مدّت يد الطفل الصغيرة نحو خاتم أورِن، بحركة سريعة، مدروسة، من نوع الحركات التي لا تأتي من طفل يجرب لأول مرة، بل من يد تعرف تمامًا متى تتحرك ومتى تنتظر.
لم يتراجع أورِن بسرعة كافية.
للحظة، شعر بأصابع الطفل الصغيرة تقترب من إصبعه، وشعر بشيء يشبه سحبًا خفيفًا، كأن الطفل بدأ فعلاً في نقل الخاتم بعيدًا عنه بقدرته الخاصة.
ثم توقف كل شيء.
لم يصرخ الطفل. لم تحدث ومضة ضوء، ولم يهتز المكان. لكن جسده تجمد فجأة في منتصف الحركة، ذراعه لا تزال ممدودة، وعيناه اتسعتا فجأة بشيء أقرب إلى الذهول منه إلى الألم.
سقط على ركبتيه.
بقي أورِن واقفًا، ينظر إليه، مرتبكًا من كل ما حدث، غير متأكد إن كان عليه أن يتحرك أو ينتظر. الخاتم على إصبعه ما زال هناك، لم يتزحزح، لم يُسرق، عاد إلى برودته المعتادة، وكأن شيئًا في الهواء بينهما ابتلع ما حاول الطفل أخذه، وترك شيئًا آخر مكانه.
رفع الطفل رأسه ببطء.
نظر إلى الصندوق.
عرف أنه مهم. عرف أنه كان يريد شيئًا يتعلق به. لكن حين حاول أن يتذكر لماذا جاء إلى هنا بالتحديد، لماذا اختار هذه الحجرة من بين كل الأماكن، شعر أن جزءًا من الصورة اختفى، كأن ورقة انتُزعت من دفتر كامل دون أن تترك أثرًا واضحًا لحدود الفراغ الذي خلّفته.
في القاعة العليا، استمرت المراسم بإيقاعها المعتاد.
نبيل بعد آخر يتقدم، ينحني، يتلو عبارات الولاء، ثم يتراجع ليحل محله التالي. الإمبراطور يجلس على عرشه بثبات من اعتاد هذا الطقس منذ سنوات طويلة، شعره الذهبي يلمع تحت ضوء الثريات، شاربه الطويل مرتب بعناية فوق ابتسامة رسمية باهتة لا تتغير كثيرًا من نبيل إلى آخر. لم يكن رجلاً عملاق البنية، ، لكن كل شيء في وقوف الحراس من حوله، وفي طريقة انحناء النبلاء أمامه، وفي الصمت الذي يخيم على القاعة كلما تحرك، أكد أنه الرجل الذي يقف في قمة كل شيء هنا. تطريزات ذهبية دقيقة تمتد على أطراف ثوبه الداكن، ورمز صغير منقوش فوق كتفه، لا يشبه تاجًا حقيقيًا بقدر ما يشبه علامة يعرفها كل من في القاعة دون حاجة إلى شرح.
ثم توقف الطقس فجأة.
انفتح باب جانبي دون إذن مسبق، ودخلت المرأة.
كانت العباءة القاتمة نفسها، والبرقع الداكن نفسه الذي حجب وجهها في الساحة قبل ساعات، وخلفها عدد من الفرسان يرتدون دروعًا مختلفة عن دروع حرس القصر، رمادية باهتة، تحمل نقشًا شعلة زرقاء.
توقفت المراسم تمامًا.
لاحظ النبلاء الأقرب أن شيئًا غير معتاد يحدث، تراجعت بعض الأيدي عن حمل كؤوسها في منتصف الطريق، وتبادل اثنان منهم نظرة سريعة دون كلام.
سارت المرأة نحو منتصف القاعة، وأخرجت من داخل عباءتها وثيقة مختومة بختم كبير، ورفعتها بيد ثابتة.
“باسم المحكمة العليا.” قالت، بصوت واضح لا يحمل توترًا. “أعلن تفعيل القانون 386.”
سرى شيء في القاعة أشبه بموجة صامتة.
لم يصرخ أحد. لم ينهض أحد فجأة عن مكانه. لكن بعض الوجوه شحبت، وتبادل نبلاء عدة نظرات قصيرة مثقلة بمعنى لم يحتج إلى شرح فيما بينهم.
“ثلاث مرات فقط.” همس أحد النبلاء القريبين لصاحبه، بصوت لا يكاد يُسمع. “لم يُفعَّل إلا ثلاث مرات في تاريخ المحكمة كله.”
لم يوضح أحد أكثر من ذلك، ولم يكن هناك داعٍ. كل من في القاعة تقريبًا يعرف وزن الرقم نفسه.
“وفقًا لمبادئ عقيدة الفانوس،” أضافت المرأة، “يحق للمحكمة، عند تفعيل هذا القانون، إجراء تفتيش شامل للعاصمة، يشمل فحص العقول والذاكرة لمن يُشتبه بحمله ممارسات هرطقية أو آثارًا محظورة.”
جفّت بعض الحلوق في القاعة. لم يكن الجميع مذنبين بالضرورة بشيء واحد محدد، لكن كل نبيل يقف هناك يحمل شيئًا لا يريد لأحد أن يراه، سرًا سياسيًا، صفقة غير معلنة، ملكية سحرية لم تُسجل رسميًا، أو ذكرى يفضل أن تبقى في مكانها.
نظرت المرأة نحو العرش مباشرة. “نطلب موافقة جلالتكم على تنفيذ طقس الفانوس داخل حدود العاصمة، بدءًا من هذه القاعة.”
ساد صمت طويل.
نظر الإمبراطور إليها، بلا أي علامة على الخوف، ولا غضب صاخب، فقط تلك الهيبة الهادئة نفسها التي دخل بها القاعة قبل قليل.
“أرفض.”
بقيت القاعة صامتة تمامًا بعدها، النبلاء ينظرون بين الإمبراطور والمرأة، الفرسان خلفها يتصلبون قليلاً في وقفتهم دون أن يتحركوا فعليًا، وشيء في الهواء أصبح أثقل من أي مراسم رأتها هذه القاعة من قبل.
لم تتراجع المرأة. لم تنحنِ. بقيت واقفة في مكانها، والوثيقة لا تزال بين يديها، وكأن رفض الإمبراطور نفسه لم يكن كافيًا لإغلاق الأمر.
نظر أحد الفرسان خلفها إلى الآخر، دون أن يتحرك، ونظر حراس القصر بدورهم إلى الإمبراطور، ينتظرون إشارة لم تأتِ بعد. بقي فاليريوس في مكانه بين الصفوف، بلا أي حركة تلفت الانتباه، يراقب المشهد كما يراقبه أي نبيل حذر يعرف أن كلمة واحدة زائدة في لحظة كهذه قد تكلفه أكثر مما يستطيع تحمله.
جمدت القاعة بأكملها في تلك الثانية، معلقة بين سلطتين لا تعرف أي منهما ستتراجع أولاً.
تحت الأرض، بقي الطفل جالسًا على الأرض قرب القاعدة الحجرية، ينظر إلى المكان من حوله بارتباك متزايد.
نظر إلى الصندوق مرة أخرى.
نظر إلى أورِن.
حاول أن يجمع الخيط الذي أحضره إلى هنا، السبب، الهدف، الوجه الذي أرسله ربما، أو الفكرة التي دفعته للمجيء وحده إلى هذا المكان المظلم تحت القصر. لم يجد شيئًا واضحًا. كل ما كان هناك، بشكل ما، قبل لحظات، أصبح الآن غائبًا، لا كذكرى محيت بالكامل، بل كغرفة كانت مضاءة ثم أُطفئ نصفها فجأة دون أن يعرف أي نصف بالضبط.
حاول أن يقف، فترنّح قليلاً، ومدّ يده إلى القاعدة الحجرية ليستند إليها، دون أن يقترب من الصندوق هذه المرة، وكأن جسده نفسه تذكّر خطرًا لم يعد عقله يحتفظ بتفاصيله.
نظر أورِن إليه بصمت، لا يعرف إن كان عليه أن يقول شيئًا، أن يساعده على الوقوف، أو أن يبتعد ببساطة نحو الصندوق بينما الطفل لا يزال مرتبكًا. لم يكن يفهم ما حدث بالضبط، لماذا توقف الخاتم عند سحب بسيط، ولماذا يبدو الطفل الآن أصغر وأضعف مما بدا عليه قبل دقائق قليلة، حين مدّ يده بثقة من يعرف ما يفعله تمامًا.
رفع الطفل رأسه نحو أورِن، بنظرة طفل حقيقي هذه المرة، لا لص واثق من نفسه.
“لماذا أنا هنا؟”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.