بوذا
———-
بعد يوم واحد.
أزاح لو يانغ الجنية إثيريال، التي أغمي عليها، وتنهد بخفة.
والحق أنه لم يكن غافلًا عن وجود وسائل أخرى غير استخلاص المعلومات عبر الزراعة المزدوجة.
كان بوسعه، مثلًا، استخدام راية الأرواح العشرة آلاف لصقل الجنية إثيريال وتحويلها إلى روح من أرواح الراية.
لكن محاولته باءت بالفشل.
فروحها الحقيقية لم تكن موجودة داخل جسدها المادي أصلًا، ولهذا عجزت راية الأرواح العشرة آلاف عن احتوائها، فضلًا عن صقلها وتحويلها إلى روح تابعة لها.
ولم يجد أمامه خيارًا سوى خلع درعه والنزول إلى ساحة المعركة بنفسه.
وبعد معركة ضارية خاضها مع الجنية إثيريال طوال ثلاثمئة جولة، حتى اختلط عليها وعيها وأخذت تتوسل إليه أن يرحمها، نجح لو يانغ أخيرًا في استخلاص المعلومات التي أرادها.
«【المرسوم الحقيقي لتوشيتا المكتوب بالخط الذهبي للقصر الإمبراطوري】.»
كان هذا أعمق سر تخفيه الجنية إثيريال في قلبها، والركيزة التي يقوم عليها تحالف الخالدين، بل عالم زراعة الشمس اللازوردية بأسره.
والسبب في ذلك بسيط للغاية.
فما يُسمى بالجذور الروحية لم يكن سوى أجزاء انفصلت عن هذا الكنز!
غير أن هذا الكنز العجيب لم يكن موجودًا منذ البداية، بل جاء به شخص غريب عن العالم. وتعود جذور القصة إلى تأسيس تحالف الخالدين قبل آلاف السنين.
«يبدو أن تخميني السابق كان صحيحًا بالفعل.»
في بدايات تحالف الخالدين، اصطدم مزارعو عالم زراعة الشمس اللازوردية بشياطين خارج السماوات، فسقط عدد لا يُحصى من القتلى والجرحى.
لكن تحالف الخالدين الحالي أعاد كتابة التاريخ، حتى بات معظم الناس يعتقدون أن شياطين خارج السماوات عِرق هائل، وأن ما حدث آنذاك كان حربًا عظيمة.
أما الحقيقة، فكانت مختلفة تمامًا.
فما سُمّي بشياطين خارج السماوات لم يكن، منذ البداية وحتى النهاية، سوى شخص واحد!
ولم يكن الصدام بينه وبين مزارعي العالم حربًا، بل مذبحة من طرف واحد.
لقد كاد ذلك الوافد أن يذبح جميع المزارعين في عالم زراعة الشمس اللازوردية.
ولم يتوقف إلا حين اختار بعض المزارعين الجبناء الاستسلام، فأبقى على حياتهم، وأمرهم بتأسيس تحالف الخالدين.
بعد ذلك، أعاد شيطان خارج السماوات تشكيل نظام عالم زراعة الشمس اللازوردية من جذوره، وترك وراءه الكنز العجيب 【المرسوم الحقيقي لتوشيتا المكتوب بالخط الذهبي للقصر الإمبراطوري】، ثم رحل في هدوء.
ومنذ ذلك الحين، ظهرت الجذور الروحية في عالم زراعة الشمس اللازوردية، وتحول العالم تدريجيًا إلى ما هو عليه اليوم، حيث أصبحت جميع الكائنات الحية مجرد مواد تُستغل وتُستهلك.
ولا شك أن ذلك الشخص كان داويًا من طائفة القديس البدائي.
وحين عرف لو يانغ هوية الرجل الذي ترك هذا الكنز، لم يستطع منع نفسه من التنهد قائلًا من أعماق قلبه:
«كدت أنسى وجود شخص مثلك.»
الجد المؤسس هونغ يون!
أجل!
فوفقًا لذكريات الجنية إثيريال، لم يكن المزارع الذي اجتاح عالم زراعة الشمس اللازوردية، وذبح أهله، وأعاد تشكيل نظامه، وترك فيه ذلك الكنز، سوى الجد المؤسس هونغ يون!
وفي لحظة، عادت إلى قلب لو يانغ الضغائن القديمة والأحقاد الجديدة.
فلم ينسَ ما حدث خلال تناسخه الرابع، حين ظهر ذلك الوغد فجأة، وانتزع منه ثمار النصر الذي كافح طويلًا لتحقيقه!
«إذًا، أهو من دبّر كل ما يجري في هذا المكان؟»
تأمل لو يانغ قليلًا، ثم هز رأسه.
«لا، ثمة خطأ في هذا الاستنتاج. فعالم زراعة الشمس اللازوردية ونظام الزراعة فيه كانا موجودين قبل مجيئه بزمن طويل.»
«والأدق من القول إنه أنشأ هذا المكان، أنه جاء لاحقًا واستولى على ما بناه غيره، مثل طائر الوقواق الذي يحتل عش العقعق.»
«لا بد أن هذا العالم كان في الأصل من صنع الداوي البدائي.»
«ثم جاء الجد المؤسس هونغ يون واستولى عليه. ولعله فعل ذلك سرًا، من وراء ظهر طائفة القديس البدائي، ولذلك يُرجّح أن الداوي تشونغ غوانغ لا يعلم بالأمر أيضًا.»
ففي نهاية المطاف، كان الجد المؤسس هونغ يون والداوي تشونغ غوانغ خصمين لدودين في صراعهما على الداو.
«وبفضل تدبيره، تحوّل عالم زراعة الشمس اللازوردية بأكمله إلى مزرعة هائلة لتنشئة المواد البشرية، وكل ما يُنتج فيها يُستخدم في النهاية لغرض واحد.»
【المرسوم الحقيقي لتوشيتا المكتوب بالخط الذهبي للقصر الإمبراطوري】!
ترك الجد المؤسس هونغ يون هذا الكنز العجيب وراءه، ومنه انفصلت الجذور الروحية التي قيّدت زراعة الناس، وأحكمت في الوقت نفسه قبضتها على مصائر جميع سكان عالم زراعة الشمس اللازوردية.
ولم يُستثنَ من ذلك حتى كبار المزارعين في عالم الاتحاد بالداو.
«فما إن يخترق أحدهم إلى عالم الاتحاد بالداو، حتى يمتص هذا الكنز روحه الحقيقية فورًا، ويطبع عليها وسمًا، ويحوّله إلى أداة بشرية تُستخدم في صقل الكنوز السحرية.»
«أما الفوائد الوحيدة التي ينالها، فهي عمر طويل بما يكفي، وإمكانية استعارة مقام الوجود الخاص بالكنز عند الحاجة لإظهار قوة عالم التأسيس.»
«لكن حتى هذه المزايا ليست إلا وسيلة لجعل تلك المواد أكثر نفعًا!»
ففي جوهر الأمر، ظلوا مجرد مواد قابلة للاستهلاك.
بل إن اسم «عالم زراعة الشمس اللازوردية» نفسه كان من وضع الجد المؤسس هونغ يون، لسبب واحد لا غير:
أن 【المرسوم الحقيقي لتوشيتا المكتوب بالخط الذهبي للقصر الإمبراطوري】 الذي تركه كان كنزًا حقيقيًا!
وفوق مرتبة الكنوز الروحية تأتي مرتبة الكنوز الحقيقية!
«يستخدم مئات الملايين من البشر العاديين وعشرات الملايين من المزارعين موادَّ لصقل كنز حقيقي! عالم زراعة الشمس اللازوردية… يا له من اسم! إنه يزرع كنزًا حقيقيًا بالفعل!»
يا لها من خطة عظيمة!
ويا لها من وسيلة قاسية لا تعرف الرحمة!
«قبل آلاف السنين، حين فعل الجد المؤسس هونغ يون ذلك، لا بد أنه كان قد دخل بالفعل في دورة التناسخ. وربما أعدّ هذا المكان استعدادًا لاستعادة مقام ثمرته.»
وما إن وصل تفكير لو يانغ إلى هذه النقطة حتى ارتفع حاجباه فجأة.
«…هذا سيئ!»
إذا كانت الأرواح الحقيقية لكبار المزارعين في عالم الاتحاد بالداو مودعة جميعها داخل 【المرسوم الحقيقي لتوشيتا المكتوب بالخط الذهبي للقصر الإمبراطوري】، أفلا يستطيع تحالف الخالدين استغلال تلك الصلة لتعقّب مكانه؟
في البحر المضطرب، داخل المقر الرئيسي لتحالف الخالدين.
«وجدنا موقعه!»
في القاعة المهيبة، كانت تعويذة تطفو بهدوء في الهواء.
وأحاط بها أحد عشر مزارعًا كبيرًا من عالم الاتحاد بالداو، يدفعون التشي الحقيقي في أجسادهم باستمرار، ويصبّونه داخل التعويذة.
لم تكن مادتها ذهبًا ولا يشمًا.
بدت خفيفة للناظر، لكنها كانت ثقيلة على نحو عجيب. وقد رُسمت على سطحها نقوش تعويذية تشبه الشراغيف، تتشابك لتشكّل صور تنانين تحوم بين السحب وطيور غريبة.
وما إن فُعّلت حتى انهمر مطر من الأزهار الملونة، وانتشرت هالات من الضوء الذهبي، وامتزجت الرياح والسحب والماء والنار في تناغم بديع.
ظهرت ظواهر عجيبة لا تُحصى، تبدو قريبة حتى تكاد تُلمس، لكنها في الوقت نفسه بعيدة كأنها عند أقاصي الأرض.
«هل ننطلق خلفه؟»
بدا القلق على أحد كبار المزارعين من عالم الاتحاد بالداو، فقال:
«لقد أسر ذلك الشخص إثيريال بسهولة بالغة. وقد يكون التحرك ضده خطرًا. أرى أن نستعين ببعض القادمين من خارج هذا العالم.»
«لقد جاءت الفرصة في وقتها. فما زال أحد أصدقائي هنا ولم يغادر بعد.»
كان المتحدث مزارعًا كبيرًا يُدعى 【مو هوان】.
وقد اعتاد السفر إلى ما وراء البحار وتكوين الصداقات، وصادف مؤخرًا شخصًا غير عادي.
«دعوته إلى تحالف الخالدين قبل أيام قليلة. ووفقًا لما أخبرني به، فهو تلميذ من أرض البهجة العميقة الطاهرة، الواقعة في منطقة جيانغشي داخل البر الرئيسي.»
«وهذه الأرض الطاهرة ليست قوة عادية. لقد تحققت من أمرها بعناية، وتأكدت أنها قوة تضاهي طائفة القديس البدائي تمامًا!»
«وبمساعدته، ستزداد فرص نجاحنا.»
«ألا يخشى هذا الشخص طائفة القديس البدائي؟»
«بالطبع لا!»
ابتسم مو هوان حين سمع السؤال.
«فقد أخبرني أنه كان، قبل مدة قصيرة، يخوض معارك ضارية ضد تلاميذ طائفة القديس البدائي، ويتنقل بينهم كأنه يسير في أرض خالية!»
«أبهذه القوة؟»
أُعجب عدد من كبار المزارعين في عالم الاتحاد بالداو بهذا الخبر.
فكلما ازداد عدد المشاركين، ازدادت فرص النجاح ولو قليلًا.
أخرج مو هوان تعويذة اتصال، وبدأ بإلقاء التعاويذ للتواصل مع صديقه.
لكنه لجأ إلى حيلة صغيرة.
إذ تعمّد ألا يخبره بأن لو يانغ، على الأرجح، داوي من طائفة القديس البدائي.
فسمعة الطائفة كانت مرعبة إلى حد بعيد، ولم يشأ أن يتراجع الرجل عن مساعدتهم خوفًا منها.
ولم يمضِ وقت طويل حتى هبط شعاع من الضوء من السماء.
«أميتابها.»
تلاشى الضوء، ليكشف عن راهب شاب يرتدي رداءً بوذيًا متألقًا، ويحمل عصًا معدنية ذات تسع حلقات.
كانت ملامحه وقورة، وعلى وجهه مسحة من الرحمة والشفقة.
تقدم مو هوان لاستقباله على الفور.
«أيها المعلم، سنضطر إلى إزعاجك هذه المرة.»
هز الراهب الشاب رأسه مبتسمًا.
«إنما خرج هذا الراهب الفقير إلى البحر لهداية جميع الكائنات وإنقاذها. وكما يُقال، إنقاذ حياة واحدة خير من بناء معبد بوذي من سبعة طوابق.»
«والآن وقد وقعت المحسنة إثيريال في محنة، فكيف لهذا الراهب الفقير أن يقف مكتوف اليدين؟»
وما إن سمع الحاضرون كلامه حتى ارتسم الإعجاب على وجوههم.
وضم مو هوان قبضتيه احترامًا، وقال:
«إذًا، سأفعّل 【المرسوم الحقيقي لتوشيتا المكتوب بالخط الذهبي للقصر الإمبراطوري】.»
«فبإرشاد هذا الكنز، لن تكون مسافة عشرة آلاف ميل إلا كغمضة عين.»
حين سمع الراهب الشاب ذلك، أخفض جفنيه على الفور، وأخفى بنجاح بريق الطمع الذي ظهر في عينيه.
«اطمئنوا، واتركوا الأمر لهذا الراهب الفقير.»
لوّح بيده في ثقة وانشراح، وكأنه قادر على تولي كل شيء وحده.
فشعر مو هوان وبقية كبار المزارعين في عالم الاتحاد بالداو بالطمأنينة.
وفي اللحظة التالية، انفجر 【المرسوم الحقيقي لتوشيتا المكتوب بالخط الذهبي للقصر الإمبراطوري】 داخل القاعة بنور مبهر.
شعر الراهب الشاب بالمشهد أمام عينيه يتبدل فجأة.
وحين استعاد وعيه، وجد نفسه برفقة كبار المزارعين من تحالف الخالدين فوق مساحة شاسعة من البحر.
نشر حسه الإلهي، وسرعان ما اكتشف مقر زراعة في أعماق المياه.
«هاهاها! لقد حان الوقت لأُظهر عظمتي!»
كان الراهب الشاب قد سافر إلى ما وراء البحار قبل عشرات السنين، لأنه شعر أن البر الرئيسي بالغ الخطورة.
ولهذا فرّ إلى الخارج، راغبًا في استعراض قوته بين مزارعين أضعف منه، كمن يقصف الأسماك في بركة صغيرة.
وخلال السنوات الماضية، عاش حياة رغيدة، وسارت أموره على خير ما يرام.
ولا سيما بعد وفاة معلمه، حين عيّنه البوديساتفا بنفسه، بصفته الأخ الأكبر بين التلاميذ، خلفًا له في منصبه.
ومنذ ذلك الحين، امتلأ قلبه بالرضا عن نفسه.
كان يرى أن الحياة وراء البحار أريح بكثير من البر الرئيسي.
فهنا، على الأقل، لن يضطر إلى القلق من مصادفة سيد شياطين عظيم من طائفة القديس البدائي، يحمل لقب «لو»!
ومع هذه الفكرة، اشتعلت الحماسة في صدر الراهب الشاب، وارتفعت روحه البطولية إلى عنان السماء.
«قف مكانك! أيها الوحش الوقح! ألا تطلق سراح المحسنة إثيريال فورًا؟»
دوّى هتاف بوذي كالرعد.
وأراد الراهب الشاب أن يستعرض شيئًا من قوته، فحوّل نور بوذا المنبعث منه إلى كف هائلة شقّت سطح البحر مباشرة، وكشفت مقر الزراعة المختبئ في الأعماق.
«اشهدوا عظمتي… عظم… عظظظ…»
وفي اللحظة التالية، رأى الراهب الشاب وجهًا مألوفًا.
كان داوي يرتدي رداءً أسود، يقف أمام مدخل مقر الزراعة.
وما إن وقعت عيناه عليه حتى ارتجف جسده بعنف، وكادت روحه تفارق بدنه من شدة الرعب!
«هذا حقًا…»
خرج لو يانغ من مقر الزراعة، ونظر إلى الراهب الشاب بدهشة مماثلة، ثم ابتسم.
«أليس هذا رفيق الداو غوانغمينغ؟ يبدو أن القدر يجمعنا كثيرًا.»
«ومن يريد أن يجمعه القدر بك أيها الوغد!»
كاد غوانغمينغ يبكي من شدة اليأس، لكنه صرّ على أسنانه وأجبر نفسه على الابتسام، بينما أخذ يلعن في سرّه:
«أميتانِيما بوذا! يا سماوات، أنقذيني! كيف انتهى بي المطاف إلى مواجهة سيد الشياطين العظيم هذا مرة أخرى؟!»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.