الفصل البيني 6
كان فك بايج يؤلمها. فالتكميم كما لو كانت حيوانًا يفعل ذلك بالمرء.
أما القيود الأخرى فلم تكن سيئة إلى هذا الحد، لكن ذلك صحيح نسبيًا فحسب. كانت يداها مدفونتين داخل دلوين معدنيين مقوّيين، امتلأ كل منهما بتلك الرغوة الصفراء الباستيلية اللعينة. وكان الدلوان موصولين ببعضهما خلف ظهرها بسلسلة ذات حلقات ضخمة على نحو يبعث على السخرية. لكان وزنها لا يُحتمل لولا الخطاف المثبت خلف كرسيها، الذي استطاعت تعليق السلسلة عليه.
شُدّت شرائح معدنية حول جسدها، أسفل إبطيها مباشرة، وبالقرب من أسفل قفصها الصدري، وحول أعلى ذراعيها وخصرها، مع شريطين إضافيين حول كل كاحل. بدت السلاسل وكأنها تصل كل شيء بكل شيء آخر، مانعةً إياها من تحريك ذراعيها أو ساقيها أكثر من بضع بوصات في أي اتجاه قبل أن تشعر بمقاومة السلاسل المزعجة وتسمع خشخشتها. أما الطوق المعدني الثقيل حول عنقها، الذي كان سميكًا بما يكفي ليُستخدم إطارًا لإطار سيارة صغيرة، فكان يومض بضوء أخضر على فترات متباعدة بما يكفي لتجعلها تنسى توقع الوميض التالي. وفي كل مرة يضيء فيها، كان يلفت انتباهها في طرف مجال رؤيتها ويثير انزعاجها.
كانت المفارقة أن زوجًا من الأصفاد كان سيكفي. لم تكن تتمتع بقوة خارقة، ولم تكن تملك حيلًا تتيح لها الإفلات من قيودها، كما أنها لم تكن تنوي الهرب أصلًا. ولو كان أي من ذلك احتمالًا حقيقيًا، لما سُمح لها بدخول قاعة المحكمة. فقد جادل الادعاء بأنها قد تمتلك قوة خارقة، وأنها قد تحاول الفرار، ولم ينجح محاميها في الدفاع عنها ضد هذه الادعاءات بما يكفي، فوُضعت القيود عليها. وهذا يعني أنها كُبّلت كما لو كانت هانيبال ليكتر، وكأن إدانتها قد حُسمت بالفعل. وبما أنها لم تستطع استخدام يديها، فقد انفلت شعرها، ذي اللون الأصفر الزاهي والصادم كلون الليمون، من خلف أذنيها، وراحت خصلاته تتدلى أمام وجهها. كانت تعرف أن ذلك يجعلها تبدو أكثر اختلالًا وخطورة، لكنها لم تكن تستطيع فعل أي شيء حيال الأمر.
لو استطاعت، لكان لديها تعليق أو اثنان تقولهما بشأن ذلك، أو لطلبت على الأقل من المحامي ترتيب شعرها. ولكانت جادلت الرجل الذي عُيّن للدفاع عنها بدلًا من انتظار ساعات أو أيام للحصول على رد على كل رسالة إلكترونية ترسلها إليه. ولكانت طالبت بحقوقها الأساسية.
لكنها لم تستطع قول أي شيء. فقد وُضع على الجزء السفلي من وجهها قناع جلدي، معزّز بالشرائح المعدنية نفسها المثبتة على جسدها، ومزوّد بشبكة تشبه القفص مصنوعة من قضبان معدنية صغيرة، ثم ثُبّت بإحكام. وكان أسوأ ما في القناع هو الجزء الداخلي منه، إذ امتد تركيبه إلى داخل فمها، حيث أبقت شبكة من الأسلاك فمها مفتوحًا قليلًا وثبّتت لسانها بقوة على أرضية فمها. جعلها هذا الترتيب الهمجي تشعر بتوتر وألم يمتدان عبر فكها ولسانها وعضلات عنقها.
«الهدوء. أرجو من الجميع الوقوف. تُفتتح الجلسة الآن، برئاسة القاضي الموقر بيتر ريغان».
كان التحرك صعبًا للغاية بسبب القيود. أمسك محاميها بالسلسلة الممتدة بين إبطها وأعلى ذراعها ليساعدها على الوقوف، لكنها تعثرت على أي حال واصطدمت بالطاولة. لم يكن من الممكن التحرك برشاقة وأنت ترتدي قيودًا يساوي وزنها نصف وزنك.
«سيداتي وسادتي أعضاء هيئة المحلفين، هل توصلتم إلى حكم؟»
«نعم، يا سيادة القاضي».
راقبت بايج كاتب المحكمة وهو يسلم الظرف إلى القاضي.
«في قضية ولاية ماساتشوستس ضد بايج ماكابي، فيما يتعلق بتهمة الشروع في القتل، ما حكمكم؟»
«غير مذنبة، يا سيادة القاضي».
ارتخت بايج قليلًا من شدة الارتياح.
«في قضية ولاية ماساتشوستس ضد بايج ماكابي، فيما يتعلق بتهمة الاعتداء المشدد باستخدام قدرة باراإنسانية، ما حكمكم؟»
«مذنبة، يا سيادة القاضي».
هزّت بايج رأسها قدر ما سمحت لها قيودها. لا! هذا ليس عدلًا!
كادت تفوتها العبارة التالية.
«… الاعتداء الجنسي باستخدام قدرة باراإنسانية، ما حكمكم؟»
«مذنبة، يا سيادة القاضي».
الاعتداء الجنسي. جعلتها الكلمات تشعر بقشعريرة باردة. لم يكن الأمر كذلك. لم يكن ما حدث اعتداءً جنسيًا.
«هل هذا حكمكم؟»
«نعم، يا سيادة القاضي».
قال القاضي: «بايج ماكابي، أرجو أن توجهي انتباهك إليّ».
فعلت ذلك، وعيناها متسعتان، وملامحها تنم عن صدمة جعلتها عاجزة عن الاستيعاب.
«إن تحديد العقوبة المناسبة لهذه القضية ليس أمرًا سهلًا. وكما لا شك أن محاميك قد أوضح لك، فأنت مشمولة بقانون العقوبات الثلاث، المعروف اختصارًا باسم TSPA. وأنت في الثالثة والعشرين من عمرك، ولم يسبق أن أُدنت بأي جريمة.
«وفقًا لشهادات الشهود الذين استمعت إليهم هذه المحكمة، أظهرتِ قدراتك للمرة الأولى في أوائل عام 2009. وقد عبّرتِ بوضوح عن عدم رغبتك في الانضمام إلى منظمة الحماة، لكنك أظهرتِ أيضًا عدم اهتمامك بحياة الجريمة. وتُصنّف هيئة الاستجابة للباراإنسان هذه الحالة، التي لا يعتبر فيها الفرد نفسه بطلًا ولا شريرًا، على أنها حالة «المستقل».
«من مصلحتنا تشجيع وجود المستقلين، مع تزايد نسبة الباراإنسان في مجتمعنا ببطء. فكثير من المستقلين لا يتسببون في مواجهات، ولا يسعون إلى التدخل فيها. وبدلًا من ذلك، يوجّه معظم هؤلاء الأفراد قدراتهم إلى الاستخدامات العملية. وهذا يعني صراعات أقل، وهو ما يعود بالنفع على المجتمع. وتتوافق هذه الأفكار مع ما عبّرتِ عنه أمام عائلتك وأصدقائك، وفقًا لما سمعناه في قاعة المحكمة خلال الأسابيع الماضية.
«هذه الحقائق تصب في مصلحتك. لكن للأسف، فإن بقية الحقائق لا تفعل ذلك. افهمي يا آنسة ماكابي أن أمتنا تلجأ إلى السجن لعدة أسباب. فنحن نسعى إلى إبعاد الأفراد الخطرين عن المجتمع، ونفعل ذلك أيضًا بوصفه عقابًا، لتحقيق العدالة بحق المخالفين وردع المجرمين الآخرين عن ارتكاب جرائم مماثلة.
«وينطبق كل ذلك على قضيتك. فالأمر لا يتعلق فقط بالطبيعة الشنيعة للجريمة التي يجب أن تعكسها العقوبة، بل أيضًا بحقيقة أنها ارتُكبت باستخدام قدرة خارقة. لا تزال القوانين حديثة العهد في مواجهة الجرائم التي يرتكبها الباراإنسان. فنحن نتعرف إلى قدرات جديدة كل أسبوع، ومعظمها، إن لم يكن جميعها، يستلزم دراسة دقيقة ومستقلة من الناحية القانونية. وفي كثير من هذه الحالات، لا توجد سوابق قانونية يُعتد بها، أو تكاد لا توجد. ولذلك، تضطر المحاكم إلى التكيف باستمرار، وإلى اتخاذ تدابير استباقية وابتكار حلول في مواجهة الظروف الجديدة التي تفرضها القدرات الباراإنسانية.
«آخذًا كل ذلك في الاعتبار، توصلت إلى قراري بشأن عقوبتك. يجب أن أحمي الجمهور، ليس منك وحدك، بل أيضًا من الباراإنسان الآخرين الذين قد يفكرون في ارتكاب ما ارتكبتِه. إن وضعك في منشأة احتجاز عادية يطرح مشكلات ويترتب عليه تكاليف باهظة للغاية. كما أن إبقاءك مقيدة طوال فترة سجنك سيكون عملًا غير إنساني وضارًا بجسدك. وسيتعين تجهيز مرافق خاصة وتوفير موظفين وتدابير مضادة لإبقائك معزولة عن بقية السجناء. وأنت تشكلين خطرًا كبيرًا من حيث احتمال الهرب. وأخيرًا، فإن احتمال عودتك إلى المجتمع، سواء عن طريق الهرب أو الإفراج المشروط، يثير قلقًا بالغًا، بالنظر إلى احتمال تكرار الجريمة.
«وبناءً على كل ذلك، قررت أن هناك أسبابًا كافية للحكم عليك خارج نطاق قانون العقوبات الثلاث. وبما أنك مذنبة في تهمتين، فإن المتهمة بايج ماكابي تُحكم عليها بالسجن إلى أجل غير محدد في مركز باومان لاحتجاز الباراإنسان».
سجن القفص الطائر.
كان الضجيج في قاعة المحكمة يصم الآذان. هدير من الهتاف والاستهجان، وحركة في كل مكان، وأشخاص ينهضون من مقاعدهم، وصحفيون يتدافعون ليكونوا أول من يخرج من الباب. وحدها بايج بدت ساكنة. باردة، متجمدة في رعب مطلق.
لو استطاعت، لربما كانت تلك هي اللحظة التي تفقد فيها أعصابها تمامًا. لصرخت معلنة براءتها، وأحدثت نوبة غضب، وربما وجهت بعض اللكمات. فما الذي بقي لديها لتخسره؟ لم تكن هذه العقوبة أفضل كثيرًا من الإعدام. بل إن البعض سيقول إنها أسوأ. لن يكون هناك هرب، ولا استئناف، ولا إفراج مشروط. ستقضي بقية حياتها بصحبة الوحوش. ومع بعض الأشخاص المحتجزين هناك، لم يكن وصفهم بالوحوش مجرد استعارة.
لكنها لم تستطع فعل شيء. كانت مكبلة ومكممة. وضع رجلان يفوقانها حجمًا وقوة ذراعيهما تحت إبطيها، وكادا يحملانها بالكامل إلى خارج قاعة المحكمة. وسارت إلى جانبهما امرأة ثالثة ترتدي زيًا رسميًا، ضخمة البنية، بخطوات سريعة وهي تجهز حقنة. اجتاحها الذعر، ولأنها لم تجد وسيلة للتعبير عنه أو فعل أي شيء حياله، تضاعف هياجها، فازداد ذعرها أكثر. وتحولت أفكارها إلى ضباب فوضوي.
وقبل أن تُغرس حقنة المهدئات في عنقها، فقدت بايج ماكابي الوعي.
■
استيقظت بايج واستمتعت بخمس ثوانٍ من السلام قبل أن تتذكر كل ما حدث. ضربها الواقع كدفقة ماء بارد على وجهها، بالمعنى الحرفي تقريبًا. فتحت عينيها، لكنها وجدتهما جافتين، والعالم شديد السطوع لدرجة أنها لم تستطع التركيز عليه. أما بقية جسدها فكان رطبًا ومبتلًا. وكانت قطرات الماء تنساب على وجهها.
حاولت التحرك، لكنها لم تستطع. كان الأمر أشبه بوضع شيء ثقيل فوقها. أرعبها الشلل. لم تستطع بايج قط تحمل العجز عن الحركة. عندما كانت تذهب للتخييم في طفولتها، كانت تفضّل ترك كيس النوم مفتوحًا والشعور بالبرد على أن تُحاصر داخله.
أدركت أن السبب هو تلك الرغوة. لم تكن القيود كافية، لذلك رشّوها بالمادة للتأكد من أن كل شيء تحت كتفيها مغطى بها. كانت الرغوة تسمح بقدر ضئيل من الحركة، يكفي لأن تزفر، بل وأن تحرك ذراعيها وساقيها جزءًا ضئيلًا، أو تميل في أي اتجاه. لكن كلما دفعت بقوة أكبر، ازدادت المقاومة. وما إن تخفف محاولاتها حتى يعود كل شيء إلى الوضع نفسه بفعل قوة ارتداد الرغوة المطاطية. شعرت بالغثيان يتصاعد في معدتها، وبدأ قلبها يخفق بسرعة أكبر. وتسارعت أنفاسها، لكن القناع جعل حتى تنفسها يبدو مقيدًا. بلّل الماء قناعها، فالتصق بفمها وأنفها. كانت هناك شقوق لفتحتي أنفها وفمها، لكنها كانت ضيقة للغاية. لم تستطع أخذ نفس عميق دون أن يدخل الماء إلى فمها، ومع ضغط لسانها إلى الأسفل، لم يكن البلع سهلًا.
اهتزت الغرفة فجأة، واضطرت إلى كبح نفسها قبل أن تتقيأ ما تناولته في الصباح. لو تقيأت والقناع على وجهها، فقد تختنق. أدركت بصورة غامضة أين كانت. داخل مركبة. شاحنة. لقد مرت فوق حفرة في الطريق.
كانت تعرف إلى أين يأخذونها. لكن إن لم تستطع التحرر، فستفقد عقلها قبل أن تصل إلى هناك.
قالت فتاة بصوت يحمل أثرًا خفيفًا من لهجة بوسطن الأنفية: «العصفورة الصغيرة استيقظت».
همهم رجل: «ممم».
عرفت بايج أن الإشارة إلى «العصفورة» تعود إلى الريش المتناثر الذي كان يبرز من فروة رأسها. فقد جاءت قدراتها مصحوبة بتغييرات شكلية طفيفة للغاية، إذ تحول شعرها إلى أصفر فاقع، بلون الموز أو فراخ البط الصغيرة. وشمل ذلك كل شعر جسدها، حتى رموشها وحاجبيها والشعيرات الناعمة على ذراعيها. أما الريش، فقد بدأ ينمو قبل عام، بالدرجة اللونية نفسها التي لشعرها، ولم يكن يظهر إلا بضع ريشات في كل مرة. في البداية، شعرت بالفزع والحرج، فقصّته. لكن بعدما أدركت أن التغييرات لن تتجاوز ذلك، استرخت وتركت الريش ينمو، بل بدأت تتباهى به.
حوّلت بايج انتباهها إلى الشخصين الموجودين معها في المركبة، سعيدة بالعثور على ما يصرف ذهنها عن الذعر الذي أخذ يتصاعد داخلها. واضطرت إلى إجبار عينيها على البقاء مفتوحتين رغم الألم الذي سببه الضوء، وانتظرت حتى تتمكنا من التركيز.
كانت تجلس على المقعد المقابل لها فتاة في مثل عمرها تقريبًا. بدت ملامح الفتاة آسيوية، لكن عينيها كانتا زرقاوين شاحبتين جدًا، بما يكشف عن أصول غربية في عائلتها. كانت ترتدي بذلة السجن البرتقالية نفسها التي ترتديها بايج، ولم يكن أي جزء من جسدها مغطى بالرغوة الصفراء المائلة إلى البياض سوى كتفيها ورأسها. وكان شعرها الأسود المستقيم ملتصقًا بفروة رأسها بسبب البلل.
أما الرجل، فكان يجلس على المقعد الآخر. وكانت كمية الرغوة المحيطة به أكبر من تلك التي تحيط ببايج والفتاة مجتمعتين. وفوق ذلك، أحاطت بالقالب الرغوي شبكة من القضبان المعدنية لتعزيز تثبيته. كان الرجل آسيويًا أيضًا، ويبلغ طوله ستة أقدام على الأقل. امتدت وشوم على جانبي عنقه وخلف أذنيه، وصولًا إلى شعره الأسود المبتل؛ ألسنة لهب حمراء وخضراء، ورأس مخلوق قد يكون سحلية أو تنينًا، مرسوم بأسلوب شرقي. كان يحدق بعبوس، وعيناه مخفيتان في الظلال، غير مكترث بالرذاذ المتواصل الذي تولّده مرشّات المياه في سقف الشاحنة.
قالت الفتاة الجالسة قبالة بايج: «مرحبًا أيتها العصفورة الصغيرة». كانت تحدق في بايج وكأن عينيها الباردتين قادرتان على اختراقها والنظر إلى داخلها. «إليك ما سنفعله. ميلي إلى يمينك بأقصى ما تستطيعين، ثم ادفعي نفسك نحو اليسار عندما أعطيك الإشارة. لكن أبقي وجهك متجهًا إلى الباب الخلفي هناك، مفهوم؟»
ألقت بايج نظرة إلى يمينها. بدا الباب الخلفي للشاحنة كباب خزنة مصرفية. ثم نظرت بسرعة إلى الفتاة الآسيوية. هل تريد حقًا أن تدير ظهرها لهذه الفتاة؟
بدا أن الفتاة لاحظت تردد بايج. فخفضت صوتها حتى أصبح أشبه بفحيح جعل جلد بايج يقشعر.
«افعلي ذلك. إلا إذا كنت تريدين حقًا المجازفة باحتمال أن أتمكن من العثور عليك داخل السجن، إن لم تفعلي ما أقوله؟»
اتسعت عينا بايج. كان هذا هو نوع الأشخاص الذين ستُحبس معهم. هزّت رأسها نافية.
«جيد، أيتها العصفورة الصغيرة. والآن ميلي إلى يمينك، وانظري إلى الباب».
فعلت بايج ذلك، وأجهدت جسدها لتقترب من الباب قدر استطاعتها.
«والآن عودي!»
دفعت نفسها بقوة نحو الاتجاه الآخر، وظلت عيناها مثبتتين على الباب. وفجأة ارتطم شيء ثقيل بمؤخرة رأسها. حاولت الابتعاد والجلوس باستقامة مجددًا، لكنها توقفت عندما علق القناع بشيء ما.
وحين شعرت بنفَس ساخن على مؤخرة عنقها، عرفت ما الذي علق به القناع. كانت الفتاة الأخرى قد أمسكت بحزامه بين أسنانها. شعرت بايج بشدّة، ثم فقدت الفتاة قبضتها، وعادت الاثنتان إلى موضعيهما بفعل قوة ارتداد الرغوة المطاطية.
زمجرت الفتاة: «تبًا. مرة أخرى».
احتاج الأمر إلى محاولتين إضافيتين. في المحاولة الأولى، انفك الحزام من المشبك. وفي الثانية، أمسكت الفتاة بالقناع نفسه وسحبته. أدارت بايج رأسها نحو الفتاة حتى تتمكن من نزع القطعة الشبكية الشبيهة باللهاية الموجودة داخل فمها.
امتدت خيوط من اللعاب من فمها بينما راحت تحرك فكها ولسانها، محاولةً البلع بصورة طبيعية. وأطلقت أنينًا خافتًا عندما بدأت الأحاسيس تعود إلى أجزاء وجهها التي خدرها القناع.
تمتمت الفتاة الآسيوية، وما زالت أسنانها تمسك بجلد القناع: «سؤالان. ما قدرتك؟»
اضطرت بايج إلى تحريك فكها وفمها لثوانٍ قبل أن تتمكن من الكلام.
«قدرتي؟ أنا أغني. أغني بشكل رائع حقًا».
قطبت الفتاة حاجبيها.
«وماذا أيضًا؟»
«أنا… أجعل الناس يشعرون بالرضا. عندما أبدأ بالغناء، أستطيع التأثير فيهم وتغيير مشاعرهم، وجعلهم أكثر قابلية لاتباع التعليمات».
أومأت الفتاة.
«والطوق؟»
نظرت بايج إلى الطوق المعدني الثقيل حول عنقها.
«مُعدّ لحقن المهدئات في عنقي إذا غنيت أو رفعت صوتي».
«حسنًا»، تمتمت الفتاة. «خذي القناع».
«لماذا؟»
«خُذيه!»
أومأت بايج. مالت كل منهما بعيدًا عن الأخرى، ثم اندفعتا نحو بعضهما، ومررت الفتاة القناع إلى بايج. أمسكته بايج بأسنانها، شاعرةً بالألم في فكها.
قالت الفتاة: «إذا أسقطتِه، فسأقلبك من الداخل إلى الخارج. لونغ! أهيه، لونغ؟ استيقظ».
رفع الرجل الجالس قبالتهما رأسه قليلًا وفتح عينيه. ربما فعل ذلك. لم تستطع بايج الجزم تمامًا.
تابعت الفتاة: «أعرف أن الأمر صعب بسبب المواد التي حقنوها فيك، لكنني أحتاج إلى قدرتك. أيتها العصفورة، ميلي إلى الأمام وأريه القناع».
بذلت بايج أقصى ما تستطيع لدفع نفسها إلى الأمام ضد الرغوة التي غطت صدرها وبطنها، وهي تمسك الحزام بأسنانها، بينما يتدلى القناع أسفل ذقنها.
قالت الفتاة: «أريدك أن تسخّن المعدن يا لونغ. اجعله ساخنًا بحق الجحيم».
هزّ لونغ رأسه.
وعندما تكلم، لم تكن في صوته أي آثار من لهجة بوسطن. كانت لهجته تجعل كلماته مقتضبة، واضحة النبرة، ولم يكن من الممكن أن يكون متحدثًا أصليًا بالإنجليزية.
«الماء… رطب أكثر من اللازم، وبارد أكثر من اللازم. ولا أستطيع رؤيته بوضوح. عيناي لم تتعافيا تمامًا، ومن الصعب الرؤية عبر هذا الرذاذ. لا تزعجيني بهذا».
«حاول، أيها الوغد البائس. يا لك من قائد فاشل. هذا أقل ما يمكنك فعله بعد أن هزمتك فتاة صغيرة شر هزيمة، مرتين».
زمجر لونغ: «كفى يا باكودا». ثم ضرب رأسه بقوة في الجدار المعدني للشاحنة خلفه، وكأنه يريد أن يؤكد كلامه.
«ماذا؟ لم أسمع ما قلته». ابتسمت الفتاة، باكودا، بابتسامة لم تخلُ من مسحة جنون. «صوتك مرتفع وحاد لدرجة أنه خارج نطاق سمعي! أيها البائس… الهجين… المخصي!»
«كفى!» زمجر مرة أخرى، وضرب رأسه بالجدار. «سأقتلك يا باكودا بسبب هذه الإهانات! سأنتزع ذراعك من مفصلها ثم سأحشرها…»
قاطعته باكودا وهي تكاد تصرخ: «هل أنت غاضب؟! جيد! استغل غضبك! سخّن المعدن اللعين! الشريط المعدني الذي يحيط بالحواف!»
كان لونغ لا يزال يلهث من شدة الصراخ، لكنه حوّل انتباهه إلى القناع. شعرت بايج باندفاع الحرارة على وجهها، فحاولت الابتعاد، لكنها توقفت عندما صاحت باكودا:
«ركّزها! ركّز على الحواف!»
توقف انبعاث الحرارة، لكن بايج بدأت تشم رائحة دخان نفّاذة.
«أكثر سخونة! اجعله ساخنًا قدر استطاعتك!»
كانت الرائحة قوية جدًا ولاذعة. سعلت بايج بقوة عدة مرات، لكنها لم تفقد قبضتها على القناع.
«والآن، أيتها العصفورة! الحركة نفسها كما في المرة السابقة، لكن لا تفلتيه!»
أومأت بايج. مالت بعيدًا، ثم اندفعت نحو باكودا. وما حدث بعد ذلك فاجأها أكثر مما فاجأها عندما عضّت باكودا حزام القناع.
شرعت الفتاة الآسيوية في نهش المعدن المتوهج بالحرارة بأسنانها، تغرسها فيه حتى وهي مضطرة إلى الابتعاد. ومع ارتفاع حرارته، أصبح المعدن أكثر ليونة، فانفصل الشريط المعدني الرقيق عن القناع نفسه. وجرح المعدن الممتد على طول الحزام شفة بايج أثناء انفصاله. كادت بايج أن تُسقط القناع، لكنها تمكنت في اللحظة الأخيرة من إطباق أسنانها والإمساك بالمشبك قبل أن يسقط على الأرض.
وما إن انفصل الشريط حتى تراجعت باكودا وأدارت رأسها بقوة إلى أحد الجانبين، فغرزت أحد طرفي الشريط في كتفها. صرخت، وبدأ الدم يسيل من أحد الحروق الموجودة على فمها.
نظرت بايج إلى لونغ. لم يفعل الرجل الضخم شيئًا، وظل صامتًا. اكتفى بمراقبة صدر باكودا وهو يعلو ويهبط من شدة الجهد والألم، ورأسها متدلٍ إلى الأسفل، بوجه خالٍ من أي تعبير.
همست بايج: «ما الذي تفعلينه بحق الجحيم؟»
لهثت باكودا: «لا أملك يدين، لذا عليّ أن أتدبر أمري. مرة أخرى. قبل أن يدرك جسدي مدى الألم الذي ألحقته به».
أومأت بايج. لم تكن تنوي مجادلة الشريرة الخارقة التي هددتها بقلبها من الداخل إلى الخارج.
لم تكن المحاولات التالية أجمل أو أسهل. انفصل الشريط المعدني الطويل الثاني، وغرزت باكودا طرفه أيضًا في كتفها. ثم جاء دور الشبكتين المعدنيتين، الداخلية والخارجية، في القناع. وفي النهاية، لم يتبقَّ في يد بايج سوى الجزء الجلدي من القناع، مع الأحزمة والغطاء الذي كان يغطي فمها وأنفها. وعندما رأت باكودا توازن الشبكتين المعدنيتين بحذر على كتفها الخالي، مستندةً بهما إلى الرغوة اللزجة حتى لا تنزلقا، فعلت بايج الشيء نفسه بالجزء الجلدي من القناع.
سألت بايج: «ماذا فعلتِ حتى أرسلوك إلى هنا؟»
قالت باكودا: «آخر ما سمعته، قبل أن نفقد الكهرباء في حيّنا، أن عدد القتلى اقترب من خمسين شخصًا».
«قتلتِ خمسين شخصًا؟»
ابتسمت باكودا، ولم تكن ابتسامتها جميلة، خصوصًا مع تمزق شفتيها وتضررهما.
«وأصبتُ عددًا أكبر. وهناك من أصيبوا بتلف في الدماغ، وربما أُصيب شخص أو اثنان بجنون قاتل، وأعرف أن مجموعة من الناس تجمدوا في الزمن لمدة مئة عام أو نحو ذلك… يصعب تذكر التفاصيل. لكن اللحظة الأبرز كانت القنبلة».
«قنبلة؟» سألت بايج، وقد اتسعت عيناها.
«قنبلة. قالوا إنها بقوة قنبلة ذرية. حمقى. لم يفهموا حتى التكنولوجيا التي تقف وراءها. متحجرون فكريًا. صحيح أنها كانت تقاربها في القوة، لكن هذا لم يكن حتى الضرر الحقيقي. الشيء المذهل كان الموجة الكهرومغناطيسية التي كانت ستولدها. كانت ستمحو كل قرص صلب وتحرق كل لوحة دوائر إلكترونية في كل قطعة آلة عبر أكثر من خُمس الولايات المتحدة. أما آثار ذلك؟ لكانت أسوأ من أي قنبلة ذرية».
لم تستطع بايج حتى استيعاب الأمر، فالتفتت إلى لونغ.
«وماذا عنه؟»
«لونغ؟ هو من أمرني بفعل ذلك. إنه الرجل المسؤول، كما ترين».
تحرك رأس لونغ حركة طفيفة، لكن بايج لم تستطع معرفة ما إذا كان يراقبهما، بسبب الظلال التي تغطي عينيه.
سألت باكودا بايج: «وأنتِ؟ ماذا فعلتِ حتى يرسلوك إلى هنا؟»
«قلت لحبيبي السابق أن يذهب إلى الجحيم».
ساد الصمت لحظة، ثم انفجرت باكودا في ضحك هستيري.
«ماذا؟»
«الأمر معقد». أشاحت بايج بنظرها إلى الأسفل.
«عليك أن تشرحي، أيتها العصفورة».
«اسمي بايج. أما اسمي الفني فكان كناري».
«أوووه». استمرت باكودا في الضحك قليلًا، وهي تمسك بأحد الشريطين المعدنيين المغروزين في كتفها وتسحبه إلى الخارج. ثم أمسكته بأسنانها وتابعت: «هذا لن ينفع. هل ستسمين نفسك كناري داخل السجن؟»
«لم أكن أنوي دخول السجن أصلًا».
«ومن يفعل؟»
«أعني أنني لست حتى شريرة خارقة. قدرتي تجعلني مغنية رائعة. كنت أجني الكثير من المال من الغناء، وكان هناك حديث عن توقيع عقود تسجيل، وكنا ننتقل إلى أماكن أكبر لإقامة الحفلات، وكانت عروضِي لا تزال تُباع تذاكرها بالكامل… كان كل شيء مثاليًا».
تركت باكودا الشريط يتدلى من فمها، ثم حرّكته بحذر حتى أمسكت بطرفه الأيسر. مالت إلى الخلف ورأسها متجه نحو السقف، وأدخلت الشريط المعدني الآخر، المغروز في كتفها، إلى فمها أيضًا، حتى أصبحت تمسك بطرف كل شريط بين أسنانها. توقفت وسألت:
«ماذا حدث؟»
هزّت بايج رأسها. كانت تلك الشهادة التي لم تتمكن قط من الإدلاء بها بصوت مسموع أثناء محاكمتها.
«كنت قد أنهيت للتو أكبر عرض لي حتى ذلك الحين. ساعتان على المسرح، ونجاح هائل، والجمهور أحب كل شيء. أنهيت العرض وذهبت إلى الكواليس لأرتاح وأشرب شيئًا، وهناك صادفت حبيبي السابق. أخبرني أنه بما أنه هو من دفعني إلى الصعود على المسرح في البداية، فإنه يستحق نصيبًا من الفضل. وأراد نصف المال».
ضحكت قليلًا.
«أمر سخيف. وكأن عليّ أن أتجاهل حقيقة أنه خانني، وأنه أخبرني عند انفصاله عني بأنني لن أحقق نجاحًا حقيقيًا أبدًا».
أومأت باكودا. ثم ابتعدت عن الشريطين بعد أن نجحت في ربطهما بطريقة تشبه العقدة. استخدمت أسنانها لثني الشريطين المتصلين حديثًا على شكل حرف L. وبعد أن أصبح الطرف الذي لم يكن مغروسًا في كتفها أمامها، أطبقت فمها عليه.
تابعت بايج: «تشاجرنا، ثم أخبرته أن يذهب إلى الجحيم. غادر، ولم أفكر في الأمر مرة أخرى… إلى أن ظهرت الشرطة عند باب منزلي».
أبعدت باكودا فمها عن طرف الشريط. كانت قد ثنته ليصبح على شكل حرف V غير محكم. حدقت فيه بعبوس، ثم نظرت إلى بايج.
«وماذا بعد؟»
«لقد فعلها فعلًا. أظن أنني كنت لا أزال تحت تأثير حماسة العرض، وأن قدرة صوتي كانت لا تزال تضاعف تأثير كلماتي، أو ربما كان في الجمهور وقد تأثر بي بشدة. لذلك، عندما أخبرته أن يذهب إلى الجحيم، فقد… حسنًا، فعل ذلك. أو حاول أن يفعل ذلك، وعندما اكتشف أن الأمر مستحيل جسديًا، بدأ يؤذي نفسه حتى…»
أغمضت بايج عينيها للحظة.
«لن أدخل في التفاصيل».
رفعت باكودا حاجبيها وهي تواصل العمل بالشريط المعدني داخل فمها.
«ممم، مسكين. يا له من…»
أبعدت الشريط عن فمها، وتأكدت من أن طرفه أصبح على شكل حرف O تقريبي، ثم أمسكت بالشريطين بأسنانها وسحبتهما معًا من كتفها، وهي تطلق grunt من الألم. وضعت الطرف الذي أعادت تشكيله للتو على المقعد، ثم مررت فمها على طول المعدن حتى تتمكن من الإمساك بالطرف الآخر.
وبعد أن أمسكته بأسنانها، حولت انتباهها إلى الجدار الفاصل بينها وبين بايج. كانت هناك أقفال موزعة على الجدار على مسافات منتظمة، صُممت لتثبيت سلاسل الأصفاد العادية، المخصصة للسجناء الذين لم تُغطَّ أجسادهم بالرغوة. بدأت باكودا تمرر الشريط المعدني عبر حلقة القفل. واختلطت قطرات العرق بالماء الذي كان يسيل على وجهها بينما تعمل.
علقت العقدة التي تصل الشريطين داخل الفتحة. دفعت باكودا بقوة أكبر قليلًا، فحشرتها في مكانها بإحكام. وجعل الانحناء على شكل حرف L الحلقة المعدنية المغلقة، التي تشبه حرف O، قريبة من كتف بايج.
سألت باكودا لونغ: «هل تراهن على ظهور أوني؟»
أجاب بصوته العميق: «سأندهش إن ظهر».
أمسكت باكودا بإحدى الشبكتين المعدنيتين بين أسنانها وبدأت تعمل عليها بأسنانها. كانت قطعة معدنية رقيقة واحدة، مثنية ومنسوجة مثل سياج الأسلاك المتشابكة، وإن كانت شبكتها أكثر كثافة. والآن، بعدما لم تعد الشرائح المعدنية تثبتها في مكانها، أصبحت باكودا حرة في فكها وتسويتها.
وعندما أوشكت على فكها بالكامل، عدّلت طريقة إمساكها بها، ثم أمسكت بفكيها الكتلة الثانية من الأسلاك، تلك التي كانت داخل فم بايج، وضغطت عليها حتى جمعتها في كتلة أسطوانية مشوهة يبلغ طولها نحو أربع بوصات وقطرها بوصة واحدة. وبينما ظلت تعض عليها، أدارت رأسها بحيث أصبح السلك المستقيم تقريبًا، الذي يبلغ طوله أربعة أقدام، موجهًا نحو لونغ، الذي لم يكن يبعد عن وجهها أكثر من قدمين. قالت من خلف تشابك الأسلاك في فمها:
«أحتاج إلى جعل الطرف ساخنًا».
زمجر لونغ، لكنه نفذ طلبها. وعندما أصبح الطرف أبيض من شدة الحرارة، عدلت باكودا قبضتها بسرعة، فأفلتته ثم أمسكته بأسنانها من جديد، حتى صار الطرف قريبًا من فمها. سحبت شفتيها إلى الخلف وعضت عليه.
سألت بايج: «كيف تستطيعين فعل ذلك؟ ألا يؤلمك؟»
زمجرت باكودا: «لا يُؤلمني كثيرًا». ثم ابتعدت عنه، وأسندت المقبض إلى المقعد، وجعلت السلك ممتدًا على كتفها، وأخذت تتفحص ما صنعته.
«لكن مينا الأسنان أقوى مما تتخيلين».
بصقت كمية من الدم على أرضية الشاحنة، ثم عضّت المعدن مرتين إضافيتين، مع التوقف بين كل عضة وأخرى لتدوير طوله باستخدام أسنانها وشفتيها ولسانها.
وعندما مدت السلك نحو بايج، وأدخلته عبر الطرف المعدني المثني على شكل حرف O، أدركت بايج ما الذي كانت باكودا تحاول إعداده طوال هذا الوقت. لم تحتج حتى إلى أن تُطلب منها الحركة؛ فانحنت ضد قيود الرغوة وأمالت عنقها إلى أحد الجانبين لتجعل طوقها في متناول مفك البراغي المرتجل الطويل. وكان الشريط المعدني ذو الحلقة عند طرفه يرفع الجزء الأقرب إلى بايج، مما يسهل على باكودا توجيهه.
لم يكن العمل سريعًا. اضطرت باكودا إلى استخدام أسنانها وفكها وحركة رأسها لتدوير مفك البراغي، وكان من الصعب إعادته إلى موضعه إذا فقدت قبضتها عليه. وبعد عشر دقائق طويلة من الصمت والأنين، لم يُسمع سوى صوت سقوط برغيين على المقعد المعدني، قبل أن تتوقف باكودا لتستريح وتخفف الضغط عن فكها.
قالت بايج: «لن تتمكني من فعل أي شيء لطوقي دون تفعيله».
تمتمت باكودا: «يا لك من غبية». وأخرجت شفتها السفلى، ثم نظرت إلى الأسفل كما لو أنها تستطيع تفحص مدى الضرر الذي لحق بشفتيها. «أنا خبيرة في القنابل. أفهم آليات التفعيل والعوامل المحفزة على المستوى الأساسي نفسه الذي تفهمين به المشي والتنفس. أستطيع تصور الأشياء الميكانيكية بطريقة لن تتمكني من بلوغها حتى لو حصلتِ على خمس شهادات جامعية وعشتِ مئة عام. أهنيني بهذه الطريقة مرة أخرى، وسأنهي حياتك».
وكأنها شعرت بأنها مضطرة إلى إثبات كلامها، أمسكت بمفك البراغي بأسنانها مجددًا وعادت إلى العمل. نزعت لوحة من الطوق، ثم استأنفت فك البراغي في أعماقه.
ترددت بايج في الكلام مجددًا، إذ كانت تعرف مدى سهولة استفزاز الفتاة، لكن الصمت كان خانقًا.
«أظن أنه من حسن الحظ أن الرحلة طويلة، من بوسطن إلى كولومبيا البريطانية».
أبعدت باكودا مفك البراغي عن فمها، وتحدثت بصوت خافت، كما لو كانت تكلم نفسها.
«كنتِ نائمة لبعض الوقت. ليس طويلًا كما تظنين».
شعرت بايج بشيء ينفصل من الطوق المعدني الثقيل حول عنقها، ورأت باكودا تميل بمفك البراغي إلى الأعلى، بينما تنزلق على طوله أنبوبة زجاجية بداخلها شيء متوهج. وبعد بضع دقائق أخرى، انضمت قطعة ميكانيكية أخرى إلى الأنبوبة الزجاجية، حتى بدا الأمر وكأنه سيخ شواء عالي التقنية.
قالت باكودا خلال استراحتها التالية: «مأساة. هذا عمل جميل. لا أقصد التجميع نفسه، فهذا رديء. من الواضح أن المخترع الخارق الذي صمم هذا أراد أن يكون تركيبه ممكنًا على يد أشخاص عاديين. وإلا لما استخدم البراغي وما شابه. لكن طريقة تصميمه، وكيف تتناسب جميع أجزائه معًا… تجعل أي عالم فخورًا. أكره أن أفسده».
أومأت بايج. لم تكن تعرف ما يكفي عن هذا النوع من الأمور حتى تخاطر بالتعليق. وعلى الرغم من رعب الموقف وفضولها، فإن أثر المهدئات الذي لا يزال في جسدها جعلها تشعر بالنعاس وبملل وشيك.
أغمضت عينيها.
لم تشعر بأن عينيها بقيتا مغمضتين لأكثر من دقيقة قبل أن يوقظها صوت صراخ:
«أيتها العصفورة!»
انتفضت بايج مستيقظة والتفتت إلى باكودا، فرأت أن العمل قد انتهى. لم تكتفِ باكودا بتعطيل الطوق، بل جمعت مكوناته في تركيب معدني وأسلاكي يشبه الكرة تقريبًا. وكان يتدلى من بقايا القناع وحزامه، اللذين كانت باكودا تمسك بهما بين أسنانها.
تكلم لونغ بصوت منخفض، مع مسحة من اللكنة:
«لقد توقفنا. جهازها سيمنحنا بعض الوقت، وستستخدمينه للغناء. لن تُحدث القنبلة أضرارًا كبيرة، لكنها ستبطئهم وستحقن أي شخص تصيبه بكمية صغيرة من المهدئات. تقول باكودا إن ذلك سيجعل السيطرة عليهم أسهل بالنسبة إليك. بعد ذلك، ستجعلينهم يحرروننا».
اتسعت عينا بايج. ثم أومأت.
صدر صوت عالٍ من خارج الشاحنة، وبدأت باكودا تحرك الجهاز يمينًا ويسارًا كالبندول. انفتح البابان المعدنيان في مؤخرة الشاحنة بقوة، فأفلتت باكودا الجهاز، فتدحرج إلى الخارج.
بدأت بايج الغناء، ولم تتوقف حتى عندما انفجر الجهاز واهتزت الشاحنة بعنف. لم تتضمن أغنيتها كلمات. فقد جعلت من نفسها مرافقة لصوتها، مستخدمةً الخصائص الصوتية لداخل الشاحنة لتوليد الصدى. وشحنت صوتها بقدرتها، وأرادت من كل من يسمعه أن يطيعها ويخضع لها، بطريقة لم تجربها من قبل.
ربما كان ذلك سينجح لو وُجد أحد في الجوار ليسمعها.
دخل مخلب معدني ضخم إلى مؤخرة الشاحنة، وأطبق على لونغ، ثم سحبه إلى الخارج. وعندما عاد المخلب ليأخذها، توقفت عن الغناء وبدأت تصرخ بدلًا من ذلك.
«لا!» انضمت صرخات باكودا إلى صرخاتها من خلفها. «تبًا لكم! لا! لا! كانت لديّ خطة لعينة!»
تحركت الأذرع على طول قضبان مثبتة في السقف، حاملةً إياهما عبر ما بدا كأنه مخبأ هائل تحت الأرض. كان كل شيء مصنوعًا من الخرسانة، وكانت الغرفة واسعة إلى حد أن بايج لم تستطع رؤية أي من الجدران. لم يكن هناك سوى السقف الذي يرتفع عشرين أو ثلاثين قدمًا فوقهما، والأرض الممتدة بلا نهاية حولهما، والمضاءة بمصابيح فلورية موزعة على مسافات منتظمة. ولم يكن هناك ما يكسر هذا الفراغ الشاسع سوى الشاحنة المدرعة التي تحمل شعار هيئة الاستجابة للباراإنسان على جانبها، ومربع أسود مثبت بالسقف في مكان أبعد.
وضعت الأذرع الثلاثة أمام المربع الأسود، الذي اتضح أنه شاشة ضخمة. ظهر على الشاشة وجه بدا بوضوح أنه صورة مولدة حاسوبيًا، صُممت لإخفاء الهوية الحقيقية للمتحدثة. وعندما انطلق الصوت من مكبرات الصوت، لم يتمكن المرشح الذي يهدف إلى إخفاء صوت المرأة من إخفاء لكنتها القوية تمامًا. حاولت بايج تحديد أصل اللكنة. لم تكن جنوبية، ولا كوكنية، لكنها ربما كانت قريبة من إحداهما؟ لقد سمعت شخصًا يتحدث بهذه اللكنة من قبل.
«السجين 599، الاسم الرمزي: لونغ. تصنيف قدرات هيئة الاستجابة للباراإنسان: متين، من الدرجة الرابعة إلى التاسعة مع علامة نجمة؛ قاذف، من الدرجة الثانية إلى السادسة مع علامة نجمة، ويقتصر ذلك على النار والحرارة. يُوجَّه كل من يقرأ هذا السجل أو يطّلع عليه إلى مراجعة الصفحتين الثالثة والرابعة من ملف السجين لمعرفة التفاصيل المتعلقة بقدراته. نُفذت البروتوكولات الموصى بها على النحو الصحيح، باستخدام نظام الرشاشات والقيود الإضافية. تبلغ احتمالية الهرب بعد الإيداع في مركز باومان لاحتجاز الباراإنسان نحو 0.000041%، دون انحرافات كبيرة في أي من السيناريوهات المحتملة. تقع النسبة ضمن الحدود المقبولة. سيُنقل السجين إلى الجناح W».
قالت باكودا، وقد اتسعت عيناها: «أنتِ دراغون. اللعنة، هذا حقيقي. أفضل مخترعة خارقة في العالم. كنت سأقول إنني من معجباتك، لكنني سأكون كاذبة».
لم تستطع بايج منع نفسها من التفاعل مع هذا الاكتشاف أيضًا. فقد صممت دراغون سجن القفص الطائر، وكثيرًا من المعدات التي تستخدمها هيئة الاستجابة للباراإنسان، بما في ذلك رغوة الاحتواء. وكانت تتفوق بمراحل على سائر المخترعين الخارقين الذين يرتدون الدروع القتالية. وكانت دراغون تظهر في كل مهمة ببدلة مختلفة تمامًا عن سابقتها. وقد بلغت تقنياتها من التقدم حدًا جعل مجموعة من المجرمين الذين نجحوا في سرقة بدلة دروع تالفة تخصها يستخدمون التكنولوجيا نفسها للعمل كمرتزقة من الطراز الأول، وأصبحوا يُعرفون باسم «قتلة دراغون».
كانت دراغون كندية أيضًا، وهي المعلومة التي احتاجت إليها بايج لتحديد أن لكنتها من نيوفاوندلاند. لم تكن لكنة يسمعها المرء كثيرًا في هذه الأيام.
«السجين 600، الاسم الرمزي: باكودا. تصنيف قدرات هيئة الاستجابة للباراإنسان: مخترعة خارقة من الدرجة السادسة، متخصصة في القنابل. لم تُنفذ البروتوكولات الموصى بها على النحو الصحيح».
اختفت النبرة الرسمية من الصوت وهي تتمتم:
«أكره التسبب في فصل أحدهم من عمله، لكنني مضطرة إلى الإبلاغ عن هذا. كان من المفترض وضعها في شاحنة احتواء من الفئة S، وإبقاؤها على مسافة لا تقل عن ستة أقدام من بقية السجناء… حسنًا، على الأقل لم ينتج عن الأمر شيء».
زمجرت باكودا: «تبًا لكِ يا دراغون».
تابع الصوت:
«… تبلغ احتمالية الهرب من مركز باومان لاحتجاز الباراإنسان 0.000126%، مع احتمال حدوث انحراف كبير في حال إدخال مواد مهربة أو جهاز قادر على إنتاج المادة. ومع المراقبة، تنخفض هذه النسبة إلى 0.000061%. سيُنقل السجين إلى الجناح C».
«السجين 601، الاسم الرمزي: كناري. تصنيف قدرات هيئة الاستجابة للباراإنسان: مسيطرة من الدرجة الثامنة. نُفذت البروتوكولات الموصى بها على النحو الصحيح، باستخدام القيود المقدمة، ومن دون السماح لأي موظف بشري بالاقتراب إلى مسافة تقل عن ثلاثمئة ياردة من موقعها. مرحبًا يا كناري».
رمشت بايج عدة مرات بدهشة.
«مرحبًا؟»
«تابعت محاكمتك. اعتقدت أن ما حدث لك كان مؤسفًا للغاية. أفهم أن الأمر كان حادثًا متهورًا، لكنك لا تستحقين أن تكوني هنا. حتى إنني كتبت رسالة إلى القاضي والمدعي العام وحاكم ولايتك، أوضحت فيها رأيي. يؤسفني أن ذلك لم يكن كافيًا».
أثّر التعاطف في بايج بقوة. ولم يكن بوسعها سوى أن تحاول منع نفسها من الانفجار بالبكاء.
«أخشى أن عليّ أداء عملي، وهذا يعني القيام بدوري في تطبيق القانون. هل تفهمين؟ مهما كانت مشاعري، لا يمكنني السماح لك بالرحيل».
«أ… نعم».
«اسمعي، سأضعك في الجناح E. المرأة التي فرضت سيطرتها على ذلك الجناح تُعرف بالاسم الرمزي لستروم. إنها نسوية متطرفة إلى حد بعيد، وتكره الرجال بشدة، لكنها تحمي النساء في جناحها. كما أن جناحها هو الأبعد عن الفتحة التي أحدثها الرجال للوصول إلى القسم النسائي من القفص الطائر. إذا كنت مستعدة لمسايرتها، أو إظهار اقتناعك بأفكارها، فأعتقد أنها ستحافظ على سلامتك قدر الإمكان».
لم تجد بايج كلمات ترد بها. فاكتفت بالإيماء.
«حسنًا. تبلغ احتمالية هرب السجين 601 من مركز باومان لاحتجاز الباراإنسان 0.000025%، دون انحرافات كبيرة. هل تفهمون أنتم الثلاثة لماذا أخبركم بهذا؟»
قالت باكودا: «فرصنا في الهرب ضئيلة للغاية».
«نعم. مركز باومان للاحتجاز منشأة معقدة إلى درجة أنني اضطررت إلى تصميم ذكاء اصطناعي لبنائها. يقع المركز داخل جبل أُفرغ من الداخل، وجدران الجبل مبطنة بطبقات من مادة خزفية من تصميمي، تفصل بين كل طبقة وأخرى كميات من رغوة الاحتواء الخاملة. إذا أحدثتم ثقبًا في الجانب الخارجي من الجبل، فلن ينتهي بكم الأمر إلا إلى مواجهة كمية من الرغوة أكبر مما تعرفون كيف تتعاملون معه.
«هذا هو الجبل. أما السجن نفسه، فيُلقّب بالقفص الطائر لأنه معلّق في مركز الجبل المجوف، ولا يستند إلا إلى شبكة الأنابيب نفسها التي تنقل المؤن والطعام إلى أجنحة الزنازين. والأنابيب من الداخل، وكذلك الجبل من الداخل، مفرغان من الهواء. وحتى لو امتلك أحدكم قدرة تتيح له التحرك في الفراغ، فإن لديّ ثلاثة آلاف طائرة مسيّرة مضادة للجاذبية في مواقعها في أي وقت، وهي خاملة في ذلك الفراغ المظلم، تنتظر أي إشارة أو حركة أو طاقة أو تسرب للهواء كي تستيقظ. وبمجرد استيقاظها، تتجه الطائرة المسيّرة إلى موقع الخلل وتنفجر. تحتوي كثير من طائراتي على حمولة من رغوة الاحتواء، لكن بعضها الآخر يحمل شحنات مصممة لمواجهة مختلف الطرق التي يمكن نظريًا استخدامها لاجتياز الفراغ. وبعضها فتاك للغاية.
«هذه ليست التدابير الوحيدة التي اتخذتها، لكن إطلاعكم على كل ما فعلته لتأمين هذه المنشأة لن يكون أمرًا حكيمًا. يكفي أن تعلموا أن احتمال نجاحكم في الهرب لا يُذكر، وأن احتمال موتكم أو تعرضكم لإصابات بالغة بسبب محاولة الهرب أكبر بكثير.
«واعلموا أنه رغم احتفاظي بالسيطرة على المنشأة والقدرة على مراقبة الموجودين فيها، بما يسمح لي بالاستجابة لحالات الطوارئ مثل الكوارث الطبيعية، فلن تتمكنوا من استغلال ذلك لمصلحتكم. لن أتدخل، ولا يمكنني التدخل، إذا اتُخذ أحدهم رهينة، أو إذا هدد أحد السجناء الموارد الأساسية أو الترفيهية وألحق بها الضرر. لم تكن هناك طريقة أخرى لإدارة السجن بفاعلية سوى أن تتولوا مراقبة أنفسكم وحمايتها بأنفسكم. وأؤكد لكم: لن تستطيعوا فعل أي شيء يقنعني بإطلاق سراحكم. المصاعد المؤدية إلى مركز باومان للاحتجاز تسير في اتجاه واحد فقط. إلى الأسفل.
«سأضعكم الآن في المصاعد. ستُزوّدون بكمية محدودة من الأكسجين، تكفي فقط لنقلكم بأمان إلى القاع. إذا حاولتم إبطاء المصعد أو إيقافه، أو تسلق الجدار الداخلي للأنبوب، فمن المرجح أن تفقدوا الوعي أو تتعرضوا لتلف في الدماغ أو تموتوا بسبب محاولتكم. وسيُطبّق عامل مضاد لرغوة الاحتواء عليكم أثناء هبوطكم، حتى تتحرروا قبل الوصول إلى القاع».
حُمل لونغ وباكودا في اتجاهين مختلفين. وكانت بايج آخر من نقلتها الأذرع الآلية.
قال صوت دراغون المعدني الرقيق وهي تُنزلها: «أنا آسفة يا بايج ماكابي. حظًا موفقًا».
تحركت الأرض تحتها، ثم بدأت تهبط.
■
سار لونغ بثقة نحو «الثقب». وكانت الكلمة تحمل معنيين؛ فهي تشير إلى الفتحة الحقيقية في الجدار، وكذلك إلى التعبير البذيء الذي يصف سبب توجه كثير من الرجال في القسم الذكوري من القفص الطائر إلى هناك، إذ كانت الفتحة الطريق الوحيد إلى سجن النساء.
كانت مجموعة من النساء تحرس الجانب الآخر من الفتحة، واقفات أو جالسات في مواقع مختلفة تتيح لهن مراقبتها.
سألته إحداهن: «من أنت؟» كانت امرأة لافتة للنظر، ذات بشرة بلون القهوة وفم مليء بأسنان تشبه شفرات السكاكين.
أجاب: «أنا لونغ».
«أنت جديد؟»
«نعم».
«في أي جناح أنت؟» جاء هذا السؤال من امرأة ضخمة البنية، بدت أقرب إلى أم في منتصف العمر اعتادت تشجيع فريق كرة القدم لأطفالها منها إلى سجينة. لكن لونغ لاحظ أن كل فتاة أخرى كانت تحرس المكان التفتت لتستمع عندما تكلمت.
قال: «الجناح W، سيدتي»، مع الحرص على ألا يسيء إليها.
«هل تريد فتاة؟»
«أنا هنا فقط لزيارة أحد مرؤوسي. إنه في الجناح C».
«حتى لو لم تكن تشتري، لا يمكنني السماح لك بالمرور مجانًا. عليك أن تدفع شيئًا. هل لا يزال ماركيز يدير جناحك؟ هل يوزع السجائر القادمة مع صناديق الطعام بعدل؟»
«نعم». مدّ لونغ يده إلى جيبه وأخرج نصف علبة سجائر، ثم ناولها إياها.
«فتى مطيع. اسمع، غلايستيج أواين هي من تدير الجناح الذي ستذهب إليه. احتفظ ببعض هذه السجائر وأعطها لها، حتى لا تهينها».
«سأفعل. شكرًا على هذه النصيحة».
«أحب الفتيان المهذبين. هيا، انطلق الآن».
أمال رأسه احترامًا، ثم سار بسرعة نحو الجناح التالي. كانت هناك مجموعة أصغر من الحراس في انتظاره، فسلّمهم ما تبقى من السجائر، موضحًا أنها هدية لغلايستيج أواين. وتنحى الحراس جانبًا للسماح له بالمرور.
وجد باكودا في زنزانة خاصة بها وحدها. كانت جدران السجن مصنوعة من نوع من المعدن، ومطلية باللون الأزرق الداكن، لكن باكودا خدشت معادلات وجملًا على جدران زنزانتها، فكانت تلمع بلون فضي رمادي عندما يسقط عليها الضوء من الزاوية المناسبة. أما سريرها، فقد سحبته إلى وسط الغرفة لتوفير مساحة أكبر للكتابة.
قال: «باكودا».
ابتسمت ابتسامة جنونية، كاشفة عن شفتيها المشوهتين بالندوب.
«لونغ! هذا المكان مذهل! ظننت أنه سيكون مقرفًا، لكنه… إنه أشبه بأن تكون داخل لوحة الموناليزا اللعينة في عالم الهندسة المعمارية. عمل عبقري بحق. لم تكن تكذب بشأن وجود هذا المكان داخل فراغ مفرغ من الهواء، لكن المذهل حقًا هو ما يحدث عندما تخترق الجدار الخارجي. انظر، لم تجعل هذا المكان متينًا. بل جعلته هشًا. كأنها بنت أعقد بيت من ورق في التاريخ. تثقب الجدار، فتكون قد ضمنت تقريبًا موتك، كما أن تغير ضغط الهواء يغيّر ترتيب الغرفة ويغلق المساحة، بحيث لا يؤثر الاختراق في أي شخص داخل الغرف الأخرى. وحتى لو منعت الأجزاء الرئيسية من الانزلاق، فإن انخفاض ضغط الهواء ينتقل إلى الغرفة التالية، فتُغلق تلك الغرفة أيضًا. أستطيع قضاء عقد كامل في محاولة فهم الطريقة التي صنعت بها هذا. وهذا أبسط جزء فيه. أما في المناطق الأكثر ازدحامًا…»
قاطع لونغ حديثها المتدفق: «لا يهمني هذا».
توقفت باكودا واستدارت بسرعة، وما زالت تبتسم.
«حسنًا. كيف حالك؟»
«مقبول. عيناي تتعافيان، لكنني ما زلت أواجه صعوبة في تمييز الألوان. لا يعجبني قائد جناحي، لكنه رجل عادل. منحني بعض الامتيازات مقابل إخباري عن بروكتون باي، المكان الذي كان يعمل فيه سابقًا. وقد ساعدني ذلك على تجنب المضايقات. بالإضافة إلى أن السجناء يبدو أنهم ينتظرون ليروا ما يستطيع كل نزيل جديد فعله قبل أن يختاروه هدفًا».
«أجل. بدت الأمور قاتمة جدًا بالنسبة إليّ لبضعة أيام، لكن عندما اكتشفت الفتاة الغريبة التي تدير هذا الجناح أنني أستطيع إصلاح أجهزة التلفاز هنا، أصبحت الأمور أسهل بكثير فجأة».
«فهمت».
رفعت حاجبًا وابتسمت.
«إذًا، لماذا هذه الزيارة؟ هل تشعر بالوحدة؟»
«لا».
اختفت ابتسامتها في غمضة عين.
«إذًا، اشرح».
«هذه أول مرة تدخلين فيها السجن، أليس كذلك؟»
«أجل».
«كنت في السجن قبل مجيئي إلى أمريكا. هناك أربع طرق يستطيع المرء من خلالها النجاة في مثل هذا المكان. يمكنك الانضمام إلى إحدى العصابات أو المجموعات المسيطرة. لم يكن هذا ممكنًا بالنسبة إليّ في ذلك الوقت، لأنهم كانوا يعرفون أنني نصف ياباني ونصف صيني، ولم تكن هناك عصابة مستعدة لقبول شخص مثلي. وهو ليس خيارًا متاحًا لي الآن أيضًا، لأنني اعتدت أن أكون القائد، ولن أتحمل الخضوع والتذلل لأي مدة من دون أن أفقد صبري. وهذا هو الطريق الذي أرى أنك اخترتِه هنا».
قالت باكودا بحذر: «صحيح».
تابع لونغ: «الخيار الثاني هو أن تكون تابعًا ذليلًا لشخص ما. يمنحك حمايته مقابل أبشع الخدمات. وأنت تفهمين لماذا لن أختار هذا الطريق».
«أفهم ذلك، أجل».
«أما الخياران المتبقيان، فهما إما قتل شخص ما، أو أن يُنظر إليك باعتبارك مجنونًا. ففي مثل هذه الحالات، يثبت المرء أنه خطر للغاية أو لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، بحيث لا يجرؤ أحد على العبث معه».
«إذًا، ماذا ستفعل؟»
«أعتقد أنني سأختار الخيارين الثالث والرابع».
اتسعت عينا باكودا. وتراجعت إلى الخلف، قبل أن تدرك عبث محاولتها. كان لونغ يقف في منتصف المدخل الوحيد المؤدي إلى خارج الزنزانة.
«لماذا؟»
«لقد أهنتِني. وخذلتِني. ولأن عليّ قتل شخص ما، فإن قتل أحد مرؤوسي، ممن قد يشعر الآخرون بأن عليهم حمايتهم، سيجعلني أيضًا أبدو شخصًا لا يمكن التنبؤ بتصرفاته. بعد ذلك، سيخافني الآخرون».
«أ… لقد أهنتك فقط كي أثير غضبك وأدفعك إلى استخدام قدرتك، أتعلم؟» قالت بصوت مرتجف. «فعلت ذلك لمساعدتنا على الهرب».
«ربما كنت سأتغاضى عن ذلك لهذا السبب، لكننا لم نهرب. لقد خذلتِني، هنا وفي المدينة على حد سواء».
حرّكت ذراعها، فسقط ترتيب من نوابض الأسرّة وقطع الخردة المعدنية الملتوية من كمها إلى يدها المفتوحة.
«سأثقب الجدار الخارجي للزنزانة إن اقتربت أكثر. سيخرج الهواء من الغرفة، ثم يُغلق الباب، وسنختنق معًا».
قال لونغ: «أنت لست سريعة بما يكفي».
«أتريد أن تراهن؟»
وقد أراد ذلك.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.