رائحة الخبز والدخان
كانت رائحة المخيم الخلفي مختلفة عن رائحة الجبهة. لم يلحظ أورِن هذا الفرق إلا حين نزل من العربة وامتلأت رئتاه بهواء لا يحمل دخانًا ولا غبار معارك. كانت هناك رائحة خبز من مكان ما، ورائحة حطب محترق بهدوء، ورائحة حيوانات في حظائر مؤقتة أقيمت على أطراف المخيم.
المكان لم يكن هادئًا تمامًا، لكنه هادئ بما يكفي ليشعر أورِن أن جسده يمكن أن يرتاح قليلًا. خيام كثيرة مصفوفة في صفوف منتظمة، ومبانٍ خشبية بسيطة أقيمت حديثًا، وجنود يتحركون بين الوحدات بخطى لا تحمل استعجال القتال. عربات تدخل وتخرج من البوابة الرئيسية، بعضها محمّل بالمؤن، وبعضها يحمل مجندين جددًا بوجوه لم تتعرف بعد على معنى الحرب.
“هل يمكن للمجند أن يزور منطقته خلال أسبوع الراحة؟”
مشى أورِن إلى جانب دارِن وسيلِن، والثلاثة يحملون حقائبهم دون أن يتحدثوا كثيرًا. كان التعب واضحًا في أكتافهم، لكنه تعب مختلف عن ذلك الذي يخلفه القتال. كان أشبه بتعب رحلة طويلة أوشكت على الانتهاء.
“منذ قليل.”
“أورِن؟”
توقف أمامهم رجل يرتدي زي المسؤولين، يحمل لوحًا خشبيًا مثبتًا عليه أوراق، ونظر إلى الأسماء المكتوبة أمامه ثم إليهم.
“من الآن فصاعدًا ستعرفون كيف يسير الأمر. أسبوع في الخدمة، ثم أسبوع راحة هنا في المخيم الخلفي، ثم أسبوع تدريب. بعدها تعودون إلى وحداتكم ويبدأ الأمر من جديد.”
“كان هادئًا،” قال دارِن وهو ينظر إلى الطريق من فتحة العربة. “لم يتحدث كثيرًا، لكنه كان يعرف كيف يستمع.”
“دفعتكم؟” سأل دون مقدمات.
ذكر أورِن رقم الدفعة، فأومأ الرجل برأسه وأشار لهم أن يتبعوه إلى ساحة صغيرة حيث بدأ مجندون آخرون بالتجمع، معظمهم من الوجوه التي عرفها أورِن خلال الأسبوع الماضي. كايل كان هناك، يميل على عصا كان يستخدمها للمزاح أكثر من الحاجة إليها، ورافل بجانبه يتحدث بصوت منخفض مع مجند آخر.
“أورِن؟” قالت بصوت يخرج بصعوبة. “متى وصلت؟”
حين اكتمل العدد تقريبًا، وقف المسؤول أمامهم وبدأ الكلام دون تمهيد طويل.
“أورِن؟”
“من الآن فصاعدًا ستعرفون كيف يسير الأمر. أسبوع في الخدمة، ثم أسبوع راحة هنا في المخيم الخلفي، ثم أسبوع تدريب. بعدها تعودون إلى وحداتكم ويبدأ الأمر من جديد.”
القرية كانت كما هي. البيت كان كما هو. مارِن كانت هي نفسها، بضحكتها وقلقها وأسئلتها السريعة.
افترق عن دارِن وسيلِن عند مفترق الطرق الذي يقود إلى بيوتهم. صافحهما بحرارة أقل مما يليق بمن قضوا أسبوعًا خطيرًا معًا، لكنها كانت كافية بينهم.
توقف قليلًا، كأنه يعطي الكلام وقتًا ليستقر في رؤوسهم، ثم أضاف: “هذا لا يعني أن كل أسبوع سيكون بهذا الترتيب بالضبط. أحيانًا تتغير الحاجة في الجبهة وتُمدَّد فترة الخدمة أو تُقصَّر فترة الراحة. لكن هذا هو الأساس الذي يعمل عليه الجيش.”
رفع أحد المجندين يده، شاب لم يكن أورِن يعرف اسمه، وسأل بصوت فيه شيء من التذمر: “ولماذا لا نبقى في الجبهة طوال الوقت؟ أليس هذا أسرع لإنهاء الحرب؟”
“لا،” قال أورِن. “لم يكن يتحدث كثيرًا.”
مدّت يدها ولمست ذراعه، كأنها تتأكد أنه حقيقي وليس خيالًا صنعه اشتياقها. ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، وبدأت الكلمات تخرج منها بسرعة، عن كم اشتاقت، وعن آخر رسالة وصلتها منه، وعن كم كانت قلقة رغم أنها حاولت ألا تظهر ذلك.
نظر إليه المسؤول بنظرة من اعتاد هذا السؤال كثيرًا. “لأن جنديًا منهكًا لا يفيد أحدًا. أنتم مجندون جدد، أجسادكم وأعصابكم تحتاج وقتًا لتتحمل ما ترونه هناك. من يُترك في الجبهة دون راحة كافية، إما ينهار أو يرتكب خطأ يكلفه حياته أو حياة من حوله. الراحة والتدريب ليسا رفاهية، هما جزء من الخدمة نفسها.”
“إنه جميل،” قالت وهي تضمه إلى صدرها للحظة قبل أن تضعه جانبًا بحذر. “شكرًا لك.”
استمر المسؤول في شرح تفاصيل أخرى، عن مواعيد الوجبات في المخيم، وعن أماكن التدريب، وعن الأشياء الممنوعة داخل حدود المخيم الخلفي. لكن أورِن كان قد بدأ يفكر في شيء آخر، فرفع يده حين انتهى المسؤول من كلامه.
بدا الجواب كافيًا للمجند، فأنزل يده دون أن يعقّب.
لم يفكر في هذا بكلمات واضحة، فقط شعر به وهو يجلس هناك، ينتظر النوم الذي يعده بأسبوع كامل من الراحة، قبل أن يعود من جديد إلى حيث لا مكان فيه للراحة.
“إنه جميل،” قالت وهي تضمه إلى صدرها للحظة قبل أن تضعه جانبًا بحذر. “شكرًا لك.”
استمر المسؤول في شرح تفاصيل أخرى، عن مواعيد الوجبات في المخيم، وعن أماكن التدريب، وعن الأشياء الممنوعة داخل حدود المخيم الخلفي. لكن أورِن كان قد بدأ يفكر في شيء آخر، فرفع يده حين انتهى المسؤول من كلامه.
“دفعتكم؟” سأل دون مقدمات.
“هل يمكن للمجند أن يزور منطقته خلال أسبوع الراحة؟”
“هل يمكن للمجند أن يزور منطقته خلال أسبوع الراحة؟”
نظر إليه المسؤول للحظة، ثم أجاب بنبرة عملية لا تحمل تعجبًا: “هناك رحلات منظمة إلى المناطق الخلفية، نعم. لكن لكل مجند رحلة شخصية واحدة كل ثلاثة أشهر. ليس بإمكانكم الذهاب والعودة كيفما شئتم، هناك جدول وأماكن محددة ومواعيد يجب الالتزام بها. من يفوّت موعد عودته يُعتبر متغيبًا عن الخدمة.”
بدا الجواب كافيًا للمجند، فأنزل يده دون أن يعقّب.
أومأ أورِن برأسه، وشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء بسيط لم يكن يتوقعه بهذا الوضوح. لم يكن يعرف أن هذا ممكن أصلًا، وها هو الآن يعرف أن أمامه فرصة، فرصة واحدة كل ثلاثة أشهر، لكنها فرصة حقيقية.
بعد انتهاء التجمع، مشى الثلاثة بعيدًا عن الساحة، باحثين عن مكان يجلسون فيه. لم يستغرق أورِن وقتًا طويلاً في التفكير. كان قد رأى الموت منذ أسبوع واحد فقط، رأى توفِن يسقط أمامه ولا ينهض. وكان يعرف أن مارِن وحدها هناك، في القرية، تعمل وتنتظر رسائله. آخر رسالة منها كانت لا تزال مطوية في حقيبته.
نظر إليه المسؤول بنظرة من اعتاد هذا السؤال كثيرًا. “لأن جنديًا منهكًا لا يفيد أحدًا. أنتم مجندون جدد، أجسادكم وأعصابكم تحتاج وقتًا لتتحمل ما ترونه هناك. من يُترك في الجبهة دون راحة كافية، إما ينهار أو يرتكب خطأ يكلفه حياته أو حياة من حوله. الراحة والتدريب ليسا رفاهية، هما جزء من الخدمة نفسها.”
مدّت يدها ولمست ذراعه، كأنها تتأكد أنه حقيقي وليس خيالًا صنعه اشتياقها. ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، وبدأت الكلمات تخرج منها بسرعة، عن كم اشتاقت، وعن آخر رسالة وصلتها منه، وعن كم كانت قلقة رغم أنها حاولت ألا تظهر ذلك.
“سأذهب،” قال بصوت هادئ وهو ينظر إلى دارِن وسيلِن. “سأستخدم رحلتي هذه المرة.”
أخذت مارِن القماش بين يديها وتحسسته بأصابعها، ونظرت إليه بعينين لمعتا فجأة. لم تسأله لماذا اختار هذا بالذات، لم تكن بحاجة لذلك. عرفت من نفسها أنه تذكرها وهو في طريق التجنيد ، تذكر حلمها الذي لطالما تحدثت عنه، أن تصبح خياطة يومًا ما، أن تعمل بيديها على أقمشة جميلة.
لم يكن قراره نابعًا من انهيار أو ضعف مفاجئ. كان أبسط من ذلك. أراد أن يراها بعينيه، أن يتأكد أنها بخير، أن يطمئن قلبه الذي ظل معلقًا طوال الأسبوع الماضي.
“سأذهب،” قال بصوت هادئ وهو ينظر إلى دارِن وسيلِن. “سأستخدم رحلتي هذه المرة.”
نظر إلى دارِن. “هل تريد أن تأتي؟”
فكّر دارِن قليلًا وهو يحرك أصابعه كمن يتذكر شيئًا ملموسًا بين يديه. “أبي وحده في الورشة. لا أعرف إن كان قد وجد من يساعده بعدي. وهناك أدوات تركتها في مكانها، أريد أن أرى إن كانت لا تزال هناك.” ابتسم بخفة. “نعم، سآتي.”
التفت أورِن إلى سيلِن، الذي كان صامتًا يفكر.
لم يقاطعها أورِن. وقف يستمع إليها، وشعر أن جزءًا كبيرًا من الثقل الذي حمله طوال الأسبوع الماضي بدأ يخف قليلًا.
“عائلتي،” قال أخيرًا. “وأرضنا. تركتها قبل موسم الزرع، أريد أن أعرف كيف سارت الأمور. ولديّ فكرة كنت أفكر فيها منذ زمن، عن الأرض، عن طريقة جديدة لزراعتها. أريد أن أتحدث عنها مع أبي.” صمت لحظة ثم أضاف: “سآتي أيضًا.”
استمر المسؤول في شرح تفاصيل أخرى، عن مواعيد الوجبات في المخيم، وعن أماكن التدريب، وعن الأشياء الممنوعة داخل حدود المخيم الخلفي. لكن أورِن كان قد بدأ يفكر في شيء آخر، فرفع يده حين انتهى المسؤول من كلامه.
لم يقل أحد منهم إنهم سيذهبون معًا لأنهم أصدقاء. لم تكن هناك حاجة لقول ذلك. كانوا رفاق حرب، تشاركوا أسبوعًا صعبًا، وكل واحد منهم لديه سبب خاص للعودة، لكنهم وجدوا أنفسهم يسيرون في الاتجاه نفسه.
المكان لم يكن هادئًا تمامًا، لكنه هادئ بما يكفي ليشعر أورِن أن جسده يمكن أن يرتاح قليلًا. خيام كثيرة مصفوفة في صفوف منتظمة، ومبانٍ خشبية بسيطة أقيمت حديثًا، وجنود يتحركون بين الوحدات بخطى لا تحمل استعجال القتال. عربات تدخل وتخرج من البوابة الرئيسية، بعضها محمّل بالمؤن، وبعضها يحمل مجندين جددًا بوجوه لم تتعرف بعد على معنى الحرب.
كانت الرحلة هذه المرة أسرع من رحلة التجنيد الأولى. العربة العسكرية التي أقلّتهم كانت أخف وأكثر كفاءة، والخيول التي جُلبت من العاصمة معتادة على قطع مسافات طويلة دون أن تتعب بسرعة. استغرقت الرحلة يومين تقريبًا ويزيد عليهما جزء من يوم، بدل الأيام الثلاثة التي استغرقتها المرة الأولى.
وقف عند الباب للحظة، ينظر إليها قبل أن تلاحظ وجوده.
لم يكن هناك سحر في الفرق، فقط وسيلة نقل أفضل وطريق أكثر تنظيمًا، ومساران واضحان لم يحتاجا فيهما إلى الانتظار أو الالتفاف كما حدث في رحلة التجنيد.
جلس الثلاثة في العربة، وتحدثوا قليلًا عن كايل ورافل وعن اليوم الذي قابلوهما فيه لأول مرة، ثم انتقل الحديث دون قصد إلى توفِن.
استمر المسؤول في شرح تفاصيل أخرى، عن مواعيد الوجبات في المخيم، وعن أماكن التدريب، وعن الأشياء الممنوعة داخل حدود المخيم الخلفي. لكن أورِن كان قد بدأ يفكر في شيء آخر، فرفع يده حين انتهى المسؤول من كلامه.
التفت أورِن إلى سيلِن، الذي كان صامتًا يفكر.
“كان هادئًا،” قال دارِن وهو ينظر إلى الطريق من فتحة العربة. “لم يتحدث كثيرًا، لكنه كان يعرف كيف يستمع.”
لم يقل أورِن شيئًا لبرهة، ثم أضاف: “نعم. كان كذلك.”
وقف عند الباب للحظة، ينظر إليها قبل أن تلاحظ وجوده.
“دفعتكم؟” سأل دون مقدمات.
لم يطل الحديث عن توفِن. لم يكن أحد منهم يريد أن يثقل الرحلة بحزن لا يمكن حمله طوال الطريق. انتقل الكلام بعد قليل إلى ما ينوي كل واحد منهم فعله في أسبوع الراحة، الأكل الذي يشتاقون إليه، الأسِرّة التي يريدون النوم فيها لساعات طويلة دون أن يوقظهم أحد.
مدّت يدها عبر الطاولة ووضعتها فوق يده للحظة، دون كلمات، ثم سحبتها وعادت تتحدث عن شيء آخر، عن جارة أخرى، عن قطة تعيش في السوق وأصبحت مشهورة بين الأطفال.
راقب أورِن الطريق من فتحة العربة. في رحلته الأولى، حين كان متجهًا إلى التجنيد، كانت عيناه تلتقطان كل شيء بفضول من يرى العالم للمرة الأولى: الطرق، القرى الصغيرة، الأسواق العابرة، وجوه الناس. الآن كان ينظر إلى الأشياء نفسها بطريقة مختلفة، بعين شخص عاش أسبوعًا في الجبهة ورأى ما يمكن أن يحدث حين لا تكون هذه القرى الهادئة موجودة بعد. لم يقل هذا لأحد، لكنه لاحظه في نفسه، تلك النظرة التي تغيرت دون أن يشعر بها وهي تتغير.
نظر إليه المسؤول للحظة، ثم أجاب بنبرة عملية لا تحمل تعجبًا: “هناك رحلات منظمة إلى المناطق الخلفية، نعم. لكن لكل مجند رحلة شخصية واحدة كل ثلاثة أشهر. ليس بإمكانكم الذهاب والعودة كيفما شئتم، هناك جدول وأماكن محددة ومواعيد يجب الالتزام بها. من يفوّت موعد عودته يُعتبر متغيبًا عن الخدمة.”
حين وصلت العربة إلى مشارف القرية، لم يكن هناك شيء تغيّر فيها. كان المخبز يفوح منه الدخان المعتاد، والسوق يعج بالأصوات نفسها، وأطفال يركضون بين الأزقة، وعمال يحملون أكياسهم إلى بيوتهم. كل شيء كان في مكانه تمامًا كما تركه أورِن.
“أورِن؟” قالت بصوت يخرج بصعوبة. “متى وصلت؟”
أومأ أورِن برأسه، وشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء بسيط لم يكن يتوقعه بهذا الوضوح. لم يكن يعرف أن هذا ممكن أصلًا، وها هو الآن يعرف أن أمامه فرصة، فرصة واحدة كل ثلاثة أشهر، لكنها فرصة حقيقية.
لكنه شعر أن شيئًا فيه هو الذي تغيّر. لم يكن تغييرًا كبيرًا يمكن وصفه بكلمة واحدة، بل انتباه جديد لأشياء كان يمر بجانبها دون أن يلاحظها من قبل: صوت الطرقات على الأبواب الخشبية، رائحة الخبز الطازج، الطريقة التي يبتسم بها التجار للزبائن.
مرّ بالقرب من تمثال ألدين القديم في وسط الساحة، كما فعل مئات المرات في طفولته، ولم يتوقف عنده هذه المرة، فقط نظر إليه للحظة وهو يمر، كجزء طبيعي من طريق يعرفه جيدًا.
لم يقل أورِن شيئًا لبرهة، ثم أضاف: “نعم. كان كذلك.”
افترق عن دارِن وسيلِن عند مفترق الطرق الذي يقود إلى بيوتهم. صافحهما بحرارة أقل مما يليق بمن قضوا أسبوعًا خطيرًا معًا، لكنها كانت كافية بينهم.
التفت أورِن إلى سيلِن، الذي كان صامتًا يفكر.
“أراكما لاحقا بعد يومان ،” قال أورِن.
تذكّر فجأة الحقيبة التي يحملها، ففتحها وأخرج منها قطعة قماش مطوية بعناية، لونها هادئ وملمسها ناعم، من النوع الذي يصعب إيجاده في أسواق القرية الصغيرة.
لم يقل أورِن شيئًا لبرهة، ثم أضاف: “نعم. كان كذلك.”
أومأ دارِن وابتعد باتجاه ورشة الحدادة، وشاهده أورِن يسرع خطواته كلما اقترب من المكان. أما سيلِن فمشى في الاتجاه الآخر، نحو الحقول التي عرفها منذ صغره.
لم يقل أحد منهم إنهم سيذهبون معًا لأنهم أصدقاء. لم تكن هناك حاجة لقول ذلك. كانوا رفاق حرب، تشاركوا أسبوعًا صعبًا، وكل واحد منهم لديه سبب خاص للعودة، لكنهم وجدوا أنفسهم يسيرون في الاتجاه نفسه.
ساد صمت قصير بينهما. وضعت مارِن يدها على فمها للحظة، وعيناها اتسعتا قليلًا.
لم يخبر أورِن مارِن بموعد عودته. أراد أن يفاجئها، أن يرى وجهها في اللحظة الأولى قبل أن تستعد لأي شيء.
مشى نحو البيت، وقلبه يتسارع أكثر مما توقع. دفع الباب الخشبي ببطء، فوجد الحوش فارغًا إلا من صوت خافت يأتي من الداخل، صوت مارِن وهي تتحدث إلى نفسها أثناء طي بعض الأقمشة.
نظر إليه المسؤول للحظة، ثم أجاب بنبرة عملية لا تحمل تعجبًا: “هناك رحلات منظمة إلى المناطق الخلفية، نعم. لكن لكل مجند رحلة شخصية واحدة كل ثلاثة أشهر. ليس بإمكانكم الذهاب والعودة كيفما شئتم، هناك جدول وأماكن محددة ومواعيد يجب الالتزام بها. من يفوّت موعد عودته يُعتبر متغيبًا عن الخدمة.”
توقف أمامهم رجل يرتدي زي المسؤولين، يحمل لوحًا خشبيًا مثبتًا عليه أوراق، ونظر إلى الأسماء المكتوبة أمامه ثم إليهم.
وقف عند الباب للحظة، ينظر إليها قبل أن تلاحظ وجوده.
راقب أورِن الطريق من فتحة العربة. في رحلته الأولى، حين كان متجهًا إلى التجنيد، كانت عيناه تلتقطان كل شيء بفضول من يرى العالم للمرة الأولى: الطرق، القرى الصغيرة، الأسواق العابرة، وجوه الناس. الآن كان ينظر إلى الأشياء نفسها بطريقة مختلفة، بعين شخص عاش أسبوعًا في الجبهة ورأى ما يمكن أن يحدث حين لا تكون هذه القرى الهادئة موجودة بعد. لم يقل هذا لأحد، لكنه لاحظه في نفسه، تلك النظرة التي تغيرت دون أن يشعر بها وهي تتغير.
“أراكما لاحقا بعد يومان ،” قال أورِن.
رفعت مارِن رأسها فجأة، كأنها أحسّت بشيء، ثم رأته.
أخذت مارِن القماش بين يديها وتحسسته بأصابعها، ونظرت إليه بعينين لمعتا فجأة. لم تسأله لماذا اختار هذا بالذات، لم تكن بحاجة لذلك. عرفت من نفسها أنه تذكرها وهو في طريق التجنيد ، تذكر حلمها الذي لطالما تحدثت عنه، أن تصبح خياطة يومًا ما، أن تعمل بيديها على أقمشة جميلة.
مدّت يدها عبر الطاولة ووضعتها فوق يده للحظة، دون كلمات، ثم سحبتها وعادت تتحدث عن شيء آخر، عن جارة أخرى، عن قطة تعيش في السوق وأصبحت مشهورة بين الأطفال.
توقفت يداها في الهواء، والقماش الذي كانت تطويه سقط من بين أصابعها دون أن تلتفت إليه. نظرت إليه للحظة وكأنها لا تصدق، ثم اقتربت خطوة، ثم أخرى، حتى وقفت أمامه مباشرة.
“أورِن؟” قالت بصوت يخرج بصعوبة. “متى وصلت؟”
سألته بدورها عن دارِن وسيلِن، فأخبرها بما يكفي، عن كايل ورافل، عن الأيام الأولى في المعسكر، عن الطريق الطويل الذي قطعوه.
“منذ قليل.”
كانت الرحلة هذه المرة أسرع من رحلة التجنيد الأولى. العربة العسكرية التي أقلّتهم كانت أخف وأكثر كفاءة، والخيول التي جُلبت من العاصمة معتادة على قطع مسافات طويلة دون أن تتعب بسرعة. استغرقت الرحلة يومين تقريبًا ويزيد عليهما جزء من يوم، بدل الأيام الثلاثة التي استغرقتها المرة الأولى.
مدّت يدها ولمست ذراعه، كأنها تتأكد أنه حقيقي وليس خيالًا صنعه اشتياقها. ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، وبدأت الكلمات تخرج منها بسرعة، عن كم اشتاقت، وعن آخر رسالة وصلتها منه، وعن كم كانت قلقة رغم أنها حاولت ألا تظهر ذلك.
لم يقاطعها أورِن. وقف يستمع إليها، وشعر أن جزءًا كبيرًا من الثقل الذي حمله طوال الأسبوع الماضي بدأ يخف قليلًا.
بعد قليل، سألته وهي تنظر إليه مباشرة: “هل كانت الحرب كما توقعتها؟”
لم يقاطعها أورِن. وقف يستمع إليها، وشعر أن جزءًا كبيرًا من الثقل الذي حمله طوال الأسبوع الماضي بدأ يخف قليلًا.
“سأذهب،” قال بصوت هادئ وهو ينظر إلى دارِن وسيلِن. “سأستخدم رحلتي هذه المرة.”
تذكّر فجأة الحقيبة التي يحملها، ففتحها وأخرج منها قطعة قماش مطوية بعناية، لونها هادئ وملمسها ناعم، من النوع الذي يصعب إيجاده في أسواق القرية الصغيرة.
لم يضف تفاصيل أكثر. لم تطلب مارِن ذلك. جلسا للحظة في صمت، يحمل كل منهما جزءًا من الحزن على طريقته، ثم عادت مارِن تدريجيًا إلى الحديث عن أشياء أخرى، وكأنها تريد أن تمنح كليهما مساحة للتنفس بعيدًا عن الثقل الذي جلبته الكلمة.
توقف أمامهم رجل يرتدي زي المسؤولين، يحمل لوحًا خشبيًا مثبتًا عليه أوراق، ونظر إلى الأسماء المكتوبة أمامه ثم إليهم.
“رأيت هذا في السوق،” قال ببساطة وهو يمدها إليها.
أخذت مارِن القماش بين يديها وتحسسته بأصابعها، ونظرت إليه بعينين لمعتا فجأة. لم تسأله لماذا اختار هذا بالذات، لم تكن بحاجة لذلك. عرفت من نفسها أنه تذكرها وهو في طريق التجنيد ، تذكر حلمها الذي لطالما تحدثت عنه، أن تصبح خياطة يومًا ما، أن تعمل بيديها على أقمشة جميلة.
“إنه جميل،” قالت وهي تضمه إلى صدرها للحظة قبل أن تضعه جانبًا بحذر. “شكرًا لك.”
لم يقاطعها أورِن. وقف يستمع إليها، وشعر أن جزءًا كبيرًا من الثقل الذي حمله طوال الأسبوع الماضي بدأ يخف قليلًا.
جلسا معًا في وقت لاحق، حول طاولة صغيرة حمّلتها مارِن بما استطاعت إعداده بسرعة: خبز طازج، وبعض الجبن، وطبق من الخضار المطبوخة بقليل من الزيت. لم يكن الأمر وليمة، لكنه بدا لأورِن أشهى مما أكله طوال الأسبوع الماضي مجتمعًا.
“أراكما لاحقا بعد يومان ،” قال أورِن.
تحدثت مارِن عن القرية، عن جارة تشاجرت مع زوجها بصوت سمعه نصف الحي، وعن تاجر جديد فتح دكانًا صغيرًا يبيع فيه أدوات غريبة جلبها من مدينة بعيدة. ضحك أورِن حين حكت له كيف حاول أحد الأطفال سرقة تفاحة من عربة أحد الباعة فسقط في بركة ماء أمام الجميع.
“أورِن؟”
بعد انتهاء التجمع، مشى الثلاثة بعيدًا عن الساحة، باحثين عن مكان يجلسون فيه. لم يستغرق أورِن وقتًا طويلاً في التفكير. كان قد رأى الموت منذ أسبوع واحد فقط، رأى توفِن يسقط أمامه ولا ينهض. وكان يعرف أن مارِن وحدها هناك، في القرية، تعمل وتنتظر رسائله. آخر رسالة منها كانت لا تزال مطوية في حقيبته.
سألته عن عملها، عن المال الذي بدأت تجمعه من الخياطة الصغيرة التي تقوم بها لبعض نساء القرية. “لست بعيدة عن حلمي كما كنت أظن،” قالت بثقة هادئة. “ربما بعد سنة أو سنتين أستطيع الذهاب إلى العاصمة والعمل هناك بشكل حقيقي.”
المكان لم يكن هادئًا تمامًا، لكنه هادئ بما يكفي ليشعر أورِن أن جسده يمكن أن يرتاح قليلًا. خيام كثيرة مصفوفة في صفوف منتظمة، ومبانٍ خشبية بسيطة أقيمت حديثًا، وجنود يتحركون بين الوحدات بخطى لا تحمل استعجال القتال. عربات تدخل وتخرج من البوابة الرئيسية، بعضها محمّل بالمؤن، وبعضها يحمل مجندين جددًا بوجوه لم تتعرف بعد على معنى الحرب.
“عائلتي،” قال أخيرًا. “وأرضنا. تركتها قبل موسم الزرع، أريد أن أعرف كيف سارت الأمور. ولديّ فكرة كنت أفكر فيها منذ زمن، عن الأرض، عن طريقة جديدة لزراعتها. أريد أن أتحدث عنها مع أبي.” صمت لحظة ثم أضاف: “سآتي أيضًا.”
سألته بدورها عن دارِن وسيلِن، فأخبرها بما يكفي، عن كايل ورافل، عن الأيام الأولى في المعسكر، عن الطريق الطويل الذي قطعوه.
“مات؟” كررت الكلمة وكأنها تحتاج أن تسمعها مرة أخرى لتصدقها. ثم قالت بصوت أهدأ: “كان دائمًا يمر أمام بيتنا صباحًا وهو يحمل دلو الحليب. أتذكر أنه كان يوقف حماره أمام الباب أحيانًا ويعطيني تفاحة من دون سبب.” ابتسمت ابتسامة حزينة صغيرة. “لم يكن يتحدث كثيرًا.”
ثم توقفت لحظة، وكأنها تتذكر شيئًا، وقالت: “بالمناسبة… هل رأيت توفِن هناك؟ لم أسمع أخباره منذ زمن.”
جلسا معًا في وقت لاحق، حول طاولة صغيرة حمّلتها مارِن بما استطاعت إعداده بسرعة: خبز طازج، وبعض الجبن، وطبق من الخضار المطبوخة بقليل من الزيت. لم يكن الأمر وليمة، لكنه بدا لأورِن أشهى مما أكله طوال الأسبوع الماضي مجتمعًا.
شعر أورِن بشيء يثقل في صدره فجأة. تذكر أن توفِن كان يسكن في المزارع المتاخمة للقرية، وكانت مارِن تعرفه كما يعرف الجيران بعضهم، وربما رأته أكثر من مرة في طفولتهما.
لاحظت مارِن التغيّر في وجهه قبل أن يجيب. توقفت عن الأكل ونظرت إليه بقلق.
“أورِن؟”
“مات،” قال بصوت منخفض. “أثناء إحدى المهام.”
سألته عن عملها، عن المال الذي بدأت تجمعه من الخياطة الصغيرة التي تقوم بها لبعض نساء القرية. “لست بعيدة عن حلمي كما كنت أظن،” قالت بثقة هادئة. “ربما بعد سنة أو سنتين أستطيع الذهاب إلى العاصمة والعمل هناك بشكل حقيقي.”
ساد صمت قصير بينهما. وضعت مارِن يدها على فمها للحظة، وعيناها اتسعتا قليلًا.
تذكّر فجأة الحقيبة التي يحملها، ففتحها وأخرج منها قطعة قماش مطوية بعناية، لونها هادئ وملمسها ناعم، من النوع الذي يصعب إيجاده في أسواق القرية الصغيرة.
“مات؟” كررت الكلمة وكأنها تحتاج أن تسمعها مرة أخرى لتصدقها. ثم قالت بصوت أهدأ: “كان دائمًا يمر أمام بيتنا صباحًا وهو يحمل دلو الحليب. أتذكر أنه كان يوقف حماره أمام الباب أحيانًا ويعطيني تفاحة من دون سبب.” ابتسمت ابتسامة حزينة صغيرة. “لم يكن يتحدث كثيرًا.”
“لا،” قال أورِن. “لم يكن يتحدث كثيرًا.”
لم يضف تفاصيل أكثر. لم تطلب مارِن ذلك. جلسا للحظة في صمت، يحمل كل منهما جزءًا من الحزن على طريقته، ثم عادت مارِن تدريجيًا إلى الحديث عن أشياء أخرى، وكأنها تريد أن تمنح كليهما مساحة للتنفس بعيدًا عن الثقل الذي جلبته الكلمة.
بعد قليل، سألته وهي تنظر إليه مباشرة: “هل كانت الحرب كما توقعتها؟”
“منذ قليل.”
أخذت مارِن القماش بين يديها وتحسسته بأصابعها، ونظرت إليه بعينين لمعتا فجأة. لم تسأله لماذا اختار هذا بالذات، لم تكن بحاجة لذلك. عرفت من نفسها أنه تذكرها وهو في طريق التجنيد ، تذكر حلمها الذي لطالما تحدثت عنه، أن تصبح خياطة يومًا ما، أن تعمل بيديها على أقمشة جميلة.
فكر أورِن قبل أن يجيب. “أسوأ قليلًا،” قال أخيرًا. ثم أضاف بعد صمت قصير: “لم تكن كما توقعت.”
“أورِن؟”
لم يقل أكثر من ذلك. لم يشرح، ولم تجبره مارِن على الشرح. اكتفت بالنظر إليه، وفهمت من صمته أن هناك أشياء لا يريد أن يتحدث عنها الآن، وربما لن يتحدث عنها لوقت طويل.
“أورِن؟” قالت بصوت يخرج بصعوبة. “متى وصلت؟”
مدّت يدها عبر الطاولة ووضعتها فوق يده للحظة، دون كلمات، ثم سحبتها وعادت تتحدث عن شيء آخر، عن جارة أخرى، عن قطة تعيش في السوق وأصبحت مشهورة بين الأطفال.
في وقت لاحق من ذلك المساء، وبعد أن هدأت الأصوات في البيت، جلس أورِن وحده للحظة عند نافذة صغيرة يطل منها على الحوش المظلم. كان يسمع من بعيد صوت مارِن وهي تعدّ فراشًا إضافيًا له، تدندن بصوت خافت لحنًا قديمًا كانت تغنيه أمهما قبل سنوات.
المكان لم يكن هادئًا تمامًا، لكنه هادئ بما يكفي ليشعر أورِن أن جسده يمكن أن يرتاح قليلًا. خيام كثيرة مصفوفة في صفوف منتظمة، ومبانٍ خشبية بسيطة أقيمت حديثًا، وجنود يتحركون بين الوحدات بخطى لا تحمل استعجال القتال. عربات تدخل وتخرج من البوابة الرئيسية، بعضها محمّل بالمؤن، وبعضها يحمل مجندين جددًا بوجوه لم تتعرف بعد على معنى الحرب.
نظر إلى يديه. كانتا لا تزالان يديه، نفس الأصابع، نفس العلامات القديمة على راحتيه. لكنه شعر أنه يحمل شيئًا لم يكن يحمله قبل أسبوعين، شيئًا لا يمكن وصفه بسهولة، ثقلًا خفيفًا استقر في مكان ما بداخله ولن يغادره قريبًا.
القرية كانت كما هي. البيت كان كما هو. مارِن كانت هي نفسها، بضحكتها وقلقها وأسئلتها السريعة.
“هل يمكن للمجند أن يزور منطقته خلال أسبوع الراحة؟”
توقفت يداها في الهواء، والقماش الذي كانت تطويه سقط من بين أصابعها دون أن تلتفت إليه. نظرت إليه للحظة وكأنها لا تصدق، ثم اقتربت خطوة، ثم أخرى، حتى وقفت أمامه مباشرة.
لكنه هو من عاد شخصًا مختلفًا قليلاً عمّن غادر.
“سأذهب،” قال بصوت هادئ وهو ينظر إلى دارِن وسيلِن. “سأستخدم رحلتي هذه المرة.”
لم يفكر في هذا بكلمات واضحة، فقط شعر به وهو يجلس هناك، ينتظر النوم الذي يعده بأسبوع كامل من الراحة، قبل أن يعود من جديد إلى حيث لا مكان فيه للراحة.
“سأذهب،” قال بصوت هادئ وهو ينظر إلى دارِن وسيلِن. “سأستخدم رحلتي هذه المرة.”
مرّ بالقرب من تمثال ألدين القديم في وسط الساحة، كما فعل مئات المرات في طفولته، ولم يتوقف عنده هذه المرة، فقط نظر إليه للحظة وهو يمر، كجزء طبيعي من طريق يعرفه جيدًا.
