك شمس سوداء غريبة مليئة بأنماط غريبة، و محاطة بحلقات من اللهب الذهبي. بينما كانت شخصية شيلر تقف أمام هذه الشمس السوداء .
لقد اندمجت صورة شيلر الظلية تقريبًا في خلفية هذه الشمس السوداء، أو بدت هذه الشمس الضخمة وكأنها ظله.
وقف شيلر عند النافذة، وقد أعماه الضوء الساطع في البداية. وعندما فتح عينيه، رأى هذا المنظر .
شيلر : “…”
السيمبيوت: “… واااااو.”
تردد صوت الفنان الجرافيتي: “انضم إلى نادي علم النفس، واجه القلب البشري، واجه هذه الشمس السوداء. ——الشبح الأزرق ليني”
نظر شيلر إلى أسفل ليرى مجموعة من الأشخاص في أسفل المبنى يلوحون له بحماس. كان معظمهم طلابًا من قسم علم النفس بجامعة غوثام، بما في ذلك بروس واين .
نظر شيلر مرة أخرى إلى الشمس السوداء المكونة من أنماط غريبة. لقد اشعت بإحساس جمالي غريب لا يمكن للمرء أن يتجاهله، كما لو كانت تمتص روحه.
بدت مرعبة، و غريبة، و سخيفة، ومع ذلك كانت مليئة بإحساس بالجمال يجذب الشخص لها.
يتذكر شيلر أن “غوثام” كانت تعني في الأصل “قرية الحمقى”، وكانت مليئة بكل أنواع الحمقى السخيفين، الذين لا يعرفون شيئًا عن الحياة والموت .
ومع ذلك، يوجد بها أيضًا جميع أنواع العباقرة هنا، بمواهب لا مثيل لها، وبحيوية مذهلة.
لقد انبهر شيلر حقًا. أن هذا العمل الجريء والغريب، المليء بالحيوية الفريدة التي لا يمتلكها أي مكان آخر في العالم، أشبه بكرمة مرعبة تتسلق من الهاوية، وأيضًا أشبه بتحفة فنية من الدرجة الأولى تنافس أساتذة الفنون.
كان شيلر يعرف أكثر من هؤلاء الطلاب، لكنه أدرك للتو أنه لم يكن بارعًا في شيء واحد بعد –
لم يفهم غوثام حقًا.
كان جميع من عاشوا هنا مجانين، ولكن في نفس الوقت، كانوا ذوي عقول نقية.
لم تكن مدينة الظلام هذه بحاجة إلى أحد لتصحيحها. الجميع هنا يعيشون بجنون في الهاوية، بقوة حياة ملتوية وغريبة.
نشأت هذه الحيوية من الظلام، وهذا ما جعل الناس هنا يستخدمون جنونهم كسيف يخترق قلب أي شخص بدقة .
كان شيلر يحدق في الشمس السوداء، معتقدًا أن كل شخص هنا ربما يكون عبقري لا مثيل له، وأن الأحمق الوحيد هنا, هو نفسه وكل من هم خارج غوثام والذين حاولوا عبثًا لعب دور المنقذ لهذه المدينة.
هنا، هؤلاء الأشخاص ذوي العقول الخالية من أي معرفة بالنظرية النفسية يمكنهم قراءة أستاذهم كما لو كان كتاب مفتوح.
الشمس السوداء تظل شمس. و لا يمكن أن يكون هذا التصوير لشيلر أكثر دقة.
إن الدور الذي لعبه شيلر لم يكن دور الشمس الساطعة الساخنة، بل كان دور الشمس التي لا تشرق ولا تدفء ـ شمس سوداء.
وبعد بضع دقائق، كتب شيلر سطرًا على الزجاج الضبابي – “لقد نجحتم جميعًا”.
في لحظة واحدة، انطلقت هتافات عالية من الأسفل. تحت الشمس السوداء، بدا الناس وكأنهم مواطنون يحتفلون تحت نجم أبدي لن يلمع أبدًا، يحتفلون بميلاد عصر جديد.
