خرجا بعد دقائق من بقائهم في الفندق .
“أريد أن أرى متجر الأزرار مرة أخرى.” قالت مارِن وهما يعبران جسرًا صغيرًا فوق قناة ضيقة. “أعتقد أنني نسيت شيئًا هناك.”
“ماذا نسيتِ؟”
“لا أتذكر بالضبط. لهذا أريد أن أذهب.”
ضحك أورِن رغم نفسه، وتبعها.
مشيا في شارع لم يستطع أن يحدد إن كانا قد مرّا به من قبل أم لا، وقرر ألا يسأل هذه المرة. توقفت مارِن عند بائع يبيع أزرارًا نحاسية صغيرة، أمسكت بواحد منها، وقلّبته بين أصابعها.
“سأتقدم إلى الأكاديمية الأسبوع المقبل.” قالتها فجأة، بنفس النبرة التي تعلّق بها على الزر.
توقف أورِن. “أي أكاديمية؟”
نظرت إليه، وفي عينيها شيء يشبه الاستغراب من السؤال نفسه. “الأكاديمية. التي تحدثنا عنها.”
“لم نتحدث عن أي أكاديمية.”
“بلى تحدثنا.” قالتها بثقة، ثم توقفت، وكأنها تبحث في ذهنها عن الحديث نفسه ولا تجده بنفس الوضوح الذي افترضته. “أو ربما كان ذلك مع إليان. لا أذكر.”
لم يضغط عليها أكثر. اشترت الزر، ووضعته في كيس صغير مع أزرار أخرى كانت تحملها بالفعل، أزرار لم يتذكر أورِن أنها اشترتها.
عند منتصف النهار، دخلا حانة صغيرة قرب ميدان مزدحم، طاولاتها خشبية بسيطة، ورائحة الحساء تملأ المكان.
جلسا قرب النافذة. طلبت مارِن حساء اللحم، وطلب أورِن شيئًا لم يعد متأكدًا مما كان، لأنه حين نظر بعيدًا لثوانٍ، عائدًا إلى الحديث مع مارِن عن الأكاديمية التي لا يعرف عنها شيئًا، ثم عاد بنظره إلى الطاولة، وجد طبقًا مختلفًا عما كان يتذكر أنه طلبه.
لم يعلق. ربما أخطأ في التذكر. ربما كان مرهقًا أكثر مما يظن.
راقب النادل وهو يمر بين الطاولات، شابًا نحيلاً بمئزر أبيض، يبدو مألوفًا له بطريقة لا يستطيع تفسيرها، كأنه رآه من قبل في مكان آخر، أو ربما كان قد رآه قبل دقائق فقط ونسي.
عاد النادل إلى طاولتهما بعد قليل، وسأل: “هل طلبتما شيئًا آخر؟”
“طلبنا بالفعل.” قال أورِن.
نظر إليه النادل بارتباك خفيف، كأنه يحاول أن يتذكر، ثم ابتسم اعتذارًا وابتعد.
نظر أورِن إليه وهو يبتعد، وحاول أن يثبّت ملامح وجهه في ذهنه. للحظة استطاع ذلك، الأنف، الشعر القصير، طريقة مشيته. ثم نظر بعيدًا، إلى مارِن التي كانت تتحدث عن شيء يخص القماش، وحين عاد بنظره إلى النادل، شعر أن الوجه نفسه، رغم أنه أمامه بوضوح، لم يعد يثبت في ذاكرته بنفس الطريقة. عرفه، ثم لم يعرفه، ثم عرفه مرة أخرى، وكأن شيئًا يمحو الملامح من رأسه بمجرد أن يبتعد نظره عنها.
على طاولة قريبة، كانت عائلة صغيرة، أب وأم وطفل، يأكلون بصمت نسبي. سمع أورِن الأم تقول لزوجها، بنبرة عادية تمامًا: “هل تعرفني؟”
ضحك الزوج، ظانًا أنها تمزح، وأجاب بشيء لم يسمعه أورِن بوضوح. لم يبدُ أن أحدًا آخر في الحانة انتبه إلى الجملة.
نظر أورِن إلى طبقه مرة أخرى، وشعر بشيء يشتد فجأة في إصبعه.
الخاتم.
لم يكن نبضًا كالذي عرفه من قبل، بل اهتزازًا خفيفًا، متكررًا، غير مريح، كأن شيئًا في المعدن نفسه يستشعر خطرًا لا يستطيع أورِن رؤيته بعد.
رفع رأسه، ونظر حول الحانة ببطء، محاولاً ألا يبدو ذلك واضحًا.
رأى رجلاً عند طاولة بعيدة، رداؤه عاديًا، لا يلفت الانتباه، جالسًا وحده أمام مصباح زيتي صغير موضوع على حافة الطاولة، شعلته منخفضة، تنبعث منها خيوط رفيعة من بخار رمادي شفاف يرتفع ببطء في الهواء ثم يتلاشى.
على صدره، مثبتة بدبوس صغير، كانت هناك شارة، شعلة زرقاء داكنة، بالكاد تُلاحظ إن لم يبحث عنها المرء تحديدًا.
شعر أورِن ببرودة تسري في صدره، لا علاقة لها بفقدان الدفء القديم، بل بشيء أعمق، ذاكرة تحاول أن تتجمع من أجزاء متناثرة.
قبل العصر.
لا تتأخرا.
إذا ظهر شيء غير طبيعي…
لم يستطع أن يتذكر بقية الجملة. جاءته الكلمات مبعثرة، بلا ترتيب واضح، كأنه يحاول قراءة ورقة مبللة تفقد حروفها كل مرة يقترب منها.
الشعلة الزرقاء.
عرف الاسم دون أن يعرف من أين أتاه بالضبط، ولا لماذا استقر في ذهنه بهذا الثقل، ولا هل بدأ النسيان بسبب هذا الرجل، أو بسبب المصباح، أو بسبب شيء آخر كان يحدث قبل أن يدخلا الحانة أصلاً.
أكمل الأكل ببطء، بضع ملاعق لا يتذكر طعمها بعد ثوانٍ من ابتلاعها، وتحدث مع مارِن عن الأكاديمية التي لا يعرفها، محاولاً أن يبدو مهتمًا بقدر ما يستطيع، بينما عيناه تعودان، من حين لآخر، إلى ذلك المصباح الصغير وخيوطه الرمادية.
“يجب أن نعود.” قال أخيرًا، بصوت هادئ قدر استطاعته. “أريد أن نصل قبل أن نتأخر.”
نظرت إليه مارِن. “نتأخر عن ماذا؟”
“لا أعرف بالضبط.” قالها بصدق مزعج له هو نفسه. “لكن يجب أن نعود.”
لم تجادله هذه المرة. شيء في نبرته أقنعها بلا حاجة إلى تفسير إضافي.
خرجا إلى الشارع، وبدأ أورِن يمشي أسرع مما ينبغي، ثم أسرع من ذلك، حتى أمسكت مارِن بذراعه.
“لماذا نسرع؟”
“لا أعرف.” قالها مرة أخرى، وهذه المرة شعر بثقل الجملة أكثر من أي وقت مضى.
الشارع الذي يسيران فيه بدا مألوفًا للحظة، ثم غريبًا تمامًا في اللحظة التالية، كأن واجهات المحلات تتبادل أماكنها كلما ابتعد نظره عنها. مرّا بممر ضيق شعر أورِن أنه يعرفه، دون أن يتذكر السبب. مسكت مارِن بذراعه أكثر، وقالت إن شيئًا في الطريق لا يبدو صحيحًا، لكنها لم تستطع أن تحدد ماذا بالضبط.
توقف أورِن عند تقاطع صغير، يحاول أن يتذكر أي اتجاه يجب أن يسلكاه. جاءته كلمة واحدة، بلا سياق كامل يحيط بها.
الزقاق.
تذكّر جزءًا من جملة، صوت إليان يتردد في ذهنه بلا وضوح كامل: ادخلا. انتظرا. عشر ثوانٍ.
لم يعرف لماذا يتذكر هذا تحديدًا، ولا لماذا يبدو مهمًا بهذا القدر، لكنه سحب مارِن نحو زقاق ضيق بين مبنيين حجريين، ودخل به.
بقيا هناك، الجدران عالية على الجانبين، وضوء النهار خافتًا في هذا الممر الضيق. حاول أورِن أن يتذكر لماذا اختار هذا الطريق تحديدًا، فلم يجد إجابة واضحة، فقط ذلك الصدى الباهت لتعليمات لا يذكر متى قيلت له بالضبط.
سمع خطوات.
بدأ العد دون قرار واعٍ، كأن رقمًا بدأ يتشكل في رأسه من تلقاء نفسه.
عشرة.
تحرك ظل عند مدخل الزقاق.
تسعة.
اقترب أكثر، شكل بشري، هادئ الخطى.
ثمانية، سبعة، ستة.
شعر أورِن بشيء مألوف في طريقة وقوف الرجل، في زاوية كتفيه، دون أن يستطيع تحديد أين رآه من قبل.
خمسة، أربعة، ثلاثة.
اقترب الرجل أكثر، والشارة على صدره تلمع خفيفًا تحت الضوء الخافت.
اثنان.
رفع الرجل يده، والمصباح الصغير بينها، بخاره الرمادي يتصاعد ببطء.
واحد.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.