905. الطهارة
النقاء هو كل ما بدا نوح يحاول القيام به.
في النجوم، قد يبدأ الاندماج النووي في النهاية باستخدام عناصر أثقل إذا سمحت درجة الحرارة والجاذبية بذلك. ومع ذلك، بدا على نوح أن يحصر المواد في ظلامه.
يحاول ابتكار طريقة تُحسّن تنفسه طبيعيًا. لا يمكن أن يكون في ذلك أي عيب.
طفت تعويذة الثقب الأسود في الظلام، إذ بدأت جاذبيته تؤثر على الطاقة في الغرفة تحت الأرض. بدأ النفس يتدفق نحو الكرة المظلمة الصغيرة، لكنه لم يدخلها. لم يبقَ إلا على سطحها حيث تراكم.
اضطر نوح لتعديل تعويذته لتناسب متطلبات إجرائه. لم يستغرق التعديل وقتًا طويلًا، إذ لم يتطلب سوى إزالة بعض قدرات المجال المظلم، لكنه مع ذلك استغرق شهورًا لإتقانها لأنها تعويذة من الرتبة الخامسة.
ولكنه حصل في النهاية على ما يحتاجه.
لم يزد حجم تلك النسخة من تعويذة الثقب الأسود ولم يمتص طاقةً في شكلها. لم يبق لنوح سوى جاذبيتها، وخفّف من ارتباطها بعقله.
كما أنه حرص على استمرار عمل الكرة المظلمة حتى بعد قطع اتصاله بها. لن تستقر بدون سيطرته المباشرة، لكنها لن تُثقل كاهله أيضًا.
بدا هذا مجرد إجراء احترازي، لأن التعويذة لن تقوى مع مرور الوقت. لم تعد تمتص الطاقة، لذا استقرت قوتها عند حدود المرحلة الغازية.
مع ذلك، رأى نوح أنه من الأفضل توخي الحذر عند التعامل مع تجارب خطيرة. لم يكن يعلم ما ستؤول إليه هذه العملية، لكنه متأكدًا من أن إهمال بعض التفاصيل قد يكون قاتلًا.
أطلق نوح المزيد من ظلامه بينما استمرت التعويذة في جذبه. لم يستطع ترك أي مساحة في المنطقة تحت الأرض خشية أن يجذب أنواعًا مختلفة من الأنفاس.
لا بد للكرة أن تكون نقية، مصنوعة بالكامل من ظلامه. فترك الشوائب تختلط بهيئتها يعني زعزعة استقرارها.
تجمعت طبقات من النفس حول الكرة المظلمة. تكثف ظلام نوح حولها وتدفق في حركة دائرية، إذ أبقاه الجذب مقيدًا في ذلك المكان.
لم تستطع عينا نوح رؤيته، إذ حجب الظلام في الهواء الضوء المنبعث من النقوش على الجدران. ومع ذلك، استطاع عقله أن يستشعره.
بدت الكرة الصغيرة قد أصبحت بالفعل كرة عملاقة غير مستوية، يتدفق حول مركزها غاز كثيف. ومع ذلك، لم تُظهِر التفاعل الذي أراده نوح.
لم يُمانع نوح ذلك. فعدم تسبب أنفاسه بأي انفجار يُظهر مدى واعدية هذه العملية أصلًا. سيتجمع ظلامه بشكل طبيعي حول تعويذته، ويزداد كثافته كلما امتد المزيد منه إلى الكرة.
“أتساءل متى ستكون لها جاذبيتها ” فكر نوح بينما يحلل الطاقة المتراكمة أمامه.
وفقًا للفيزياء التي درسها في حياته الماضية، تعتمد الجاذبية على كمية الكتلة المتراكمة في منطقة ما. بدا نوح يحاول تحقيق ذلك بظلامه الكثيف، لكنه لم يكن يعلم مستوى الكثافة الذي يجب أن يصل إليه قبل أن يبدأ بتعويض محدودية خصائص تعويذته.
في النهاية، لم يكن نوح خبيرًا في هذا المجال. يحاول تقليد ما يحدث عادةً في النجوم بمعرفته المتواضعة.
استمر نوح في ملء ظلمة المنطقة تحت الأرض بينما استمرت التعويذة في تجميعها حول شكلها. بدت كمية الطاقة المتراكمة هناك قد فاقت ما استطاع تحمّله بعقله، لكن ضعف الاتصال سمح له بالحفاظ على سيطرته عليها.
ومع ذلك، فإن جاذبيتها فشلت في الوصول، وفي نهاية المطاف وصلت العملية إلى النقطة التي لم تعد فيها قوة تعويذة الثقب الأسود قادرة على جذب الطاقة بعد الآن.
“هذا هو حدّ القدرة في المرحلة الغازية ” فكّر نوح وهو يحدّق في تراكم الطاقة الهائل أمامه. لم يستطع رؤيته، لكنه واجهه على أي حال لأنه شديد التركيز عليه.
“يجب أن أُخففه قليلاً ” فكّر نوح وهو يستدير ويفتح فمه. انبعثت منه ألسنة لهب بيضاء أثيرية وانتشرت في البيئة، مؤثرةً في بنية ظلامه ومُخففةً من مقاومته الفطرية لقوة الجاذبية.
استخدمت نوح نيرانه الطاقة المخزنة في جسده. غذّتها الطاقة الأولية وحولتها إلى هجوم من عنصر الظلام.
استخدامها مباشرةً على الكرة سيؤثر على عملها ويشوّه المواد المتراكمة فيها. مع ذلك، ستجعل النيران ظلام نوح أكثر ليونة إذا استهدف فقط البقع البعيدة عن تعويذته.
بالإضافة إلى ذلك، فإن النيران سوف تتشتت قبل أن يصل التنفس إلى تعويذته، حتى يتمكن من استخدامها بحرية تامة إذا لزم الأمر.
ارتفعت درجة الحرارة في المنطقة تحت الأرض مع انتشار النيران في الهواء وتفكك بنية أنفاس نوح. عند تلك النقطة، بدأ المزيد من الظلام يتدفق إلى الكرة السوداء، واستأنفت طبقات الطاقة المحيطة بها تراكمها.
ثم شعر نوح بقوة جذب ثانية قادمة من الغازات الكثيفة أمامه. أخيرًا، وصل الظلام الذي جذبته تعويذته إلى حدّ مساعدته في تلك العملية!
بفضل قوتي جذب متضافرتين في مكان واحد، لم يعد نوح بحاجة إلى استخدام لهبه. فالنفس الذي استمر بالتدفق داخل ذلك البناء جعل قوة الجذب قوية بما يكفي لتجاوز حدود المرحلة الغازية.
هتف نوح في نفسه وهو يواصل سكب أنفاسه في البيئة: “على وشك أن يصبح مكتفيًا ذاتيًا”. يعلم أن الأمر سيصل إلى نقطة يستنفد فيها كل مخزونه من الظلام، لكن عليه أن يواصل إعطاء مادة واحدة فقط للإجراء.
كل شيء سيكون بلا فائدة لو سمح لشكل مختلف من الطاقة بالدخول إلى التراكم الكروي لظلامه.
أصبح شكل الكرة غريبًا بعد بدء جاذبيتها. بدا هناك بعض التوهجات العرضية مع تكثف المزيد من الطاقة هناك، وكان سطحها يدور باستمرار كما لو نجمًا حقيقيًا يحاول العودة إلى الحياة.
في النهاية، اضطر نوح إلى قطع صلته بتعويذة الثقب الأسود لكثرة الطاقة المحيطة بها. أثر ذلك على الصلة بين نوح وقدرته، حتى لو لم تكن صلة مباشرة.
مع ذلك، لم يتوقف الإجراء. لا تزال التعويذة تعمل بعد فقدان اتصالها بنوح، وأصبحت جاذبية الظلام المحيطة بها مكتفية ذاتيًا.
لم يكن على نوح أن يفعل أي شيء سوى الانتظار حتى تتطلب التجربة استخدام لهيبه مرة أخرى.
مرّت الساعات في المنطقة تحت الأرض، بينما بدا نوح ينتظر تغييرًا في ظلامه. لم تكن سوى مسألة وقت قبل أن يقع حدثٌ هام.
