020
كما توقعت، كانت أراراغي كارين في طريقها إلى المدرسة التي ترتادها، مدرسة توغينوكي الإعدادية الثانية، على متن الحافلة. وجدتها جالسة على مقعد في غرفة الانتظار عند موقف الحافلات الذي تستخدمه عادةً، أقرب موقف إلى منزلها.
لا، بل كانت ممددة عليه.
يبدو أن قواها قد خارت قبل أن تتمكن من ركوب الحافلة.
كان الوقت قد قارب عصر يوم الأحد، وفي مثل هذه الساعة، لا يكاد يوجد أحد في هذه البلدة الريفية يرغب في استخدام الحافلات؛ لذا كانت غرفة الانتظار شبه خالية، ولم يكن فيها أحد سوى كارين.
كانت ترتدي ملابسها الرياضية، مستلقية على جانبها فوق المقعد.
بدت وكأنها تحاول تنظيم تنفسها.
كانت مستلقية، لكنها لم تكن نائمة على ما يبدو.
بعد أن صدقت كلام شينوبو وركضت بكل ما أملك من قوة طوال الدقائق الثلاث الماضية حتى وصلت إلى هنا، شعرت وكأنني أحمق. ومع ذلك، فإن غرفة الانتظار هذه كانت نقطة عمياء إلى حد بعيد، وما كنت لأنتبه إليها لولا أن شينوبو أخبرتني بها. فلو لم أضع في الحسبان تراجع قدرة كارين البدنية، لاكتفيت بالنظر إلى موقف الحافلات من بعيد ثم غادرت.
«…أهلًا يا مدمن القُبل».
نظرت إليّ كارين بفتور، ثم رفعت نصفها العلوي عن المقعد.
كانت تتصبب عرقًا مرة أخرى، وبغزارة.
ربما أدى تحركها قسرًا إلى عودة الحمى التي تكبدت عناء امتصاص نصفها وتخفيفها.
وبغض النظر عن دبور النار المُحاصِر، فإن درجة حرارتها الآن لا تسمح لها بالخروج أصلًا. ومهما كان وعيها صافيًا، فإن عجز جسدها عن مجاراته لا يختلف كثيرًا عن أن تكون في حالة من التشوش الذهني.
«سنعود إلى المنزل».
«اخرس. عُد أنت وحدك».
«إن واصلت العناد، فسأقبّلك مجددًا».
«لقد فقدت شيئًا عزيزًا عليّ بالفعل… يبدو أنك لم تفهم الأمر يا أخي. لم يعد هناك شيء أخشاه الآن».
«همف. أحقًا؟ يبدو أنكِ لم تدركي بعد معنى الخوف الحقيقي».
«أنت من سيختبر الخوف الحقيقي… يا أخي».
نهضت كارين ببطء.
«لا تحاول منعي».
«بغض النظر عما إذا كنت سأمنعك أم لا… حسنًا، سأمنعك بالفعل، لكن إلى أين تنوين الذهاب؟ أنت لا تعرفين حتى أين يوجد الشخص الذي تبحثين عنه الآن، أليس كذلك؟»
«سأبحث عن مكانه. لا أستطيع البقاء هنا مكتوفة اليدين».
جمعت شعرها الذي ظل منسدلًا على كتفيها، مستخدمة ربطة الشعر التي كانت تلفها حول معصمها، وربطته بحركة مألوفة.
ذيل الحصان المعتاد.
وبهذه الهيئة، بدت أكثر روعة مما ينبغي.
«وماذا تنوين أن تفعلي حين ترفضين البقاء ساكنة؟»
«أبحث عنه، أجده، ثم أبرحه ضربًا».
«أنتِ من العصر السابق للميلاد أم ماذا؟»
«العين بالقبضة، والسن بالقبضة».
«كلما تكلمتِ أكثر، ازددتِ غباءً».
«لقد أخبرتك بوضوح كم أشعر بالغيظ!»
«وأنا أخبرتك بوضوح أيضًا: اتركي الباقي لي».
«أنا… لم أقل إنني سأترك الباقي لك».
«لا تتصرفي بتهور. حان الوقت لتستريحي بهدوء».
«حتى الغرباء الذين لا يعرفونني يقولون كلامًا كهذا. لماذا لا تقول لي أنت: ابذلي جهدك، لا تستسلمي، افعليها؟»
«كيف لي أن أقول شيئًا غير مسؤول كهذا؟ على عكس حالي، أنتما أمل أبي وأمي. وبما أنكما بارعتان إلى هذا الحد، فلا تتورطا في أمور تتجاوز مجرد شقاوة الأطفال. سأتغاضى عن معظم ما تفعلانه، لذا لا تتجاوزا الخط الأحمر».
«ما دمت قد عدت جادًا في حياتك يا أخي، فلا بأس بذلك».
«لن يسمحا لي حتى بالالتحاق بمعهد للتحضير للامتحانات».
«على أي حال، أنت أقل مني…»
وقبل أن تكمل جملتها، ترنحت كارين.
ألم تعد قادرة حتى على الوقوف بصورة طبيعية؟
كانت واقفة بفضل إرادتها وحدها تقريبًا.
لا، لعل حتى إرادتها قد استُنفدت.
فما الذي كان يسندها إذن؟
أهو إحساسها بالواجب؟ أم عنادها؟ أم اعتدادها بنفسها؟
أم…
إيمانها بما تؤمن به؟
«…»
أيًا يكن، وما شأني أنا بمعرفة ذلك؟
إن لم تستطع الوقوف، فسأحملها على ظهري وأعيدها إلى المنزل، ثم أربطها بالسرير حتى لا تهرب مجددًا.
«الكلام معك لا فائدة منه».
كانت كارين أسرع مني إلى التخلي عن الحوار.
«مهما يكن، لن تستمع إلى ما أقوله، أليس كذلك يا أخي؟»
«سأستمع إليك لاحقًا على مهل. سأجلس بجوارك وأنت مستلقية، وأقشر لك تفاحة بينما تتكلمين».
«هاه».
رفعت ذراعيها، وقبضت يديها، ثم خفضت مركز ثقلها قليلًا وثنت ركبتيها.
وفجأة، استقام جسد كارين الذي ظل يترنح قبل لحظات، وكأن عمودًا حديديًا قد غُرس في ظهرها.
لم تكن تستعد لصد هجوم.
لقد وجهت إليّ نية الهجوم نفسها.
«حين أفكر في الأمر، مضى وقت طويل منذ تشاجرت معك بجدية يا أخي».
«لا تبالغي في تقدير نفسك. لم آخذ شجارًا مع أختي على محمل الجد قط».
أما أنا، فلم أتخذ أي وضعية قتالية.
لكنني بقيت متيقظًا.
«هل وصلت إلى الحزام الأعلى أم شيء من هذا القبيل؟ لكن ما الفائدة من ذلك هنا والآن؟ نحن لسنا في قاعة تدريب. وفوق ذلك، لست في حالتك الطبيعية حاليًا».
«حالتي؟ أجل، إنها ليست طبيعية بالتأكيد».
أومأت كارين موافقةً على كلامي.
«…رأسي مشوش، وجسدي كله حار كأنه يحترق، وأشعر بأن ملابسي ستشتعل في أي لحظة. جسدي ثقيل في كل مكان، حتى إنني أكاد أسقط بمجرد أن أخطو خطوة واحدة. وربما تبخرت الرطوبة من مقلتيّ، لأنني بالكاد أستطيع رؤية وجهك بوضوح. قد أغمض عينيّ في رمشتي التالية ولا أفتحهما أبدًا».
«…»
«باختصار، أنا في أفضل حالاتي».
ظلت كارين في وضعيتها القتالية، وبدأت تقترب مني ببطء.
حتى وصلت إلى مسافة يمكنها فيها أن تمد قبضتها وتضربني.
لم أشعر إلا وقد اقتربت مني بالفعل.
«…أنت مثيرة للإعجاب حقًا. لو لم تكوني أختي، لربما وقعت في حبك».
«ولو لم تكن أخي، لربما استطعت أن أضربك دون أن أراعيك».
ذلك مستحيل.
هكذا قالت كارين، ثم وجهت إليّ قبضتها.
لم يكن غريبًا ألا أتمكن من تفادي قبضة شخص يتعافى من المرض فحسب، بل لا يزال غارقًا فيه. كان من المستحيل ألا أراها قادمة، فتفاديتها وأمسكت بمعصمها، ثم لويته إلى أعلى.
لويته إلى أعلى.
وفي اللحظة التالية، كان جسدي يحلق في الهواء.
«!»
لم تمنحني حتى الوقت الكافي لأندهش.
لم أستطع الصراخ، ولم يصدر مني سوى علامة تعجب بالكاد، قبل أن يرتطم ظهري بالأرض الإسفلتية.
الإسفلت.
كانت الأرض صلبة أكثر مما ينبغي لجسد إنسان.
وهذه المرة، أطلقت صوتًا بالفعل.
«غـ… اااه!»
«من المؤسف أننا لسنا في قاعة التدريب يا أخي. لو كنا فوق حصير التاتامي، لما كان الألم بهذا السوء».
قالت كارين ذلك، ثم أضافت:
«ألم أخبرك؟ في أسلوب مدرستنا، تبدأ تقنيات الرمي من الحزام الثاني».
«…!»
أهي جادة؟
هل توجد تقنيات رمي في الكاراتيه أصلًا؟
ما زال هناك الكثير في هذا العالم مما أجهله… وفوق ذلك، لم أتوقع هذا مطلقًا.
إنها تتحرك بصورة طبيعية تمامًا!
«شكرًا يا أخي. بفضلك، أفقت تمامًا».
لم تكن تقصد أنها راجعت نفسها أو اعترفت بخطئها، بل كانت تعني حرفيًا أن وعيها أصبح صافيًا. قالت ذلك وهي تمد جسدها ببطء.
«بقي عشرون دقيقة حتى وصول الحافلة التالية… ما رأيك يا أخي؟ هل أستدعي لك سيارة إسعاف؟»
«…أمزح؟ الشخص الذي يحتاج إلى سيارة إسعاف هو…»
أنتِ، قلت ذلك في نفسي وأنا أنهض.
لقد أفرغت قوة الارتطام الهواء كله من رئتي، ولم يعد تنفسي إلى طبيعته بعد. لا بأس، لست مضطرًا إلى انتظار استقراره.
انظر أمامك.
انظر إلى أختك.
انظر إلى أختك التي ينهشها المرض.
«…مستحيل! كيف تستطيع الوقوف؟ كان من المفترض أن تموت من هذه الضربة! لقد قيل لي ألّا أستخدم هذه التقنية خارج قاعة التدريب أبدًا!»
«ينبغي أن تُطرَدي من المدرسة في أسرع وقت ممكن».
«لا تقف في طريقي!»
لم أتمكن من رؤية القبضة التالية.
ومع ذلك، لم تكن ضربتها السابقة خدعة متعمدة كي تجعلني أمسك بها وتنفذ حركة الرمي. لم تتغير سرعة قبضتها في حد ذاتها.
كل ما في الأمر أنها أضافت خدعة تمويهية إلى هجومها.
وهذا وحده جعل الفرق في الانطباع هائلًا.
في المرة الأولى، لم تضربني بكل قوتها.
أما في المرة الثانية، فقد كانت جادة تمامًا.
«غـ… آه… غـ…!»
قبل أن أسقط مجددًا على الإسفلت، اخترقت قبضات كارين جذعي خمس مرات. لم أتمكن من صد أي واحدة منها.
لقد كان الأمر أشبه بهجوم متتابع لا يمنحني فرصة لالتقاط الأنفاس.
«بالمناسبة يا أخي، ألا تعتقد أن عبارة “جسدي متوهج بالحرارة” تحمل إيحاءً مثيرًا بعض الشيء؟!»
«لا أعتقد ذلك!»
«لكن كلمة “الجسد” تشبه كلمة “فندق” في اللفظ!»
«هل أنتِ تلميذة كانبارو أم ماذا؟!»
«تلميذة؟ من هذه؟!»
«أكثر شخص منحرف أعرفه على الإطلاق!»
صرخت بهذه الكلمات التي كانت ستجعل كانبارو تطير فرحًا لو سمعتها، بينما كانت كارين تستعد لركلي وأنا ملقى على الأرض. أمسكت بكاحلها.
جيد! ما دمت قد أمسكت بها، فإن القوة ستكون في صالحي بالتأكيد. ربما توجد تقنيات رمي يمكن تنفيذها عند الإمساك بالمعصم، لكن لا بد أن الإمساك بالكاحل مختلف!
لكن…
كانت لكارين ساقان.
ولسبب لا يُصدَّق، اتخذت من ساقها التي أمسكت بها محورًا للارتكاز، ورفعت ساقها الأخرى، ثم داست بها على جانبي.
كان ذلك مؤلمًا.
فقد وضعت كامل وزنها في ركلة وجهتها إلى شخص أقصر منها، وشعرت وكأن أحشائي قد سُحقت جميعًا حتى أصبحت مسطحة.
ومع ذلك، لم أترك كاحلها… إلى أن نفذت ثلاث ضربات من ذلك الهجوم الشيطاني.
لا، لا أستطيع مواصلة هذا بالإصرار وحده.
جسدي الآن ليس جسد مصاص دماء. وبصراحة، أشعر بأن كارين أقوى من غيوتين كاتر نفسه، على الأقل وفقًا لما أختبره الآن.
«اسمع يا سيدي».
ما إن تركت كاحل كارين حتى سمعت صوتًا من الأرض.
لا، لم يكن الصوت صادرًا من الأرض نفسها، بل من ظلي المسقط عليها.
بعبارة أخرى، كان صوت شينوبو أوشينو.
لم يكن سوى صوت، ويبدو أنه لا يُسمع إلا لي، لأن كارين لم تُبدِ أي رد فعل.
«ألم أخبرك من قبل؟ كما تنتقل إليّ مشاعر اضطرابك وقلقك مباشرة، فإن ألمك ينتقل إليّ أيضًا، وبالنسبة نفسها».
«…تحملي قليلًا بعد».
قلت ذلك وأنا أخاطب الأرض.
لا بد أنني أبدو أمام كارين كشخص غريب يتحدث إلى الأرض، وربما ظنت أن كثرة الضربات جعلتني أفقد عقلي.
«إذا أصدرتَ أمرًا، فسأتحرك».
«لا بأس. لن أستعين بك».
«بل إنني أرغب في التحرك الآن، حتى من دون أمر».
«آمرك ألّا تتحركي».
«يا لك من شخص يطلب المستحيل».
«سأربت على رأسك لاحقًا».
التربيت على الرأس.
طقس يُعلن به المرء خضوعه المطلق.
حتى حين غسلت رأس شينوبو بالأمس، كان لذلك معنى كهذا، ولو بقدر ضئيل.
«هذا لا يكفي. أطالب بطقس أعلى منه بدرجة».
«أعلى بدرجة؟»
«أجل. طقس يُعبّر عن الولاء بصورة أقوى».
«حقًا؟ هناك شيء كهذا؟ وبمَ يتمثل؟»
«بدلًا من التربيت على الرأس، تربّت على الصدر».
«لماذا لم تخبريني بذلك حين كنتِ في هيئتك البالغة؟!»
نهضت وأنا أكاد أبكي.
أما الضربة الثالثة، فلم تسبقها أي كلمات.
جاءت قبضتها فجأة.
قلت لشينوبو إن عليها أن تتحمل قليلًا بعد، لكن العبارة كانت مبهمة للغاية. وبالتحديد، كان عليها أن تتحمل… عشر قبضات أخرى أتلقاها بعد هذه اللحظة.
وبالطبع، تحملت أنا أيضًا.
صبرت على ما لا يُطاق، وتحملت ما لا يُحتمل.
لا، أنا جاد فعلًا في هذا.
ليس لدي أي فرصة أمامها في حالتي الطبيعية.
كيف أمكنني أن أظن، بكل تلك الغطرسة، أنني قد أقتلها عن طريق الخطأ لو تشاجرنا؟ لم نتشاجر بالأيدي منذ فترة قصيرة فحسب، وإذا بها قد بلغت هذا المستوى من التطور… لم أتوقع ذلك إطلاقًا. كيف نمت قدراتها إلى هذا الحد خلال بضعة أشهر لا أكثر؟ هل معلمك هو الحكيم الأكبر؟ أم أنك شربت الماء الفائق؟
في الواقع، لم أكن أتحمل ضرباتها بتسامح لأسباب نبيلة، مثل كون خصمي فتاة أو أختي الصغرى. لكن الوضع كان سيئًا إلى درجة أنني لم أجد بدًا من اختلاق مثل هذه الأعذار كي أستطيع مواصلته.
لم أتمكن حتى من العثور على ثغرة واحدة لشن هجوم مضاد.
ما خطب هذه الفتاة؟ لا بد أنها شخصية أُضيفت خصيصًا إلى نسخة الأنمي! إنها تنتمي إلى عالم مختلف تمامًا!
وربما بسبب سوء حالتها الصحية، لم تعد لديها مكابح أو قيود تكبح جماحها، فكان هجوم كارين لا يعرف التوقف.
لكن…
حين رأتني لا أزال واقفًا أمامها رغم كل شيء، قالت:
«…كفى، بحقك».
أوقفت حركتها مؤقتًا، ثم أضافت:
«قبضتي التي تضربك تؤلمني أكثر مما تؤلمك».
«لا تقولي حماقات كهذه. جسدي هو الذي يتألم من الضرب».
حقًا…
لولا بقايا ظاهرة مصاص الدماء ومهارة التعافي التي أملكها، لما كان من المستغرب أن أموت فعلًا.
«لا يمكنك الفوز عليّ يا أخي».
«ولا يمكنكِ الفوز عليّ يا كارين».
شعرت بالدماء تنزف من مواضع متفرقة من جسدي. قررت أن أعتذر لشينوبو لاحقًا بأن أسمح لها بشرب هذا الدم، تعويضًا عما حدث.
وبعبارة أخرى، ما لم أرفع مستوى مهارة التعافي لديّ بهذه الطريقة، فسأنتهي في المستشفى حقًا.
«إن كنت ستستسلم، فهذا أفضل وقت يا أخي».
«لقد تأخرتِ كثيرًا في قول ذلك».
«…لأن قبضتي تؤلمني».
قالت إنها لن تضربني بعد الآن.
ثم اندفعت نحوي مجددًا.
وكانت هذه المرة حركة كنس للساقين.
توقعت أنها ستستخدم ساقيها في الهجوم التالي، لذا استطعت تفادي حركة الكنس بالقفز إلى الخلف، لكنني لم أتمكن من تفادي الهجوم الذي أعقبها.
رفعت ساقها الأخرى عاليًا، ثم أنزلتها بضربة كعب ساحقة.
بل كانت ركلة نيري تشاغي الكورية.
أسلوب مدرستك غريب فعلًا!
«غـ…!»
ضممت ذراعيّ فوق رأسي لأحميه، لكن لم يكن من الممكن أن أصد هجوم أختي التي تتفوق عليّ في البنية الجسدية بهذه الوضعية.
بل ربما كانت عظام ذراعي ستتحطم.
فكرت أن هذه ليست ركلة ينبغي استعراضها أمام شخص عادي لا يعرف القتال، لكن رغم أن قوة الضربة كادت تسحقني، فإنني، لسبب ما، لم أسقط أرضًا.
لماذا؟
هل خففت قوتها؟
لا، مستحيل…
«همف! أحسنت يا أخي!»
قالت ذلك، ثم أضافت:
«لكن تلك الحركة كانت خدعة أيضًا!»
هذه المرة، وبحركة ركلة نيري تشاغي، أنزلت ساقها ثم رفعت طرف قدمها من الأسفل لتصيب ذقني.
لا تستخفي بي! لن تصيبني ضربة بهذه الحركة الواسعة. أملت الجزء العلوي من جسدي إلى الخلف بأقل حركة ممكنة، فتفاديت طرف قدمها، لكن هدف كارين من هذه الحركة لم يكن الهجوم أصلًا.
رفعت ساقها الأخرى أيضًا، متبعة الساق الأولى، حتى ارتفع جسدها كله في الهواء.
ثم وقفت مستقيمة على راحتي يديها.
أي إنها اتخذت وضعية الوقوف على اليدين.
«هف!»
ثم بدأت كارين بالدوران في مكانها.
فتحت ساقيها في خط مستقيم، وكأنها مروحية صغيرة من الخيزران.
«غـ… غـ!»
تمكنت بالكاد من صد الهجوم بذراعيّ، لكنني لم أكن واثقًا من مدى فائدة هذا الدفاع أصلًا. كان شعوري أقرب إلى أن ذراعيّ تتعرضان للتدمير المتعمد، لا أنني أدافع عن نفسي.
كان الأمر أشبه بتلقي ضربات بمضرب بيسبول خشبي.
واصلت كارين الدوران خمس مرات تقريبًا، أي إن ذراعيّ تلقتا عشر ركلات. فقدت ذراعاي الإحساس تمامًا. لم أتخيل أن الهجوم من وضعية الوقوف على اليدين يمكن أن يكون بهذه القوة…
مهلًا، لقد رأيت شيئًا كهذا في ألعاب القتال!
هذا ليس كاراتيه، بل كابويرا، أليس كذلك…؟
«أيتها الـ…!»
لم أعد أحتمل، فحاولت الإمساك بساق كارين. كان من الخطأ أن أفترض أن حركة بهلوانية كهذه ستجعلها تسقط بسرعة؛ كان عليّ أن أشن هجومًا مضادًا حتى من هذه الوضعية…
لكنها بدت وكأنها كانت تنتظر ذلك.
تفادت يدي بأن خفضت جسدها.
خفضته، وانتقلت من وضعية الوقوف على اليدين إلى الاستلقاء على الأرض، لكنها لم تفقد زخم دورانها. استخدمت الإسفلت كما لو كان جليدًا، واستمرت في الدوران مرتكزة على ظهرها، كما لو كانت تؤدي رقصة بريك دانس، بل زادت سرعة دورانها، ثم حاولت كنس ساقيّ مرة أخرى.
كانت ركلتها حادة كأنها جعلت من ساقيها منجلين.
الدوران.
استغلال قوة الدوران.
يبدو أن كارين، التي لم تستطع استخدام كامل قوتها العضلية بسبب مرضها، قررت الاعتماد على قانون القصور الذاتي وقوة الطرد المركزي لتعويض ذلك. وبدا أن خطتها نجحت نجاحًا باهرًا.
لأنني كنت أركز على حماية الجزء العلوي من جسدي، كانت قصبتا ساقيّ مكشوفتين تقريبًا. أصابتهما ركلتها، فانثنت ركبتاي فجأة.
وكان ذلك ما استهدفته كارين بالضبط.
وضعت راحتيها على الإسفلت مجددًا.
عادت إلى وضعية الوقوف على اليدين، ثم…
قفزت مستعينة بمرونة ذراعيها وحدهما.
اللعنة!
كل هذا بسبب تدريبها المستمر على الوقوف على اليدين!
لم أملك حتى الوقت الكافي للتفكير في ذلك، إذ استخدمت كارين ساقيها الطويلتين، اللتين جعلتهما منجلين قبل قليل، كما لو كانتا مقصًا، وأطبقت بهما على رأسي. أحاطت بهما رأسي عند أعلى فخذيها المدربين، ثم ثنت ركبة إحدى ساقيها بسرعة لتثبته في مكانه.
انضغط الجزء السفلي من ملابسها الرياضية بقوة على وجهي، فلم أعد أستطيع التنفس.
لكن ذلك لم يدم سوى لحظة.
أدارت كارين ذراعيها الممدودتين إلى الجانبين بقوة، كما لو كانتا مروحتين لولبيتين، ثم لوت جسدها كله واستدارت استدارة حادة.
وكانت تلك اللفة كافية لانتزاعي من الأرض.
بالقوة.
انتزعتني من الأرض بعنف.
رـ… أهذه حركة رمي؟
مـ… أترميني برأسي مستخدمة ساقيك؟!
مستحيل، لا يمكن لأحد فعل ذلك! لم أملك حتى الوقت الكافي للاعتراض، فقد كانت ساقاي قد فقدتا توازنهما بالفعل، ولم يكن لديّ أي سبيل لمقاومة حركة كارين غير المتوقعة تمامًا. اهتز مجال رؤيتي بعنف.
وحلّقت في الهواء مرة أخرى.
انفك تطويق رأسي بساقيها قبل أن تسقطني على قمة رأسي، فنجوت من ذلك المصير بأعجوبة. وبالتأكيد، كانت هذه أيضًا إحدى تلك «الحركات التي يُمنع استخدامها خارج قاعة التدريب». بدت أقرب إلى المصارعة الخارقة، لكن شكلها أقرب إلى فنون القتال القديمة، أليس كذلك؟
ومع ذلك، لم يكن هناك أي أمل في أن أتمكن من الهبوط على قدميّ. ارتطمت بالأرض بقوة، وسقطت على نحو أصاب أسفل ظهري إصابة مؤلمة.
اجتاحني الألم، فتجمد جسدي في مكاني.
أما كارين، التي هبطت على قدميها كما لو أن ذلك أمر بديهي، فقد واصلت هجومها عليّ دون توقف. هذه المرة جعلت ساقيها، اللتين استخدمتهما منجلين ثم مقصًا، تلتويان كالسوط.
وفي لحظة خاطفة…
التقطت حجرًا من الأرض وقذفته نحو كارين.
ولم أكتفِ بواحد، بل رميت حجرين، واحدًا بكل يد!
رجل يرمي فتاة في المرحلة الإعدادية بالحجارة.
ويا للمفارقة، كان ذلك الرجل أنا.
«يا لك من مزعج!»
لكن كارين لم تكترث بالأسلحة المقذوفة. غيرت مسار ركلتها في منتصف الحركة، فركلت الحجرين المتجهين نحو جسدها وأسقطتهما.
لا، لم تُسقطهما فحسب.
بل حطمتهما ركلًا!
أـ… أيمكن لركلة أن تحطم حجرًا في الهواء؟!
لم يعد الأمر شبيهًا بمضرب بيسبول خشبي، بل بمضرب معدني!
«لقد بالغتِ في التدريب إلى حد لا يُعقل، أيتها النسخة المصغرة إلى واحد من اثني عشر من أميرات الأخوات!»
«لكن هذه مجرد أخت عادية!»
ردت كارين على إهانتي برد دقيق، لكنها، ولعل هذا هو الفرق في قدراتنا، لم تسمح لتعليقها بأن يصرفها عن هدفها. عادت فورًا إلى مهاجمة رأسي.
كانت ركلة سوبّات دورانية صاعدة، وقد وجدت رأسي في الموضع المناسب تمامًا مرة أخرى!
والمذهل أن الأمر لم ينتهِ بتلقي ركلة واحدة.
مثلما يقول المثل إن النمر إذا أضيفت إليه أجنحة صار أشد فتكًا، بدت كارين وكأنها تطير في الهواء متحديةً الجاذبية. وبينما كان جسدها لا يزال معلقًا في الجو، اندفعت ساقها الأخرى لتستهدف الموضع نفسه من رأسي بدقة مذهلة.
ولم تنتهِ الركلات عند اثنتين.
فخلال قفزة واحدة، تركت كارين دوران جسدها يتولى الأمر، وركلت رأسي ثلاث مرات متتالية.
شعرت وكأنني أنبانمان بعد أن منحه العم جام خبزًا برأس جديد.
هل سيفهم أحد هذا التشبيه؟! أعني أنني شعرت وكأن رأسي قد انفصل عن جسدي…!
لو تلقيت ركلة بهذه القوة وأنا واقف، لفقدت الوعي من الضربة الأولى دون أدنى شك. لكن لأنني كنت جالسًا على الأرض، فقد تلقيت ثلاث ركلات متتابعة.
كان الأمر مرعبًا بكل ما للكلمة من معنى.
ربما تحول دماغي إلى حشوة فاصولياء حمراء مهروسة.
أنا جاد تمامًا.
«أأنتِ مروحة كهربائية أم ماذا؟ هل سيصبح صوتي كصوت الفضائيين إذا تحدثت أمامك؟ أيتها النسخة المصغرة إلى واحد من ستة من توين لوف!»
«أنا وتسوكيهي-تشان لسنا توأمًا أصلًا!»
«كان هذا هو الإعداد الأصلي للشخصيتين!»
«حقًا؟!»
حقًا.
إذا بحثت جيدًا، فستجد بعض الآثار البسيطة لذلك الإعداد.
هبطت كارين على قدم واحدة بعد أن دارت دورة ونصفًا، لكنها ليست من النوع الذي يأخذ استراحة عند هذه النقطة. هذه المرة، استعدت للدوران في الاتجاه المعاكس، ثم قفزت مجددًا لتضرب الجانب الآخر من رأسي.
لكن يبدو أن هذه الحركة كانت مستحيلة من منظور ميكانيكا الجسم البشري؛ فبعد قفزها مباشرة، اختل توازنها بشدة، كما لو أن زخم ركلتها قد جرّها معه.
لكن لا.
لم يكن الأمر كذلك.
كانت تلك خدعة أخرى.
بل كانت طريقة أخرى لاستغلال الدوران.
استغلت كارين زخم ركلتها، ونفذت شقلبة خلفية مذهلة أمام عينيّ، ثم هبطت على كتفيّ وأنا لا أزال جالسًا على الأرض.
هبطت على كتفيّ.
ثم اتخذت مني منصة للقفز.
قفزت إلى الأعلى مباشرة فوق رأسي.
«مـ… ماذا تفعلين؟!»
رفعت رأسي انعكاسيًا، فرأيت…
كارين وهي تثني ركبتيها في الهواء، ثم تنقض نحوي بضربة ركبتين ساحقة، مستعينة بكامل وزن جسدها، مستهدفةً كتفيّ اللذين استخدمتهما للتو منصةً للقفز.
«مـ… لا تمزحي! لو تلقيت ضربة كهذه، فسأفقد كتفيّ! هذا أخطر من أنبانمان بكثير! أيتها النسخة المصغرة إلى واحد من خمسة من هابي ليسون!»
«لكنها أمّ، وليست أختًا!»
صحيح.
لقد قلت ذلك من فرط الحماس.
لكن، مع ذلك، يا لها من طريقة غريبة لاختيار موضع الهجوم.
في اللحظة المناسبة، زحفت مبتعدًا عن مكان الضربة، ضاغطًا على ألمي في أسفل ظهري كي أتمكن من تحريك جسدي. كانت ضربة الركبتين تستهدف نقطة محددة تمامًا، لذا لا بد أن تغيير موضعي قليلًا يكفي لتفاديها.
لقد انقلبت قوة قفزك الهائلة ضدك!
اهبطي على الإسفلت واضربيه بركبتيك كما تشائين! قد تتمكنين من تحطيم حصاة صغيرة، لكنك لن تستطيعي تحطيم الإسفلت نفسه!
بل أتمنى أن تتحطم ركبتاك!
لكن…
لمحت بطرف عيني مشهدًا لم أصدق أنني أراه.
كارين التي كادت تصيبني، بعدما تفاديت هجومها في اللحظة الأخيرة، لوت ذراعيها وجذعها مجددًا في الهواء، ثم أدارت جسدها الذي يبلغ طوله مئة وسبعين سنتيمترًا حركة لولبية، وهي على ارتفاع لا يتجاوز خمسين سنتيمترًا عن الأرض، وتمكنت من الهبوط ببراعة، إن لم يكن بأناقة.
كان الفرق شاسعًا بينها وبيني، وأنا أهرب زاحفًا على الأرض.
رغم أننا كنا في خضم القتال، لم أستطع منع نفسي من الانبهار بتلك السلسلة من الحركات. وبالطبع، لم يكن ذلك سوى فرصة حاسمة أتاحتها لخصمي.
تحركت كارين بسرعة إلى خلفي، ولوت ذراعي إلى أعلى، ثم لفّت إحدى ساقيها حول ذراعي لتثبيته، وأحكمت ذراعيها حول عنقي من جديد.
هل هذه حركة الصليب عند الياقة؟ لا، بل خنق خلفي؟
صحيح أنها أضافت حركة مميزة تلف فيها ساقها حول ذراعي، لكن هذه أيضًا تقنية من الجودو، وليست الكاراتيه إطلاقًا!
«هل ما تتدربين عليه في الحقيقة هو الجوجيتسو… أو ربما الجيت كون دو، وليس الكاراتيه، أليس كذـ…»
«كلا، إنه الكاراتيه… واسم هذه الحركة هو: تشوك سوبر إكس!»
«منذ متى توجد حركات بأسماء أجنبية في الكاراتيه؟!»
يا للمصيبة.
أختي ضحية احتيال في اسم المدرسة التي تتدرب فيها.
مع أن الأمر ربما لم يعد متعلقًا بالمدرسة أو بأسلوب القتال أصلًا، بعد أن وصلنا إلى هذا الحد.
لكن الوضع خطير.
قد أتمكن من تحمل الضربات واللكمات، لكن مهما بلغت مهارة التعافي الخاصة بمصاص الدماء من قوة، فإنها لن تجعلني محصنًا ضد تقنيات الخنق. إن استهداف الجهاز التنفسي مباشرة استراتيجية فعالة على نحو مفاجئ. والسبب في احتياجي إلى وقت للتعافي من حركة الرمي الأولى هو أنها ألحقت الضرر برئتيّ.
إن كانت كارين تقصد بقولها إنها لن تضربني بيديها بعد الآن أنها ستنتقل إلى أسلوب يعتمد على الساقين، فلا بأس بذلك. أما إذا كانت تقصد أنها ستستخدم الرمي والخنق وما شابه من الحركات ضمن استراتيجيتها الأساسية، فسيكون ذلك سيئًا للغاية بالنسبة إليّ!
«أعرف هذا من تجربتي، لكن خنق العنق يجعلك تفقد الوعي بطريقة مريحة على نحو مفاجئ. جرّب الأمر مرة يا أخي!»
«هل سبق أن خنقك أحد؟! لن أسامح ذلك الشخص أبدًا!»
«إنه أنت يا أخي!»
صحيح.
وبالطبع، لا ننسى التدريبات في قاعة التدريب.
«سأصفّي حسابات السنين الطويلة من الحقد هنا والآن!»
«لقد تغيّر هدفك تمامًا…»
لكن…
مهما استخدمت كارين من قوة، ومهما أحكمت خنق عنقي، لم أجد صعوبة تُذكر في التنفس.
كما توقعت، لم تكن حالتها الصحية جيدة.
على عكس الضربات التي يمكنها فيها إطلاق القوة دفعة واحدة في لحظة الاصطدام، تتطلب تقنيات الخنق استمرار الضغط بالذراعين. وبسبب حالتها الحالية، لم تكن قادرة على إبقاء القوة اللازمة مدة كافية لتحقيق تأثير حقيقي.
وكان انحلال تطويق ساقيها لرأسي في الهواء أثناء حركة الرمي السابقة يدعم هذا الاستنتاج.
أدركت كارين خطأها سريعًا.
لكن لحظة إدراكها تلك كانت فرصتي.
استغليت تلك اللحظة، وحررت ذراعي من قبضتها.
نهضت، وأدرت جسدي.
ثم مددت يدي نحو صدر كارين.
لم تكن لديّ أي فرصة للفوز في منافسة تعتمد على المهارات القتالية، لذا كان عليّ أن أمسك بملابسها الرياضية بأي طريقة، وأحوّل القتال إلى عراك فوضوي لا قواعد له.
«أين تضع يدك أيها المنحرف؟!»
لكن كارين تفادت يدي بسهولة.
ولم تكتفِ بذلك، بل نطحت وجهي برأسها!
نطحة بالرأس؟!
هل هذه حركة تستخدمها فتاة أصلًا؟!
أصابتني النطحة مباشرة في جسر الأنف، على نحو يشبه الهجوم المضاد، ففقدت إحساسي بالاتجاهات للحظة. أغمضت عينيّ بشكل انعكاسي، وفقدت القدرة على رؤية كارين.
ولم تكن كارين لتضيّع تلك الفرصة.
في تلك اللحظة، دخلت إلى النقطة العمياء في مجال رؤيتي، وأدارت ظهرها نحوي، ثم نفذت نصف دورة، أي مئتين وسبعين درجة، وأصابت صدغي بضربة خلفية بقبضتها، مستعينةً بكامل وزن جسدها.
يا لها من دقة في اختيار الموضع! أي جزء من جسدي تستهدفه هذه الفتاة؟!
اهتز دماغي.
وأسقطتني تلك الضربة على الإسفلت.
احتك جسدي بالأرض حتى تمزقت ملابسي تمامًا.
لكن لم يكن لديّ وقت للاهتمام بأمور كهذه. كان عليّ أن أنهض فورًا، وإلا تلقيت هجومًا آخر…
«كما توقعت… قبضتي تؤلمني».
قالت كارين ذلك، وقد ابتعدت عني قليلًا، ربما كي تستعيد وضعيتها.
«بصراحة، لا أريد أن أضربك بعد الآن. ما يحدث الآن ليس سوى عنف لا داعي له. لا بد أنك فهمت أخيرًا، أليس كذلك يا أخي؟ لا يمكنك الفوز عليّ».
«همف. لا تقولي حماقات. ألا تدركين أنني أضعت عليك خمس فرص على الأقل لإسقاطك؟ حان الوقت لتفهمي أنتِ أيضًا أن كارين لا تستطيع الفوز عليّ».
لكن…
بعد أن تلقيت كل هذا الضرب من طرف واحد، مهما قلت من كلام، فلن يبدو سوى تبرير للخسارة.
الفوز أم الهزيمة.
أن أفوز… أم أخسر.
«أليس الحق ينتصر دائمًا؟»
قالت كارين ذلك.
ومع ذلك، فربما كان تحركها بعنف طوال الوقت هو ما جعل خطواتها تعود إلى الترنح. حسنًا، إن تحركت أنا، فمن المرجح أن تستقيم مجددًا.
«إذن، إذا فاز أحدنا، فهذا يعني أنه على حق، أليس كذلك يا أخي؟ إذا هزمتك… فستسمح لي بالذهاب، أليس كذلك؟»
«هذا التفكير خطير. وهو بعيد كل البعد عن العدالة».
«ماذا؟»
أظهرت كارين استياءها بوضوح.
كانت عيناها المائلتان بطبيعتهما قد ازدادت حدّة، وأخذت تحدق بي بقوة.
حدقت بي… بحدة أشد.
«عمّ تتحدث؟ ألم تكن أنت من يقول ذلك دائمًا؟ تتصرف وكأنك تعرف كل شيء!»
«ماذا قلت؟»
«كنت تتحدث عني وعن تسوكيهي-تشان. قلت إننا على حق، لكننا لسنا قويتين بما يكفي… وإن الحق ينتصر دائمًا، ولذلك لا ينبغي لنا أن نخسر…»
كانت تتحدث عنا نحن.
قائلًا إننا مزيفتان.
«تتصرف وكأنك تعرف كل شيء، وكأنك تفهم كل شيء، وكأنك تعرف كل شيء! لهذا أردت ألّا أخسر…»
«آه. تقصدين ذلك».
قلت هذا وأنا أقترب من كارين.
لكنني لم أعد قادرًا على الاستمرار.
لم أعد أستطيع التحرك بصورة طبيعية.
ستغادر كارين في هذه الحالة، ولن أتمكن من إيقافها. كما أن الحافلة التالية ستصل قريبًا.
«هذا صحيح. أنتِ على حق، لكنك لست قوية بما يكفي».
«أنا قوية! على الأقل أقوى منك يا أخي».
«هل أنتِ متأكدة؟ من وجهة نظري، أنتِ ضعيفة جدًا».
«كيف تقول هذا وأنت في هذه الحالة المزرية؟!»
«لا معنى للقوة الجسدية مهما بلغت. ما يحتاج إليه الشخص الحقيقي هو… قوة الإرادة».
على سبيل المثال، أعظم ما يميز هانيكاوا هو…
قوة إرادتها.
«أين إرادتك في هذا الغضب الذي تشعرين به تجاه كايكي لأنك لا تستطيعين مسامحته؟ أنتما تتحركان دائمًا من أجل الآخرين. تفعلان كل شيء من أجل شخص آخر. لكن أين إرادتكما أنتما في ذلك؟»
«…هذا غير صحيح. نحن نفعل ما نعتقد أنه صواب. أما الآخرون، فليسوا سوى سبب من الأسباب».
«لا تجعليني أضحك. كيف يمكن لمن يبحث عن أسباب أفعاله لدى الآخرين أن يكون عادلًا؟ إذا ألقيتِ أسبابك على عاتق الآخرين، فكيف ستتحملين مسؤولية أفعالك؟ أنتما لستما العدالة، ولا حتى حليفتي العدالة. أنتما مجرد طفلتين تلهوان بلعب دور حليف العدالة».
أنتما مزيفتان.
مزيفتان لن تستطيعا أبدًا… أن تصيرا أصيلتين.
«هذا غير صحيح! لا تتحدث من تلقاء نفسك وكأنك تعرف كل شيء!»
صرخت كارين غاضبة.
وفي هذه الأثناء، كانت قد أنزلت قبضتيها.
أبقتهما مقبوضتين، لكنها أنزلتهما إلى جانبيها.
«تسوباسا سان ستفهمني بالتأكيد! فهي تعرف كل شيء!»
«إنها لا تعرف كل شيء… إنها تعرف فقط ما تعرفه».
قلت ذلك.
كانت تلك العبارة من لازمة هانيكاوا.
الكلمات التي ترددها دائمًا.
وكأنها تحاول إقناع نفسها بها.
«إن لم تكوني مستعدة للاكتفاء بإرضاء نفسك بدلًا من التضحية بنفسك من أجل الآخرين، فلا تتفوهي بكلمة ضخمة مثل العدالة. إنه أمر يثير اشمئزازي».
«…ما الخطأ في أن نفعل شيئًا من أجل الآخرين؟ وما الخطأ في التضحية بالنفس؟ حتى لو كنا… حتى لو كنا مزيفتين، فما المشكلة في ذلك؟! هل تسببنا لك بأي إزعاج بسبب هذا؟!»
«لقد سببتما لي الإزعاج طوال الوقت. لكن…»
قلت ذلك.
ولم تعد هناك أي مسافة بين كارين وبيني.
أمسكت بها بعدما أنزلت ذراعيها.
«لم أقل قط إن في ذلك خطأ».
«…»
«إذا كنتما مستعدتين لمواجهة شعور النقص طوال حياتكما، فأنتما، حتى لو كنتما مزيفتين، لا تختلفان عن الأصيلتين».
كانت قوة قبضتي قد تلاشت تقريبًا، ولم أستطع الإمساك بها بقوة تُذكر. لم تحاول كارين الإفلات مني، لكنني أردت الاحتياط على أي حال.
لذا عانقتها.
كان جسدها حارًا، وكأنه يتوهج بالحرارة.
ومع ذلك، كانت ضعيفة، لكن إرادتها كانت موجودة بالتأكيد.
لا بأس.
أنتما مجرد طفلتين، صغيرتين وغير ناضجتين.
ولهذا السبب تحديدًا، لا يزال بإمكانكما أن تصيرا أقوى بكثير في المستقبل.
«سأقولها لك بوضوح… أنا أكرهكما بشدة. لكنني لطالما كنت فخورًا بكما».
«أ… أخي».
«قلتِ إنك تشعرين بالغيظ يا كارين. لقد سمعتك تقولين ذلك. لكنني أنا أشعر بغيظ أكبر منك بكثير. هل تظنين أنني أستطيع مسامحة من دنّس كبريائي؟»
ولهذا…
ولهذا السبب.
«اتركي الباقي لي».
قلت ذلك.
ولم تكن هناك حاجة إلى إضافة أي كلمات أخرى.
ارتخى جسد كارين المتصلب فجأة، وفقد توتره.
«…ليس الغيظ ما أشعر به، بل الخزي. أن أضطر إلى جعل أخي ينظف الفوضى التي تسببت بها…»
«ما الذي تتفوهين به وأنت لا تستطيعين حتى مسح عرقك بنفسك؟ أن يتولى أخوك تنظيف فوضى أخته ليس إلا شرفًا له».
عانقتها.
عانقت جسد كارين الذي يفوقني طولًا.
ثم ابتسمت لها.
«هذه المرة، سأريك الجانب الرائع من أخيك. احرصي على ألّا تقعي في حبي. وإلا انتهى بنا الأمر إلى علاقة محرّمة بين الأشقاء».
«لقد وقعت في حبك بالفعل».
هكذا قالت كارين.
«أخي، اترك الباقي لك».
ثم أضافت تلك الكلمات.
تشاجرنا كما يليق بأخ وأخت لا تربطهما علاقة ودية.
وكان شجارًا صحيحًا، وممتعًا إلى أبعد حد.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.