السجل الثاني
كانت رائحة الورق القديم قد اختلطت بالغبار حتى صارت رائحة واحدة، يتنفسها أورِن كما يتنفس هواء الغرفة دون أن ينتبه إليه بعد كل هذه السنوات. جلس خلف طاولته في القسم الشرقي من الأرشيف، أمامه كومة من السجلات الجلدية التي وصلت هذا الأسبوع من مكاتب القرى المجاورة، ويده تتحرك بين الأختام والفهارس بحركة من اعتاد العمل حتى صار جزءًا من جسده أكثر منه فعلًا يفكر فيه.
كان يفصل السجلات حسب السنة، ثم حسب المنطقة، ثم يضع لكل واحدة رمزًا صغيرًا بالحبر الأزرق في الزاوية العليا. عمل مملّ، لكنه يحبه لسبب يصعب عليه تفسيره؛ ربما لأن كل ورقة تحمل حياة كاملة اختُصرت في سطرين، اسم وضريبة وتوقيع. لاحظ منذ سنوات عمله هنا أن بعض الأسماء تبقى في السجلات مدة طويلة بعد أن يتوقف الناس عن ذكرها في القرية، كأن الورق أبطأ من الذاكرة في نسيان الأشياء. فكرة عابرة، من ذلك النوع الذي يمر بذهن الأرشيفي كثيرًا دون أن يستوقفه طويلاً.
قرأ ما كتبه مرة، ثم طوى الورقة ووضعها على طرف المكتب تحت المصباح الصغير، حيث ستكون أول ما يراه إن مرّ بجانب المكتب. أعاد الدفتر إلى الدرج، وأطفأ الضوء.
“ثلاثة أختام هذه المرة،” قال مارتن من الطاولة المجاورة، رافعًا رأسه من فوق دفتر ضخم. “يبدو أن المشرف الجديد يحب الأختام أكثر من اللازم.”
في البداية لم يفهم شيئًا. لغة رسمية مقتضبة، مليئة بمصطلحات لم يألفها، أقرب إلى تقرير طبي منها إلى وثيقة إدارية: حالات لها أرقام بدل الأسماء، استجابة، مؤشرات، نسب نجاح بجانب كل رقم. ظنّ للحظة أنها تقارير عن مرض ما.
“أو أنه لا يثق بنا،” ردّ أورِن دون أن يرفع عينيه.
“لا تنسَ أن تحضر القماش الأزرق من عند الحائكة اليوم. أريد أن أبدأ بالخياطة الليلة، وإن تأخرت فسأضطر إلى تأجيله أسبوعًا كاملًا بسبب موعد ابنة الجيران.”
“ربما لا يثق بنفسه هو.”
ابتسم أورِن قليلًا وعاد إلى عمله. هذا القدر من الحديث المتقطع كان يكفيه في يوم عادي؛ بضع جمل هنا وهناك لا تتطلب جهدًا ولا تنتظر ردًا طويلاً.
“ربما لا يثق بنفسه هو.”
قرأ ما كتبه مرة، ثم طوى الورقة ووضعها على طرف المكتب تحت المصباح الصغير، حيث ستكون أول ما يراه إن مرّ بجانب المكتب. أعاد الدفتر إلى الدرج، وأطفأ الضوء.
في الخارج كانت الشمس تميل نحو الغروب، شريطًا برتقاليًا رفيعًا يتحرك ببطء على حجر الجدار المقابل. غدًا أول أيام الشهر، يوم الطقس، وقد ذكّرته به مارِن هذا الصباح وهي تصب له الشاي:
“إذا كنت تقرأ هذه السطور ولا تدرك سبب كتابتها، فهذا يعني أن طقس الصباح قد مرّ، وأنني اضطُررتُ لاستخدام الأداة التي في جيبك لمحو ما عرفته. الليلة وجدتُ وثيقة في الأرشيف تثبت أن هذا الطقس ليس مجرد تأمل. إذا كنت قد نسيت تفاصيلها الآن، فلا تحاول التخمين ولا تسأل أحداً. الأداة أخذتها من قسم الأدوات التالفة (الرف الثالث، الصندوق القديم). سرّك ليس في رأسك الآن. ابحث عن الوثيقة في الأرشيف من جديد.”
“لا تنسَ أن تحضر القماش الأزرق من عند الحائكة اليوم. أريد أن أبدأ بالخياطة الليلة، وإن تأخرت فسأضطر إلى تأجيله أسبوعًا كاملًا بسبب موعد ابنة الجيران.”
قرأ ما كتبه مرة، ثم طوى الورقة ووضعها على طرف المكتب تحت المصباح الصغير، حيث ستكون أول ما يراه إن مرّ بجانب المكتب. أعاد الدفتر إلى الدرج، وأطفأ الضوء.
عاد إلى طاولته، أنهى ما تبقّى من الفرز بسرعة ودون تركيز حقيقي، ثم أطفأ المصباح وخرج إلى الليل البارد.
“أحضرته أمس.”
جلس على الأرض، ظهره إلى الرف، وأغمض عينيه، وحاول أن يستحضر شيئًا آخر: وجه مارِن، طاولة المطبخ، صوت الباب حين يُفتح في الصباح. لم تثبت الصور؛ تداخلت معها الكلمات التي قرأها، السجل الثاني، الجلسة الأولى، لماذا لا تُذكر الأسماء بعد ذلك، حتى صار رأسه مكانًا مزدحمًا يصعب عليه السيطرة عليه.
نظرت إليه باستغراب. “لا، أحضرت الأبيض. طلبتُ الأزرق.”
فكّر لحظة، ثم تذكّر الكيس الأبيض قرب الباب. “صحيح.”
عاد إلى المنزل بعد منتصف الليل، فوجد مارِن نائمة، والبيت هادئًا إلا من نار خافتة تتراجع في الموقد. جلس في غرفته، وأخرج من درج مكتبه دفتره الصغير، ذاك الذي يكتب فيه كل ليلة تقريبًا منذ سنوات، سطرين أو ثلاثة عن يومه. لم يعرف أحد سبب استمراره في هذه العادة سوى أنه اعتادها؛ كان جده هو من علّمه إياها، حين كان صبيًا يقضي أمسياته في بيته القديم، يجلس كل ليلة أمام دفتر مشابه، يكتب سطرًا أو سطرين، ثم يغلقه قبل النوم. قال له مرة، دون أن يشرح كثيرًا: “الأيام تضيع إن لم تترك لها أثرًا.” لم يفكر أورِن في الجملة كثيرًا حينها، لكنه بدأ يكتب، ثم استمر، وبعد سنوات لم يعد يتذكر سبب استمراره، ولم يستطع التوقف حتى بعد أن غاب جده.
ابتسم أورِن قليلًا وعاد إلى عمله. هذا القدر من الحديث المتقطع كان يكفيه في يوم عادي؛ بضع جمل هنا وهناك لا تتطلب جهدًا ولا تنتظر ردًا طويلاً.
“كيف تخلط بين لونين؟”
“لأنهما كلاهما قماش.”
اقترب الضوء، ولمسة بردٍ خفيفة سرت في وجهه كأن الهواء نفسه تغيّر. بقي الضوء لحظة أطول من المعتاد على وجهه، ثم بدأ يتحول ببطء من الأبيض إلى لون أعمق، رمادي أولًا، ثم أقرب إلى السواد.
تنهّدت وابتسمت رغمًا عنها، ثم عادت إلى الشاي. “فقط لا تنسه اليوم.”
مرّ الكاهن، متبوعًا بمساعده الذي يحمل مصباحًا زجاجيًا صغيرًا، بين الصفوف واحدًا تلو الآخر. كان الضوء يقترب من كل وجه، يتوقف لحظة، ثم يتحول إلى الأبيض الهادئ، فيتابع الكاهن طريقه دون كلمة. وصل الدور إلى مارِن، اقترب الضوء من وجهها، بقي أبيض، وتابع الكاهن.
وعدها أن يمر على الحائكة بعد العمل، وبقي الأمر خيطًا رفيعًا من التفكير أثناء عمله طوال النهار: القماش، والحائكة، وأن الغد سيبدأ كما يبدأ أول كل شهر، بتجمع أهل القرية في الساحة عند الفجر قبل أن تعود الحياة إلى إيقاعها. طقس معتاد، مثل تعاقب الأيام، لا يستدعي تفكيرًا إضافيًا.
نظر إلى الباب المؤدي إلى القسم التالف، ووقف عنده لحظات قبل أن يذهب. فتحه بمفتاحه، وأضاء مصباحًا صغيرًا معلقًا عند المدخل، ووجد الصندوق في مكانه، الرف الثالث، الرمز القديم. فتحه، فوجد الأداة أصغر مما تذكّرها، باردة وثقيلة في يده، لا تحمل سوى مؤشر باهت ومقبض صغير. قرأ البطاقة المرفقة بها مرة أخرى؛ دقتها محدودة كما توقّع، قد تخفف فكرة واحدة أو قد تفشل، وقد تترك أثرًا لا يعرف حجمه. بقي ينظر إليها، يعرف أن أخذها مخالف للإجراءات، ويعرف أيضًا أن تركها في الصندوق لن يحميه إن كانت مخاوفه صحيحة. أخذها، ووضعها في جيب معطفه الداخلي، دون شعور بالبطولة، بل بأنه يختار بين مخاطرتين لا يعرف أيّهما أسوأ.
لم تكن صدمة كبيرة بقدر ما كانت ثقلاً هادئًا يترسب في المعدة أكثر مما يظهر على الوجه؛ فهذا يحدث، وهو يعرف أنه يحدث، وهذا تحديدًا ما جعله أثقل. أخذت مارِن بيده دون كلام، وابتعدا معًا عن الساحة، بين الناس الذين عادوا يتحدثون عن أمور يومهم كأن شيئًا عاديًا جدًا قد انتهى للتو.
قرب نهاية الدوام دخل المشرف، وتوقف عند طاولة أورِن ينظر إلى الكومة التي لا تزال أعلى من المعتاد.
“دائمًا هناك دفعة.” نظرت إليه بابتسامة صغيرة. “والقماش؟”
في المساء، بعد أن ناما أو حاولا أن يناما، جلس أورِن وحده في غرفته الصغيرة، فرأى الورقة المطوية لا تزال في مكانها على طرف المكتب، تحت المصباح الصغير، حيث تركها.
“ألم تنتهِ من دفعة الأسبوع الماضي بعد؟”
“تبقّى جزء صغير.”
“أنهِها الليلة. لا أريد أن أجدها هنا صباحًا. الدفعة الجديدة ستصل قبل الطقس، ولا أريد أن أجد دفعتين مختلطتين معًا.”
“ثلاثة أختام هذه المرة،” قال مارتن من الطاولة المجاورة، رافعًا رأسه من فوق دفتر ضخم. “يبدو أن المشرف الجديد يحب الأختام أكثر من اللازم.”
تابع الكاهن طريقه دون كلمة، تاركًا خلفه سؤالًا لم يُطرح بصوت عالٍ. أغمض أورِن عينيه من جديد، ولم يحاول أن يتذكر ما حدث؛ لم يكن يعرف أصلًا ماذا حدث.
أومأ أورِن ووعد بإنهائها، عارفًا أن هذا يعني البقاء وحده كما حدث من قبل مرات قليلة.
تذكّره أورِن. “سأحضره بعد الطقس.”
غادر الموظفون واحدًا تلو الآخر، أصوات خطواتهم تتلاشى في الممرات الحجرية ثم في الخارج. أشعل أورِن مصباحه الزيتي الخاص، ذاك الذي يحمله معه دائمًا لأن مصابيح الأرشيف الرسمية تُطفأ عند المغيب، وواصل العمل في صمت يكسره أحيانًا صرير الرفوف الخشبية حين يتمدد الخشب مع برودة الليل.
أغلق هو عينيه أيضًا، ويده اليمنى داخل جيب معطفه تلامس بهدوء حافة الأداة الصغيرة، كمن يتأكد أنها ما زالت هناك.
كان الأرشيف في هذه الساعة مكانًا آخر تمامًا. النهار يجعله مكتبًا، والليل يعيده إلى طبيعته: ممرات طويلة من الرفوف تتصاعد حتى السقف المقبب، وظلال تبتلع معظم الضوء القليل الذي يصدره مصباحه. كان يحب هذا الصمت بطريقة غريبة، لا صوت فيه سوى الورق حين يُقلَّب، وأنفاسه هو، وأحيانًا نقرة حجر صغير يسقط في مكان بعيد من سقف قديم.
نظرت إليه باستغراب. “لا، أحضرت الأبيض. طلبتُ الأزرق.”
قلّب صفحة جديدة، وتردد لحظة، ثم كتب:
أنهى معظم الدفعة القديمة حين سمع باب القسم الخلفي يُفتح. دفعة جديدة من وثائق القرى البعيدة كانت متوقعة قبل الطقس، وحمّالو الليل يوصلونها أحيانًا بعد الدوام الرسمي لتجنب زحمة الصباح. دخل حمّال شاب، وضع صندوقين قرب الطاولة، ودفع إليه سجل الاستلام: “توقيعك هنا”، ثم غادر دون كلام إضافي.
تذكّر الأداة القديمة التي رأى صندوقها قبل أشهر في قسم الأدوات التالفة أثناء إعادة ترتيبه: أداة محدودة الأثر، صُممت لمعالجة فكرة واحدة محددة لدى بعض المرضى، لا تمحو الذاكرة كاملة ولا تتميز بالدقة، ولهذا صُنّفت خارج الاستخدام الرسمي دون أن تُتلف بعد، لأن هذه الأمور تأخذ وقتها دائمًا في الأرشيف.
تنهّدت وابتسمت رغمًا عنها، ثم عادت إلى الشاي. “فقط لا تنسه اليوم.”
نظر أورِن إلى الصندوقين بشيء من التعب. كان يعرف ما يحدث حين يُترك صندوق مفتوح في منتصف الفرز، فسيضطر صباحًا إلى إعادة الترتيب من البداية، وستختلط الدفعة الجديدة بالقديمة. فتح الصندوق الأول. سجلات ضرائب اعتيادية من قرية على الحدود الشرقية، لا تختلف كثيرًا عما تعامل معه طوال اليوم. بدأ يفرزها بالحركة الآلية نفسها.
“أو أنه لا يثق بنا،” ردّ أورِن دون أن يرفع عينيه.
في منتصف الصندوق الثاني وصل إلى مجموعة أوراق مختلفة عن البقية، أثخن قليلًا، بختم مختلف، وخط يد أنيق ومتقن لم يره من قبل في أي وثيقة إدارية عادية. ربما اختلطت بالخطأ أثناء الفرز الأولي في القرية المرسلة، فهذا النوع من الأخطاء يحدث أحيانًا. قلّب الورقة الأولى ليتأكد فقط من الجهة التي يجب أن تُعاد إليها، وبدأ يقرأ.
في البداية لم يفهم شيئًا. لغة رسمية مقتضبة، مليئة بمصطلحات لم يألفها، أقرب إلى تقرير طبي منها إلى وثيقة إدارية: حالات لها أرقام بدل الأسماء، استجابة، مؤشرات، نسب نجاح بجانب كل رقم. ظنّ للحظة أنها تقارير عن مرض ما.
تابع الكاهن طريقه دون كلمة، تاركًا خلفه سؤالًا لم يُطرح بصوت عالٍ. أغمض أورِن عينيه من جديد، ولم يحاول أن يتذكر ما حدث؛ لم يكن يعرف أصلًا ماذا حدث.
سمع من خلفه همسًا خفيفًا بين امرأتين: “الشهر الماضي كان دور الحداد القديم.” “نعم، سمعتُ. لم يكن أحد يتوقع ذلك منه، رجل هادئ كهذا.” لم ير وجهيهما، لكن نبرتيهما لم تحمل فزعًا، بل شيئًا أقرب إلى الحديث عن جار انتقل بعيدًا.
ثم وقعت عيناه على سطر واحد وسط الصفحة، لا يختلف في شكله عن باقي السطور:
تغيّر الضوء أمامه. عاد إلى الأبيض.
“الأفراد الذين تفشل معهم الجلسة الأولى يُنقَلون إلى السجل الثاني، ولا يُعاد ذكر أسمائهم بعد ذلك.”
“أحضرته أمس.”
في الجيب الداخلي لمعطفه، أغلقت أصابع أورِن حول الأداة. حتى تلك اللحظة كان يستطيع أن يتركها، أن يراهن على أن مخاوفه خاطئة، أن يعيش مع الوثيقة مهما كانت ويعرف لاحقًا إن كان قد بالغ. لكن الكاهن لم يتحرك، والضوء لم يعد أخضر.
قرأه مرة، ولم يتضح له على الفور ما الذي أزعجه بالضبط فيه. أعاد قراءته ببطء هذه المرة، كلمة كلمة، فتوقف المعنى عن المرور فوقه كما مرّ في المرة الأولى. ما هو “السجل الثاني”؟ ماذا يحدث بالضبط لمن يُنقل إليه؟ لم يكن يعرف الإجابة، لكن الصياغة وحدها أثقلت صدره: لم تكن الجملة اقتراحًا ولا وصفًا لحالة استثنائية، بل إجراءً يعرفه شخص ما ويتكرر بما يكفي لأن يُكتب بهذه البرودة، دون حاجة إلى شرح إضافي.
أنزل الورقة، ورفع عينيه إلى الرفوف المحيطة، كأنه يتحقق أن المكان لم يتغير، ثم عاد بعينيه إلى السطر نفسه. بحث في الصفحات السابقة عن شيء يفسّره: الأرقام، الحالات، التواريخ، وملاحظات مختصرة بدت بلا معنى قبل لحظات وصارت الآن أكثر إزعاجًا. نهض، ومشى بين الرفوف، ثم عاد وجلس مرة أخرى. لم يكن يحاول أن يفهم معنى الجملة بقدر ما كان يحاول أن يفهم أصلها، من كتبها، ومن أين جاءت، ولماذا وُضعت بين سجلات ضرائب قرية لا يعرف عنها شيئًا.
قلّب الأوراق فوجد في أسفل إحدى الصفحات ختمًا إداريًا قديمًا رآه من قبل، عابرًا، في وثائق مرتبطة بالمحكمة. توقفت يده فوق الورقة. الشعور الذي انتابه لم يكن خوفًا بالضبط، بل شيئًا أثقل من الخوف: إحساسًا بأن شيئًا ما لا يستقيم.
مرّ الكاهن، متبوعًا بمساعده الذي يحمل مصباحًا زجاجيًا صغيرًا، بين الصفوف واحدًا تلو الآخر. كان الضوء يقترب من كل وجه، يتوقف لحظة، ثم يتحول إلى الأبيض الهادئ، فيتابع الكاهن طريقه دون كلمة. وصل الدور إلى مارِن، اقترب الضوء من وجهها، بقي أبيض، وتابع الكاهن.
بدأت ذاكرته، بدل أن تريحه، تجلب له أشياء أخرى. تذكّر ملفًا رآه قبل سنتين أثناء إعادة تصنيف قسم الأدوات القديمة، عن أداة علاجية معرفية صُنّفت “غير صالحة للاستخدام العام” دون تفسير واضح، سوى ملاحظة قصيرة عن ضعف دقة التأثير. وتذكّر تقريرًا آخر، مختصرًا جدًا، عن رجل من قرية بعيدة توفي أثناء التأمل الشهري؛ لم يتذكر اسمه، لكنه تذكّر أن التقرير كان قصيرًا بشكل لافت، وأن موظفًا همس يومها “لم يكن كالمعتاد”، ثم طُوي الموضوع ولم يُذكر مجددًا. ربما كانت هذه الذكريات موجودة في رأسه طوال الوقت، تنتظر شيئًا يربطها. وربما كان هو من يبحث الآن عن رابط لا وجود له، محاولًا أن يمنح وثيقة غامضة تفسيرًا أبسط مما تستحق.
في المساء، بعد أن ناما أو حاولا أن يناما، جلس أورِن وحده في غرفته الصغيرة، فرأى الورقة المطوية لا تزال في مكانها على طرف المكتب، تحت المصباح الصغير، حيث تركها.
أعاد نظره إلى الوثيقة. الحقيقة الكاملة كانت بعيدة عنه، وحتى الرابط بينها وبين الطقس لم يكن مؤكدًا. لكن شيئًا واحدًا بدا له بلا حاجة إلى برهان: هذه الورقة ما كان ينبغي أن تصل إلى يديه.
لم تكن صدمة كبيرة بقدر ما كانت ثقلاً هادئًا يترسب في المعدة أكثر مما يظهر على الوجه؛ فهذا يحدث، وهو يعرف أنه يحدث، وهذا تحديدًا ما جعله أثقل. أخذت مارِن بيده دون كلام، وابتعدا معًا عن الساحة، بين الناس الذين عادوا يتحدثون عن أمور يومهم كأن شيئًا عاديًا جدًا قد انتهى للتو.
جلس على الأرض، ظهره إلى الرف، وأغمض عينيه، وحاول أن يستحضر شيئًا آخر: وجه مارِن، طاولة المطبخ، صوت الباب حين يُفتح في الصباح. لم تثبت الصور؛ تداخلت معها الكلمات التي قرأها، السجل الثاني، الجلسة الأولى، لماذا لا تُذكر الأسماء بعد ذلك، حتى صار رأسه مكانًا مزدحمًا يصعب عليه السيطرة عليه.
قال لنفسه بصوت خافت: “لا.” لم يكن يخاطب أحدًا، بل يحاول أن يسمع صوته البشري في هذا الصمت، ليتأكد أنه لا يزال هو، لا يزال في مكانه، في هذا الأرشيف، في ليل عادي كأي ليل آخر. حاول أن يعيد الأوراق إلى مكانها فلم تطاوعه يداه؛ صداع حاد خلف عينيه، وطنين خفيف بدأ باهتًا ثم صار أوضح، كأن أذنيه تنتبهان لشيء لا يستطيع هو نفسه تسميته.
عاد إلى طاولته، أنهى ما تبقّى من الفرز بسرعة ودون تركيز حقيقي، ثم أطفأ المصباح وخرج إلى الليل البارد.
جلس على الأرض، ظهره إلى الرف، وأغمض عينيه، وحاول أن يستحضر شيئًا آخر: وجه مارِن، طاولة المطبخ، صوت الباب حين يُفتح في الصباح. لم تثبت الصور؛ تداخلت معها الكلمات التي قرأها، السجل الثاني، الجلسة الأولى، لماذا لا تُذكر الأسماء بعد ذلك، حتى صار رأسه مكانًا مزدحمًا يصعب عليه السيطرة عليه.
مرّ الكاهن، متبوعًا بمساعده الذي يحمل مصباحًا زجاجيًا صغيرًا، بين الصفوف واحدًا تلو الآخر. كان الضوء يقترب من كل وجه، يتوقف لحظة، ثم يتحول إلى الأبيض الهادئ، فيتابع الكاهن طريقه دون كلمة. وصل الدور إلى مارِن، اقترب الضوء من وجهها، بقي أبيض، وتابع الكاهن.
بدأت ذاكرته، بدل أن تريحه، تجلب له أشياء أخرى. تذكّر ملفًا رآه قبل سنتين أثناء إعادة تصنيف قسم الأدوات القديمة، عن أداة علاجية معرفية صُنّفت “غير صالحة للاستخدام العام” دون تفسير واضح، سوى ملاحظة قصيرة عن ضعف دقة التأثير. وتذكّر تقريرًا آخر، مختصرًا جدًا، عن رجل من قرية بعيدة توفي أثناء التأمل الشهري؛ لم يتذكر اسمه، لكنه تذكّر أن التقرير كان قصيرًا بشكل لافت، وأن موظفًا همس يومها “لم يكن كالمعتاد”، ثم طُوي الموضوع ولم يُذكر مجددًا. ربما كانت هذه الذكريات موجودة في رأسه طوال الوقت، تنتظر شيئًا يربطها. وربما كان هو من يبحث الآن عن رابط لا وجود له، محاولًا أن يمنح وثيقة غامضة تفسيرًا أبسط مما تستحق.
بعد دقائق، أو ربما أكثر، هدأ نبضه قليلًا. فتح عينيه. الأرشيف كما هو، مصباح ورفوف وورق، لا شيء تغيّر في المكان نفسه. لكن شعوره بأن هذا المكان آمن كان قد تغيّر هو الآخر، بهدوء، دون أن يلاحظ متى بالضبط.
وقف. تجاوز محاولة إيجاد إجابة، وفكّر في شيء أبسط وأكثر إلحاحًا: غدًا يوم الطقس، وهو يحمل الآن في رأسه معلومة لم تكن فيه صباحًا. احتمال واحد أن يكون التفتيش الشهري مرتبطًا بما قرأه كان كافيًا؛ تجاهله قد يكون غباءً لا يقدر على تحمّل ثمنه. لو كان يعرف الحقيقة كاملة لكان القرار أسهل. لكنه لا يعرف، وهذا بالضبط ما أخافه.
تذكّره أورِن. “سأحضره بعد الطقس.”
تذكّر الأداة القديمة التي رأى صندوقها قبل أشهر في قسم الأدوات التالفة أثناء إعادة ترتيبه: أداة محدودة الأثر، صُممت لمعالجة فكرة واحدة محددة لدى بعض المرضى، لا تمحو الذاكرة كاملة ولا تتميز بالدقة، ولهذا صُنّفت خارج الاستخدام الرسمي دون أن تُتلف بعد، لأن هذه الأمور تأخذ وقتها دائمًا في الأرشيف.
“تبقّى جزء صغير.”
وقفت مارِن بجانبه، تلف حول كتفيها شالًا صوفيًا سميكًا، وتتثاءب من برد الصباح الباكر.
نظر إلى الباب المؤدي إلى القسم التالف، ووقف عنده لحظات قبل أن يذهب. فتحه بمفتاحه، وأضاء مصباحًا صغيرًا معلقًا عند المدخل، ووجد الصندوق في مكانه، الرف الثالث، الرمز القديم. فتحه، فوجد الأداة أصغر مما تذكّرها، باردة وثقيلة في يده، لا تحمل سوى مؤشر باهت ومقبض صغير. قرأ البطاقة المرفقة بها مرة أخرى؛ دقتها محدودة كما توقّع، قد تخفف فكرة واحدة أو قد تفشل، وقد تترك أثرًا لا يعرف حجمه. بقي ينظر إليها، يعرف أن أخذها مخالف للإجراءات، ويعرف أيضًا أن تركها في الصندوق لن يحميه إن كانت مخاوفه صحيحة. أخذها، ووضعها في جيب معطفه الداخلي، دون شعور بالبطولة، بل بأنه يختار بين مخاطرتين لا يعرف أيّهما أسوأ.
بعد دقائق، أو ربما أكثر، هدأ نبضه قليلًا. فتح عينيه. الأرشيف كما هو، مصباح ورفوف وورق، لا شيء تغيّر في المكان نفسه. لكن شعوره بأن هذا المكان آمن كان قد تغيّر هو الآخر، بهدوء، دون أن يلاحظ متى بالضبط.
عاد إلى طاولته، أنهى ما تبقّى من الفرز بسرعة ودون تركيز حقيقي، ثم أطفأ المصباح وخرج إلى الليل البارد.
قلّب صفحة جديدة، وتردد لحظة، ثم كتب:
عاد إلى المنزل بعد منتصف الليل، فوجد مارِن نائمة، والبيت هادئًا إلا من نار خافتة تتراجع في الموقد. جلس في غرفته، وأخرج من درج مكتبه دفتره الصغير، ذاك الذي يكتب فيه كل ليلة تقريبًا منذ سنوات، سطرين أو ثلاثة عن يومه. لم يعرف أحد سبب استمراره في هذه العادة سوى أنه اعتادها؛ كان جده هو من علّمه إياها، حين كان صبيًا يقضي أمسياته في بيته القديم، يجلس كل ليلة أمام دفتر مشابه، يكتب سطرًا أو سطرين، ثم يغلقه قبل النوم. قال له مرة، دون أن يشرح كثيرًا: “الأيام تضيع إن لم تترك لها أثرًا.” لم يفكر أورِن في الجملة كثيرًا حينها، لكنه بدأ يكتب، ثم استمر، وبعد سنوات لم يعد يتذكر سبب استمراره، ولم يستطع التوقف حتى بعد أن غاب جده.
نظر إلى الباب المؤدي إلى القسم التالف، ووقف عنده لحظات قبل أن يذهب. فتحه بمفتاحه، وأضاء مصباحًا صغيرًا معلقًا عند المدخل، ووجد الصندوق في مكانه، الرف الثالث، الرمز القديم. فتحه، فوجد الأداة أصغر مما تذكّرها، باردة وثقيلة في يده، لا تحمل سوى مؤشر باهت ومقبض صغير. قرأ البطاقة المرفقة بها مرة أخرى؛ دقتها محدودة كما توقّع، قد تخفف فكرة واحدة أو قد تفشل، وقد تترك أثرًا لا يعرف حجمه. بقي ينظر إليها، يعرف أن أخذها مخالف للإجراءات، ويعرف أيضًا أن تركها في الصندوق لن يحميه إن كانت مخاوفه صحيحة. أخذها، ووضعها في جيب معطفه الداخلي، دون شعور بالبطولة، بل بأنه يختار بين مخاطرتين لا يعرف أيّهما أسوأ.
كتب أولًا سطرين عاديين عن يومه بخط يده المعتاد: تأخره في الأرشيف، الدفعة الجديدة، القماش الأزرق الذي نسيه رغم كل شيء. ثم توقف والقلم لا يزال بين أصابعه. ما حدث قبل ساعة لا يمكن أن يُترك دون أثر، وهو لا يعرف إن كان سيتذكره صباحًا.
ثم بدأ الهمس يمر بين الصفوف، كما يحدث كل شهر: ثلاثة لم ينهضوا.
“تبقّى جزء صغير.”
قلّب صفحة جديدة، وتردد لحظة، ثم كتب:
“إذا كنت تقرأ هذه السطور ولا تدرك سبب كتابتها، فهذا يعني أن طقس الصباح قد مرّ، وأنني اضطُررتُ لاستخدام الأداة التي في جيبك لمحو ما عرفته. الليلة وجدتُ وثيقة في الأرشيف تثبت أن هذا الطقس ليس مجرد تأمل. إذا كنت قد نسيت تفاصيلها الآن، فلا تحاول التخمين ولا تسأل أحداً. الأداة أخذتها من قسم الأدوات التالفة (الرف الثالث، الصندوق القديم). سرّك ليس في رأسك الآن. ابحث عن الوثيقة في الأرشيف من جديد.”
انحنى أورِن قليلًا نحو أخته، وهمس: “أغلقي عينيك.”
قرأ ما كتبه مرة، ثم طوى الورقة ووضعها على طرف المكتب تحت المصباح الصغير، حيث ستكون أول ما يراه إن مرّ بجانب المكتب. أعاد الدفتر إلى الدرج، وأطفأ الضوء.
ضغط.
عند الفجر كانت ساحة القرية قد امتلأت. لا أحد يحتاج إلى تذكيرهم بالحضور؛ في بداية كل شهر يحدث الشيء نفسه، تُفتح البيوت أبوابها مبكرًا، ويتجه الناس إلى الساحة، ويقفون في الصفوف التي يعرفونها، ثم يعود كل شيء بعد ذلك إلى طبيعته.
كان الأرشيف في هذه الساعة مكانًا آخر تمامًا. النهار يجعله مكتبًا، والليل يعيده إلى طبيعته: ممرات طويلة من الرفوف تتصاعد حتى السقف المقبب، وظلال تبتلع معظم الضوء القليل الذي يصدره مصباحه. كان يحب هذا الصمت بطريقة غريبة، لا صوت فيه سوى الورق حين يُقلَّب، وأنفاسه هو، وأحيانًا نقرة حجر صغير يسقط في مكان بعيد من سقف قديم.
تغيّر الضوء أمامه. عاد إلى الأبيض.
وقفت مارِن بجانبه، تلف حول كتفيها شالًا صوفيًا سميكًا، وتتثاءب من برد الصباح الباكر.
عاد إلى طاولته، أنهى ما تبقّى من الفرز بسرعة ودون تركيز حقيقي، ثم أطفأ المصباح وخرج إلى الليل البارد.
“كنتَ متأخرًا جدًا البارحة،” قالت دون أن تنظر إليه، عيناها على الحشد المتزايد.
ارتقى أحد الكهنة منصة صغيرة من الحجر في وسط الساحة، ورفع يده، فخفت الأصوات تدريجيًا حتى ساد صمت غير كامل، تتخلله سعلة هنا وحفيف ثوب هناك.
أنزل الورقة، ورفع عينيه إلى الرفوف المحيطة، كأنه يتحقق أن المكان لم يتغير، ثم عاد بعينيه إلى السطر نفسه. بحث في الصفحات السابقة عن شيء يفسّره: الأرقام، الحالات، التواريخ، وملاحظات مختصرة بدت بلا معنى قبل لحظات وصارت الآن أكثر إزعاجًا. نهض، ومشى بين الرفوف، ثم عاد وجلس مرة أخرى. لم يكن يحاول أن يفهم معنى الجملة بقدر ما كان يحاول أن يفهم أصلها، من كتبها، ومن أين جاءت، ولماذا وُضعت بين سجلات ضرائب قرية لا يعرف عنها شيئًا.
“طلب مني المشرف إنهاء الدفعة.”
“أعرف ذلك،” ردّت بابتسامة صغيرة، وأغلقت عينيها.
“دائمًا هناك دفعة.” نظرت إليه بابتسامة صغيرة. “والقماش؟”
“لأنهما كلاهما قماش.”
كانت رائحة الورق القديم قد اختلطت بالغبار حتى صارت رائحة واحدة، يتنفسها أورِن كما يتنفس هواء الغرفة دون أن ينتبه إليه بعد كل هذه السنوات. جلس خلف طاولته في القسم الشرقي من الأرشيف، أمامه كومة من السجلات الجلدية التي وصلت هذا الأسبوع من مكاتب القرى المجاورة، ويده تتحرك بين الأختام والفهارس بحركة من اعتاد العمل حتى صار جزءًا من جسده أكثر منه فعلًا يفكر فيه.
تذكّره أورِن. “سأحضره بعد الطقس.”
بقي جالسًا طويلًا، الورقة بين يديه، والأداة الباردة على المكتب أمامه. لم يفكر في شيء محدد. حاول فقط، مرة أخرى، أن يتذكر، فلم يجد شيئًا.
تنهّدت. “لا تنسه هذه المرة.” ثم عاد بصرها إلى الساحة.
“أحضرته أمس.”
كان الناس حولهما يتوزعون في صفوف غير منتظمة تمامًا، بعضهم يتحدث بصوت خفيض مع جيرانه، امرأة عجوز تشكو من برد ركبتيها، رجلان يتبادلان النكات عن محصول الشهر الماضي، طفل يُمسك بيد أمه ويتثاءب. لا خوف ظاهر على الوجوه، فقط ذلك الملل المألوف لمن اعتاد طقسًا شهريًا يعرف تفاصيله عن ظهر قلب.
“كيف تخلط بين لونين؟”
سمع من خلفه همسًا خفيفًا بين امرأتين: “الشهر الماضي كان دور الحداد القديم.” “نعم، سمعتُ. لم يكن أحد يتوقع ذلك منه، رجل هادئ كهذا.” لم ير وجهيهما، لكن نبرتيهما لم تحمل فزعًا، بل شيئًا أقرب إلى الحديث عن جار انتقل بعيدًا.
“ثلاثة أختام هذه المرة،” قال مارتن من الطاولة المجاورة، رافعًا رأسه من فوق دفتر ضخم. “يبدو أن المشرف الجديد يحب الأختام أكثر من اللازم.”
ارتقى أحد الكهنة منصة صغيرة من الحجر في وسط الساحة، ورفع يده، فخفت الأصوات تدريجيًا حتى ساد صمت غير كامل، تتخلله سعلة هنا وحفيف ثوب هناك.
“دائمًا هناك دفعة.” نظرت إليه بابتسامة صغيرة. “والقماش؟”
“كما في بداية كل شهر،” قال الكاهن بصوت واضح ورتيب، وكأنه يكرر جملًا حفظها منذ زمن بعيد، “نجتمع لنُظهر طاعتنا، ولنسمح للتأمل أن يطهّر ما علق بنا من أفكار فاسدة. أغلقوا أعينكم. لا تتحركوا. دعوا العقل يستريح.”
“أعرف ذلك،” ردّت بابتسامة صغيرة، وأغلقت عينيها.
عرفهم أورِن: الحداد الشاب الذي كان يصلح سياج بيتهم قبل شهرين، وامرأة كبيرة السن كانت تبيع الخبز قرب السوق، ورجل ثالث كان يراه غالبًا في الحانة الصغيرة قرب بيته، يجلس وحده في الزاوية نفسها كل مرة، يشرب ببطء ولا يتحدث كثيرًا.
انحنى أورِن قليلًا نحو أخته، وهمس: “أغلقي عينيك.”
“ثلاثة أختام هذه المرة،” قال مارتن من الطاولة المجاورة، رافعًا رأسه من فوق دفتر ضخم. “يبدو أن المشرف الجديد يحب الأختام أكثر من اللازم.”
“لا تنسَ أن تحضر القماش الأزرق من عند الحائكة اليوم. أريد أن أبدأ بالخياطة الليلة، وإن تأخرت فسأضطر إلى تأجيله أسبوعًا كاملًا بسبب موعد ابنة الجيران.”
“أعرف ذلك،” ردّت بابتسامة صغيرة، وأغلقت عينيها.
أبيض هذه المرة.
“ربما لا يثق بنفسه هو.”
أغلق هو عينيه أيضًا، ويده اليمنى داخل جيب معطفه تلامس بهدوء حافة الأداة الصغيرة، كمن يتأكد أنها ما زالت هناك.
ثم وقعت عيناه على سطر واحد وسط الصفحة، لا يختلف في شكله عن باقي السطور:
قلّب صفحة جديدة، وتردد لحظة، ثم كتب:
بدأت الثلاثون دقيقة.
بقي الكاهن ينظر إليه ثانية أو ثانيتين إضافيتين، غير مقتنع تمامًا على ما بدا، فرفع المصباح مرة أخرى وكرر الفحص.
مرّ الكاهن، متبوعًا بمساعده الذي يحمل مصباحًا زجاجيًا صغيرًا، بين الصفوف واحدًا تلو الآخر. كان الضوء يقترب من كل وجه، يتوقف لحظة، ثم يتحول إلى الأبيض الهادئ، فيتابع الكاهن طريقه دون كلمة. وصل الدور إلى مارِن، اقترب الضوء من وجهها، بقي أبيض، وتابع الكاهن.
ثم جاء دور أورِن.
اقترب الضوء، ولمسة بردٍ خفيفة سرت في وجهه كأن الهواء نفسه تغيّر. بقي الضوء لحظة أطول من المعتاد على وجهه، ثم بدأ يتحول ببطء من الأبيض إلى لون أعمق، رمادي أولًا، ثم أقرب إلى السواد.
اقترب الضوء، ولمسة بردٍ خفيفة سرت في وجهه كأن الهواء نفسه تغيّر. بقي الضوء لحظة أطول من المعتاد على وجهه، ثم بدأ يتحول ببطء من الأبيض إلى لون أعمق، رمادي أولًا، ثم أقرب إلى السواد.
توقف الكاهن. لم يقل شيئًا، لكن ملامحه التي كانت رتيبة طوال الوقت تجمّدت للحظة، ومال رأسه قليلًا نحو أورِن كمن يتأكد مما يراه.
بدأت الثلاثون دقيقة.
“تبقّى جزء صغير.”
في الجيب الداخلي لمعطفه، أغلقت أصابع أورِن حول الأداة. حتى تلك اللحظة كان يستطيع أن يتركها، أن يراهن على أن مخاوفه خاطئة، أن يعيش مع الوثيقة مهما كانت ويعرف لاحقًا إن كان قد بالغ. لكن الكاهن لم يتحرك، والضوء لم يعد أخضر.
نظر إلى الباب المؤدي إلى القسم التالف، ووقف عنده لحظات قبل أن يذهب. فتحه بمفتاحه، وأضاء مصباحًا صغيرًا معلقًا عند المدخل، ووجد الصندوق في مكانه، الرف الثالث، الرمز القديم. فتحه، فوجد الأداة أصغر مما تذكّرها، باردة وثقيلة في يده، لا تحمل سوى مؤشر باهت ومقبض صغير. قرأ البطاقة المرفقة بها مرة أخرى؛ دقتها محدودة كما توقّع، قد تخفف فكرة واحدة أو قد تفشل، وقد تترك أثرًا لا يعرف حجمه. بقي ينظر إليها، يعرف أن أخذها مخالف للإجراءات، ويعرف أيضًا أن تركها في الصندوق لن يحميه إن كانت مخاوفه صحيحة. أخذها، ووضعها في جيب معطفه الداخلي، دون شعور بالبطولة، بل بأنه يختار بين مخاطرتين لا يعرف أيّهما أسوأ.
ضغط.
في البداية لم يحدث شيء، ثم رجفة باردة سرت من صدره إلى رأسه، وللحظة قصيرة جدًا شعر بفراغ، كأن شيئًا كان موجودًا في ذهنه ثم غاب. لم يعرف ماذا فقد بالضبط، ولا شعر بألم، فقط فراغ صغير محدد، انتظر خلاله دون أن يعرف إن كان قد راهن على شيء لا يعمل.
اقترب الضوء، ولمسة بردٍ خفيفة سرت في وجهه كأن الهواء نفسه تغيّر. بقي الضوء لحظة أطول من المعتاد على وجهه، ثم بدأ يتحول ببطء من الأبيض إلى لون أعمق، رمادي أولًا، ثم أقرب إلى السواد.
نظرت إليه باستغراب. “لا، أحضرت الأبيض. طلبتُ الأزرق.”
تغيّر الضوء أمامه. عاد إلى الأبيض.
اقترب الضوء، ولمسة بردٍ خفيفة سرت في وجهه كأن الهواء نفسه تغيّر. بقي الضوء لحظة أطول من المعتاد على وجهه، ثم بدأ يتحول ببطء من الأبيض إلى لون أعمق، رمادي أولًا، ثم أقرب إلى السواد.
بقي الكاهن ينظر إليه ثانية أو ثانيتين إضافيتين، غير مقتنع تمامًا على ما بدا، فرفع المصباح مرة أخرى وكرر الفحص.
“الأفراد الذين تفشل معهم الجلسة الأولى يُنقَلون إلى السجل الثاني، ولا يُعاد ذكر أسمائهم بعد ذلك.”
أبيض هذه المرة.
وقفت مارِن بجانبه، تلف حول كتفيها شالًا صوفيًا سميكًا، وتتثاءب من برد الصباح الباكر.
تابع الكاهن طريقه دون كلمة، تاركًا خلفه سؤالًا لم يُطرح بصوت عالٍ. أغمض أورِن عينيه من جديد، ولم يحاول أن يتذكر ما حدث؛ لم يكن يعرف أصلًا ماذا حدث.
انتهت الثلاثون دقيقة. فتح الناس أعينهم ببطء، بعضهم يتمطى، بعضهم يفرك عينيه من الشمس التي ارتفعت الآن فوق الساحة. بدأ الحشد يتحرك، أصوات تعود إلى الحياة، أطفال يركضون، امرأة تنادي على ابنها.
“لأنهما كلاهما قماش.”
بدأت ذاكرته، بدل أن تريحه، تجلب له أشياء أخرى. تذكّر ملفًا رآه قبل سنتين أثناء إعادة تصنيف قسم الأدوات القديمة، عن أداة علاجية معرفية صُنّفت “غير صالحة للاستخدام العام” دون تفسير واضح، سوى ملاحظة قصيرة عن ضعف دقة التأثير. وتذكّر تقريرًا آخر، مختصرًا جدًا، عن رجل من قرية بعيدة توفي أثناء التأمل الشهري؛ لم يتذكر اسمه، لكنه تذكّر أن التقرير كان قصيرًا بشكل لافت، وأن موظفًا همس يومها “لم يكن كالمعتاد”، ثم طُوي الموضوع ولم يُذكر مجددًا. ربما كانت هذه الذكريات موجودة في رأسه طوال الوقت، تنتظر شيئًا يربطها. وربما كان هو من يبحث الآن عن رابط لا وجود له، محاولًا أن يمنح وثيقة غامضة تفسيرًا أبسط مما تستحق.
ثم بدأ الهمس يمر بين الصفوف، كما يحدث كل شهر: ثلاثة لم ينهضوا.
نظرت إليه باستغراب. “لا، أحضرت الأبيض. طلبتُ الأزرق.”
عرفهم أورِن: الحداد الشاب الذي كان يصلح سياج بيتهم قبل شهرين، وامرأة كبيرة السن كانت تبيع الخبز قرب السوق، ورجل ثالث كان يراه غالبًا في الحانة الصغيرة قرب بيته، يجلس وحده في الزاوية نفسها كل مرة، يشرب ببطء ولا يتحدث كثيرًا.
لم تكن صدمة كبيرة بقدر ما كانت ثقلاً هادئًا يترسب في المعدة أكثر مما يظهر على الوجه؛ فهذا يحدث، وهو يعرف أنه يحدث، وهذا تحديدًا ما جعله أثقل. أخذت مارِن بيده دون كلام، وابتعدا معًا عن الساحة، بين الناس الذين عادوا يتحدثون عن أمور يومهم كأن شيئًا عاديًا جدًا قد انتهى للتو.
انتهت الثلاثون دقيقة. فتح الناس أعينهم ببطء، بعضهم يتمطى، بعضهم يفرك عينيه من الشمس التي ارتفعت الآن فوق الساحة. بدأ الحشد يتحرك، أصوات تعود إلى الحياة، أطفال يركضون، امرأة تنادي على ابنها.
في المساء، بعد أن ناما أو حاولا أن يناما، جلس أورِن وحده في غرفته الصغيرة، فرأى الورقة المطوية لا تزال في مكانها على طرف المكتب، تحت المصباح الصغير، حيث تركها.
ثم وقعت عيناه على سطر واحد وسط الصفحة، لا يختلف في شكله عن باقي السطور:
كان يفصل السجلات حسب السنة، ثم حسب المنطقة، ثم يضع لكل واحدة رمزًا صغيرًا بالحبر الأزرق في الزاوية العليا. عمل مملّ، لكنه يحبه لسبب يصعب عليه تفسيره؛ ربما لأن كل ورقة تحمل حياة كاملة اختُصرت في سطرين، اسم وضريبة وتوقيع. لاحظ منذ سنوات عمله هنا أن بعض الأسماء تبقى في السجلات مدة طويلة بعد أن يتوقف الناس عن ذكرها في القرية، كأن الورق أبطأ من الذاكرة في نسيان الأشياء. فكرة عابرة، من ذلك النوع الذي يمر بذهن الأرشيفي كثيرًا دون أن يستوقفه طويلاً.
أخذها وقرأها، ثم قرأها مرة ثانية. توقف عند الجملة الأولى: “إذا كنت تقرأ هذه السطور ولا تدرك سبب كتابتها…” حاول أن يتذكر: الوثيقة، السجل الثاني، الختم الذي رآه، الأرشيف في ذلك الليل. شيء ما كان هناك، على حافة ذاكرته، لكنه لم يجد ما يمسك به، ولا حتى شعورًا واضحًا يدل على ما كان يعرفه.
تذكّره أورِن. “سأحضره بعد الطقس.”
مدّ يده إلى معطفه، فوجد الأداة لا تزال في جيبه. أخرجها ووضعها على المكتب، ونظر إليها، ثم عاد إلى الورقة. الخط خطه، والكلمات كلماته، والدفتر دفتره؛ كل شيء يثبت أنه كتب الرسالة بنفسه. لكن الرسالة لم تخبره بما كان يعرفه، أخبرته فقط أن هناك شيئًا كان يعرفه، شيئًا اختفى الآن.
“أنهِها الليلة. لا أريد أن أجدها هنا صباحًا. الدفعة الجديدة ستصل قبل الطقس، ولا أريد أن أجد دفعتين مختلطتين معًا.”
عند الفجر كانت ساحة القرية قد امتلأت. لا أحد يحتاج إلى تذكيرهم بالحضور؛ في بداية كل شهر يحدث الشيء نفسه، تُفتح البيوت أبوابها مبكرًا، ويتجه الناس إلى الساحة، ويقفون في الصفوف التي يعرفونها، ثم يعود كل شيء بعد ذلك إلى طبيعته.
بقي جالسًا طويلًا، الورقة بين يديه، والأداة الباردة على المكتب أمامه. لم يفكر في شيء محدد. حاول فقط، مرة أخرى، أن يتذكر، فلم يجد شيئًا.
بعد دقائق، أو ربما أكثر، هدأ نبضه قليلًا. فتح عينيه. الأرشيف كما هو، مصباح ورفوف وورق، لا شيء تغيّر في المكان نفسه. لكن شعوره بأن هذا المكان آمن كان قد تغيّر هو الآخر، بهدوء، دون أن يلاحظ متى بالضبط.
