الفصل 758: مفترق طرق
غادر ساني الأكاديمية وباله مثقل بالأفكار.
بصفته سيدًا ومواطنًا رفيع المستوى، كان يملك الحق في الحصول على رخصة مركبة نقل شخصية ولديه ما يكفي وزيادة من المال لشراء واحدة. ومع ذلك، لم تكن لدى ساني أي فكرة عن كيفية قيادة مركبة نقل شخصية وكان أكسل من أن يتعلم، لذا واصل استخدام القطارات العامة للتنقل في أرجاء المدينة.
في أرجاء… عاصمة الحصار في القطاع الشمالي.
دون أن يعير أي اهتمام للنظرات المفتونة التي رمقه بها الناس، تطلع عبر النافذة بينما انزلق القطار إلى الأمام على مساره المغناطيسي الموجه، محلقًا عبر حي تلو الآخر بسرعة مذهلة.
كانت المدينة… مكاناً جيداً إلى حد ما، بشرط ألا تكون قد وُلدت في ضواحيها. فقد كانت المباني الشاهقة تغوص عميقاً في باطن الأرض وتمتد عالياً نحو السماء، وتربط بينها أنفاق وجسور معلقة، لتشكل متاهة معقدة من مركبات الغرافين والسبائك المدعّمة. وفي أماكن متفرقة، كانت الأشجار والأعشاب الاصطناعية تكسر رتابة اللون الأبيض بدرجات زاهية من الأخضر والأصفر والبرتقالي والأحمر.
بدا كل شيء نظيفًا ومشرقًا على الرغم من العواصف الثلجية العاتية التي كانت سائدة في هذا الوقت من العام، على النقيض تمامًا من الفوضى القذرة والمعتمة والسامة في الضواحي.
كانت هناك شاشات ضخمة تعرض مناظر خلابة لمشاهد طبيعية آسرة لم يعد لها وجود على كوكب الأرض منذ قرون، فضلًا عن عروض بروباغندا صُممت ببراعة لرفع معنويات المواطنين.
…وقبل كل شيء، بدت المدينة مفعمة بالحياة. تدفقت حشود لا تنتهي من البشر عبر ممرات المشاة، بينما كانت تظهر بين الحين والآخر مركبة أو اثنتان من مركبات النقل العام. الملايين… بل مئات الملايين من البشر اتخذوا من هذا المكان وطنًا لهم. ففي هذا المكان وحده — المحمي بأسوار خارجية ضخمة وأنظمة متطورة لتنقية الهواء، وبوجود أفراد أقوياء من المستيقظين — كان بوسعهم البقاء على قيد الحياة والازدهار.
كان من الغريب تخيل أن العديد من الملاجئ البشرية المماثلة في انتاركاتيكا ستُهجر وتُدمر قريبًا جدًا على يد المد الذي لا ينتهي من مخلوقات الكابوس.
لقد رأى ساني الذعر والفوضى اللذين يمكن أن ينجمَا عن الظهور غير المتوقع لأي بوابة. ومع ذلك، عجز خياله عندما حاول تصور الكارثة ذاتها لكن مضخمة مئة ضعف. كل ما استطاع تصوره هو حشد الرجسات الذي واجهه جيش الحالمين تحت البرج القرمزي وهو يظهر فجأة في هذه الشوارع الهادئة.
جعلته تلك الصورة يرتجف.
…ومع ذلك، ظل متمسكاً بكلامه.
لم يكن مدينًا لهؤلاء الناس بأي شيء. بالطبع، لو فتحت البوابة مباشرة أمامه، لمال ساني إلى القتال ليمنح المدنيين وقتًا للفرار. كانت تلك مجرد طبيعة بشرية. لكنه لن يكلف نفسه عناء السعي وراء الموت لمجرد الوفاء بالتزام مجرد. لم يمد له أحد يد العون عندما كان يائسًا طلبًا للمساعدة. لقد نجا رغم أنف البشرية، لا بفضلها.
وسيواصل تقديم مصلحته أولًا…
على الأرجح.
لكان ساني كاذبًا لو قال إن السيدة جيت لم تزرع بذرة شك في قلبه. بالتأكيد، بدت الحملة إلى انتاركاتيكا بمثابة مسعى انتحاري لا طائل منه، لكنها كانت محقة. فأولئك الذين سينجون من تلك المحنة سيصبحون أقوى بكثير.
على الرغم من أن ساني لن يحصل على أي شظايا ظل من جحافل الرجسات الخاملة والمستيقظة التي كانت ستغمر القطاع الجنوبي قريبًا، إلا أنه لا يزال بإمكانه جمع الكثير من شظايا الروح والذكريات، وربما حتى الأصداء. كما سيكون هناك أكثر من كفاية من مخلوقات الكابوس الساقطة التي تجوب انتاركاتيكا أيضًا.
…ومع ذلك، لم يثق أيضًا في قدرة الحكومة على التنبؤ بدقة بما سيحدث هناك. بدا أنهم يعتقدون أن البوابات من الفئات الأدنى فقط هي التي ستظهر خلال التفاعل المتسلسل، ولكن هل كان هذا التقدير صائبًا؟ من كان بوسعه أن يجزم بعدم ظهور بوابة أخرى من الفئة الخامسة بدلًا من ذلك؟
في المرة الأخيرة التي حدث فيها ذلك، هلك أمثال اللهب الخالد وابتسامة السماء في المعركة. فهل كان بوسع ساني أن يضمن أنه سيبلي بلاءً أفضل؟ كلا، حتمًا لا يستطيع.
في نهاية المطاف، كان الأمر برمته يتلخص في خيار بسيط يعتمد على مفاوضات الغد.
إذا سار كل شيء على ما يرام، فسيستعيد ساني القدرة على دخول عالم الأحلام. وهناك، سيكون قادرًا على تحقيق نتائج أفضل بكثير مما قد تقدمه الحملة إلى انتاركاتيكا، وبمخاطر أقل بكثير.
بل أكثر من ذلك… كان بإمكانه حتى أن يعلن ولاءه لعشيرة فالور اللامعة. فحتى الآن، بات يملك قيمة أكثر من كافية للتفاوض على صفقة مربحة للغاية. ومع تدريبهم ودعمهم ومواردهم، لن يكون التحول إلى جبار أمرًا خارج نطاق الإمكان.
كما أن الحاجز الذي يقف بينه وبين السمو سيتلاشى على الفور أيضًا. بل سيكون في أفضل موقع ممكن لمحاولة قهر الكابوس الثالث!
ربما يتمكن حتى من تعزيز فهمه للسحر بقفزاتٍ هائلة. ففي النهاية، كانت فالور تحظى بشهرة واسعة في صنع الذكريات المذهلة. كما رأى مدى براعة ممثلي عشيرة كبرى في استخدام السحر الروني، هناك في معبد الليل. كان هناك الكثير من المعرفة التي يمتلكونها! والكثير مما يمكنه تعلمه منهم.
أما بشأن حقيقة أن العشائر العظيمة بدت وكأنها تستعد للتخلي عن الأرض لصالح عالم الأحلام…
فهل كانوا مخطئين أصلًا؟
ما زال ساني يتذكر المحادثة التي خاضها مع إيفي في الكاتدرائية المدمرة في المدينة المظلمة. كانت هي الأخرى تعتقد أن عالم اليقظة يحتضر، وأن عالم الأحلام يمكن أن يصبح خلاص البشرية. كانت حجتها… مروعة، لكنها مقنعة.
على أية حال، إذا سارت الأمور في الاتجاه الخاطئ، فسيكون بإمكانه دائمًا التخلي عن عشيرة فالور. فعهود الولاء لم تكن تعني شيئًا لساني على الإطلاق. وبصفته شخصًا يمقت كلمة الشرف، كان أكثر من راغب في خيانة أي وعد قطعه طالما كان ذلك يناسبه.
ربما لن تكون خطة التصحر العظيمة سهلة، ولكن بحلول ذلك الوقت، سيكون قويًا بما يكفي لتدبير أمره.
…لذا، إذا سارت المفاوضات على ما يرام، فلن يكون لديه أي سبب للقيام بشيء أحمق مثل اللحاق بالسيدة جيت إلى انتاركاتيكا.
أما إذا سارت بشكل سيئ، فسيكون ذلك خياره الوحيد تقريبًا.
لهذا السبب لم يمنح ساني حاصدة الأرواح إجابة قاطعة. وهي لم تطلب منه ذلك على أي حال. كل ما قالته له السيدة جيت هو أن يفكر في عرضها ويبلغها بقراره خلال الشهرين المقبلين.
مع اقتراب القطار من حي الشرفات، تنهد ساني وتوجه نحو المخرج.
‘تبّاً… رأسي يؤلمني. لماذا كان لا بدّ أن يحدث كل هذا في يوم محاضرتي الأولى؟ هذا قدرٌ أكبر من اللازم من الإثارة في يومٍ واحد!’
والأسوأ من ذلك، أن الغد ينذر بأن يكون أكثر إثارة…
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.