تراجع أورِن خطوة، ثم أخرى، ونظر إلى يديه، إلى السكين لا تزال بينهما، إلى الدم الأسود يتجمع ببطء حول جسد الأفعى الممددة على الحجر.
“لم أقصد ذلك…” تمتم، بصوت لم يعرف نفسه فيه. “لم أقصد.”
ركبتاه ترتجفان تحته. حاول أن يفهم ما حدث، أن يعيد ترتيب اللحظات الأخيرة في رأسه، فلم يجد شيئًا سوى ومضات متقطعة: دارِن، جده، النبيل، ثم هذا.
“إليان.” قالها لنفسه، كأنه يبحث عن شيء يتمسك به. “إذا رآها…”
لم يكمل الجملة. لم يحتج إلى ذلك.
فكّر في فاليريوس بعدها، دون قرار واعٍ، بنفس الطريقة التي يفكر بها المرء في أقرب شخص يعرف حين لا يعرف ماذا يفعل. فاليريوس. الاسم وحده حمل ثقلاً يشبه الطمأنينة، ولو قليلاً.
فُتح باب الصالة.
كان إليان.
توقف عند العتبة، ونظر أولاً إلى الأفعى، ثم إلى السكين، ثم إلى يدي أورِن، ثم إلى وجهه.
لم يقل شيئًا.
الصمت الذي ساد كان أثقل من أي صراخ كان يمكن أن يسمعه.
“إليان… أنا لم أقصد….” حاول أن يكمل، لكن إليان لم يتحرك، ولم يجب.
اقترب خطوة واحدة، نظر إلى الأفعى مرة أخرى، ثم قال، بهدوء لم يحمل أي غضب واضح، ولا رحمة أيضًا: “اذهب إلى فاليريوس.”
لم يشرح أكثر من ذلك.
خرج أورِن من الصالة، والجملة لا تزال تتردد في رأسه، أثقل من أي أمر صريح كان يمكن أن يوجهه إليه إليان.
الممر الذي سار فيه بدا مختلفًا عن كل مرة عبره من قبل. الجدران على جانبيه فقدت ثباتها المعتاد، حوافها تتموج قليلاً كلما مرت عيناه عليها، والمسافة نفسها بدت أطول مما يتذكرها، وكأن الطريق يمتد كل مرة يخطو فيها خطوة.
ركض.
وصل إلى باب غرفة فاليريوس، ودفعه دون أن يطرق.
كانت الغرفة مظلمة، لا يضيئها سوى شمعة واحدة، لهبها أزرق باهت، يلقي ظلالاً طويلة على الجدران الحجرية.
رأى فاليريوس واقفًا في وسط الغرفة.
ورأى مارِن.
كانت واقفة أمامه، ويدا فاليريوس على جانبي رأسها، بهدوء.
جزء من وجهها، عند صدغها، بدأ يختفي.
لم يكن جرحًا. لم يكن دمًا. كان شيئًا آخر، كأن مادة وجهها نفسها تفقد تماسكها، تذوب بطريقة لا تشبه الشمع تمامًا ولا أي شيء آخر يعرفه أورِن، وتختفي دون أن تسقط على الأرض،
“أورِن…”
سمع صوت مارِن. نظرت إليه بعينها الباقية، ووجهها المشوه جزئيًا لا يحمل أي فزع، ولا ألمًا ظاهرًا.
“تأخرت.” قالتها، وابتسمت، بنفس ابتسامتها التي يعرفها منذ الطفولة.
لم يستطع أورِن أن يتحرك. لم يستطع أن يقول شيئًا.
قبل أن يتمكن من الاقتراب، اهتز المكان من حوله.
اختفت الغرفة، واختفى فاليريوس، ولم يبقَ سوى ثقل يلتف حوله فجأة، يضغط على جسده كله في وقت واحد.
الأفعى.
التفت حوله بقوة، وشعر بضغطها يسحق أضلاعه، بالكاد يستطيع التنفس، وحاول أن يرفع رأسه، أن يرى، رغم الألم.
رأس الأفعى لم يعد رأس أفعى.
كان وجه مارِن.
ليس وحشًا بملامحها. ليس نسخة مشوهة. وجهها هي، كما يعرفه تمامًا، عيناها، فمها، الطريقة التي تميل بها رأسها قليلاً حين تنظر إليه.
ابتسمت.
“أورِن…” قالتها بصوتها هي، الصوت نفسه الذي سمعه آلاف المرات. “نسيت أن تعيد لي القماش الأخضر.”
فتحت فمها.
وعضته.
شعر بألم حاد يخترق كتفه، لكن قبل أن يستطيع الصراخ، لاحظ حركة عند قدميه.
يد صغيرة، أصابعها متفحمة عند أطرافها، خرجت من الأرض نفسها، أمسكت بكاحله بقوة لا تتناسب مع حجمها.
عرفها فورًا.
الضفيرتان، وحولها على الأرض بقايا زهور ذابلة لم يستطع تحديد إن كانت حقيقية أم مجرد أثر آخر من آثار هذا المكان.
رفعت رأسها نحوه، عيناها ممتلئتان بدموع لا تسيل، فقط تلمع في الضوء الخافت.
“أنت رأيتني.” قالت، بصوت مكسور.
ثم: “لماذا تركتني؟”
لم يجد أورِن جوابًا. الألم في كتفه، وضغط الأفعى حوله، ويد الفتاة الصغيرة على كاحله، كل ذلك تجمع في لحظة واحدة .
اهتز المكان مرة أخرى، والضوء الأزرق الباهت من الشمعة البعيدة تلاشى تدريجيًا، بينما وجه مارِن، فوق جسد الأفعى الملتف حوله، لا يزال ينظر إليه بابتسامته المألوفة
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.