تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل521

معركة تستحق أن تُكتب في قصائد التاريخ

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 25, 2026
soufiane1045
ترجمة ورفع الفصل soufiane1045
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل 521: معركة تستحق أن تُكتب في قصائد التاريخ

 

«يا سموّ الدوق، هل أنت متأكد أنك لا تحتاج إلى استراحة؟ أقصد، لعلك تستطيع الحصول على درع جديد…» قال بروكا بتردد.

 

كان أمام عينيه تاليس، الذي وقف لتوّه بحالة يرثى لها. كان وجهه مغطى بالغبار و الرمل، وثيابه ممزقة وقذرة.

 

«لا، شكرًا لك يا ضابط الإمداد بروكا».

 

أخذ تاليس نفسًا عميقًا. وأدار معصميه وهو يتحسس مركز التوازن في سيف تدريبه.

 

«موقفك أفضل بكثير من موقف المدربين في إكستيدت. وبطبيعة الحال أنت أفضل أيضًا من بعض أبناء الكوكبة».

 

أجبر بروكا نفسه على الابتسام.

 

وحول ساحة التدريب كان الحرس الملكي قد تجمّع من جديد. كانوا أكثر انزعاجًا قليلًا مما كانوا قبل لحظات، لكن صمت مالوس أبقاهم هادئين. فلم يرفعوا أي اعتراض.

 

وعاد الضغط إلى ساحة التدريب.

 

قبض تاليس قبضته اليسرى بشدة.

 

ومع أن إلقاء الدرع جعل ذراعه اليسرى أكثر ارتياحًا، فإن التخدر والألم اللذين سببتهما الضربة السابقة كانا حقيقيين إلى درجة أنه بالكاد يستطيع نسيانهما.

 

«ماذا حدث في الجولة السابقة؟»

 

أظلم تعبير تاليس.

 

تذكّر أن هجماته كانت سريعة كالبرق، وأنه لم يكن في موضع ضعف من حيث القوة أو السرعة.

 

لكن…

 

خطا تاليس بضع خطوات إلى الأمام ودار حول بروكا.

 

ارتفعت خطيئة نهر الجحيم في جسده من جديد. وكانت الأمواج ترتفع وتهبط الواحدة تلو الأخرى قبل أن تتصل ببعضها، متوقة إلى شن الهجمة الثانية.

 

لكن هذه المرة، أعطت أمواج قوة الإبادة لديه، التي عانت انتكاسة، تاليس وهمًا بأنها تحترق بضراوة أشد من قبل…

 

كانت أشبه بوحش مخبول يريد تمزيق حلق عدوه بغض النظر عن إصابته.

 

ومع ذلك، كبحها تاليس بكل قوته كمدرّب حيوانات يشد السلاسل بإحكام.

 

ومع حركة تاليس، حرّك بروكا قدميه أيضًا بانتظام واستدار. وظل يواجه عدوه باستمرار.

 

لم يتعجل تاليس شنّ هجومه.

 

كان يفكر.

 

قبل قليل، التقى سيفه بسيف عدوه.

 

وتقاطع السيفان في الهواء.

 

لكن بروكا لم ينجح في صد هجومه.

 

ولو كان قد خطا خطوة إضافية قليلًا، لاستطاع تاليس أن يطيح بعدوه.

 

«إذن…»

 

عالج تاليس الأمر بعناية.

 

ثم، في اللحظة التي حُسم فيها النصر في ومضة…

 

بدأ سيف بروكا يدور.

 

كان يحتوي على قوة الإبادة لديه، المكثفة، غير المطلقة، القوية، والصلبة…

 

«إذن…»

 

تشنج وجه تاليس.

 

أبطأ حركته. واستعاد المشهد السابق بينما كانت خطيئة نهر الجحيم لديه تحترق بشدة أكبر.

 

كان السيفان قد تقاطعا.

 

وفي تلك الثانية الواحدة، أدار بروكا وتاليس سيفيهما

 

أدار كل منهما سيفه في الهواء.

 

تذكّر أنه في الثانية التي اقتربا فيها أحدهما من الآخر، تحركت معصم بروكا بزاوية مرنة فريدة. واستمرت الحركة وقتًا طويلًا أيضًا.

 

ثم انحرف سيف تاليس عن مساره، أما سيف بروكا…

 

صرّ تاليس على أسنانه.

 

وبعد ذلك، لم يستطع المراهق إلا أن يلقي بسيفه بحالة يرثى لها، لأن اندفاعه كان أسرع من أن يتراجع في الوقت المناسب. فصدّ قبل…

 

بدأ الجزء من ذراعه اليسرى الذي أُصيب فيه سابقًا يؤلمه قليلًا.

 

توقف تاليس عن التذكر.

 

هذه المرة، لم يعد يتجول حوله.

 

لاحظ أفراد الحرس الملكي أن الأمير يتقدم.

 

وبينما اندفعت خطيئة نهر الجحيم إلى ذراعه اليمنى، شنّ هجومًا آخر بسيفه!

 

«كلانغ!»

 

وسط صوت اصطدام المعدن، صدّ بروكا سيف تاليس بهدوء.

 

ثم…

 

شعر تاليس بالصدمة.

 

رأى، بل وشعر في يده، أن سيف بروكا قد بدأ يتحرك من جديد، ومعه قوة الإبادة لديه.

 

لم يتردد المراهق.

 

توقف تاليس عن الحركة. وسحب سيفه لأنه لم يضع فيه قوة كبيرة أصلًا، وتراجع بسرعة.

 

«كلانغ!»

 

ارتفع صوت آخر واضح وحاد.

 

واستخدم تاليس الرشاقة التي اكتسبها بعد أن ألقى الدرع، ونجح في صد هجوم بروكا بفارق شعرة، متراجعًا خطوتين بطريقة بائسة نوعًا ما.

 

لهث تاليس بقسوة وهو ينظر إلى بروكا السليم بعدم تصديق.

 

وزأرت خطيئة نهر الجحيم المحبَطة لديه بغيظ مرة أخرى داخل جسده.

 

وحين انتهت تلك الجولة، استأنف أفراد الحرس الملكي نقاشهم.

 

«آه، هجوم آخر بلا جدوى»، قال دويل بعد أن نقر بلسانه. بدا كئيبًا كأنه لا يحتمل مشاهدة المنظر بعد الآن. «يجب أن أقول، حتى لو كان مالوس لا يحبه، فهو يبالغ. إنه يفعل هذا أمام هذا العدد الكبير من الناس—»

 

لكن غلوفر قاطعه. «لا، ليس كذلك».

 

حار دويل. «ليس كذلك ماذا؟»

 

في تلك اللحظة، سُمع صوت مألوف في الحشد، فأسكت الحرس الملكي.

 

«على مدى الستمئة عام الماضية، توارث البحر الشرقي والساحل الجنوبي مهارات قتالية فريدة خاصة بهما بين أبنائهما. فقد ورثوا المهارات القتالية التي نشأت من فرسان الجنوب في عصر الإمبراطورية وفرسان الكنيسة».

 

كان الصوت هادئًا وباردًا.

 

وكانوا يعرفونه جيدًا جدًّا.

 

هدّأ تاليس تنفسه و التفت برأسه بدهشة.

 

رأى الجاني الذي أوقعه في هذا المأزق. كان الحارس الأعلى تورموند مالوس عاقدًا ذراعيه على صدره، واقفًا هناك بكل أريحية.

 

«ما زالت عائلات كثيرة تستخدم الممارسات الموجودة في نظام توارث الفارس والتابع لتنشئة مقاتلين جدد. وفيه أيضًا أساليب محلية وشخصية عظيمة».

 

«وبالمقارنة مع فنون القتال في أنحاء الكوكبة الأخرى، فإن هذا الفصيل أكثر كلاسيكية وأناقة. فيصير السيف وأسلوب السيف شيئًا واحدًا، وتكون المهارة بديعة ومبتكرة أيضًا».

 

زمّ بروكا شفتيه، والتفت هو الآخر إلى قائده.

 

قال مالوس بلا اكتراث: «ولذلك، يُعرف هؤلاء الذين يمثلون فرسان الجنوب في المملكة بفصيل فنون القتال».

 

«فصيل فنون القتال؟»

 

ملأ الشك ذهن تاليس.

 

توقف مالوس لحظة وتنهد ببطء.

 

وبالطبع، ولأسباب كثيرة، كان فصيل فنون القتال، الذي كان مشهورًا ذات يوم، قد سقط ببطء في الانحدار، ولم يعد كما كان.

 

وربما قد يختفي يومًا ما ويتلاشى إلى العدم…

 

كغيره من الفصائل التي لا تُحصى وظهرت لفترة وجيزة في المدى الطويل من التاريخ.

 

رفع مالوس رأسه.

 

«ماذا الآن؟ لماذا تحلمان بأحلام اليقظة؟»

 

ذكّر مالوس كليهما، وهو غير مكترث إطلاقًا. وكأنه كان يتكلم أثناء نومه للتو. «واصلا قتالكما».

 

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهو يتأمل كلمات مالوس. ثم نظر إلى خصمه مجددًا.

 

وفي الأثناء، كان ضابط الإمداد ممسكًا بسيفه، واقفًا هناك، وأظهر له ابتسامة شاحبة.

 

قرر تاليس ألّا يفكر بعد الآن.

 

وفي الثانية التالية، مشى إلى اليسار، ثم إلى اليمين، قبل أن يقوم بحركة خداعية ويضرب إلى الخارج مجددًا!

 

«كلانغ!»

 

وهذه المرة، تحرك بروكا أيضًا وغيّر المسافة بينه وبين تاليس ليصد هجوم الأمير.

 

وأصابت ضربته.

 

ازداد تعبير تاليس قتامة قليلًا.

 

ما زال لم ينجح في توجيه ضربة محكمة.

 

كانت خطيئة نهر الجحيم تغلي فيه وهي تتحرك في جسده. ولم تستطع إلا أن تزأر بجنون وبلا جدوى.

 

كانت تشبه أورك اصطدم بفارس خيّال. فلم تكن لديها طريقة لاستخدام قوتها.

 

أما تاليس، الذي فشل في الهجوم، فصدّ خصمه وصرّ على أسنانه ليثابر.

 

لكن كلمات مالوس وصلت إلى أذنيه مجددًا وشتّتته.

 

«أسلاف بروكا ينحدرون من عائلة فرسان تقليدية في تل البحر الشرقي، وهي عائلة تحظى باحترام كبير. ويمكن القول إنهم متأثرون كثيرًا بفصيل فنون القتال».

 

وفجأة، انتهت مباراة القوة مع بروكا. وتغيرت القوة في سيفه من جديد.

 

صُدم تاليس.

 

«كلانغ!»

 

تقاطع حدّ سيف بروكا مع سلاح تاليس للمرة الثانية!

 

وانفصل السيفان فور اصطدامهما القصير ببعضهما، ولم يُسمع إلا صوت ارتجاف المعدن.

 

«كما ترى، له طريقته الخاصة في الأمور حين يتعلق الأمر بموضعه وحركته قبل أن يسحب سيفه، ناهيك عن اختياره هل يريد توجيه ضربة قوية أم ضعيفة حين تلتقي أسلحتكما».

 

رنّ صوت مالوس كطنين. وبدا كأصوات الخلفية في البث المباشر حين كان تاليس يحلم بحياته السابقة.

 

«وهذا يجعلك غير مرتاح إطلاقًا».

 

«اختيار الموضع والحركة الصحيحين…

 

«اختيار القوة في السيف…»

 

ارتجف تاليس قليلًا، لكن الموقف أمامه لم يسمح له بالتأمل أكثر، فلم يستطع إلا أن ينتهز الفرصة ويشق أفقيًّا.

 

«كلانغ!»

 

اصطدمت أسلحتهما ببعضها للمرة الثالثة.

 

وظل صوت مالوس يصل إلى أذنيه: «وحين تصطدم أسلحتكما وتعلقان في طريق مسدود، يجيد بروكا استشعار قوة الضربة وإصدار الأحكام…»

 

«الاصطدام. الطريق المسدود.

 

«استشعار قوة الضربة… الحكم».

 

وبعد أن سمع تلك الكلمات، شعر تاليس فجأة بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث!

 

وبالفعل، في اللحظة التالية، ظهر سيف بروكا في موضع لا يستطيع تاليس الدفاع عنه!

 

«…إنه خبير في الدفاع والهجوم المضاد».

 

وفي تلك اللحظة، شعر تاليس بقشعريرة في جسده كله. فجمع بتهور كل خطيئة نهر الجحيم في جسده!

 

«كلانغ!»

 

وتمكن بنجاح من تفادي حدّ سيف بروكا، الذي كان موجهًا إلى عنقه، بفارق شعرة. وسقط كتفه الأيمن على الأرض. وتدحرج خارج مدى الهجوم بطريقة مزرية للغاية.

 

ابتسم مالوس بلطف خارج الساحة. «هكذا تمامًا».

 

وبعد تلك الجولة، سُمع أفراد الحرس الملكي يتناقشون من جديد.

 

مسح تاليس العرق عن جبهته، الذي ظهر دون أن يدرك. وشعر بالخدر لأن جسده تجاوز حدود ما يستطيع تحمله.

 

وقف بصعوبة بالغة، وكان جسده مغطى بالغبار.

 

لكنه هذه المرة لم يندفع نحو بروكا المعتذر. بل التفت، بنظرة حائرة، إلى مالوس الواقف على جانب الساحة.

 

«إن كنتَ تظن أن الهجمات المباشرة التي يستخدمها أولئك الهمج الشماليون ستكون فعالة ضده، فعليك أن تعيد التفكير يا صاحب السمو». حدّق مالوس في تاليس بنظرة ساطعة نافذة.

 

شهق تاليس وبدأ يفكر.

 

هزّ ليو بروكا سيفه الطويل وقال باستسلام: «أيها القائد، نعلم أنك سافرت كثيرًا وأنك واسع المعرفة، لكن أرجوك اجعل المشاركة معتدلة. فأنا أعتمد على هذا في رزقي».

 

ابتسم مالوس ولم يقل شيئًا.

 

لكن تاليس بدا وكأنه فهم شيئًا.

 

«اختيار الموضع والحركة الصحيحين، واستشعار قوة الاصطدام، والحكم.

 

«هذا يبدو…»

 

خطرت فكرة في قلب تاليس.

 

وظهر اسم في ذهنه.

 

«ميراندا أروندي.

 

«ذكرت وايا من قبل أن قوة الإبادة لديها…

 

«لديها… موسيقى البيغاسوس».

 

وحين لاحظ أن خصمه يبدو محرجًا قليلًا أمامه، فهم تاليس.

 

لقد كان في وضع غير مواتٍ تمامًا في الجولة الأولى لا لأن بروكا كان قويًّا أكثر من اللازم، بل لأنه… لم يستخدم الاستراتيجية الصحيحة، وسقط مباشرة في المجال الذي يتقنه بروكا أكثر من غيره…

 

الدفاع والهجوم المضاد.

 

قبض تاليس قبضتيه.

 

«فكّر في طريقة يا صاحب السمو». حكّ مالوس ذقنه وبدا ضجرًا. «استخدم كل الأساليب التي يمكن تصورها. العدو أمامك».

 

«حسنًا».

 

أزال تاليس التخدر من جسده وتمالك نفسه.

 

ونظر إلى بروكا من جديد.

 

صار تعبير تاليس جادًّا.

 

جاء هجوم الأمير في الثانية التالية.

 

«كلانغ!»

 

صدّ بروكا هجوم سيف تاليس مرة أخرى، لكنه حين همّ بالهجوم المضاد تردد لحظة.

 

كانت قوة دوق بحيرة النجوم… ضعيفة جدًّا في تلك اللحظة.

 

«ششش!»

 

مرّت ريح السيف على جسده. وتراجع تاليس خطوة وتفادى الهجوم المضاد لخصمه.

 

وانفصل كلاهما من جديد.

 

فكّر تاليس بهدوء: «ليو بروكا… سلفه فارس من تل البحر الشرقي. هو من فصيل فنون القتال. وهو بارع في الدفاع والهجوم المضاد».

 

بدأ ذهنه يدور، وبدأ يفكر في مزايا خصمه واستراتيجيته الخاصة.

 

«يستطيع بروكا أن يسمع قوة الضربة فورًا ويصدر أحكامًا من خلال الاتصال الذي يقيمه مع خصمه.

 

«وهذا لا يفيد في الدفاع فحسب، بل يساعد في إيجاد أفضل لحظة للهجوم.

 

«فإن هاجم الخصم بضراوة أكبر، وكانت ضرباته أقوى، وكشف مناطق ضعيفة أكثر أمام الهجوم، فسيكون هجومه المضاد أحدّ.

 

«ولذلك…

 

«فإن ضربة السيف التي وجهتُها بكل قوتي قبل قليل ساعدته تمامًا في هجومه المضاد».

 

شعر تاليس بالغيظ.

 

«انتظر.

 

«استشعار قوة الاصطدام، والحكم؟»

 

فكّر فجأة في نيكولاس.

 

تذكّر التغيرات اللحظية في مسار هجوم قاتل النجوم والقوة في سيفه.

 

وعندها فهم تاليس.

 

لو اضطر إلى مواجهة الوجه الميت، فلن تكون لدى بروكا أي فرصة، لأنه لن يستطيع الحكم على مهارات قاتل النجوم الغريبة، التي تستطيع التغير ثلاث مرات في هجمة واحدة، بالاتصال بالسلاح وحده.

 

«إذن…»

 

أمسك تاليس مقبض سيفه بإحكام.

 

«منعطف القدر، أليس كذلك؟»

 

ما إن خطرت له الفكرة حتى اندفعت خطيئة نهر الجحيم في جسده وكأنها حية. أرادت أن تتحول إلى تلك الطاقة الفضية الشبيهة بملايين الإبر الدقيقة كما فعلت عددًا لا يحصى من المرات من قبل.

 

كانت تستطيع أن تتيح لصاحبها إحداث تغييرات لا تُصدَّق في لحظة.

 

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

 

«في أقصى الأحوال، سأجد عذرًا لاحقًا وأخبرهم أنني ورثتُ قوة الإبادة من ذلك الوجه الميت…

 

«لكن…»

 

«”خطيئة نهر الجحيم تفتح هذا العدد الكبير من الوظائف وإمكانات تطوير الذات… لكنك اخترتَ أحمقها وأقلها فاعلية وأكثرها إهدارًا للوقت وأشدها مللًا”».

 

«”هذه قوة الإبادة لديك، وهي أيضًا نفسك الحالية. أنت مجبر على التقدم، وتُسحب هنا وهناك بلا هدف ولا اتجاه. تترنح وتُحمل مع التيار. في الواقع… ليس لديك نفس”».

 

شعر تاليس بأن ذهنه يشرد.

 

رفع بصره فرأى بروكا، الذي ابتسم بخجل وهو ينتظر هجومه.

 

«”والأهم، حين تعتمد على تقليد قوى إبادة الآخرين وتتجاهل كل هذه الأمور، فهذا يعني أنك تفتقر إلى أبسط شيء لقوة الإبادة، الذي استخدم الآخرون حياتهم لتشكيله. أنت تفتقر إلى هذا الشيء الواحد تجاه كل من تقلدهم، وكل الخصوم الذين تقاتلهم، وحتى تجاه نفسك.

 

«”أنت تفتقر إلى الاحترام”».

 

«ريكي، ذلك الشيطان اللعين».

 

عبس تاليس.

 

وفي تلك اللحظة، اختفت خطيئة نهر الجحيم لديه كالمد، وتركت وراءها قدرًا ضئيلًا من القوة الخاملة. وشعر تاليس بدرجة من الأسى تصدر عنها.

 

كانت كعاشقة وصلت بحماس و عادت بخيبة.

 

«لا.

 

«هذا ليس درسًا في فنون القتال.

 

«وليس تحقيقًا بسيطًا في قوة الإبادة لدي.

 

«إنه شكل أصدق وأنقى من المعركة».

 

وبينما كان يحس بنظرات الناس عليه، عضّ تاليس شفته وأغمض عينيه.

 

«لا.

 

«إن كنتُ ما زلتُ أعتمد على قوة نيكولاس للبقاء…

 

«وإن لم أستطع حتى اجتياز هذه العقبة أمامي…»

 

«”تذكّر، المهم هو كيف تدير قوتك، لا قوة خصمك. المهم هو كم تكتسب، لا مدى إجادتك في تقليدهم”».

 

«لا.

 

«إن كنتُ حقًّا أريد اجتياز هذه العقبة، وأريد حقًّا أن أتحرر من هذا الوضع الذي تحيط بي فيه الشكوك…»

 

خفض تاليس رأسه وتنهد ببطء في قلبه.

 

«اللعنة يا ريكي.

 

«اللعنة عليك».

 

وعلى بُعد، حرّك مالوس، الذي كان يراقب تاليس، عينيه قليلًا.

 

وبعد بضع ثوانٍ، رفع تاليس رأسه.

 

«لكنه محق. إن كنتُ أخاف أن أجرب الآن، فمتى سأجرب أصلًا؟ في المرة التالية التي تتعرض فيها حياتي للخطر؟»

 

في تلك اللحظة، نبذ تاليس كل المخاوف غير الضرورية بشأن إخفاء قوته، وإخفاء خطيئة نهر الجحيم، والنظرات من قصر النهضة ومن الحرس الملكي.

 

وعلى الأقل في تلك اللحظة، أراد أن يصير محاربًا بلا أي مشتتات.

 

«”المرونة الموجودة في خطيئة نهر الجحيم ليست موجودة لتتيح لك أن تقلد قوى خصومك شبه تقليد كامل وتصير خصومك. بل لتتيح لك أن تواجه كل خصومك بلا خوف وبرباطة جأش”».

 

احترقت خطيئة نهر الجحيم مرة أخرى، لكنها كانت أكثر ترويضًا بكثير الآن.

 

تساءل تاليس هل ذلك لأنه استنفد الكثير من قوة الإبادة لديه، أم لأنه فشل مرات كثيرة.

 

وكأن الوحش المجنون قد صار كلبًا هادئًا واختبأ في زاوية مظلمة ليلعق جراحه. ولم يكن يلقي إلا نظرات باردة على عدوه من حين لآخر.

 

وحين يواجه عدوه خارج القفص، كان يكشف عن أنيابه الحادة ليُظهر سوء نيته.

 

«هذه هي “قوة الإبادة القادرة على كل شيء” الحقيقية».

 

فتح تاليس عينيه قليلًا.

 

لم تندفع خطيئة نهر الجحيم في جسده كله كما تفعل عادة. بل تركزت في عينيه وأذنيه. وملأت حواسه أيضًا.

 

وفي تلك اللحظة، دخل المراهق مرحلة يألفها.

 

حواس الجحيم.

 

بدأت عينا تاليس تغشيان، كأنه فقد التركيز.

 

لكنه وحده كان يعلم في تلك اللحظة أن العالم أمامه صار ملونًا جدًّا.

 

استطاع أن يرى قوة الإبادة الكثيفة الصلبة لدى بروكا. كانت تحيط بذراعيه ومركز ثقله وهي تتحرك ببطء.

 

أدرك تاليس فجأة أن عدد مرات استخدامه  لحواس الجحيم وطرقه فيها كانت… عديمة الفائدة جدًّا.

 

فقد استخدمها إما لتقليد قوة غيره، أو للبحث عن طريقه ليلًا، أو للتنصت على الآخرين، أو حتى… لرؤية الأشباح.

 

لكن اللحظة الحقيقية التي ينبغي أن يستخدم فيها حواس الجحيم…

 

وخارج الساحة، صار تعبير مالوس جادًّا.

 

استنشق تاليس ببطء وبدا الزمن وكأنه يتباطأ بالنسبة إليه.

 

وفجأة شنّ هجومًا!

 

وفي تلك اللحظة، كان الأمر كأن أحدهم يقرع طبول الحرب. وتحرك المشهد المتجمد أمامه مع الصوت الذي ارتفع بعد انفجار!

 

وبدأت خطيئة نهر الجحيم لديه تتحرك بحيوية من جديد.

 

زأرت ريح سيفه وشقت الهواء.

 

«كلانغ!»

 

أمسك تاليس سيفه بيديه الاثنتين، وأرجحه من الأعلى بقوة عظيمة ليضرب سيف بروكا الطويل، الذي وضعه بروكا أفقيًّا أمامه!

 

لم يغيّر بروكا الخبير تعبيره بسبب قوة الضربة.

 

واستقبل هجوم تاليس بثبات وهدوء. واستخدم خطواته وحركاته ليصد الهجوم بإتقان.

 

ثم…

 

«دَب!»

 

خفق قلب تاليس بقوة في صدره.

 

ومع حواس الجحيم، رأى لون هيئة بروكا يتغير مرارًا.

 

ثم تجمّع ليشكل خطًّا واضحًا.

 

انتشرت رعشة من كتف تاليس وعنقه إلى جسده كله.

 

«”المعنى وراء التقليد هو فهم خصمك”».

 

وفي جزء من الثانية، اندفعت خطيئة نهر الجحيم لديه بانتظام!

 

وانتقلت إلى ذراعيه وساقه اليمنى.

 

ورفع تاليس، الذي كانت عيناه غائمتين كأنهما غير مركزتين، سيفه وتحرك إلى الخلف بسلاسة.

 

«كلانغ!»

 

وفي تلك اللحظة، تفادى بالكاد هجومًا لبروكا.

 

وراح أفراد الحرس الملكي الذين يشاهدون القتال يتناقشون بأصوات منخفضة.

 

«غريب». لم يفهم دويل. «حركاته… بدا أنها صارت أسرع، ومع ذلك تبدو أبطأ».

 

«لا، ليست حركاته…» ردّ غلوفر ببرود.

 

شعر دويل بانزعاج طفيف. «لماذا تحب أن تجادلني اليوم بالذات؟»

 

وظل مالوس صامتًا وسط الحشد.

 

وسّع تاليس المسافة بينه وبين بروكا بخطوتين، ولاحظ أن لون بروكا عاد طبيعيًّا.

 

وعادت خطيئة نهر الجحيم لديه كالجزر.

 

وكان مقبض سيفه لا يزال يرتجف قليلًا.

 

وظلت حواس الجحيم لديه تعمل بالروعة نفسها كما كانت، وتمده في الوقت نفسه بأحدث المعلومات.

 

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

 

كان يستطيع أن يحس بوضوح بقوة الإبادة الوقورة في جسد خصمه، مع اتجاهها وشكلها وعاداتها.

 

كانت تبدو هادئة وغير مؤذية.

 

لكن حين تُستفز… فإنها تملأ يدي بروكا فورًا وتضرب تلقائيًّا أضعف نقطة لدى عدوه لتوجه هجومًا قاتلًا.

 

«إنها قوية جدًّا».

 

وفي تلك اللحظة، زأرت خطيئة نهر الجحيم بصوت عالٍ في جسد تاليس.

 

بدت غير راضية، لكنها بدت في الوقت نفسه كأنها تقهقه ببرود.

 

وتضخمت في جسد تاليس من جديد لتزوده بالطاقة اللازمة لاستخدام حواس الجحيم.

 

لم يكترث تاليس بها، لكنه فهم في قلبه.

 

«قوة بروكا هي… ذوبان الأنهار الجليدية؟

 

«لا، هي أكثر من ذلك.

 

«وهي بالفعل تشبه موسيقى البيغاسوس بحسب وصف وايا.

 

«أو هي شيء بين الاثنتين.

 

«وفيها حتى ظلال من فوضى الجيوش».

 

بدأ تاليس يختبر الأشياء التي قالها له أكثر من شخص.

 

«نفس قوة الإبادة تكون لها خصائص مختلفة عند أشخاص مختلفين، وذلك لأن قوة الإبادة هي المقاتل نفسه».

 

لم يكن القتال قد انتهى بعد. وبينما كرر الكلمات التي قالها له ريكي، رفع تاليس سيفه من جديد.

 

«سيّاف بارع في الدفاع والهجمات المضادة، وقوة إبادة لديه تتيح له أن يكون بارعًا في سماع قوة الهجوم وإصدار الأحكام عليه…

 

«وماذا أيضًا؟

 

«لاحظ يا تاليس، لاحظ.

 

«ثم فكّر مجددًا».

 

«كلانغ!»

 

جولة أخرى، ضربة أخرى.

 

وجّه تاليس شقًّا خفيفًا إلى الجانب، وما تلقاه مقابل هجومه هو أن غيّر بروكا اتجاه سيفه وطعن إلى الأمام ليهاجم ظهر ذراع الأمير.

 

ونجا المراهق برشاقة.

 

لكن الاصطدام هذه المرة أتاح لتاليس أن يستشعر بعض الأشياء.

 

كانت بعض الدلائل غير الواضحة لكنها حاسمة.

 

التقنيات.

 

في حواس الجحيم، فكّر تاليس، الذي كانت عيناه غائمتين، بلا تعبير.

 

«إنها التقنية.

 

«بروكا… دفاعي أكثر من اللازم. فهو يعتمد كثيرًا على الدفاع وعلى تقنياته في الهجوم المضاد.

 

«إنه معتمد أكثر من اللازم ومركّز أكثر من اللازم على حركات خصمه».

 

ربما كانت عينا تاليس خاليتين، لكن قلبه كان صافيًا. وسأل نفسه: «هل هو مثل ذاتي السابقة، التي لم تكن تنظر إلا إلى حركات الأعداء وتقلد مزاياهم؟

 

«إذن…»

 

أغمض تاليس عينيه برفق.

 

واختفت حواس الجحيم لديه ببطء.

 

وحين فتح تاليس عينيه مجددًا، كانتا صافيتين.

 

كانت قوة الإبادة هي المحارب نفسه.

 

تذكّر كلمات مالوس، مع أنه لم يبدُ أنه فهمها تمامًا.

 

«لكن المعارك نفسها أكثر بكثير من قوة الإبادة وحدها».

 

أرجح تاليس سيفه بذهول ووجّهه مباشرة نحو خصر خصمه.

 

وأرجح بروكا سيفه في حركة بارعة، فاصطدم السيفان لحظة قبل أن ينفصلا من جديد.

 

وشنّ هجومًا مضادًّا آخر لا يُصدَّق، واتجه مباشرة إلى وجه تاليس، الذي لم يكن لديه وقت ليحميه.

 

لكن تاليس كان مستعدًّا. فقد ترك لنفسه بعض الهامش حين كان يهاجم.

 

ولذلك اندفعت خطيئة نهر الجحيم إلى خصر تاليس بحركة مألوفة، فمالت به إلى الخلف بسرعة، و تفادى السيف حين استدار إلى الجانب أيضًا.

 

عبس بروكا من جديد.

 

وبعد جولتين أو ثلاث، أدرك فجأة أن هجمات الأمير اختبارات، وأن هجماته المضادة لم تعد مفيدة كما كانت من قبل.

 

وفي اللحظة التي تفادى فيها تاليس، كان ذهنه صافيًا.

 

كأن الضباب قد انقشع، وبدأ البصر الضبابي يصبح أوضح.

 

«إذن، تخلى بروكا عن زمام المبادرة في شن الهجمات في القتال، وتخلى عن سلطة التحكم في المعركة مقابل فرصة إيجاد نقاط ضعف أعدائه.

 

«وفي المعارك التي يمكن أن يُحسم فيها الموت والحياة في لحظة واحدة، فإن التخلي عن التحكم يعني…»

 

عاد تاليس إلى مكانه. وأمسك سيفه بيديه الاثنتين، وهدّأ قلبه الثقيل.

 

وتسلقت خطيئة نهر الجحيم لديه ذراعيه و خصره بحماس. ثم بدأت تزأر بشدة!

 

كانت كذئب منفرد تسلق قمة الجبل، يعوي وهو ينظر إلى الجبال التي لا نهاية لها أمامه ويواجه القمر البارد.

 

وفي الثانية التالية، لم يعد تاليس يتحفظ واندفع إلى الأمام!

 

«كلانغ!»

 

إصطدمت أسيافهم من جديد!

 

ركّز بروكا بصره.

 

وهذه المرة، تلقى أخيرًا هجوم الأمير بكامل قوته.

 

كانت اللحظة الآن… أفضل وقت لتحديد المنتصر.

 

كان يستطيع أن ينهي القتال الذي كان يشعره بحرج شديد.

 

بدأت قوة الإبادة لدى بروكا تتصلب. ثم تحركت معصماه وذراعاه معًا في الوقت نفسه!

 

وتشابك السيفان معًا، وأطلقا أنينًا معدنيًّا.

 

ودار السيفان.

 

أدار بروكا سيفه بهدوء، وحلل في جزء من الثانية هل هجوم خصمه حقيقي أم خادع.

 

ثم…

 

وحين استشعر اتجاه قوة خصمه، أمر بروكا قوة الإبادة لديه وأطلقها فورًا، كما كان يقاتل أعداءه حين كان شابًّا.

 

«صدّ.

 

«احكم.

 

«الهجمة الأخيرة».

 

فكّر بروكا بهدوء.

 

لم تتوقف يداه عن الحركة. وجّه طعنة بالسيف في حركة سلسة واحدة، ثم اتجه ليهاجم الجزء الذي لا يستطيع الأمير أن يحميه إلا بأقل قدر، لأن هجومه كان ضاريًا أكثر من اللازم.

 

«دَب».

 

سُمع صوت مكتوم.

 

وفي تلك اللحظة، شعر تاليس بألم في ساقه.

 

وفي تلك اللحظة، لم يعد قادرًا على البقاء واقفًا، وانهارت ركبته اليسرى.

 

«دَب!»

 

دوّى صوت مكتوم آخر، وكان أعلى بكثير من السابق.

 

وفي النهاية، سقطت ركبة تاليس اليسرى على الأرض. وجثا من الألم.

 

لهث بقسوة، متحملًا الألم و التخدر.

 

انتهت الجولة.

 

وساد الصمت ساحة التدريب.

 

زمّ بروكا شفتيه حين رأى الأمير جاثيًا أمامه.

 

كما كان متوقعًا…

 

فقد أصاب سيفه ساق الأمير اليسرى.

 

وفي تلك اللحظة بالذات، فكّر ضابط الإمداد بهدوء: «آه، صحيح، لا يمكنني أن أبالغ. يجب أن أترك هامشًا حتى لا يُهزم الأمير هزيمة شديدة، ولا أجعل القائد يظن أنني أفعل هذا بجدية…»

 

لقد أساء إلى عدد كبير جدًّا من الناس حين كان شابًّا، ومنذ أن أُصيب، صار مستقبله صعبًا جدًّا.

 

وإضافة إلى ذلك، كان ابنه قد بلغ سن الزواج.

 

لم يكن لديه خيار آخر.

 

كان قد شارف على الخمسين. وكان عليه أن يرتدي وجهًا باسمًا ويتواضع في كل أمر. وكان عليه أن يخفض رأسه ويخدم أولئك النبلاء الذين لم يتجاوزوا العشرين إلا بقليل أو حتى في سن المراهقة، لكن مكانتهم أرفع بكثير من مكانته.

 

من أجل…

 

هم؟

 

تغير تعبير بروكا.

 

لقد أحسّ بشيء.

 

كيف…

 

أخذ ضابط الإمداد نفسًا عميقًا.

 

وخفض رأسه ببطء.

 

وحين نظر بوضوح إلى المشهد أمامه، شعر بروكا بالصدمة!

 

لم يكن متأكدًا تمامًا متى حدث ذلك، لكن سيف تاليس كان مطعونًا إلى الأعلى، ومضغوطًا بثبات على صدر بروكا.

 

وكان مقبض السيف في يد تاليس، الذي كان جاثيًا على ركبة واحدة.

 

لكنه… لم يستخدم أي قوة.

 

ذُهل بروكا.

 

لقد تحدد الفائز.

 

«واو…»

 

وفي تلك اللحظة، ارتفعت ضجة فورية بين الحرس الملكي. وكانت صيحات دهشتهم كأمواج تضرب الشاطئ وتغزو الهواء حول المكان!

 

«ما هذا بحق…»

 

شاهد دويل المشهد بدهشة. أراد أن يقول شيئًا، لكنه لم يعرف ما حدث، فلم يستطع إلا أن يفتح فمه ويغلقه مرارًا.

 

وزال عبوس غلوفر ببطء.

 

وفي الساحة، خفض تاليس رأسه وهو جاثٍ على الأرض. وراح يلهث بحثًا عن النفس وذراعاه ترتجفان.

 

نمت في قلوب الجميع الدهشة والحماسة والحيرة والشك والارتباك ومشاعر أخرى لا تُحصى.

 

ومن بين أزواج العيون الكثيرة، كانت نظرة مالوس أحدّها وأكثرها تعقيدًا.

 

حدّق في سيف تاليس دون حراك، وكأن السيف يحتوي على أعمق الأسرار.

 

كان تاليس يرتجف.

 

لم يكن أحد يعلم أنه، في تلك اللحظة، كان يحاول جاهدًا أن يكبح خطيئة نهر الجحيم المتحمسة التي كانت تندفع بجنون في جسده. كان يكبح رغبتها في مواصلة الطعن إلى الأمام.

 

هدّأ بروكا مشاعره وأخفى نظرة عدم التصديق عن وجهه.

 

ونظر إلى الأمير المرتجف بتعبير معقد.

 

«هذا هو… لقد هاجم عمدًا وتنبأ بهجومي المضاد؟

 

«وضحّى بساقه اليسرى مقابل…»

 

ازداد تعبير بروكا قتامة وهو ينظر إلى السيف الطويل أمام صدره.

 

وبعد بضع ثوانٍ، تنهد ضابط الإمداد.

 

«يا سموّ الدوق، لقد فزتَ.

 

«لديك حيل كثيرة، وقد تعاملتَ مع الموقف تعاملًا صحيحًا». أظهر بروكا ابتسامة شاحبة وألقى سيف التمرين. وأقرّ بالهزيمة وقال: «لستُ خصمك على الإطلاق».

 

ازداد النقاش بين الحرس الملكي.

 

«لا بد أن العجوز بروك قد سهّل الأمور عمدًا حين واجه الفتى»، همس دويل بحيرة إلى الأشخاص من حوله. «كان بإمكانه أن يهزم الأمير بسهولة قبل قليل، ومع ذلك هُزم في اللحظة التالية. حتى روايات الفرسان لم تُكتب بهذه الطريقة…»

 

«اخرس»، قال غلوفر أخيرًا ببرود بعد أن لم يستطع الاحتمال. «هل تظن أن القتال مثل الرياضيات، تقارن فيه أيّ العددين أكبر وأيهما أصغر، ويُحل بسهولة إن كنتَ تعرف الجمع والطرح؟»

 

عجز دويل عن الكلام. وألقى على غلوفر نظرة مريرة.

 

وكانت هناك محادثات كثيرة أخرى من هذا القبيل.

 

ومع ذلك، اكتفى مالوس بالنظر إلى الشخصين في الساحة دون أن يقول شيئًا.

 

لهث تاليس بضع مرات أخرى، وثبّت جسده أخيرًا.

 

وأعاد سيفه الطويل إلى مكانه بيد مرتجفة قبل أن يقف.

 

انحنى بروكا بامتعاض. واستدار و استعد لمغادرة الساحة.

 

لكن تاليس ناداه.

 

«لا، يا ضابط الإمداد ليو بروكا». بدا الأمير مرتبكًا. وارتسمت على وجهه المتعرق ابتسامة. «أعرف أنك خففتَ عني».

 

وألقى تاليس أيضًا سيفه الطويل ومدّ يده اليمنى برفق.

 

«لقد علّمتني الكثير، شكرًا لك».

 

ذُهل بروكا لثانية قبل أن يبتسم بتردد.

 

وتردد بعض الوقت، لكنه صافح يد الأمير مع ذلك. وتركها فورًا بعد ذلك.

 

أومأ تاليس. «يشرفني أن تكون حارسي».

 

لم يكن على وجه ضابط الإمداد أي تعبير، لكنه تراجع خطوتين، وضغط بيديه على الجانب الأيسر من صدره، وانحنى.

 

وبالمقارنة بالانحناءة الأولى، كانت هذه أكثر احترامًا.

 

«كنتُ أعرف أنه سهّل عليه الأمر». أظهر دويل تعبير إعجاب على جانب الساحة. «تسك، تسك، تسك، هذا المحارب القديم، إنه حقًّا مراعٍ حين يتعلق الأمر بالتملق».

 

حدّق فيه غلوفر بصمت.

 

وظل الحرس الملكي يتناقش فيما بينهم، لكن طريقة نظرتهم إلى الأمير تغيرت.

 

التقط تاليس قربة ماء وبدأ يشرب ليرطّب نفسه. وفي الوقت نفسه، رفع رأسه ونظر إلى مالوس ليعطيه نظرة عدائية.

 

ونظر إليه مالوس أيضًا بخفوت. ولم تكن المشاعر في عينيه ظاهرة بوضوح.

 

«بروكا؟»

 

لم يدر مالوس رأسه، لكن في صوته نبرة استفسار.

 

«أرجو منك المعذرة، أيها القائد». بدا بروكا متعبًا ومستسلمًا قليلًا. «لقد كبرتُ في السن الآن، وسموّ الدوق…»

 

ألقى ضابط الإمداد نظرة على تاليس، وكانت نظرته معقدة. «…جيد جدًّا».

 

ظل مالوس صامتًا بضع ثوانٍ، لكن تعبيره لم يعد هادئًا ورابط الجأش كما كان من قبل.

 

«كفى».

 

وبعد بضع ثوانٍ، ارتفع صوت مالوس الكئيب قليلًا، وأغرق نقاشات الحرس الملكي التي كانت ترتفع أكثر فأكثر.

 

خطا الحارس الأعلى خطوة إلى الأمام ونظر إلى الأمير البائس وهو يرتّب نفسه. بدا كلوحة زيتية أفسدها العرق والغبار والجروح.

 

«هل أنت مستعد لمواجهة خصمك التالي؟»

 

«ماذا».

 

توقف تاليس عن شرب الماء.

 

وضع دوق بحيرة النجوم قربة مائه وسأل بدهشة: «هناك المزيد؟ ألا تكفي مباراة واحدة؟»

 

نظر نحو عشرين فردًا من الحرس الملكي في المكان بعضهم إلى بعض بحيرة.

 

ابتسم مالوس ابتسامة خفيفة.

 

«لم ننتهِ من تقييمك بعد. كما أن الوقت لا يزال مبكرًا. فدرس فنون القتال قد بدأ للتو… هل استمرت المباراة بينكما قبل قليل حتى دقيقتين أصلًا؟»

 

ماتت كلمات تاليس في حلقه.

 

«كم… دقيقة قلتَ للتو؟»

 

صارت ابتسامة مالوس أسطع، وبدت حقيرة جدًّا في عيني تاليس.

 

«بالطبع، سنتفهم الأمر إن كنتَ قد عانيتَ حقًّا. فلكل وريث مستوى مختلف من التحمل. لذا يمكنك أن تختار الاستسلام يا صاحب السمو».

 

أظلم صوت مالوس، وسطع في عينيه ضوء لا يمكن التعرف إليه.

 

«بصفتي خادمك المتواضع، لن أجرؤ على منعك من الاستسلام، وليس لي حق في ذلك أيضًا. الأمر كله بيدك».

 

هزّ مالوس كتفيه.

 

«وسنعتبر جميعًا أننا قد عرفنا الآن الأمير الذي لا يصمد إلا دقيقتين».

 

ذُهل تاليس من جديد.

 

«أي… أي أمير؟»

 

ابتسم مالوس ولم يتفاعل مع تعبير تاليس.

 

وبعد بضع ثوانٍ، أخذ تاليس نفسًا عميقًا قبل أن يزفر ببطء.

 

«إن كنتَ تفكر في إغضابي يا تورموند مالوس، فقد نجحت». كان في صوت دوق بحيرة النجوم لمحات خافتة من الغضب.

 

لكن…

 

«إنه لشرف لي يا صاحب السمو». لم يكترث مالوس بغضبه. «فهذا يعني أنني قمتُ بواجبي. حسنًا؟ هل تنوي أن تستريح؟

 

«أعتقد أن الجميع سيتفهمون، بمن فيهم جلالته».

 

ألقى نظرة على أفراد الحرس الملكي من حوله بسخرية.

 

«فأنت بعد كل شيء قد تحملتَ للتو معركة عالمية المستوى تستحق أن تُكتب في قصائد التاريخ. لقد استمرت دقيقتين كاملتين خلال درس فنون القتال، وكانت مثيرة حقًّا. تحملتَ المشاق، وبحثتَ عن طرق للبقاء، وقلبتَ الطاولة في النهاية لتفوز».

 

وفي تلك الدقيقة، ارتعش تاليس قليلًا وهو يحدّق في مالوس بعداء.

 

«دقيقتان… من أي معركة؟»

 

تجمّد تعبير تاليس.

 

واصل مالوس ابتسامته.

 

وفي تلك اللحظة، كانت ساحة التدريب صامتة كالفأر.

 

كان الحرس الملكي صامتًا تمامًا. ولم يُصدروا أدنى همس.

 

وحدّق الجميع بقلق وتوتر في تاليس ومالوس. ولم يجرؤوا حتى على التنفس بصوت عالٍ.

 

وبعد بضع ثوانٍ…

 

«هيا».

 

سحق تاليس استياءه وأغمض عينيه.

 

رفع مالوس حاجبًا.

 

وفتح تاليس عينيه بسرعة، وكانت نبرته غير ودية.

 

«لماذا ما زلتَ تحلم أحلام اليقظة؟ هيا!» صرّ على أسنانه وحثّه على الإسراع.

 

«على أي حال، أنا فقط من يُضرب هنا! لقد اعتدتُ على ذلك منذ زمن طويل!»

 

زأر تاليس في داخله وهو يبكي في قلبه أيضًا.

 

ارتدى مالوس ابتسامة مسرورة من جديد.

 

ولم يستدر، بل نادى باسم.

 

«جان. نعم، أنا أناديك، جان كومودور».

 

تنحّى الحرس الملكي جانبًا، وظهر من بين الحشد رجل نحيل قصير القامة لكنه مفتول البنية.

 

كان الرجل مذهولًا. رمش بحيرة. وكان من الواضح أنه لم يكن مستعدًّا.

 

نظر إليه رفاقه من حوله بشفقة، وكأن كومودور قد سُحبت له للتو القرعة لتنظيف المرحاض.

 

«اسمع يا جان، يمكنك أن تكون أجرأ وأشد تطرفًا في هجماتك»، واصل الحارس الأعلى كلامه.

 

ذُهل تاليس.

 

«أجرأ وأشد تطرفًا؟ ماذا يعني هذا؟»

 

وكان على وجه كومودور، الذي كُلّف بالمهمة، نظرة جهل.

 

نظر مالوس إلى تاليس مرة أخرى. وصار تعبيره صارمًا.

 

«سيختلف الاختبار هذه المرة عن اختبار بروكا. ففي هذه المرة سنختبر قوة الإبادة المثيرة للاهتمام في جسد سموّه».

 

وسطع في عينيه فجأة بريق بارد.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.