Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 3

صندوق الجد
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

صندوق الجد

مرّت الأيام التالية بلا شيء يستحق الذكر، وهذا بالضبط ما جعلها تستقر في ذهن أورِن أكثر مما توقع. كان يستيقظ، يذهب إلى الأرشيف، يعمل بين الرفوف والسجلات، يعود، يتحدث مع مارِن عن أشياء صغيرة، وينام. لم يفكر في الوثيقة كل ساعة كما توقع أن يفعل في الليلة التي تلت اكتشافه للرمز؛ كان السؤال يظهر أحيانًا في منتصف عمل روتيني، ثم ينسحب من تلقاء نفسه حين يقاطعه صوت مارتن يسأله عن ختم، أو صوت زبون يتحدث في الخارج.

وضع القطعة جانبًا على الطاولة، بجانب الخريطة، ونظر إليهما معًا للحظة، دون أن يشعر بإلحاح خاص لفهمهما الآن. كان الجد رجلاً هادئًا في سنواته الأخيرة، لم يتحدث كثيرًا عن ماضيه، وأورِن لم يسأل يومًا بإلحاح كافٍ ليعرف أكثر، وهذا شيء بدأ يشعر بثقله الآن أكثر مما شعر به من قبل.

 

“ليس الليلة،” قال. “ربما في عطلة الأسبوع القادم.”

في صباح أحد الأيام، جلس مع مارِن في المطبخ الصغير، والطاولة بينهما مليئة ببقايا خبز الصباح وكوبين فارغين تقريبًا. كانت تصلح ثقبًا صغيرًا في كم قميصه بينما يتحدث عن شيء تافه حدث في الأرشيف، موظف جديد خلط بين تصنيفين متشابهين فاضطر مارتن لإعادة ترتيب رف كامل.

 

 

“ألا تفكر أبدًا في الرحيل من هنا؟” سألته بعد قليل، بنبرة أخف، وكأنها تسأل عن شيء عابر.

“وهل أعاده كما كان؟” سألت دون أن ترفع عينيها عن الخيط.

 

 

“لم أفهم كل شيء، بصراحة. قالت شيئًا عن عروض تُقام في ساحات مغطاة، بأضواء ملونة، والناس يدفعون فقط ليجلسوا ويشاهدوا.” هزّت رأسها بإعجاب صادق لم تحاول إخفاءه. “لا أستطيع تخيل ذلك. أن يدفع أحدهم المال فقط ليجلس ويشاهد شيئًا.”

“تقريبًا. وضع سجلين في مكان خطأ، ولن يلاحظ أحد قبل عشر سنوات على الأقل.”

“يبدو رائعًا،” ردّت بحدة لطيفة، وضربته بكفها على ذراعه. “لا تكن عمليًا في كل شيء.”

 

 

ضحكت قليلاً، وربطت العقدة الأخيرة، ثم رفعت القميص لتتفحص عملها. “خذ. لن يصمد طويلاً لكنه سيكفي حتى أجد وقتًا لإصلاحه بشكل صحيح.”

“ما هذا؟” سألت مارِن، ومدّت يدها لتأخذها منه، تقلّبها بين أصابعها.

 

 

أخذ القميص وشكرها، وبقيا صامتين لحظة، من ذلك الصمت المريح الذي لا يحتاج فيه أحدهما أن يملأه بكلام.

عرف الصندوق فور رؤيته؛ صندوق جده، ذاك الذي وضعه بنفسه في غرفة التخزين بعد وفاته، ولم يفتحه منذ ذلك الحين. جلس أمامه على الأرض، ومدّ يده إلى القفل الصغير الصدئ، ففُتح بسهولة أكبر مما توقع.

 

ضحكت قليلاً، وربطت العقدة الأخيرة، ثم رفعت القميص لتتفحص عملها. “خذ. لن يصمد طويلاً لكنه سيكفي حتى أجد وقتًا لإصلاحه بشكل صحيح.”

“تعرف،” قالت فجأة، وهي تلف الخيط المتبقي حول إصبعها، “سمعت امرأة في السوق أمس تتحدث عن العاصمة. قالت إن هناك سوقًا هناك يمتد على طول شارعين كاملين، وفيه أشياء لم أسمع بها من قبل حتى أسماءها.”

“…الأسماء ستُراجع خلال الشهرين القادمين،” كان الرجل يقول بصوت لا يحمل حماسًا خاصًا، وكأنه يكرر جملة قالها في أماكن كثيرة قبل هذا. “من هم في السن المطلوبة سيُستدعون تباعًا. لا داعي للقلق الآن، هذا مجرد إعلان مبكر.”

 

 

“مثل ماذا؟”

مرّت الأيام التالية بلا شيء يستحق الذكر، وهذا بالضبط ما جعلها تستقر في ذهن أورِن أكثر مما توقع. كان يستيقظ، يذهب إلى الأرشيف، يعمل بين الرفوف والسجلات، يعود، يتحدث مع مارِن عن أشياء صغيرة، وينام. لم يفكر في الوثيقة كل ساعة كما توقع أن يفعل في الليلة التي تلت اكتشافه للرمز؛ كان السؤال يظهر أحيانًا في منتصف عمل روتيني، ثم ينسحب من تلقاء نفسه حين يقاطعه صوت مارتن يسأله عن ختم، أو صوت زبون يتحدث في الخارج.

 

“تعرف،” قالت فجأة، وهي تلف الخيط المتبقي حول إصبعها، “سمعت امرأة في السوق أمس تتحدث عن العاصمة. قالت إن هناك سوقًا هناك يمتد على طول شارعين كاملين، وفيه أشياء لم أسمع بها من قبل حتى أسماءها.”

“لم أفهم كل شيء، بصراحة. قالت شيئًا عن عروض تُقام في ساحات مغطاة، بأضواء ملونة، والناس يدفعون فقط ليجلسوا ويشاهدوا.” هزّت رأسها بإعجاب صادق لم تحاول إخفاءه. “لا أستطيع تخيل ذلك. أن يدفع أحدهم المال فقط ليجلس ويشاهد شيئًا.”

 

 

 

“يبدو مضيعة للمال.”

 

 

مرّت الأيام التالية بلا شيء يستحق الذكر، وهذا بالضبط ما جعلها تستقر في ذهن أورِن أكثر مما توقع. كان يستيقظ، يذهب إلى الأرشيف، يعمل بين الرفوف والسجلات، يعود، يتحدث مع مارِن عن أشياء صغيرة، وينام. لم يفكر في الوثيقة كل ساعة كما توقع أن يفعل في الليلة التي تلت اكتشافه للرمز؛ كان السؤال يظهر أحيانًا في منتصف عمل روتيني، ثم ينسحب من تلقاء نفسه حين يقاطعه صوت مارتن يسأله عن ختم، أو صوت زبون يتحدث في الخارج.

“يبدو رائعًا،” ردّت بحدة لطيفة، وضربته بكفها على ذراعه. “لا تكن عمليًا في كل شيء.”

 

 

“لا أعرف إلى أين سأذهب، ولا أعرف ماذا سأفعل هناك. هذا يجعل التفكير في الأمر أشبه بالتفكير في شيء لا يخصني، أكثر من كونه خطة.”

ابتسم، ولم يعلّق. كان يعرف هذا الجانب فيها منذ سنوات، ذلك الفضول تجاه أماكن لم ترها، أماكن كبيرة بما يكفي لتحتوي أشياء لا معنى لها في قرية بحجم قريتهما. لم يكن يظن أن هذا الفضول سيتحول يومًا إلى قرار فعلي، ولم تكن هي نفسها تتحدث عنه بهذه الطريقة؛ كان أقرب إلى حلم تحبّ أن تتحدث عنه أحيانًا، لا خطة تنتظر تنفيذها.

 

 

“لا أعرف. ربما زر قديم، أو شيء تذكاري.”

“ألا تفكر أبدًا في الرحيل من هنا؟” سألته بعد قليل، بنبرة أخف، وكأنها تسأل عن شيء عابر.

مرّت الأيام التالية بلا شيء يستحق الذكر، وهذا بالضبط ما جعلها تستقر في ذهن أورِن أكثر مما توقع. كان يستيقظ، يذهب إلى الأرشيف، يعمل بين الرفوف والسجلات، يعود، يتحدث مع مارِن عن أشياء صغيرة، وينام. لم يفكر في الوثيقة كل ساعة كما توقع أن يفعل في الليلة التي تلت اكتشافه للرمز؛ كان السؤال يظهر أحيانًا في منتصف عمل روتيني، ثم ينسحب من تلقاء نفسه حين يقاطعه صوت مارتن يسأله عن ختم، أو صوت زبون يتحدث في الخارج.

 

“مثل ماذا؟”

فكّر قبل أن يجيب. “أحيانًا.”

“ليس الليلة،” قال. “ربما في عطلة الأسبوع القادم.”

 

“ما هذا؟” سألت مارِن، ومدّت يدها لتأخذها منه، تقلّبها بين أصابعها.

“فقط أحيانًا؟”

“وماذا عن من لديهم عمل ثابت؟” سأل صاحب الدكان وهو يمسح يديه بقطعة قماش.

 

 

“لا أعرف إلى أين سأذهب، ولا أعرف ماذا سأفعل هناك. هذا يجعل التفكير في الأمر أشبه بالتفكير في شيء لا يخصني، أكثر من كونه خطة.”

 

 

 

هزّت رأسها موافقة، وكأن هذا بالضبط ما توقعت أن يقوله. “أنا أيضًا لا أعرف. لكنني أحب أن أفكر فيه أحيانًا، حتى لو لم يحدث أبدًا.”

 

 

في اليوم التالي، وبينما كان يعبر الساحة القديمة في طريقه إلى السوق، توقف قليلاً بجانب رجل عجوز يجلس كعادته على مصطبة قريبة من تمثال ألدين، يراقب المارة بصمت أغلب الوقت. كان أورِن قد رآه هناك مرات كثيرة دون أن يتحدث معه فعليًا، لكنه هذه المرة حيّاه، فردّ العجوز التحية بإيماءة، ثم أشار برأسه نحو التمثال.

خرج بعد ذلك إلى الأرشيف، والطريق نفسه الذي يمشيه كل يوم تقريبًا منذ سنوات، لكنه توقف هذه المرة عند دكان صغير للأدوات المعدنية، حيث كان صاحبه يتحدث مع رجلين واقفين أمامه، أحدهما يرتدي زي المحكمة الرمادي المعتاد لكنه بدا أصغر سنًا من الموظفين الذين اعتاد أورِن رؤيتهم هناك.

 

 

 

“…الأسماء ستُراجع خلال الشهرين القادمين،” كان الرجل يقول بصوت لا يحمل حماسًا خاصًا، وكأنه يكرر جملة قالها في أماكن كثيرة قبل هذا. “من هم في السن المطلوبة سيُستدعون تباعًا. لا داعي للقلق الآن، هذا مجرد إعلان مبكر.”

“يبدو رائعًا،” ردّت بحدة لطيفة، وضربته بكفها على ذراعه. “لا تكن عمليًا في كل شيء.”

 

“إنه ثقيل أكثر من اللازم ليكون زرًا.” أعادته إليه، وعادت تتفحص الدفتر بدلاً منه. “ربما ستجد جوابًا إن قرأت كل هذا.”

“وماذا عن من لديهم عمل ثابت؟” سأل صاحب الدكان وهو يمسح يديه بقطعة قماش.

“حتى هؤلاء.” لم يزد الرجل شيئًا، وانصرف مع زميله باتجاه دكان آخر في الشارع نفسه.

 

“وجدته وأنا أبحث عن الأدوات الخاصة بالخياطة الشتوية،” قالت وهي تمسح الغبار عن غطائه بكم قميصها. “كان خلف كل شيء آخر تقريبًا.”

“حتى هؤلاء.” لم يزد الرجل شيئًا، وانصرف مع زميله باتجاه دكان آخر في الشارع نفسه.

“لم أفهم كل شيء، بصراحة. قالت شيئًا عن عروض تُقام في ساحات مغطاة، بأضواء ملونة، والناس يدفعون فقط ليجلسوا ويشاهدوا.” هزّت رأسها بإعجاب صادق لم تحاول إخفاءه. “لا أستطيع تخيل ذلك. أن يدفع أحدهم المال فقط ليجلس ويشاهد شيئًا.”

 

“كنت أنظر إليه قبل قليل. تعرف، حين كنت صغيرًا كانوا يسمّونه أورين، لا ألدين.”

لم يتوقف أورِن ليسأل، ولم يشعر بحاجة فورية لذلك؛ كان قد سمع كلامًا شبيهًا من قبل، إشارات متفرقة عن حملات تجنيد تحدث بين حين وآخر منذ سنوات الحرب الطويلة في الشرق، حرب لم يرها بعينيه يومًا لكنها كانت حاضرة دائمًا بطريقة غير مباشرة، في ارتفاع سعر الملح، وفي جندي عائد يمشي ببطء في شارع السوق، وفي حديث عابر كهذا. واصل طريقه إلى الأرشيف، والجملة تبقى في ذهنه بلا وزن كبير بعد، مجرد معلومة إضافية عن العالم، لا تختلف كثيرًا عن معرفته أن السوق سيرتفع فيه سعر القمح مرة أخرى.

 

 

 

في المساء، بعد أن أنهى عمله وعاد إلى البيت، وجد مارِن قد أخرجت من غرفة التخزين الصغيرة الملحقة بالمنزل صندوقًا خشبيًا قديمًا، ووضعته على الأرض في غرفة الجلوس.

“ليس الليلة،” قال. “ربما في عطلة الأسبوع القادم.”

 

“حتى هؤلاء.” لم يزد الرجل شيئًا، وانصرف مع زميله باتجاه دكان آخر في الشارع نفسه.

“وجدته وأنا أبحث عن الأدوات الخاصة بالخياطة الشتوية،” قالت وهي تمسح الغبار عن غطائه بكم قميصها. “كان خلف كل شيء آخر تقريبًا.”

 

 

 

عرف الصندوق فور رؤيته؛ صندوق جده، ذاك الذي وضعه بنفسه في غرفة التخزين بعد وفاته، ولم يفتحه منذ ذلك الحين. جلس أمامه على الأرض، ومدّ يده إلى القفل الصغير الصدئ، ففُتح بسهولة أكبر مما توقع.

 

 

 

كان بداخله دفتر آخر، أقدم من دفتره هو، بغلاف جلدي متشقق عند الحواف، وبضع عملات قديمة لم تعد متداولة، وقطعة قماش ملفوفة حول شيء صغير لم يفتحه بعد، وورقة مطوية بعناية أكبر من بقية الأشياء.

 

 

لم يسأل أورِن أكثر من ذلك؛ تابع طريقه إلى السوق، والاسم يبقى في ذهنه لحظة أو اثنتين قبل أن يزيحه حديث بائع عن سعر البيض.

فتح الورقة أولًا. كانت خريطة بسيطة، رُسمت بخط يد جده، لطريق يبدأ من القرية ويمتد شرقًا، تتخللها أسماء أماكن لم يسمع بها من قبل، بعضها مشطوب بخط رفيع كأن جده أعاد النظر في المسار أكثر من مرة.

 

 

ابتسم، ولم يعلّق. كان يعرف هذا الجانب فيها منذ سنوات، ذلك الفضول تجاه أماكن لم ترها، أماكن كبيرة بما يكفي لتحتوي أشياء لا معنى لها في قرية بحجم قريتهما. لم يكن يظن أن هذا الفضول سيتحول يومًا إلى قرار فعلي، ولم تكن هي نفسها تتحدث عنه بهذه الطريقة؛ كان أقرب إلى حلم تحبّ أن تتحدث عنه أحيانًا، لا خطة تنتظر تنفيذها.

“هل كان الجد يسافر كثيرًا؟” سألت مارِن وهي تجلس بجانبه، تتفحص العملات القديمة بفضول.

“هل كان الجد يسافر كثيرًا؟” سألت مارِن وهي تجلس بجانبه، تتفحص العملات القديمة بفضول.

 

في اليوم التالي، وبينما كان يعبر الساحة القديمة في طريقه إلى السوق، توقف قليلاً بجانب رجل عجوز يجلس كعادته على مصطبة قريبة من تمثال ألدين، يراقب المارة بصمت أغلب الوقت. كان أورِن قد رآه هناك مرات كثيرة دون أن يتحدث معه فعليًا، لكنه هذه المرة حيّاه، فردّ العجوز التحية بإيماءة، ثم أشار برأسه نحو التمثال.

“لم أعرف ذلك، صراحة. كان يتحدث أحيانًا عن أماكن رآها، لكنني ظننتها قصصًا فقط، من النوع الذي يرويه الكبار للأطفال.”

“تعرف،” قالت فجأة، وهي تلف الخيط المتبقي حول إصبعها، “سمعت امرأة في السوق أمس تتحدث عن العاصمة. قالت إن هناك سوقًا هناك يمتد على طول شارعين كاملين، وفيه أشياء لم أسمع بها من قبل حتى أسماءها.”

 

 

فتح الدفتر القديم، وقلّب صفحاته الأولى. كانت الكتابة أصغر وأكثر إحكامًا من كتابة جده التي تذكرها في سنواته الأخيرة، وبعض الصفحات تحمل تواريخ من عقود مضت، قبل أن يولد أورِن بزمن طويل. لم يقرأ أكثر من سطرين أو ثلاثة قبل أن يشعر أن هذا يحتاج وقتًا لا يملكه الآن، فأغلقه بحذر، ووعد نفسه أن يعود إليه لاحقًا بتمهل.

 

 

كان بداخله دفتر آخر، أقدم من دفتره هو، بغلاف جلدي متشقق عند الحواف، وبضع عملات قديمة لم تعد متداولة، وقطعة قماش ملفوفة حول شيء صغير لم يفتحه بعد، وورقة مطوية بعناية أكبر من بقية الأشياء.

أمسك القطعة الملفوفة بالقماش أخيرًا، وفكّ العقدة الصغيرة. كانت قطعة معدنية صغيرة، مستديرة، بحجم عملة كبيرة تقريبًا، منقوش عليها رمز بسيط لم يستطع تمييزه بوضوح في ضوء الغرفة الخافت، شكل يشبه دائرة داخل دائرة، أو ربما عينًا، لم يكن متأكدًا. لم تحمل القطعة أي كتابة توضح ما هي، ولا أي إشارة في الدفتر بجانبها تفسرها.

 

 

 

“ما هذا؟” سألت مارِن، ومدّت يدها لتأخذها منه، تقلّبها بين أصابعها.

 

 

 

“لا أعرف. ربما زر قديم، أو شيء تذكاري.”

“ألا تفكر أبدًا في الرحيل من هنا؟” سألته بعد قليل، بنبرة أخف، وكأنها تسأل عن شيء عابر.

 

“يبدو مضيعة للمال.”

“إنه ثقيل أكثر من اللازم ليكون زرًا.” أعادته إليه، وعادت تتفحص الدفتر بدلاً منه. “ربما ستجد جوابًا إن قرأت كل هذا.”

 

 

مرّت الأيام التالية بلا شيء يستحق الذكر، وهذا بالضبط ما جعلها تستقر في ذهن أورِن أكثر مما توقع. كان يستيقظ، يذهب إلى الأرشيف، يعمل بين الرفوف والسجلات، يعود، يتحدث مع مارِن عن أشياء صغيرة، وينام. لم يفكر في الوثيقة كل ساعة كما توقع أن يفعل في الليلة التي تلت اكتشافه للرمز؛ كان السؤال يظهر أحيانًا في منتصف عمل روتيني، ثم ينسحب من تلقاء نفسه حين يقاطعه صوت مارتن يسأله عن ختم، أو صوت زبون يتحدث في الخارج.

وضع القطعة جانبًا على الطاولة، بجانب الخريطة، ونظر إليهما معًا للحظة، دون أن يشعر بإلحاح خاص لفهمهما الآن. كان الجد رجلاً هادئًا في سنواته الأخيرة، لم يتحدث كثيرًا عن ماضيه، وأورِن لم يسأل يومًا بإلحاح كافٍ ليعرف أكثر، وهذا شيء بدأ يشعر بثقله الآن أكثر مما شعر به من قبل.

 

 

فتح الدفتر القديم، وقلّب صفحاته الأولى. كانت الكتابة أصغر وأكثر إحكامًا من كتابة جده التي تذكرها في سنواته الأخيرة، وبعض الصفحات تحمل تواريخ من عقود مضت، قبل أن يولد أورِن بزمن طويل. لم يقرأ أكثر من سطرين أو ثلاثة قبل أن يشعر أن هذا يحتاج وقتًا لا يملكه الآن، فأغلقه بحذر، ووعد نفسه أن يعود إليه لاحقًا بتمهل.

تذكّر، بينما يعيد الدفتر إلى الصندوق برفق، جملة قالها له جده مرة، منذ سنوات، حين كان لا يزال صبيًا يساعده في ترتيب هذا الصندوق نفسه بعد انتقالهم إلى هذا البيت.

عرف الصندوق فور رؤيته؛ صندوق جده، ذاك الذي وضعه بنفسه في غرفة التخزين بعد وفاته، ولم يفتحه منذ ذلك الحين. جلس أمامه على الأرض، ومدّ يده إلى القفل الصغير الصدئ، ففُتح بسهولة أكبر مما توقع.

 

“تقريبًا. وضع سجلين في مكان خطأ، ولن يلاحظ أحد قبل عشر سنوات على الأقل.”

“حين تترك القرية يومًا، خذ هذا معك،” كان قد قال، بصوت عادي تمامًا، وكأنه يتحدث عن أداة زراعية لا شيء أكثر من ذلك. لم يسأله أورِن حينها لماذا، ظانًا أن الأمر مجرد كلام عابر من رجل عجوز يحب أن يمنح أشيائه معنى إضافيًا، وجده لم يشرح أكثر، بل عاد إلى ترتيب الرف الذي كان يعمل عليه.

 

 

 

لم يفكر في تلك الجملة كثيرًا طوال السنوات التالية، ولم يخطر له أن يتركوا القرية يومًا بأي شكل جدي. لكنه الآن، وهو يغلق الصندوق ببطء، وجد الجملة تعود إليه بوضوح غريب، لا لأنها بدت له فجأة نبوءة أو إشارة إلى شيء أكبر، بل لأنها ذكّرته أن جده كان يحمل تاريخًا كاملاً لم يشاركه معه، وأن هذا التاريخ، مهما كان بسيطًا، انتهى الآن إلى صندوق خشبي صغير في غرفة تخزين.

“حين تترك القرية يومًا، خذ هذا معك،” كان قد قال، بصوت عادي تمامًا، وكأنه يتحدث عن أداة زراعية لا شيء أكثر من ذلك. لم يسأله أورِن حينها لماذا، ظانًا أن الأمر مجرد كلام عابر من رجل عجوز يحب أن يمنح أشيائه معنى إضافيًا، وجده لم يشرح أكثر، بل عاد إلى ترتيب الرف الذي كان يعمل عليه.

 

هزّت رأسها موافقة، وكأن هذا بالضبط ما توقعت أن يقوله. “أنا أيضًا لا أعرف. لكنني أحب أن أفكر فيه أحيانًا، حتى لو لم يحدث أبدًا.”

في اليوم التالي، وبينما كان يعبر الساحة القديمة في طريقه إلى السوق، توقف قليلاً بجانب رجل عجوز يجلس كعادته على مصطبة قريبة من تمثال ألدين، يراقب المارة بصمت أغلب الوقت. كان أورِن قد رآه هناك مرات كثيرة دون أن يتحدث معه فعليًا، لكنه هذه المرة حيّاه، فردّ العجوز التحية بإيماءة، ثم أشار برأسه نحو التمثال.

“هل كان الجد يسافر كثيرًا؟” سألت مارِن وهي تجلس بجانبه، تتفحص العملات القديمة بفضول.

 

“تقريبًا. وضع سجلين في مكان خطأ، ولن يلاحظ أحد قبل عشر سنوات على الأقل.”

“كنت أنظر إليه قبل قليل. تعرف، حين كنت صغيرًا كانوا يسمّونه أورين، لا ألدين.”

 

 

 

توقف أورِن للحظة عند سماع الاسم القريب جدًا من اسمه هو، لكنه لم يعلّق على ذلك، واكتفى بسؤال: “لماذا تغيّر الاسم؟”

 

 

“لم أفهم كل شيء، بصراحة. قالت شيئًا عن عروض تُقام في ساحات مغطاة، بأضواء ملونة، والناس يدفعون فقط ليجلسوا ويشاهدوا.” هزّت رأسها بإعجاب صادق لم تحاول إخفاءه. “لا أستطيع تخيل ذلك. أن يدفع أحدهم المال فقط ليجلس ويشاهد شيئًا.”

هزّ العجوز كتفيه ببطء. “لا أعرف، صراحة. ذات يوم صار الجميع يقولون ألدين، وتوقف الناس عن قول الاسم الآخر. ربما أخطأ أحدهم في مكان ما، وتبع الجميع الخطأ. هذه أشياء تحدث.” ابتسم ابتسامة خفيفة، أقرب إلى تسلية شخصية من كونها اهتمامًا حقيقيًا بالموضوع، ثم عاد بنظره إلى المارة.

هزّ العجوز كتفيه ببطء. “لا أعرف، صراحة. ذات يوم صار الجميع يقولون ألدين، وتوقف الناس عن قول الاسم الآخر. ربما أخطأ أحدهم في مكان ما، وتبع الجميع الخطأ. هذه أشياء تحدث.” ابتسم ابتسامة خفيفة، أقرب إلى تسلية شخصية من كونها اهتمامًا حقيقيًا بالموضوع، ثم عاد بنظره إلى المارة.

 

أمسك القطعة الملفوفة بالقماش أخيرًا، وفكّ العقدة الصغيرة. كانت قطعة معدنية صغيرة، مستديرة، بحجم عملة كبيرة تقريبًا، منقوش عليها رمز بسيط لم يستطع تمييزه بوضوح في ضوء الغرفة الخافت، شكل يشبه دائرة داخل دائرة، أو ربما عينًا، لم يكن متأكدًا. لم تحمل القطعة أي كتابة توضح ما هي، ولا أي إشارة في الدفتر بجانبها تفسرها.

لم يسأل أورِن أكثر من ذلك؛ تابع طريقه إلى السوق، والاسم يبقى في ذهنه لحظة أو اثنتين قبل أن يزيحه حديث بائع عن سعر البيض.

 

 

 

عاد إلى البيت مساءً، والصندوق لا يزال مفتوحًا جزئيًا على الطاولة حيث تركه، والقطعة المعدنية بجانبه تحت ضوء المصباح. جلست مارِن تحيك شيئًا آخر بجانبه، وسألته دون أن ترفع عينيها عن الخيط إن كان قد قرر شيئًا بخصوص الدفتر القديم.

ابتسم، ولم يعلّق. كان يعرف هذا الجانب فيها منذ سنوات، ذلك الفضول تجاه أماكن لم ترها، أماكن كبيرة بما يكفي لتحتوي أشياء لا معنى لها في قرية بحجم قريتهما. لم يكن يظن أن هذا الفضول سيتحول يومًا إلى قرار فعلي، ولم تكن هي نفسها تتحدث عنه بهذه الطريقة؛ كان أقرب إلى حلم تحبّ أن تتحدث عنه أحيانًا، لا خطة تنتظر تنفيذها.

 

 

“ليس الليلة،” قال. “ربما في عطلة الأسبوع القادم.”

 

 

 

 

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط