كان الضوء الداخل من الفتحة خافتًا في البداية، يتسلل كخيط رفيع قبل أن يتسع مع اتساع الباب نفسه.
لم يكن هناك عدو يقف على العتبة. لم يكن هناك حارس بزي رسمي، ولا وجه غامض ينتظره في الظلام. كان هناك رجل عجوز، طاعن في السن، يرتدي ثيابًا بسيطة تشبه ملابس عمال النظافة، ظهره منحنٍ قليلًا، ويداه ترتجفان بخفة وهو يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا بحجم لا يتجاوز ذراعيه.
دخل الرجل بخطى بطيئة، لا تحمل أي تردد . تحرك نحو أحد الأركان البعيدة عن أورِن، وضع الصندوق هناك بعناية، ثم وقف مستقيمًا قدر ما تسمح له ظهره المنحني، وأخذ نفسًا عميقًا.
بقي أورِن ساكنًا تمامًا، خلف أحد الرفوف المعدنية، لا يتحرك، لا يتنفس بصوت.
استدار العجوز، دون سبب واضح، نحو الزاوية التي يقف فيها أورِن.
حدّق للحظة.
“يبدو أنني كبرت كثيرًا،” قال بصوت أجش، أشبه بحديث موجّه إلى نفسه أكثر منه إلى أي أحد آخر، “بدأت أتخيل أشخاصًا في الأماكن الخالية.”
هز رأسه ببطء، وكأنه يقنع نفسه بهذا التفسير، ثم مسح يديه بقطعة قماش كانت معلقة على حزامه.
التقط سلة فارغة كانت مستندة إلى الجدار قرب الباب، ألقى نظرة أخيرة ، ثم خرج كما دخل، بلا استعجال، وأغلق الباب خلفه بصوت خشبي خفيف.
بقي أورِن في مكانه دقيقة كاملة، يتنفس بحذر، قبل أن يسمح لعضلاته بالارتخاء.
نظر إلى الباب الذي غادر منه العجوز، ثم إلى الاتجاه الذي أخبره فاليريوس أنه يجب أن يسلكه.
الوقت بدأ يسري فعلًا.
تحرك أورِن بخطى محسوبة، يتتبع في ذهنه كل تفصيل وصله سابقًا: الممر الأول ينحرف يسارًا بعد عشر خطوات، ثم يوجد فاصل بين نوبتي الحراسة يستمر لدقائق معدودة عند تقاطع معين، ثم بابٌ لا يبدو مهمًا من الخارج.
سار بلا توقف تقريبًا، يستمع أكثر مما ينظر، جسده متوترًا بذلك التوتر الهادئ الذي يعرفه جيدًا الآن، ذلك الذي لا يصدر صوتًا ولا يُظهر نفسه على الوجه.
مرّ من عند التقاطع في اللحظة المحسوبة تمامًا. لم ير أحدًا.
استمر، حتى وصل إلى باب صغير نصف مخفي خلف كومة من الأقمشة المطوية، فتحه بحذر.
كان خلفه درج حجري ينزل إلى الأسفل.
نزل أورِن.
مع كل درجة، تغيّر الهواء من حوله قليلًا، برودة أعمق تدريجيًا تسحب معها رائحة الحجر الرطب، رائحة قديمة لا تشبه رائحة المخزن في الأعلى، أثقل، أقرب إلى رائحة الأرض نفسها.
وصل إلى ممر ضيق، جدرانه من حجر قديم مصقول بفعل مرور طويل، لا تحمل أي زخرفة أو نقش،. الإضاءة هنا كانت أضعف، مصابيح متباعدة تلقي ظلالًا طويلة على الأرض الحجرية.
لم يكن المكان يشبه زنزانة، ولا قبوًا مصممًا لإثارة الخوف. كان أقرب إلى ممر خدمة قديم، جزء من بنية تحتية أعمق بكثير من أي شيء يمكن أن يخطر على بال أحد يمشي في الساحات فوقه.
تابع أورِن سيره، يعد خطواته بصمت، يقارن ما يراه بما رسمته له الخطة في ذهنه. انحرف الممر مرتين، وضاق في مكان ثالث حتى اضطر أن يمشي بكتف واحدة تلامس الجدار تقريبًا.
لمس الخاتم على إصبعه من حين لآخر، بحركة تلقائية، لكنه بقي باردًا كعادته، صامتًا، بلا أي إشارة.
استمر في التقدم، والممر يمتد أمامه أعمق مما توقع، صدى خطواته يتكرر بخفوت بين الجدران الضيقة، وحيدًا في صمت لا يقطعه شيء سوى أنفاسه وصوت حذائه على الحجر.
فوق هذا الصمت كله، على ارتفاع طبقات عدة، وفي جزء آخر تمامًا من المدينة، كانت الأضواء تتلألأ فوق ساحة واسعة تنتمي إلى طبقة السادة.
موسيقى خفيفة تتسلل من فرقة صغيرة تجلس عند أحد الأطراف، وتر يتبعه وتر، إيقاع هادئ يناسب حديثًا لا يريد أحد أن يُقاطع.
كانت الساحة ممتلئة بالحياة. نساء بأثواب حريرية تتموج مع كل خطوة، رجال بمعاطف مطرزة يتجمعون في دوائر صغيرة، ضحكات تنطلق هنا وهناك دون سبب واضح سوى أن المزاج يسمح بها. خدم يتحركون بين الحشد بصواني مليئة بالكؤوس والأطباق الصغيرة، وروائح الطعام تمتزج مع عطور ثقيلة تفوح من كل اتجاه.
عند طاولة قريبة، كانت مجموعة تراهن بمرح على نتيجة لعبة نرد صغيرة، وعند زاوية أخرى، وقف رجل يروي قصة يبدو أنه رواها من قبل، لكن مستمعيه يضحكون كما لو كانوا يسمعونها لأول مرة.
لم يكن في المكان أي إحساس بالخطر. كانت الإمبراطورية، في هذه الزاوية بالذات، تبدو في أكثر لحظاتها أمانًا واستقرارًا.
بين هذا كله، وقف فاليريوس قرب طاولة بعيدة نسبيًا عن مركز الحشد، يتحدث مع رجل في متوسط العمر، بملابس فاخرة لكن بلا مبالغة، يحمل نفسه بثقة من اعتاد أن يُستمع إليه.
لم يكن فاليريوس منعزلاً عن المكان. كان يبتسم حين يقتضي الحديث ابتسامة، ويجيب بأدب حين يمر أحد المعارف ويلقي تحية عابرة. لكن كل بضع لحظات، كانت عيناه تنزلقان نحو مدخل الساحة الرئيسي، بسرعة لا تكاد تُلاحظ، قبل أن تعودا إلى محدّثه.
“لم أرَ ابنك منذ فترة،” قال الرجل الآخر، وهو يرفع كأسه، “ظننت أنه سيرافقك.”
“سيصل لاحقًا،” رد فاليريوس ببساطة.
ثم قال الرجل “سمعت أنه ذهب إلى قرية صغيرة في رحلة علم” .
ولم يرد عليه فاليريوس .
توقف عن الحديث للحظة حين مر بالقرب منهما زوجان يتحادثان بصوت مرتفع نوعًا ما، ثم استأنف بمجرد ابتعادهما.
“كم الساعة الآن؟” سأل، بلا اهتمام ظاهر يوحي بأهمية السؤال.
نظر الرجل الآخر إلى ساعة صغيرة معلقة على سلسلة عند صدره. أجابه برقم مقتضب.
أومأ فاليريوس برأسه، وعاد إلى كأسه.
“سمعت أن هناك حديثًا عن ظهور جديد،” قال الرجل، وهو يخفض صوته قليلًا، لكن دون أن يفقد نبرته العادية. “الشعلة زرقاء، في وسط العاصمة.”
لم تتغير ملامح فاليريوس كثيرًا. أدار الكأس بين أصابعه ببطء.
“سمعت ذلك أيضًا.”
“يقولون إنها ظهرت في مكان غير متوقع تمامًا.” تابع الرجل، بفضول من يستمتع بتبادل الأخبار أكثر من كونه يبحث عن إجابة حقيقية. “غريب، أليس كذلك؟”
“ظهرت في وقت لم يكن مناسبًا،” رد فاليريوس أخيرًا، بنبرة هادئة، لا تحمل انفعالًا واضحًا، لكنها ليست عابرة أيضًا.
نظر الرجل إليه بشيء من التقدير، كمن يدرك أن هناك معنى أعمق تحت الجملة دون أن يسعى لاستخراجه.
“ظننت أن لديكم وقتًا أطول،” قال أخيرًا وهو ينقر على الطاولة.
“كان لدينا،” قال فاليريوس، وهو ينظر مجددًا نحو المدخل، بحركة أسرع هذه المرة. “منذ أن ظهرت، لم يعد الوقت الذي كنا نعتمد عليه متاحًا بالقدر نفسه.”
“والشخص الذي تنتظره؟” سأل الرجل، بنبرة أقرب إلى العتاب اللطيف. “أم أنك ستستمر بالنظر نحو ذلك الباب طوال الليل؟”
ابتسم فاليريوس ابتسامة خفيفة، لا تصل إلى عينيه تمامًا.
“إن لم يصل الآن،” قال، وهو يضع الكأس على الطاولة برفق، “فلن يصل في الوقت المناسب.”
تحت كل هذا الضوء والموسيقى والضحك، كان أورِن ما يزال يتقدم في ممر لا يعرف نهايته.
توقف عند نقطة تفرّع الممر إلى اتجاهين. تذكر التفاصيل التي حفظها، واختار الاتجاه الأيمن دون تردد.
الهواء هنا كان أبرد مما كان عليه عند بداية النزول، والصدى أكثر عمقًا، كأن المسافة التي تفصله عن السطح تتسع مع كل خطوة إضافية.
لمس الخاتم مرة أخرى.
بقي باردًا.
لكنه شعر، للمرة الأولى منذ دخوله هذا الممر، بشيء غامض يتحرك في الهواء من حوله، ليس صوتًا، ولا ضوءًا، بل إحساسًا خفيفًا بأن المسافة التي تفصله عما ينتظره بدأت تضيق.
واصل السير.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.