بقيت الجملة معلّقة في الصالة بعد أن انتهى قائلها منها.
لم يرفع فاليريوس صوته ولم يضف شيئًا. قالها كما يُقال إن المطر سيهطل غدًا، ثم وقف ينتظر أن تجد الكلمات طريقها إلى من سمعها.
وجدت طريقها إلى أورِن أولًا.
“الإمبراطور؟”
عرف الكلمة قبل أن يعرف كثيرًا من الكلمات. كان الكهنة يرددونها في الساحة كل صباح، بالنبرة نفسها التي يرددون بها اسم الشمس، اسمًا لا يحتاج إلى مضاف ولا إلى وصف. حامي السياج، الذي يقف حيث ينتهي كل شيء ويبقي ما وراءه وراءه. عرف أورِن ذلك كما عرف أن الماء يبتل، دون أن يسأل يومًا كيف عرفه.
“تقصد…” توقف، ثم أعاد ترتيب سؤاله، “إمبراطورنا؟”
نظر إليه فاليريوس نظرة هادئة، كمن سمع خطأً صغيرًا في نطق كلمة.
“إمبراطوركم.”
قالها دون تشديد على أي مقطع. لكن الضمير في آخرها وقع في الصالة كحجر صغير يسقط في بئر عميقة، ولم يسمع أورِن صوت ارتطامه بالقاع.
لم يقل الكهنة “إمبراطورنا” قط. لم يكونوا بحاجة إلى ذلك. لا يحتاج المرء إلى ضمير يملّكه شيئًا لا يوجد غيره. ومن يقول “إمبراطوركم” يقف في مكان ما يجعل لهذه الكلمة جيرانًا.
توقف تفكيره عند هذه النقطة. لم يتوقف كما يتوقف من لا يجد جوابًا، بل كما يتوقف من وضع قدمه على درجة ظنها موجودة ولم تكن.
ثم جاء الضغط.
بدأ خلف عينيه، خفيفًا، أشبه بصداع من نوم طويل، ثم اتسع. شعر بشيء في رأسه يتمدد نحو حدود لم يكن يعرف أنها هناك،
اهتز شيء في إحساسه بجسده. صارت يده اليسرى أبعد من اليمنى، وصار الأرضية التي تحته أقرب مما ينبغي، وبدت الأصوات في الصالة، أنفاسه هو، حفيف ثوب مارِن، طقطقة الخشب المتشقق، تصل إليه من أعماق ماء. وخلف كل ذلك كان شيء يحاول أن يفتح نفسه بعنف، لا يشبه الفهم في شيء. كان أشبه بقفل يُجبر على غير مفتاحه، وقد سمع أورِن أول صرير في معدنه.
عرف، دون أن يعرف كيف، أنه إن سمح لهذا أن يكتمل فلن يعود بعده أورِن الذي يعرفه.
وفي إصبعه الصغير، برد الخاتم.
لم تكن البرودة كما عرفها في التدريب، نبضًا حادًا يسبق الحركة. كانت أعمق وأبطأ، برودة تنسحب من الإصبع إلى الكف، ثم إلى المعصم، ثم صعدت إلى مكان لا يعرف له اسمًا. شعر بشيء يُسحب من داخله، لا من ذراعه ولا من صدره، بل من خلف عينيه حيث كان الضغط يتجمع. سُحب بلطف يشبه الإكراه، كما يُعاد إلى الوعاء ما فاض منه.
ثم تراجع كل شيء.
لم ينتهِ فجأة. انحسر كما ينحسر الماء عن الرمل، والصورة الغريبة تفقد حدتها، والاتساع الذي رآه للحظة ينطوي على نفسه. عاد الخشب إلى مكانه تحته، وعادت يداه يدين.
كان قد انحنى إلى الأمام دون أن يشعر، ويده على ركبته. رفع رأسه ببطء.
“أورِن؟”
كانت مارِن قد اقتربت منه خطوتين. رأى وجهها قريبًا، عينيها متسعتين قليلًا، وحاجبيها معقودين بقلق حقيقي.
“أنا بخير،” قال.
لم تقتنع، ووضعت يدها على كمه دون أن تسحبه.
نظر أورِن إلى فاليريوس.
لم يتحرك الرجل من مكانه. كان يراقب أورِن بانتباه هادئ،
ثم التفت فاليريوس إلى إليان.
لم يقل شيئًا. أومأ برأسه إيماءة صغيرة، فانحنى إليان وتراجع نحو الباب دون كلمة. وعلى الجانب الآخر من الصالة، رفعت الأفعى جسدها عن الأرض، بطيئة، وانسابت بمحاذاة الجدار الشرقي، وغادرت من الباب نفسه دون أن تلتفت.
أُغلق الباب خلفهما.
بقي في الصالة ثلاثة.
“اجلس إن أردت،” قال فاليريوس.
“أفضل أن أبقى واقفًا.”
لم يعلّق فاليريوس. ثم قال أورِن، وقد استعاد صوته كاملًا:
“لماذا الإمبراطور؟”
“أريد منك أن تسرق شيئًا.”
مرت لحظة قبل أن تتضح الكلمة. سرقة. بدت الكلمة مألوفة أكثر مما ينبغي، وبدت في الوقت نفسه بعيدة عن كل ما تتخيله وهي مقرونة باسم الإمبراطور.
“أسرق،” كرر. “ماذا؟”
ثم قال وهو متردد”تريد أن أذهب إلى…” اختار كلمته بحذر، “إلى ذلك المكان، وأسرق شيئًا ؟”
“أنا لا أفهم.” كانت مارِن قد تكلمت، وما زالت يدها على كم أخيها. “هل سيذهب أورِن… ليسرق؟ من الإمبراطور؟”
التفت إليها فاليريوس، وخفّت ملامحه.
“في وقت ما، نعم.”
ثم قال بنبرة قريبة من الوعد. “وأنت لست بحاجة إلى القلق الآن. اذهبي إن شئتِ، وأخبري إليان إن احتجتِ شيئًا.”
ترددت مارِن.
“اذهبي،” قال أورِن. “سأتبعك بعد قليل.”
نظرت إليه طويلًا، ثم أفلتت كمه وتراجعت نحو الباب. وحين وصلت العتبة توقفت والتفتت نصف التفاتة، إليه لا إلى فاليريوس، ثم خرجت.
وقفا وحدهما في الصالة، على أرضية متشققة وغبار يستقر ببطء.
مرت لحظة صمت. كان فاليريوس ينظر إليه بلا استعجال، وأورِن يعرف أن السؤال الذي يدور في رأسه منذ خرجت الأفعى قد حان وقته.
ثم قال أورن : “لماذا أنا ؟ولماذا لا يذهب إليان؟ أو الأفعى؟”
“لو كان أحدهما مناسبًا، لما كنت أنت ذاهبًا.”
ثم قال فاليريوس “إن كنتَ ستسألني شيئًا آخر، فاسأل الآن، لن يكون هناك وقت لاحقًا للأسئلة الصغيرة.”
نظر إليه أورِن.
كان في رأسه عشرات الأسئلة. عن الإمبراطور، وعن الشيء الذي سيُسرق، وعن المكان، وعن عدد من يعرف بأمره.
ثم سأل .
” وماذا سأسرق ؟”
نظر إليه فاليريوس.
وقال بصوت هادئ “أريدك أن تسرق تحفة أثرية لها علاقة بعلاج أختك “
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.