استيقظت مارِن قبله في ذلك الصباح، أو هذا ما استنتجه حين نزل ووجدها جالسة عند الطاولة، شعرها مربوط بإهمال لم تعتد عليه من قبل، تحاول أن تأكل بسرعة أكبر مما يسمح به جسدها بعد.
“بطيء.” قالت، دون أن ترفع رأسها. “ظننتك ستنام حتى الظهر.”
“وأنتِ تأكلين وكأن أحدًا سيأخذ الطبق منك.”
ابتسمت دون أن ترد، وواصلت الأكل بنفس الوتيرة.
دخل إليان بعد قليل، وهو يحمل ورقة صغيرة طواها ووضعها جانبًا قبل أن يتحدث.
“يمكنكما الذهاب ظهرًا.” قال، دون مقدمات. “عودا قبل العصر.”
نظر إليه أورِن. “لماذا قبل العصر تحديدًا؟”
“بعض الأحياء لا تتسامح مع الغرباء هذه الأيام.” رد إليان، وهو يرتب شيئًا على الطاولة القريبة. “ومع الحرب، أصبح سؤال بسيط عن اسمك كافيًا ليعطل يومك كله. الأفضل أن تكونا قد انتهيتما قبل أن يزداد عدد الحراس في الشوارع مع اقتراب المساء.”
لم يجد أورِن في الكلام ما يدعو للشك. بدا منطقيًا، بنفس الطريقة التي بدت بها كل تحذيرات إليان السابقة منطقية، دون أن تكون مخيفة بما يكفي لإفساد يومهما.
“حسنًا.” قال، ونظر إلى مارِن. “ظهرًا إذن.”
بعد أن خرجا، وقف إليان عند النافذة قليلاً، يراقب العربة وهي تبتعد، ثم استدار نحو الظل عند الجدار المقابل، حيث كان رجلان ينتظران بصمت لم يلاحظه أحد.
“ابقيا قريبين بما يكفي للتدخل.” قال، بصوت منخفض. “وبعيدين بما يكفي حتى لا يرياكما. إن اقترب أحد أكثر مما يجب، أوقفوه قبل أن يصل.”
لم يوضح أكثر من ذلك. لم يكن هناك حاجة. أومأ الرجلان، وابتعدا في اتجاهين مختلفين، بينما عاد إليان إلى الداخل، يغلق الباب خلفه بهدوء.
كانت العربة قد أوصلتهما إلى طرف حي مزدحم نسبيًا، ثم تركاها هناك، مفضلَين السير على قدميهما بقية الطريق.
عرف أورِن بعض هذه الشوارع من رحلته السابقة، تذكّر تقاطعًا هنا، محلاً هناك، لكن معظم ما مرا به كان جديدًا عليه هو الآخر. ساروا عبر سوق صغير للخضار، حيث كانت النساء يتجادلن مع البائعين حول وزن الأكياس، ثم عبر شارع أوسع فيه محلات أغلقت واجهاتها بألواح خشبية مطلية بعناية، أسماء عائلات منقوشة فوق الأبواب.
“لماذا كل هذا؟” سألت مارِن، وهي تشير إلى عربة فخمة تمر ببطء، حراس يسيرون على جانبيها.
“نبيل ما.” قال أورِن. “لا أعرف من.”
“ينظرون إلينا وكأننا وسخنا الشارع بمجرد وقوفنا فيه.”
لاحظ أورِن نظرة أحد الحراس، عابرة، باردة، ثم اختفت حين تجاوزتهم العربة. لم يعلق. أمسك بذراع مارِن برفق، ودفعها بلطف نحو الجانب الآخر من الشارع، حيث بدا الزحام أقل توترًا.
مشيا وقتًا دون هدف واضح، يتوقفان عند واجهة هنا، عند صوت موسيقى بعيد هناك. اشترى أورِن قطعة خبز محشوة من عربة صغيرة، أعطى نصفها لمارِن دون أن تطلب، فأكلتها وهي تمشي، تشتكي من حرارتها أكثر من مرة قبل أن تنهيها بالكامل.
“هذا أفضل من خبز إليان.” قالت.
“لا تقولي هذا أمامه.”
“لن أفعل. لست غبية.”
وصلا إلى سوق الأقمشة بعد أن ضلا الطريق مرتين، وسأل أورِن رجلاً يدفع عربة يدوية عن الاتجاه الصحيح، فأشار لهما نحو زقاق جانبي يبدو ضيقًا من مدخله لكنه انفتح، بعد خطوات قليلة، على ساحة واسعة مغطاة جزئيًا بأقمشة معلقة فوق الرؤوس، تتلألأ ألوانها تحت الشمس المائلة.
توقفت مارِن عند أول منضدة دون أن تقول شيئًا.
كانت هناك أقمشة لم ير أورِن مثلها من قبل، خيوط ذهبية منسوجة داخل نسيج أزرق داكن، وأخرى بلمعان غريب يتغير حسب زاوية الضوء. مدّت مارِن يدها، لمست إحداها بأطراف أصابعها فقط، ثم سحبتها بسرعة وكأنها تخشى أن تتسخها.
“المسها بشكل طبيعي.” قال أورِن. “لن يعضّك أحد.”
“غالي جدًا ليُلمس بهذه الطريقة.”
اقترب صاحب المنضدة، رجل عجوز بلحية مشذبة بعناية، وبدأ يشرح دون أن يُسأل أن القماش جاء من الشرق، عبر طريق طويل يمر بثلاث مدن قبل أن يصل إلى هنا. استمعت مارِن باهتمام حقيقي، وسألته عن نوع الخيوط، فأجابها بإسهاب بدا سعيدًا لوجود من يهتم بالتفاصيل بدل السؤال عن السعر فورًا.
عرف السعر حين ذكره الرجل أخيرًا، ورأى وجه مارِن يتجمد قليلاً.
“لا.” قالت، وابتعدت خطوة. “لن أدفع هذا مقابل قماش، مهما كان لونه جميلاً.”
“يمكنني أن أدفعه.” قال أورِن.
“لا تستطيع.” ردت بحزم، دون أن تنظر إليه. “ولن أسمح لك.”
انتقلا إلى منضدة أخرى، أبسط، حيث وجدت مارِن قماشًا أزرق فاتحًا، أقل بريقًا لكنه أعجبها بطريقة أوضح، لمسته طويلاً هذه المرة، قلّبته بين يديها، ثم سألت البائعة عن السعر بنبرة تحمل حسابًا دقيقًا لا يخفيه أورِن.
“سيصنع فستانًا جميلاً.” قالت مارِن، أكثر لنفسها منه له.
“سيبدو مثل السماء.”
“لا تعلق على الألوان. أنت لا تفهم فيها.”
اشترتها، بعد مساومة قصيرة أقنعت فيها البائعة بخصم بسيط، وحملت القماش بحرص وكأنه شيء أثمن بكثير من حجمه.
مرّا بمنضدة أخرى فيها أقمشة داكنة، وأمسكت مارِن قطعة سوداء، قرّبتها من صدر أورِن، ثم عبست.
“لا. هذا اللون سيّئ عليك.”
“لم أطلب رأيك.”
“لكنك ستحصل عليه دائمًا.” قالت، وأعادت القماش إلى مكانه.
ابتعد أورِن للحظة، متظاهرًا بأنه يبحث عن شيء آخر، ثم عاد بعد قليل وهو يخفي شيئًا صغيرًا في جيبه، قطعة قماش بلون أخضر داكن أعجبته دون أن يفهم لماذا، اشتراها بسرعة من منضدة قريبة قبل أن تلاحظه مارِن.
بدأ الضوء يميل أكثر، والظلال تطول بين المنصات، حين لاحظ أورِن أن الازدحام حولهما بدأ يخف قليلاً، وأن بعض الباعة بدأوا يجمعون بضاعتهم.
“يجب أن نعود قريبًا.” قال.
“متجر أخير.” ردت مارِن، دون أن تتوقف عن السير نحو زاوية أخرى من السوق. “أريد أن أرى شيئًا واحدًا فقط.”
لم يجادلها. تبعها بصمت، ورأى، من طرف عينه، رجلاً يقف عند مدخل الزقاق الذي دخلا منه، يبدو مشغولاً بفحص بضاعة بائع قريب، لكنه لم يتحرك من مكانه منذ أن لاحظه أورِن قبل دقائق طويلة.
حيث لاحظه أورن ، ثم نسيه حين أمسكت مارِن بذراعه وسحبته نحو منضدة أخيرة، حيث وجدت شريطًا رفيعًا بلون بنفسجي فاتح، اشترته بلا مساومة هذه المرة، وكأنها تكافئ نفسها على يوم طويل.
عادا سيرًا نحو العربة، مارِن تحمل حزمتها الصغيرة بكلتا يديها، وأورِن يمشي بجانبها، أخف مما كان عليه منذ أسابيع، رغم كل ما لا يزال يثقل صدره.
“يومك القادم عندي سيكون أصعب.” قالت مارِن، وهي تنظر إلى حزمتها. “سأصنع لك شيئًا من هذا القماش الأخضر الذي ظننت أنني لم أرك تشتريه.”
لم يرد. اكتفى بابتسامة صغيرة، بينما تتقدم العربة نحوهما عند طرف الشارع، والشمس تبدأ بالميل أكثر نحو المباني العالية خلفهما.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.