اندفعت الأفعى نحوه من جديد، بلا سابق إنذار، وكأنها تختبر مدى استعادته لتركيزه بعد الترقية.
استقبلها أورِن بجسده الجديد، وتحرك جانبًا بسرعة فاجأته هو نفسه قبل أن تفاجئ الأفعى. قدمه وجدت موضعها على الأرضية دون أن يفكر في مكانها، وذراعه صدّت الضربة التالية بزاوية دقيقة لم يكن يمتلكها منذ ساعات قليلة فقط.
رفعت الأفعى وتيرة الهجوم.
لاحظ أورِن ذلك من طريقة تحرك جسدها قبل أن تبدأ الحركة فعليًا، إشارة خفيفة في انثناء جذعها كان يفوته سابقًا. تحرك استعدادًا، وحين اندفعت نحوه بضربة أسرع من كل ما سبقها، تفاداها بمسافة ضيقة جدًا، لكنها كافية.
شعر بشيء آخر أيضًا: اهتزاز الأرضية تحت وقع خطواتها وصله بوضوح أكبر من أي وقت مضى، موجات صغيرة ينقلها الخشب قبل أن تتحول إلى صوت، كأن جسده بدأ يقرأ الحركة من مصادر لم يستخدمها من قبل بهذا الشكل.
“جيد،” قالت الأفعى، دون أن تتوقف.
هاجمت مجددًا، بزاوية مختلفة هذه المرة، وشعر أورِن بجسده يستجيب بطريقة لم يعتد عليها: لا تردد بين إدراك الخطر والتحرك، بل استجابة واحدة متصلة، كأن المسافة بين التفكير والفعل تقلصت إلى ما يشبه العدم.
جرّب هجومًا مضادًا، اندفع نحوها بخطوة واحدة موجهًا ضربة نحو جانبها. تفادته الأفعى بسهولة، لكنه لاحظ شيئًا في نفسه: القوة التي بذلها في الحركة لم تستنزفه كما كانت تفعل سابقًا، كأن جسده وجد طريقًا أقصر لإخراج القوة نفسها.
ثم بدأت الضربات تثقل.
رفعت الأفعى الضغط تدريجيًا، ضربة تلو الأخرى، حتى شعر أورِن أن ذراعيه تنؤّان تحت كل صدّة، وأن الأرضية تهتز قليلًا تحت قدميه مع كل اصطدام. كان يستطيع مجاراتها، لكن بجهد متزايد، وبإحساس أن هذه الوتيرة لن تستمر طويلًا قبل أن ينهار توازنه.
ثم جاءت الضربة.
رآها قادمة، لكنه عرف في اللحظة نفسها أن جسده، رغم كل ما اكتسبه، لن يستطيع صدّها بالقوة الطبيعية وحدها. لم يكن هناك وقت للتراجع، ولا مسافة كافية للتفادي.
شعر بإصبعه الصغير يبرد فجأة.
ضغط، ثم برودة، ثم نبض واحد حاد انتقل من الخاتم إلى معصمه، صعودًا نحو ذراعه. لم يفكر أورِن في الأمر، لم يقرره بوعي كامل، فقط استجاب لدافع عميق يعرفه جسده أكثر مما يعرفه هو. شعر بشيء يتحرك تحت جلده، خيطًا باردًا يسبق حركة ذراعه نفسها بجزء من ثانية.
مدّ ذراعه لتلقي الضربة.
للحظة، بدا الأمر وكأن الهواء نفسه توقف.
لامست ضربة الأفعى ذراعه، ثم، بدل أن تكمل اندفاعها، شعر أورِن بشيء ينتزع منها. لم يكن صدًا، ولم يكن تحويلًا للاتجاه. كانت القوة نفسها، الزخم، الثقل الذي يحمله الهجوم، ينسحب من الضربة ويتدفق عبر ذراعه نحو الخاتم، كأن الضربة فرغت من داخلها في جزء من ثانية.
نظر أورِن إلى ذراعه بذهول قصير. شعر بالقوة المسروقة وهي تستقر في مكان ما داخله، لا في عضلاته تمامًا، ولا في الخاتم وحده، بل في نقطة بينهما لم يعرف كيف يصفها. كان بإمكانه أن يشعر بحدودها، بثقلها المكتوم، وكأنها تنتظر أن يقرر ماذا يفعل بها، قبل أن يبتلعها شيء أعمق منه دون أن يستأذنه.
توقفت الأفعى.
نظرت إلى ذراعه، ثم إلى وجهه، بشيء يشبه التمعن أكثر مما يشبه المفاجأة العادية.
“هذه المرة الأولى،” قالت، “التي أراك فيها تسرق ضربة بهذا الحجم.”
لم يجب أورِن. كان ما زال يشعر بالبقايا الباردة للقوة المسروقة تجري في ذراعه، ثقيلة، غريبة، لا تشبه شيئًا شعر به من قبل بهذا الوضوح.
“يبدو أن قوة الخاتم لديك وصلت إلى مستوى قوي،” أضافت الأفعى.
استغرب أورِن. “مستوى قوي ؟”
“قوة الخاتم لا تُقاس بمستواك،” قالت، “لها تصنيفها الخاص.”
“إذن يمكن أن يتفوق على مستواي الحقيقي؟” سأل أورِن.
“يمكن أن يسبقه بكثير، أو يتأخر عنه،” أجابت، “الأمر يعتمد على ما تسرقه، لا على ما أنت عليه.”
لم تكمل أكثر من ذلك، ولم يسألها هو، لأن شيئًا آخر بدأ يجتاحه في تلك اللحظة بالذات.
بدأ الثمن يصل.
أول ما شعر به كان ثقلًا مفاجئًا في ركبتيه، كأن العظم نفسه فقد بعض صلابته. تلاه اضطراب في أنفاسه، شهقات قصيرة متلاحقة لم يستطع ضبط إيقاعها. عضلات ذراعه التي صدّت الضربة بدت فجأة أضعف، مرتخية بطريقة لا تشبه التعب الطبيعي، وكأن القوة التي مرت عبرها سحبت معها شيئًا من قوتها الخاصة.
ترنّح خطوة إلى الخلف.
حاول أن يثبت قدميه، فوجد الأرضية تميل تحته رغم أنها لم تتحرك. اقترب وعيه من حافة الغياب للحظة، ضبابية خفيفة غطت حواف نظره، أصوات الصالة نفسها بدت أبعد مما هي عليه، قبل أن يعود ويستقر جزئيًا.
سقط على ركبة واحدة.
بقي في تلك الوضعية لحظات طويلة، رأسه منحنٍ، أنفاسه تتقطع وتعود ببطء شديد. شعر بيده ترتجف حين حاول أن يسندها على الأرضية، وبطعم معدني غريب يملأ فمه، لم يعرف مصدره بالضبط. كل جزء من جسده بدا وكأنه استُنزف من الداخل، لا الإرهاق المعتاد الذي يعرفه بعد تدريب طويل، بل شيء أعمق، كأن القوة التي مرّت عبره أخذت معها أكثر مما تركته.
اقتربت منه الأفعى، لكنها لم تلمسه، فقط راقبته وهو يحاول استعادة أنفاسه، بصبر من يعرف أن هذا جزء طبيعي من العملية.
“يكفي،” قالت.
توقف التدريب.
مرت لحظات قبل أن يستطيع أورِن الكلام. حين استعاد جزءًا من أنفاسه، دفع نفسه للجلوس على الأرضية، ظهره مستند إلى ركبته المثنية، وبقي على هذه الحال حتى شعر أن نبضه بدأ يهدأ تدريجيًا. رفع رأسه نحو الأفعى.
“كيف عرفت؟” سألها. “مستوى الخاتم، أقصد.”
“أعرف كيف أقرأ القوة،” أجابت ببساطة، دون أن تضيف شيئًا آخر، وكأن السؤال لم يكن يستحق تفصيلًا أكبر من ذلك.
نظر إليها أورِن للحظة، ثم سألها، مدفوعًا بفضول لم يستطع كبته: “وأنت؟ ما مستواك؟”
صمتت الأفعى للحظة قصيرة، كأنها تزن ما إذا كانت ستجيب أصلًا.
“الخامس.”
وقعت الكلمة بثقل لم يتوقعه. حاول أورِن أن يستوعب المسافة بين مستواه الحالي وبين ما قالته للتو، فشعر بارتعاش خفيف يسري في جسده، لم يكن خوفًا صريحًا، بل شيئًا أقرب إلى إدراك فيزيائي لفارق لا يستطيع عقله وحده استيعابه.
حاول أن ينظر إليها مباشرة، بعمق أكبر من المعتاد، فارتجف جسده كله لجزء من ثانية، كأن مجرد محاولة النظر إلى عمق قوتها كانت كافية لتذكيره بحجم الفارق بينهما.
أشاح بنظره.
استغرق منه الأمر بضع ثوانٍ ليستوعب أن الفارق بين المستوى الثاني، حتى في مرحلته العليا، وبين المستوى الخامس، ليس فارقًا يمكن قياسه بالأرقام وحدها. شيء في وقوف الأفعى، في الطريقة التي تتوزع بها القوة حولها دون أن تبذل أي جهد ظاهر، جعله يدرك أنه لا يزال بعيدًا جدًا، مهما بدا تقدمه اليوم كبيرًا في نظره.
وبينما كان يستعيد أنفاسه، لاحظ شيئًا في طريقة وقوف الأفعى، في الإحساس المتبقي من قوتها الذي ما زال عالقًا في الهواء حوله. شيء في طريقة تحرك تلك القوة، في كثافتها، ذكّره بشيء آخر.
دارِن.
لم يكن تشابهًا في الشكل، ولا في الحركة الظاهرة. كان أقرب إلى الإحساس، إلى الطريقة التي تنتقل بها القوة من مصدرها إلى الهواء المحيط، نفس الثقل الخفي الذي شعر به مرة من قبل، في مكان آخر، مع شخص آخر يعرفه جيدًا. تذكّر، لجزء من ثانية، إحساسًا معينًا بضربة، شيئًا في طريقة تجمّع القوة قبل أن تُطلق، لا يستطيع وصفه، لكنه يعرف أنه اختبره من قبل.
فكّر في الاسم للحظة واحدة فقط، محاولًا أن يستدعي وجهًا أو مشهدًا كاملاً يصاحبه، فلم يجد سوى الإحساس نفسه، عاريًا من أي تفصيل آخر.
ثم تركه.
نهض أورِن ببطء، ومسح جبهته بظهر يده. كانت الأفعى ما زالت في مكانها، ساكنة، تنتظر أن يستعيد توازنه تمامًا. حين شعر أن ساقيه أصبحتا قادرتين على حمله دون ارتجاف، وقف باستقامة كاملة لأول مرة منذ سقوطه.
عاد إلى ذهنه ما قالته الأفعى عن قدرتها على تغيير شكلها، شيء ذكرته مرة عابرة في تدريب سابق، دون تفصيل. لم يفكر فيه كثيرًا حينها. الآن، ومع الإحساس الذي ما زال عالقًا في صدره، بدأ السؤال يتشكل من تلقاء نفسه.
إذا كانت تستطيع تغيير شكلها…
شعر بقشعريرة تسري على جلده قبل أن يكمل الفكرة، جلده يتوتر، أصابعه تنقبض قليلًا دون أمر واعٍ منه، وتنفسه يتغير إيقاعه بشكل لم يقرره هو. لم يكن الأمر أنه عرف شيئًا، بل أن جزءًا فيه تعامل مع الفكرة نفسها باعتبارها خطرة، قبل أن يصل عقله إلى صياغتها بالكامل.ربما لم تكن دائمًا بهذا الشكل.
ربما كانت، في وقت ما، شيئًا آخر تمامًا.
فكّر في طريقة كلامها، في اختيارها الدقيق للألفاظ، في الطريقة التي تجيب بها على أسئلته دون تردد ودون فائض من الشرح، كأنها معتادة على التفكير بلغة، لا مجرد التواصل بها. لم يكن ذلك دليلًا على شيء بمفرده، لكنه أضاف إلى الثقل المتراكم في صدره.
لم يكن الافتراض مؤكدًا في ذهنه، مجرد احتمال بدأ يتشكل، يثقل صدره بطريقة لا يفهم مصدرها بالضبط. نظر إلى الأفعى، إلى عينيها الباردتين، إلى حراشفها اللامعة تحت الضوء الخافت، وحاول أن يرى خلفها شيئًا آخر، فلم يجد سوى الشكل نفسه الذي يعرفه.
ومع ذلك، لم يستطع التخلي عن الفكرة.
فتح فمه.
“سيدي…”
نظرت إليه الأفعى بصمت.
“هل كنت…”
فجأة انفجار هائل هزّ الأرض تحت قدميه.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.