الفصل 762: المفاوضات
بدت الشابة التي خرجت من مركبة نقل شخصية أنيقة في بدلة عمل مفصلة بإتقان. كانت سوداء بالكامل، بأزرار وأزرار أكمام صيغت من الفولاذ الفضي. وحمت قفازات جلدية يديها من البرد، بينما تحرك شعرها الأسود الحالك قليلاً مع الريح.
ببشرة مرمرية وقوام ممشوق، بدت الشابة فائقة الجمال ومخيفة في آن واحد. لقد أشبهت نصلاً قاتلاً، ولم يزد ذلك الانطباع إلا حدة تلك النظرة الباردة في عينيها القرمزيتين الغريبتين واللافتتين…
جاءت مورغان من فالور لتمثل قبيلتها بنفسها.
شتم ساني في سره.
كان هذا… أسوأ سيناريو محتمل إلى حد ما. والآن بعد أن ظهرت سليلة مباشرة لأنفيل من فالور لإجراء المفاوضات شخصياً، تضاءلت فرصه في خداع أي شخص بشكل كبير.
ناهيك عن أن قلبه آلمه فجأة، كما لو كان يتذكر ألم انتزاعه من صدره بيد مورغان الرقيقة. ورغم أن تلك الحادثة المؤسفة وقعت في عالم الأحلام الوهمي، إلا أن ذكرى الألم كانت حقيقية للغاية.
…والأسوأ من ذلك بكثير، لم يتمالك ساني نفسه من الارتجاف عندما أدرك مدى الشبه القوي بين مورغان وأخيها الأكبر. كان الشبه متطابقاً تقريباً؛ وكأنه يحدق في نسخة أنثوية أصغر سناً من موردريت.
جعله ذلك يشعر بعدم ارتياح عميق.
نظرت مورغان إلى الكتلة الهائلة لبوابات الأكاديمية، ثم ألقت نظرة بدافع الفضول على بحر الشموع، وتقدمت للأمام. وتوقفت أمام ساني وكاسي، ووجهت إليهما ابتسامة مهذبة وقالت بصوتها المنخفض والأجش:
“سيد بلا شمس. تبدو… مألوفاً. هل التقينا من قبل؟”
إن كان ساني في مزاج سيئ من قبل، فقد انقلب الآن إلى تعكر شديد. من بين كل الأسئلة المحتملة، لمَ كان عليها أن تسأل هذا السؤال بالذات؟!
تردد للحظة، ثم أجاب ببرود:
“ليس وجهاً لوجه. رأيتكِ مرة عن بعد، خلال إحدى بطولات الأحلام. لكني أشك في أنكِ أمعنتِ النظر إلي.”
…لقد رآها أيضاً عن قرب، لكن لا حاجة لأن تعرف ذلك!
بدا أن مورغان فقدت اهتمامها والتفتت نحو كاسي.
“أغنية الساقطين. يشرفني لقاؤكِ.”
مع أن نبرتها لم تكن مفرطة في التبجيل، إلا أنها عاملت الفتاة العمياء ببعض الاحترام. فأي شخص يحمل اسماً حقيقياً يستحق التقدير، حتى من سليل عشيرة عظيمة.
أومأت كاسي برأسها.
“سيدة مورغان.”
ابتسمت ابنة فالور.
“آه. إذن لا داعي لأن أعرّفكم نفسي.”
مع تلك الكلمات، التفتت ونظرت إلى البوابات الحمراء للأكاديمية مجدداً. وبحلول ذلك الوقت، كان الجسر المتحرك الهائل قد بدأ بالتحرك بالفعل، حيث انخفض ببطء ليسمح لهما بالدخول.
كست ملامح مورغان مسحة من الحنين.
“هذه هي أكاديمية المستيقظين إذن… لطالما رغبت في الالتحاق بها. لكن للأسف، لم يكن ذلك وارداً في خططي قط.”
رمقها ساني ببعض الحيرة.
“ولمَ لا؟”
تمهلت الشابة للحظة، ثم نظرت إليه بابتسامة لطيفة مألوفة على نحو يثير القلق.
“لقد تدربت على يد نخبة النخبة منذ طفولتي. لم يكن هناك شيء يمكن للأكاديمية تقديمه لي لم أكن أملكه بالفعل. وقضاء الوقت هنا لم يكن ليكون سوى مضيعة له.”
توقفت للحظة وتنهدت بخفة.
“…مع ذلك. اعتدت أن أحب الأعمال الدرامية ورسوم الويبتون عن الأكاديمية. إنه لأمر مؤسف.”
راقبت مورغان الجسر المعدني الثقيل وهو يستقر في الفتحات المخصصة له بالأرض ويسكن بعد سلسلة من الطقطقات العالية. ثم نظرت إلى ساني وسألته:
“هل تمانع في أن تأخذني في جولة صغيرة؟ سمعت أنك أصبحت محاضراً الآن.”
من بين جميع الطرق المحتملة التي تخيل بها بدء المفاوضات… لم تكن هذه إحداها.
تردد ساني، ثم هز كتفيه.
“أجل، بالتأكيد. لمَ لا؟ اتبعاني.”
كانت الأكاديمية أشبه بمدينة داخل مدينة. مكتفية ذاتياً ومحمية بإحكام. يحيط بالمجمع بأكمله خندق عميق وجدار من السبائك المدرعة الشاهقة والصلبة بما يكفي لإبطاء هجوم جبار. وهنا وهناك، أمكنت رؤية أبراج آلية لقبة الحماية الجوية، بفوهاتها ذات العيار الثقيل المصوبة نحو السماء.
مشى ساني، وكاسي، ومورغان من فالور لبضع دقائق قبل الاقتراب من مبنى منخفض وحديث بجدران بيضاء. أشار إليه وقال بفتور واضح في صوته:
“هذا هو مجمع النائمين. يقع معظمه تحت الأرض بالطبع. عادة ما يعج بالكثير من الحركة بداخله وحوله، لكن في مثل هذا الوقت القريب بعد الانقلاب، لا يوجد نائمون في الأرجاء. سيتم قبول الدفعة الأولى بعد أسبوع أو أسبوعين.”
وعندما أنهى كلامه، أضافت كاسي:
“توجد بضع أكاديميات خاصة هنا وهناك، ولكن لا توجد سوى أكاديمية مستيقظين واحدة. تجلب الحكومة جميع النائمين الراغبين إلى هذا المجمع، بغض النظر عن القطاع الذي ينتمون إليه. وفي كل عام، يستعد نحو ألف شاب وشابة هنا لأولى رحلاتهم نحو عالم الأحلام.”
تأملت مورغان مجمع النائمين لبرهة، ثم سألت بابتسامة:
“إذن، هل هو مفعم بالحياة والنشاط كما تصوره الدراما؟ هل ينخرط النائمون حقاً في شتى ضروب المقالب، وينسجون صداقات تدوم مدى الحياة وخصومات مريرة، ويخوضون مغامرات محفوفة بالمخاطر؟”
بدا صوتها الأجش فضولياً بصدق.
ضحك ساني بتهكم.
“…لا أعلم. بصراحة، نحن آخر شخصين يجدر بكِ سؤالهما عن ذلك. فلم نكتفِ بقضاء شهر واحد هنا فقط، بل كنا أيضاً في قاع التصنيف على الإطلاق. كان الجميع يعاملنا كجثث متحركة.”
نظرت مورغان إليه، ثم قالت:
“ومع ذلك، ها أنتما هنا. بعد ثلاث سنوات فقط، كلاكما حيًا وصاعدًا.”
رمق كاسي بنظرة، ثم ابتسم بتهكم.
“أجل. يمكن للحياة أن تكون متهكمة بهذا الشكل في بعض الأحيان.”
واصلا التجول في أنحاء الأكاديمية لبعض الوقت. وبما أن ساني يعرفها أفضل بكثير من كاسي بفضل منصبه كمساعد باحث، فقد تولى معظم الحديث. وقاد مورغان في الجولة، موضحاً الغرض من مختلف المجمعات والمباني، بينما استمعت هي باهتمام وطرحت الأسئلة بين الحين والآخر.
بشكل عام، بدت مورغان من فالور ودودة حقاً…
إلا أن الخطر كامن في ذلك تحديداً.
لم يَغب عن ساني حقيقة أنه كلما تحدث أكثر، كلما أفشى معلومات أكثر عن نفسه، وأصبح من الصعب عليه الحفاظ على يقظته. ورغم أن ابنة العشيرة العظيمة بدت لطيفة وطيبة النية، فإن الحقيقة تكمن في أن كل كلمة من كلماتها كانت مدروسة وتخدم غاية محددة.
كانت أسوأ مخاوفه تتحقق؛ فلم يكن المبعوث الذي أرسلته عشيرة فالور أحمق متعجرفاً ومتهوراً. بل أرسلوا أميرة فتاكة ذات عينين حادتين لدرجة أن نظرتها تكاد تجرح البشرة.
ورغم أن مورغان لم تُظهر ذلك علانية… إلا أن المفاوضات قد بدأت بالفعل.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.