فصل إضافي:
إله الموت والأمير الشره
أقام العديد من أفراد العائلات الملكية في الفيلا الملكية لمملكة التنانين الملكية. ومع ذلك، لم يكونوا تحديدًا من عائلة مملكة التنانين الملكية: بل كانوا أمراء وأميرات من دول تابعة. رسميًا، كانوا يدرسون هنا أو تم إحضارهم كأطفال بالتبني، لكن في الحقيقة، كانوا في الأساس رهائن محتجزين لضمان عدم تمرد تلك الدول التابعة. كان هذا النظام يشبه نظام “دايميو شونين سيدو” الذي كان يُستخدم في اليابان الإقطاعية لضمان بقاء الأتباع مخلصين.
على أية حال، لم يكن هؤلاء الأمراء والأميرات يدركون تماماً وضعهم كرهائن. فما دامت بلدانهم الأصلية ملتزمة بالاتفاقيات، كانت سلامتهم وإقامتهم المستمرة مضمونة، مما أتاح لهم العيش في دعة ورفاهية. ومع ذلك، لم يكن جميعهم بهذا القدر من اللامبالاة؛ فقد قضى القليل من الطموحين منهم ذلك الوقت في تطوير أنفسهم وترقب أي فرصة لتسلق السلم الاجتماعي.
كان باكس واحداً من هؤلاء. فقد مر بتحول مفاجئ في قلبه ذات يوم وانغمس في دراسة المبارزة بالسيف والسحر والعلوم الأكاديمية. كان يمارس التمارين الرياضية قدر استطاعته في الصباح، ويترك النصف الثاني من اليوم للسحر والكتب. أقسم باكس على الالتزام بهذا الجدول اليومي، لكن مثل هذا التغيير الجذري في الروتين لم يكن ليصمد طويلاً. وفي الآونة الأخيرة، بدأ يكرس ساعاته الصباحية لنشاط مختلف تماماً؛ ألا وهو زيارة الحدائق القريبة من الفيلا الملكية.
“عندها قلت له: اترك ذلك العبد! أنا من سيشتريه”. بينما كان باكس يتدرب بسيفه الخشبي، كان يروي لفتاة قريبة منه حكاية. “اندلع شجار بعد ذلك. هجم عليّ البلطجية، فقضيت على كل واحد منهم! كان زعيمهم هو آخر من اقترب مني. كان يحمل فأساً قتالية تضاعف حجمي مرتين على الأقل. أطلق زئيراً مرعباً لدرجة أن أشجع المحاربين كان سيرتجف من الخوف، ثم اندفع نحوي! تفاديت هجومه ببراعة وأطلقت عليه أقوى تعاويذي السحرية، فأصبته في وجهه مباشرة! تعثر الرجل بضع خطوات، ودون إضاعة أي وقت، انقضضت عليه بسيفي. ضربة! وسقط أرضاً!”
قام باكس بحركات مبالغ فيها بسيفه، حتى أنه استخدم السحر وهو يجسد معركته في الوقت الفعلي. وبمجرد أن وصلت قصته إلى نهايتها، توقف ليلقي نظرة على الفتاة. كانت عيناها فارغتين، ولم تظهرا أي إشارة لما يدور في ذهنها. لكن لسبب ما، كان باكس قادراً على قراءة تعبيراتها. لم يكن قادراً على ذلك في البداية، لكن مع مرور الوقت بدأ يلاحظ أصغر التغيرات على وجهها. في تلك اللحظة، كانت عيناها تلمعان ببريق أكثر من المعتاد، وقد احمرت وجنتاها. بدت وكأنها تستمتع بقصته بصدق.
تصبب العرق من جبين باكس. ظل صامتاً، متجمداً في الوضعية التي اتخذها في نهاية قصته، والتي تشير إلى أنه قد أطاح بعدوه. ولكن بعد لحظات قليلة، استسلم للأمر الواقع واعتدل في وقفته.
اعترف قائلاً: “حسناً، كانت تلك النتيجة لتكون مثالية، لكن لا شيء يسير دائماً بالكمال الذي تتخيله في رأسك. كل ما فعلته هو تقديم الدعم لحراسي بسحر الرياح الخاص بي”. لم تبدُ الفتاة أقل إعجاباً مما كانت عليه من قبل.
قالت: “لكن مع ذلك، يا سيدي، لقد أصبحت زعيم الأحياء الفقيرة”.
“بالفعل. وبغض النظر عن كيفية حدوث ذلك، فهذا صحيح بالتأكيد؛ بعد هزيمة زعيمهم، أصبحت الآن أحكم الأحياء الفقيرة”.
“مذهل”.
ابتسم باكس. “أليس كذلك؟! ربما شعرت ببعض التردد أثناء كل تلك الجلبة، لكن هذا لا يغير حقيقة أنني وحدت أوباش شيرون! تابعي، سأسمح لكِ بإغداق المزيد من المديح عليّ!”
“مذهل. مذهل حقاً”.
كانت بينيديكت هي الأميرة السادسة عشرة لمملكة ملك التنانين. كانت تعبيراتها هادئة، ولا تعطي سوى القليل من الدلالات على مشاعرها، وكانت نبرة صوتها مسطحة تكاد تخلو من التغير. ومع ذلك، فإن الطريقة التي كانت تستمع بها بلهفة جعلت من الواضح مدى حماسها لقصته.
بصراحة، كان باكس قد أضفى على قصته الكثير من الدراما. وفي محاولة يائسة للحفاظ على بعض الكرامة، أقحم جزءاً عن استخدامه للسحر لدعم حراسه، لكن الحقيقة هي أنه لم يفعل حتى ذلك القدر. كان يؤلمه أن يكذب هكذا، لكن لم يكن هناك روح واحدة في المملكة تستمع إلى قصصه بجدية مثلها. كان من الطبيعي أن ينجرف قليلاً.
تمتمت بينيديكت: “أخبرني… المزيد”.
بكل صدق، لم تكن الحقيقة تهمها. فبما أن عائلتها قد تخلت إلى حد كبير عن تعليمها، فهي لا تستطيع القراءة، ولم يكن أحد يتحدث إليها مثلما يفعل باكس. كانت محبوسة داخل حدود الفيلا الملكية الضيقة؛ وأينما ذهبت، كانوا يعاملونها كأنها مصدر إزعاج. كانت تستيقظ في الصباح، وتتناول طعامها، ثم تتجول لتجد مكاناً مهجوراً تضيع فيه الوقت حتى وجبتها التالية. ثم يأتي وقت النوم، لتبدأ نفس الروتين الممل في اليوم التالي. وسط كل هذا الرتابة المرهقة، كانت حكايات باكس المثيرة بمثابة نسمة هواء منعش. لقد استمتعت بذلك.
كررت قائلة: “المزيد. أخبرني…”
“حسناً إذن. أفترض أن بإمكاني أن أروي لكِ في المرة القادمة قصة زيارتي لربيع الجنيات. أو على الأقل، أود ذلك، لكننا سنحتفظ بذلك للغد. فبعد ظهر هذا اليوم لدي دراساتي وتدريبات السحر التي يجب أن أحضرها”.
“…حسناً”.
“واهاهاها، يا لكِ من مستمعة رائعة. لكن لا داعي للعبوس هكذا! كل ما عليكِ فعله هو الانتظار. سيأتي الغد سواء أردتِ ذلك أم لا!”
أي شخص يراقب باكس هذه الأيام سيوافق على أنه كان عاملاً مجتهداً. فبمجرد انتهائه من تدريباته الصباحية، كان يكرس فترة ما بعد الظهيرة لدراساته وممارسة السحر. صحيح أنه كان يتكاسل كثيراً في الصباح، نعم. لكنه كان يمارس ضربات سيفه بجدية حتى أثناء تبادله للقصص مع بينيديكتي، لذا كان يصقل مهاراته تدريجياً.
أما بالنسبة لتعليمه العادي، فلم يعد يملك رفاهية وجود معلم خاص منذ أن تخلت عنه مملكة شيرون. تُرك ليواصل دراسته بمفرده بناءً على ما يتذكر أنه تعلمه. وقد أدت جهوده المستمرة إلى تحسين سمعته في الفيلا ببطء.
“لكن قبل كل ذلك، يجب أن نأكل! حان وقت العودة إلى الفيلا!” أعلن باكس.
“…سأرافقك.”
“واهاهاها! لا داعي لذلك. لا داعي على الإطلاق.”
افترق باكس عنها وتوجه إلى غرفته. كانت الحدائق تقع عند حافة العقار، مما يعني أن غرفة بينيديكتي كانت قريبة، لكن غرفة باكس كانت بعيدة جداً. كانت بينيديكتي دائماً مترددة في مفارقته، لذا كانت تمشي معه لجزء من الطريق. ورغم الطريقة التي يعاملها بها الناس، إلا أنها كانت لا تزال أميرة دولة كبيرة، وشخصاً يحاول بنشاط قضاء المزيد من الوقت معه. كان ذلك كافياً ليجعل باكس في حالة معنوية عالية، مما أدى حتماً إلى استرساله في الحديث.
“خلال دراستي للسحر بالأمس، توصلت إلى إدراك معين. لم يكن أكثر من مجرد فكرة، لكن عندما بحثت في الأمر، اكتشفت أن افتراضاتي كانت صحيحة. مما يعني أنه، منذ زمن بعيد، كان السحر…”
من الخارج، بدت بينيديكتي وكأنها غير مهتمة وشاردة الذهن. لكن عينيها، بالمقارنة، كانتا مليئتين بالفضول والاهتمام وهي تستمع إليه يتحدث. كانت الخادمات اللواتي يخدمن الفيلا الملكية—وبعض الضيوف الأرستقراطيين من حين لآخر—يطلقن عليهم نظرات باردة ومستنكرة.
“هل رأيت ذلك؟ الدودة عديمة القيمة القادمة من مملكة شيرون تتشبث بالأميرة الفاشلة،” سخر أحد النبلاء أثناء مروره.
تجمد باكس في مكانه. شعر برغبة في الالتفات وإلقاء نظرة جيدة على هذا المنتقد، لكنه منع نفسه. في كل مرة كان يسمع فيها ملاحظات كهذه، كان يشعر بالغثيان—ويشعر بمرارة الصفراء تصعد إلى حلقه. أراد أن يستدير بسرعة، ويلعن الفاعل ويقطع رأسه بسبب وقاحته. لكن تلك الرغبات البشعة ظلت مجرد أمنيات. كان يعلم أكثر من أي شخص آخر أنه لا يملك أي سلطة هنا.
“انتظر فقط، أيها الحقير. سترى،” تمتم تحت أنفاسه، وهو يغلي من الغضب.
تلبدت ملامح بينيديكتي. لم تتلقَ الكثير من التعليم على الإطلاق، لكن هذا لا يعني أنها لا تستطيع التفكير بنفسها. كانت تفهم ظروفها، وكانت تعلم أن باكس يتعرض للإهانة بسبب بقائه قريباً منها.
“سموك،” قالت. “سأ…”
“كفى! لا تقولي ذلك، ستثيرين أعصابي فقط!”
في هذه الأثناء، لم يرَ باكس الأمر بنفس الطريقة التي رأته بها. كان معتاداً على التعرض للانتقاص. فقد واجه نفس النوع من الكلام طوال الوقت في مملكة شيرون.
“انظري إليّ،” أصر. “انظري إلى جسدي، إلى هذه الذراعين والساقين. هكذا كنت منذ ولدت. بغض النظر عما أفعله، سيظل الناس دائماً يقللون من شأني. أضمن لكِ هذا: إنهم لا يقولون ذلك بسببكِ.”
لقد فقد عد المرات التي خاضا فيها هذه المحادثة. ورغم طمأنته لها، شعرت بينيديكتي باليأس. لم تغادر القصر قط، لذا لم تكن تفهم تماماً. لم تكن ترى ما هو مختلف جداً في جسده القصير الممتلئ أو ذراعيه وساقيه القصيرتين. لم تكن تستطيع تخيل مقدار السخرية التي عانى منها بسبب ذلك.
بطريقة ما، كان كلاهما في نفس القارب. كان ذلك بالضبط ما جذبها إلى باكس. فعلى الرغم من شكواه المستمرة من الصعاب التي تواجهه، كان لا يزال يدفع نفسه لمحاربتها.
“همم؟” توقف باكس بمجرد عبورهما الحدود بين القصر الرئيسي والفيلا المجاورة. “ما هذه الرائحة؟”
كانت هناك رائحة نفاذة عالقة في الهواء، مجهولة المصدر. كانت كريهة للغاية، مثل شخص يحرق جثة. ومع ذلك، كان هناك شيء عطري تقريباً فيها أيضاً، مثل شخص يطبخ. كلما استنشقها باكس، زادت شهيته. لكنه تساءل: هل يمكن لشيء بهذه الرائحة الكريهة أن يكون صالحاً للأكل؟ لم يستطع فضوله تجاهل التوازن الغريب لهذه الرائحة.
“يبدو أنها قادمة من ساحة العرض،” تمتم. “أنا مهتم. هل نتحقق من الأمر؟”
“لكن،” بدأت بينيديكتي بالاحتجاج.
“همف. هل سيوبخكِ أحد حقاً لتجولكِ قليلاً بعيداً عن الفيلا الملكية؟ إذا كانوا يرغبون في مراقبة سلوككِ إلى هذا الحد، فيجب عليهم على الأقل تعيين شخص واحد لمراقبتكِ. الآن، لنذهب!”
“حسناً،” أجابت بينيديكتي، وهي تبدو سعيدة قليلاً رغم نفسها.
***
كانت هناك لوحة في مملكة شيرون بعنوان “وليمة الجحيم”. كانت تصور خمسة نبلاء يعانون من سمنة مفرطة وهم يقيمون حفل عشاء. لم يكن ذلك غريبًا جدًا، ولكن إذا نظر المرء عن كثب، سيلاحظ أن النبلاء لديهم هيكل عظمي يخدمهم. بدا ثلاثة من الأرستقراطيين وكأنهم لا يدركون شيئًا، غارقين في محادثة مرحة. لاحظ أحدهم الأمر وبدا عليه الصدمة وهو يلتفت بذعر إلى الشخص الجالس بجانبه. أما العضو الأخير في مجموعتهم فكان منهارًا على الطاولة. لم يكن من الواضح ما إذا كان نائمًا أم ميتًا.
لم يكن باكس يعرف الكثير عن هذه اللوحة تحديدًا، لكنه تذكر أخاه الأكبر، زانوبا شيرون، وهو يقف أمامها ويتمتم لنفسه بينما كان يدرس المشهد. هل أراد الرجال الموجودون هناك أن يكونوا جزءًا من تلك الوليمة؟ وإذا لم يرغبوا في ذلك، فلماذا أُجبروا على الجلوس هناك؟ ومن الذي أعد الطعام الذي كانوا يُقدمونه لهم على أي حال؟ كان زانوبا يطرح مثل هذه الأسئلة بصوت عالٍ. ربما لهذا السبب تذكر باكس اللوحة جيدًا.
ربما كانت اللوحة تصور مشهدًا يشبه تمامًا ما أراه الآن، فكر باكس.
تم إعداد مطبخ خارجي مؤقت على حافة ساحة العرض لتعليم المجندين الجدد كيفية الطهي. كان هناك خمسة من المساعدين (السكواير) على الطاولة المجاورة. كان كل واحد منهم شاحب الوجه بشكل مميت، وعيونهم تتجول باستمرار نحو المطبخ. كانت الرائحة النفاذة التي تنبعث من هناك هي نفس الرائحة التي التقطها باكس في وقت سابق. ازدادت الرائحة سوءًا كلما اقترب المرء، لدرجة أن باكس نفسه شعر برغبة في سد أنفه.
ومع ذلك، كان الأكثر إثارة للاهتمام هو الرجل الذي كان يعمل في المطبخ. كان هيكلًا عظميًا… أو على الأقل، كان وجهه يشبهه كثيرًا. كان يرتدي ابتسامة تقشعر لها الأبدان وهو يقف فوق قدر ضخم، يقلب محتوياته.
“هه هه هه،” ضحك لنفسه. “بقي القليل فقط وسيكون جاهزًا.”
التوت تعبيرات الفرسان إلى نظرات يأس، كما لو كانوا يعتقدون بصدق أن حياتهم قد انتهت—وأنه لا مفر من هذا.
ربما كان الرجال في تلك اللوحة في موقف مشابه. كانوا محقين بشأن عدم قدرتهم على الهرب. ففي النهاية، الرجل الذي كان يعد هذه الوجبة المروعة كان شخصًا يعرفه باكس جيدًا.
“إله الموت راندولف،” تمتم.
كان راندولف ماريان معروفًا بالفعل باسم إله الموت، الخامس بين القوى العظمى السبع. كان يخدم مباشرة تحت قيادة الجنرال الأعلى شاغال كعضو في فرسان التنين الأسود. لم يكن لديه مرؤوسون خاصون به وكان يعمل دائمًا بمفرده. كان أقوى فارس في المملكة وقد ضمن لنفسه تقريبًا أعلى منصب ممكن. على الرغم من مكانته العالية، فقد جمع المساعدين شخصيًا ليقدم لهم وجبة. لم يكن من المستغرب أنهم لم يتمكنوا من الهرب؛ فقد كان راندولف يتفوق عليهم حرفيًا ومجازيًا.
ومع ذلك، لم يستطع باكس إلا أن يتساءل عما يدور حوله كل هذا. “أيها الرجال هناك، ماذا يحدث؟” سأل.
“وأنت تكون…؟”
“الأمير السابع لمملكة شيرون، باكس.”
على الرغم من كونه أجنبيًا، كان باكس لا يزال من العائلة المالكة، مما يضعه في مرتبة أعلى بكثير من الرجال هنا. بدأ الرجال في النهوض من كراسيهم للركوع على ركبة واحدة.
“لا داعي لذلك،” قاطعهم باكس. “مسموح لكم بالبقاء جالسين والتحدث كما أنتم.”
تبادلوا النظرات فيما بينهم قبل أن يعودوا للجلوس. وببطء، بدأوا في شرح الموقف.
“حسنًا، كما ترى، لقد ارتكبنا خطأً… مميتًا نوعًا ما أثناء التدريبات.”
قبل ثلاثة أيام، أجرت مملكة التنين الملكي تدريبات واسعة النطاق لقواتهم. كان هؤلاء الرجال مساعدين للجنرال الأعلى شاغال غارغانتيس نفسه. وبينما سارت التدريبات بسلاسة، ارتكب هؤلاء الشباب خطأً فادحًا. لم يقوموا بتثبيت السرج على حصان شاغال بشكل صحيح. قبل ثوانٍ من إصداره أمر الهجوم، سقط سقوطًا مهينًا في التراب. لحسن الحظ، عالجه المعالجون القريبون على الفور، مما يعني أن بقية التدريب استمرت دون وقوع حوادث. كان هذا هو السبب الوحيد الذي جعلهم يكتفون بالتوبيخ بدلاً من عقوبة أشد. في هذه الأثناء، لم ينجُ شاغال من إحراج رؤية جميع أفراد العائلة المالكة الحاضرين للإشراف على التدريبات لسقوطه.
لم يكن من المستغرب أن المساعدين كانوا مكتئبين للغاية. لقد جلب خطؤهم العار للرجل الذي يجلونه كثيرًا. لو كانت الظروف مختلفة، لربما تم طردهم على الفور. لقد أفلتوا من العقاب نسبيًا. وفي شعورهم بالذنب، توسلوا إلى الجنرال الأعلى لفرض نوع من العقاب عليهم، لكنه ابتسم بسخاء ورفض. في البداية، اعتقد المساعدون أن رد فعله مزعج، لكنهم لم يعرفوا السبب إلا اليوم.
“جاء اللورد راندولف فجأة لزيارتنا اليوم، قائلاً إنه سيطبخ لنا.” “وماذا في ذلك؟ ما المشكلة في ذلك؟” تساءل باكس.
“أتقصد أنك لا تعرف؟”
كانت الشائعات تنتشر كالنار في الهشيم بين الفرسان. كان الأمر مثيرًا للفضول. لماذا قد يصبح أحد القوى العظمى السبع، وأقوى فارس في المملكة بأكملها، تابعًا مباشرًا للجنرال الأعلى؟ في الظروف العادية، كان ينبغي أن يُمنح راندولف ماريان منطقته الخاصة ليحكمها، مع مئات الرجال تحت إمرته. فلماذا كان يعمل دائمًا بمفرده؟
كان ذلك لأن الجنرال الأعلى شاغال دربه ليكون قاتلًا منذ وقت مبكر. كان شاغال من عرق مختلط، يجمع بين دماء الإلف والبشر، وقد مكنه عمره المديد من الخدمة في قمة هرم جيش مملكة تنين الملك لسنوات طويلة. كان يمتلك جانبًا فظًا بعض الشيء، لكنه كان مخلصًا إلى أبعد الحدود ومعروفًا بنزاهته وأمانته. لم يتحدث أحد عنه بسوء قط.
ولكن كيف يمكن أن يكون ذلك ممكنًا؟ كيف يمكن لرجل أن يظل نقي السيرة بينما يتولى مسؤولية منظمة ضخمة مثل جيش مملكة تنين الملك؟ حسنًا، كان ذلك لأنه لم يكن نقيًا على الإطلاق. فقد كان يقتل أي رجل يثير غضبه خلف الكواليس، مستخدمًا القاتل الذي رباه بنفسه—
راندولف. وكدليل على ذلك، بعد سنوات قليلة فقط من اشتهار راندولف بين العامة، تمت تصفية جميع المنافسين السياسيين لشاغال. مات العديد منهم بسبب أمراض مجهولة المصدر أو لقوا حتفهم بشكل مأساوي بعد تعرضهم لـ “حادث”.
“نحن… سنُقتل… لأننا أهنا سيادته!” قال أحد الرجال، وقد شحب وجهه تمامًا.
بدأ الأربعة الآخرون يرتجفون بعنف في مقاعدهم.
“لا… لا! أنا لا أريد أن أموت!”
“سمو الأمير، أرجوك أنقذنا. أنا… لدي فتاة أحبها في وطني. لم
أتمكن حتى من إخبارها بمشاعري بعد… لا يمكنني الموت هكذا…”
“كنت أرغب على الأقل في أن تكون نهايتي في ساحة المعركة. والآن سأُقتل بسبب خطأ بسيط أثناء تدريب؟ لابد أنك تمزح…”
“والتفكير في أن أمي كانت سعيدة جدًا لرؤيتي أصبح خادم فارس…”
بينما كان خُدام الفرسان يندبون حظهم، ناداهم صوت مخيف ومقشعر للأبدان: “أنتم يا رفاق وقحون للغاية. سمعت أنكم محبطون بعد أن تم توبيخكم، فقررت أن أعد لكم بعضًا من طعامي اللذيذ.
هذا كل شيء.”
توتر باكس والتفت. كان الفارس ذو الوجه الهيكلي يرتسم على وجهه ابتسامة تقشعر لها الأبدان وهو يجر القدر الضخم. كانت الرائحة كريهة لدرجة أنها بدت وكأنها من عالم آخر.
“والآن، تفضلوا بالأكل جميعًا. الطعام اللذيذ هو أفضل علاج عندما تشعرون بالاكتئاب،” قال إله الموت راندولف بابتسامة بدت وكأنها تعلن عن نيته في سلب حياتهم.
“أرغ.” ابتلع باكس ريقه وتراجع خطوة للخلف، فقد كان خائفًا جدًا لدرجة تمنعه من فعل غير ذلك. اصطدم كعبه بشيء ما. شد أحدهم كم قميصه. نظر باكس فوق كتفه ولمح بينيديكتي بلا تعبير وهي تقرص ملابسه. ورغم أن وجهها لم يظهر أي عاطفة، إلا أنه استطاع قراءة ما تفكر فيه —أرجوك أنقذهم.
لماذا يجب عليّ إنقاذ هؤلاء الحمقى؟!
لو لم يكن باكس قد تغير، لربما قال ذلك. لكن هذا الرجاء جاء من فتاة استمعت إلى ملاحمه البطولية يوميًا. كانت شخصًا أراد أن يبهرها.
“راندولف،” قال.
“نعععم؟ ماذا هناك؟ إيه… من أنت بالمناسبة؟”
“اسمي باكس شيرون، الأمير السابع لمملكة شيرون. بما أنني كنت محظوظًا بما يكفي لأجد طريقي إلى هنا، أود أن أشارك في هذه الوليمة الخاصة بك أيضًا.”
“…أوه؟”
شخصيًا، لم يكن باكس ينوي حقًا وضع ذلك الشيء في فمه. فهو أمير، بعد كل شيء. وإذا كان هذا “الطعام” سمًا بالفعل، فقد كان واثقًا من أن راندولف سيتراجع.
“نعم! نعم، بالطبع يا سمو الأمير!”
على العكس من ذلك، أشرق وجه راندولف بسعادة غامرة لعرضه.
“ك-كما ترى بوضوح، أنا ذواق للغاية،” قال باكس. “ستندم إذا قدمت لي وجبة رديئة.”
“إيهيهيه،” ضحك الرجل بخبث. “قد لا يبدو عليّ ذلك، لكنني كنت أدير مطعمًا بنفسي، كما ترى. أنا واثق جدًا من النكهة.” “أنت تفهم ما أقوله، أليس كذلك؟” قال باكس.
“نعم، أنا أفهم بالتأكيد.”
هذا الرجل فقد عقله تمامًا، فكر باكس.
إذا قتل سمه باكس، فلن تكون المسألة بين مملكة تنين الملك ومملكة شيرون فحسب؛ كان هناك أفراد ملكيون هنا من مجموعة واسعة من الدول. لا يمكن لفارس أن يفلت من عقاب قتل أحدهم دون سبب. لن تقبل الدول التابعة الأخرى بذلك. إذا قتلت مملكة تنين الملك رهائنها بشكل عشوائي، فما الفائدة من الاحتفاظ بهم؟ ستثور الدول التابعة الأخرى.
وعلى الرغم من ذلك، بدا راندولف هادئًا تمامًا. في الواقع، بدا وكأنه يتحدى باكس: إذا كنت تعتقد أنك تستطيع أكله، فكله. كلانا يعلم أنك تقول فقط إنك ستفعل. لن تفعل ذلك حقًا.
أو ربما، فكر باكس، بعد أن سمع أنني أمير من شيرون ورأى كيف أبدو، فهو يعتقد أنه لن يهتم أحد على الإطلاق سواء عشت أو مت. تباً! لا يهمني إذا كان أحد القوى العظمى السبع—إنه ينظر إليّ باحتقار!
لم يكن بوسع باكس أن يموت هنا، ومع ذلك لم يكن ليسمح لنفسه بأن يُعامل بهذا القدر من الازدراء. علاوة على ذلك، كانت بينيديكتي تراقب. لم يكن بإمكانه التراجع بخنوع لمجرد أنه يعلم أن الطرف الآخر لا يكترث لأمره على الإطلاق.
“حسناً! تنحوا جانباً!” صاح باكس. دفع أحد المساعدين جانباً واندفع للجلوس. “هيا إذاً! ليس كل يوم يحظى المرء بفرصة تذوق طعام شخص مشهور مثل إله الموت. معدتي تقرقر منذ اللحظة التي التقطت فيها أنف ريح طبقك العطرة!”
كان باكس يتصرف بتحدٍ الآن. إذا كان راندولف لا يعتقد أنه سيأكل الطعام حقاً، فإنه سيفعل ذلك بالضبط. سيلتهمه، ويدع السم يقتله، وبذلك يجلب الفوضى إلى المملكة بأكملها. وبكونه عنيداً كما هو، فقد استسلم لمصيره—وكل ما يترتب عليه.
“أوه؟ أنت أول شخص يقول لي شيئاً كهذا على الإطلاق.” ارتسمت على وجه راندولف ابتسامة غريبة بينما كان يشرع في تقديم الطعام. لم يمضِ وقت طويل حتى أصبح الطبق الساخن أمام باكس مباشرة.
كان حساءً يحتوي على قطع ضخمة من الخضروات واللحم، لكن السائل نفسه كان أرجوانياً. كان ذلك… مقلقاً. ما الذي يمكن للمرء أن يضعه في الحساء ليجعله يتحول إلى هذا اللون؟ لم يبدُ شهياً بأي حال من الأحوال، ولم تكن رائحته شهية أيضاً. كانت الرائحة كريهة لدرجة أنه كان من الصعب تصديق أنها تأتي من شيء صالح للأكل. لم يعرف باكس شيئاً صالحاً للأكل تفوح منه رائحة كهذه. صرخ عقله: هذا ليس طعاماً!
“أرغ…” تمكن من الإمساك بملعقته، لكن يده لم تتحرك أبعد من ذلك.
كان المساعدون الحاضرون يحدقون به، ووجوههم شاحبة كالموتى. حتى بينيديكتي بدت قلقة عليه نوعاً ما.
تباً لكل شيء!
جمع باكس شجاعته، وغرس الملعقة في الخليط اللزج أمامه، وغرف قطعة من لحم غير محدد الهوية، وحشرها في فمه.
“ممف!”
مضغ ثم ابتلع. حدق المساعدون بذهول. لم تصدق روح واحدة حاضرة حقاً أنه سيجرب الطبق. كان بإمكان أي شخص أن يرى بلمحة واحدة أنه لا بد أن يكون سماً.
بعد أن ابتلع اللقمة، جلس باكس متجمداً للحظات قبل أن يتمتم أخيراً: “كان هذا جيداً بشكل مفاجئ.”
“هاه؟!”
قال باكس: “إنه متبل بأسلوب يرتبط بقارة الشياطين، لذا فمن المحتمل ألا يروق للناس هنا، لكنه مستساغ بالنسبة لي.”
نعم، كان يبدو سيئاً بقدر رائحته. ومع ذلك، وبشكل غريب، بمجرد وضعه في فمك، كانت رائحته الغنية تدغدغ الأنف، وظلت النكهات المعقدة للخضروات عالقة على اللسان. كان اللحم طرياً جداً لدرجة أنه ذاب على الفور، ليملأ الفم بنكهة لذيذة وشهية.
كان طبقاً محيراً. لم يتناول شيئاً مشابهاً له ولو قليلاً في مملكة شيرون. وبينما كان يأكل، لاحظ تنميلاً في لسانه. كان ذلك على الأرجح هو السم. ولكن الأهم من ذلك، أن نظرة وجه راندولف عندما أكل الطعام وأثنى على نكهته كانت حقاً مشهداً يستحق الرؤية. كان باكس يدرك أن إله الموت لم يعتقد حقاً أنه سيأكله، ناهيك عن الثناء عليه.
هاه! حتى لو مت في عذاب بعد لحظات من الآن، يمكنني على الأقل أن أقول إنني تفوقت على أحد القوى العظمى السبع. سأتباهى بذلك من مقعدي في الجحيم، فكر باكس بمرارة في نفسه بينما استمر لسانه في الوخز.
كانت لا تزال هناك أشياء كثيرة يريد القيام بها. لكنه لم يفعل شيئاً في حياته يستحق التباهي به، لذا كان لديه على الأقل شيء يمكنه أن يفخر به في هذا الفعل الأخير. منحه ذلك بعض الرضا. وبدون ذلك كعزاء، ربما كان ليرمي الطبق على الأرض ويبدأ في البكاء.
“أريد المزيد،” قال باكس، دافعاً طبقه نحو راندولف.
“إم، ولكن، يا صاحب السمو، لقد صنعت هذا من أجل المساعدين—”
“هل تعتقد حقاً أن هؤلاء الرجال يمكنهم تقدير جودة هذا الحساء؟! سأتناوله كله لنفسي!”
“يا صاحب السمو،” شهق المساعدون، متأثرين بتدخله الرحيم.
ضرب باكس صدره بقبضته وزأر: “كفى! ما الذي تحدقون به؟ هل اعتاد مساعدو المملكة على التحديق في الملوك وهم يأكلون؟ أم أن لديكم مشكلة في أن أتناول كل هذا الطعام لنفسي؟ حسناً، لن أسمع أي اعتراض! إذا كانت لديكم أي شكاوى، فخذوها إلى سيدكم،”
“شاغال. أخبروه أن أمير مملكة شيرون سلبكم فرصتكم في تذوق”
“طعام راندولف!”
انحنى المساعدون وفروا من المكان على عجل، لكن تعبيراتهم كانت مليئة بالامتنان، وهو أمر كان غريباً تماماً على باكس.
“همف.”
باكس، بالطبع، لم يهتم إذا كانوا يقدرون ما يفعله. افترض أنهم اعتبروه أميراً نهماً، وبنزوة عابرة، تفضل بأكل هذا الطعام المليء بالسم بدلاً منهم.
عندما نظر باكس للأعلى، لاحظ أن بينيديكتي قد جلست بجانبه. كانت تعبيرات وجهها هادئة كعادتها، وعيناها تتنقلان ذهاباً وإياباً من الطبق إلى باكس.
“بينيديكتي، هل ترغبين في تناول هذا أيضاً؟” سأل باكس. فأومأت برأسها.
“أنتِ تفهمين، أليس كذلك؟ ما هو هذا الطعام، أعني.” مرة أخرى، أومأت برأسها.
توقف باكس ليفكر، لكنه تذكر على الفور البيئة القاسية التي تعيش فيها بينيديكتي. لقد كان الصديق الوحيد الذي تملكه. كانت دائمًا وحيدة، تقضي وقتها في الحدائق، تحدق في الزهور؛ تلك الأميرة المنبوذة والمنعزلة التي لم يكلف أحد نفسه عناء التحدث معها. لا بد أن كل يوم كان بائسًا بالنسبة لها. حتى باكس لم يكن ليتمكن من تحمل هذا النوع من المعاملة لو كان مكانها.
مع وضع ذلك في الاعتبار، لم يجد باكس أي سبب لمنعها. ربما قررت الانضمام إليه لأنه صديقها الوحيد، وإذا كان مقدرًا له أن يموت، فقد فكرت أنها قد تموت معه أيضًا.
أومأ باكس برأسه أخيرًا. “حسنًا إذن، يا راندولف. جهز حصة لها أيضًا.”
“نعم، نعم، بالطبع! آه، يا له من يوم جميل هذا اليوم.” استمر راندولف في ابتسامته المخيفة بينما كان يغرف المزيد من يخنه الغريب ليقدمه لبينيديكتي.
تناولت بينيديكتي ملعقتها برشاقة وبدأت في الأكل ببطء. وعلى الرغم من أنها لم تتلقَّ أي تعليم في فن الإتيكيت، إلا أنها كانت تمسك بأدوات المائدة بطريقة جميلة.
ربما كانت تقلد ما رأته يفعله الآخرون.

“…لذيذ،” تمتمت بينيديكتي وهي تواصل الأكل.
“بالفعل، إنه كذلك.” استأنف باكس طعامه أيضًا. وبكونه أكولًا، طلب حصصًا إضافية عدة مرات حتى فرغ القدر تمامًا. “همف، ما رأيك في ذلك، يا إله الموت راندولف؟ لقد أنهينا يخنتك بالكامل. كانت شهية.”
“نعم، إنه لشرف عظيم حقًا أن تقضيا على القدر بأكمله.”
ضيق باكس عينيه. “وماذا بعد؟ متى سيبدأ مفعولها؟”
“متى سيبدأ مفعول ماذا؟”
“هل تظن حقًا أنني لم ألاحظ؟ ذلك التنميل المخدر على لساني؟”
“أوه! ذلك. نعم، حسنًا، يجب أن تلاحظ التأثيرات في أي لحظة الآن،” أجاب راندولف بضحكة مكتومة.
في أي لحظة، هاه؟
استند باكس إلى الخلف، محدقًا في السماء. كم مضى من الوقت منذ آخر مرة تناول فيها الطعام في الخارج؟ ربما كانت هذه المرة الأولى لبينيديكتي على الإطلاق. بغض النظر عن مدى قسوة معاملة أفراد العائلة المالكة لأقاربهم، فإن ذلك لم يغير من حقيقة أن حياتهم كانت خانقة. بل على العكس، كان النبذ يعني أن العائلة كانت مترددة في السماح لهم بالخروج على الإطلاق، وبدلًا من ذلك حبسوهم داخل جدران القصر.
على الأقل كانت لحظاته الأخيرة تحت سماء زرقاء مشمسة، وقد تناول وجبة لذيذة قبل النهاية. لم تكن هناك طريقة أكثر متعة للرحيل. كان الأمر كما لو أن روحه قد تطهرت.
“تشعر بالاسترخاء الآن، أليس كذلك؟” سأل راندولف. “بذور السانشوك لها تأثير مهدئ قوي.”
“سانشوك؟” كرر باكس بذهول.
“نعم. إنها أفضل توابل لتهدئة مشاعر المرء عندما يكون مكتئبًا أو منزعجًا. لقد أردت حقًا أن يجربها المساعدون أيضًا…”
“إذًا فهي ليست سمًا؟”
“سم؟” رمش راندولف في وجهه. “أوه، حسنًا، بذور السانشوك لها لون يوحي بالسم. يميل الكثير من الناس إلى تجنب استهلاكها لهذا السبب، نعم. لكن لا داعي للقلق. لم تهلك روح واحدة من تناولها. همم؟ لكنك ذكرت شعور التنميل على لسانك، هل يعني ذلك أنك كنت تعلم أنني استخدمت السانشوك؟”
“لـ-لا، كان لدي شعور بأنك استخدمت شيئًا ما، لكن ليس ذلك بالتحديد!”
بينما أمال راندولف رأسه، أدرك باكس الحقيقة أخيرًا؛ هذا الرجل كان ينوي حقًا معاملة هؤلاء المساعدين بوجبة، لا أكثر.
“نعم، فهمت، سانشوك!” أومأ باكس لنفسه. “كنت متأكدًا تقريبًا من أنك أخذت جلد الكيبان وأضفته إلى اليخنة.”
“أوه، نعم، جلد الكيبان يجعل اللسان ينمل أيضًا. لكن كما ترى، جلد الكيبان لا يمكنه منح اليخنة ذلك اللون الأرجواني الشهي، أليس كذلك؟”
أومأ باكس بتفكر. “هذا صحيح. نعم، براعتك كانت مثيرة للإعجاب حقًا!”
“هه هه، أقدر قولك هذا. لقد كان الأمر يستحق جلب تلك المكونات من قارة الشياطين.” الطريقة التي ابتسم بها راندولف بدت وكأنها تشير إلى أنه قد كشف زيف باكس تمامًا.
“حسنًا، كفى هذا! بينيديكتي، لنذهب!” غير قادر على تحمل نظرة الرجل الثاقبة، وقف باكس على قدميه. “لدي دراساتي وممارسة السحر لأحضرها بعد الظهر. ليس لدي وقت لأضيعه هنا في تبادل الأحاديث الجانبية!”
“حسنًا،” تمتمت.
عدل باكس كتفيه وبدأ يترنح مبتعدًا وبينيديكتي خلفه مباشرة. لم يبتعدا كثيرًا قبل أن يناديهما راندولف.
“مم، الأمير باكس؟”
“ماذا هناك؟” التفت باكس من فوق كتفه.
كان راندولف يرتسم بابتسامته المخيفة المعتادة. ومع ذلك بدا قلقًا بعض الشيء، وهو يفرك يديه معًا بينما كان يستجمع شجاعته ليسأل: “هل سيكون من الممكن بالنسبة لي أن أقدم لك وجبة مرة أخرى في المستقبل؟”
“حسنًا. ففي النهاية، طعامك لذيذ.” قدم باكس إجابته بسرعة واستدار للمغادرة. على الرغم من أنه كان قلقًا دون داعٍ من أن تكون الوجبة مسمومة، إلا أن اليخنة نفسها كانت رائعة. من غير المرجح أن تناسب تلك النكهات غير العادية أذواق معظم الناس، لكن باكس لم يتناول شيئًا كهذا من قبل. إذا كان راندولف حريصًا على تقديم شيء كهذا له مرة أخرى، فلم يكن لديه سبب للرفض. لم يكن يكذب عندما قال إنه ذواق ذو أذواق صعبة.
“شكراً لك،” قال راندولف وهو يحني رأسه منخفضاً.
بعد ذلك، بدأ باكس يتناول طعام راندولف بشكل دوري.
***
“بالنظر إلى الماضي، لقد استسلمت حقاً للموت في ذلك الوقت،” تمتم باكس وهو يسترجع ذكريات الماضي البعيد في عقله.
كان يقف حالياً على بسطة درج. أتاحت له النافذة القريبة لمحة عن العالم خارج القلعة. كانت النيران تنتشر في الأرجاء، وتتصاعد إشارات الدخان كالأعمدة هنا وهناك. لم يسمع أي أصوات من هنا، لكنه كان يشعر بالحشود في الأسفل.
كان باكس داخل قلعة شيرون، وهو مكان وصل إليه بعد أن اندفع بتهور حتى شق طريقه إلى العرش.
“كنت أفضل ألا أسمع الحقيقة حتى أيامي الأخيرة،” أجاب راندولف وهو يقف بجانب الملك ويحدق في العالم بالأسفل. كان قد أزال رقعة عينه، وكانت العين التي تحتها تبعث ضوءاً ساطعاً. “لقد كنت سعيداً حقاً، أتعلم؟ لسماعك تقول إن طعامي لذيذ.”
“لا تبدأ بهذا. قد لا يكون مظهره شهياً، لكنني لم أكن أكذب عليك عندما قلت إنه جيد،” قال باكس.
“ههه، من الصعب تصديقك الآن بعد أن عرفت أنك ظننت أنني أنوي تسميمك.”
تضخمت أصواتهما بالعاطفة وهما يتحدثان، يحدقان عبر الزجاج. لقد جمعتهما صدفة غير ذات أهمية، وحتى بعد لقائهما الأول، لم يحدث شيء مثير أو مهم بشكل خاص. كل ما حدث هو أنه في كل مرة كان باكس وبينيديكتي يتذوقان طعام راندولف، كانا يثنيان على مذاقه. كانا يدردشان قليلاً بينما كان يحضر أطباقه الغريبة، لكنهما كانا يذهبان في طريقيهما المنفصلين بمجرد انتهاء الوجبة. تكررت الدورة مرات عديدة حتى أدرك راندولف مدى تكرار وجوده في صحبة باكس. سيكون من المبالغة تسمية باكس تلميذه أو متدربه، لكنه قدم له بعض النصائح حول المبارزة والسحر.
“في النهاية، أنت وبينيديكتي هما حليفاي الوحيدان،” قال باكس وهو يراقب الناس المتجمعين في الخارج.
كانا يعلمان أن ليس كل الناس في الخارج أعداء؛ فقد خاطر فارس بحياته ليخرج ويحضر تقرير استطلاع. نعم، لم يكن الجميع ضده، لكن باكس كان يعلم أنهم ليسوا داعمين له أيضاً. الغالبية العظمى من مملكة شيرون لم ترحب بصعوده إلى العرش. يمكن أن يكونوا أعداءه في ظل الظروف المناسبة، لكنهم لن يكونوا حلفاءه أبداً.
“لماذا يكرهني الناس هكذا؟”
كان الأمر كذلك طوال حياته. لم يتحالف معه أحد قط. ربما كان مظهره ينفرهم؛ ربما كان ببساطة لا يملك موهبة العثور على رفاق. باكس بصراحة لم يكن لديه أدنى فكرة. لقد بذل قصارى جهده بطريقته الخاصة، ولكن رغم كل جهوده، لم يأت إلى جانبه سوى بينيديكتي وراندولف. ربما لو تصرف بشكل أفضل، لكان زانوبا وروديس – وربما حتى الفرسان الذين ماتوا – على استعداد للوقوف معه. لقد فات الأوان للتفكير في ذلك الآن.
“سؤال جيد. غالباً ما يشعر الناس بالرعب مني أيضاً، وليس لدي أدنى فكرة عن السبب أيضاً،” قال راندولف، كما لو كان يحاول مواساته. لكن في حالة راندولف، كان ذلك بلا شك بسبب مظهره. لو كان بإمكانه فقط فعل شيء حيال ذلك الوجه الهيكلي والابتسامة المقلقة، فقد تتغير الأمور قليلاً.
في الواقع، حتى مع تلك المشاكل، كان راندولف قد اكتسب احترام القائد الأعلى لمملكة التنين الملكي والعديد من المبارزين. لم يكن لدى باكس أي شيء من هذا القبيل. لقد أصبح ملكاً، والآن لديه زوجة يحبها ومرؤوس ممتاز. ولكن للأسف، لم تكن هذه طريقة لإدارة بلد. لم يستطع كسب اعتراف الجماهير.
ربما سلك الطريق الخطأ، لكن الحقيقة ظلت قائمة وهي أن عدد الأشخاص في صفه كان قليلاً جداً. لم يعد يعرف ماذا يفعل لتعزيز مؤيديه. كان بحاجة إلى رفاق، لكنه لم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية الحصول عليهم. كان باكس الآن في حيرة من أمره بشأن ما يجب فعله.
“راندولف،” قال.
“نعم؟”
“عندما أموت، خذ بينيديكتي معك واهرب من هنا.”
حبس راندولف أنفاسه. في الاثني عشر عاماً أو نحو ذلك التي عاشها خلال معارك عديدة، لم يجعله شخص آخر يدرك تنفسه قط، لكنه وجد وعيه يزداد فجأة الآن.
“عد إلى مملكة التنين الملكي. عندما يولد طفلي، انقل إليه مهاراتك في المبارزة وفنون الطهي.” لم يقل راندولف شيئاً.
“والأكاديمية أيضاً،” أضاف باكس. “بالنظر إلى نسب طفلنا، لا توجد طريقة لتعيين معلم له. أنا أعهد برعايته إليك.” مرة أخرى، كان راندولف صامتاً.
“وأود أن أطلب منك أن تثني عليه قدر الإمكان. أشك في أن بينيديكتي ستكون قادرة على فعل ذلك بنفسها. لم يتم الثناء على أي منا كثيراً.”
أخيراً وجد صوته وقال: “أم، يا جلالة الملك؟”
ظهر تعبير نادر على وجه راندولف، تعبير لم يظهره للآخرين أبداً، لا قبل ولا بعد أن أصبح يُدعى إله الموت. في الواقع، بعد أن أصبح واحداً من القوى العظمى السبع، قتل الكثير من الرجال – عشرات الآلاف منهم – لدرجة أنه توقف عن رؤيتهم كبشر. في كل سنواته الطويلة، لم يظهر مثل هذا الوجه إلا في مناسبات قليلة مختارة. كانت هذه نظرة شخص لا يريد للشخص الآخر أن يموت.
“ما الأمر؟” سأل باكس.
قال راندولف: “أتعلم، أنا معجب بك”.
لكنه لم يستطع أن يطلب من باكس ألا يموت. ففي نهاية المطاف، هو إله الموت. وبصفته الخامس من القوى العظمى السبع، فقد رأى عددًا لا يحصى من الرجال يموتون. ورأى العديد من الأشخاص يختارون ميتة نبيلة على حياة بلا معنى. وقد أبدى احترامه لكل واحد منهم.
كان الرجل الذي يقف أمام راندولف ملكًا. كان ذا جسد ضئيل، ولم يكن محبوبًا من قِبل شعبه، وعانى من حرب أهلية فور اعتلائه العرش، ومن المحتمل أن يُنسى على المدى الطويل، ويُمحى من سجلات التاريخ.
لكنه كان ملكًا، رغم كل شيء. لقد قام بدوره لكسب اعتراف الناس وصعد إلى العرش. كان من المنطقي أن يرغب في الموت كملك. فكبرياؤه هو ما دفعه لذلك.
أنهى راندولف كلامه قائلاً: “لهذا السبب سأحرص على تنفيذ أمرك، حتى لو كلفني ذلك حياتي”.
“أنا أثق بأنك ستفعل”.
ربما أطلق الآخرون على راندولف ماريان لقب إله الموت، لكنه لم يكن إلهًا حقيقيًا للموت. كان يعرف الرجل الذي حمل اللقب قبله. كان إله الموت السابق يستمع دائمًا إلى كلمات المحتضرين قبل رحيلهم. كان يحترم كرامتهم ويحميها حتى أنفاسهم الأخيرة. ولهذا السبب أُطلق عليه لقب إله الموت. وقد اتبع راندولف مثاله، لأن راندولف كان يحترمه أكثر من أي شخص آخر، بل وورث اسمه أيضًا.
“حسنًا، يبدو أن الشمس على وشك الغروب”. بعد أن حصل على الإجابة التي أرادها، صرف باكس نظره عن المشهد في الخارج وتوجه نحو غرفة نومه. “سأذهب لأودع بينيديكت. سيكون لقاؤنا الأخير. هل ستتأكد من ألا يقاطعنا أحد قبل أن ننتهي؟”
“كما تشاء، يا جلالة الملك”.
اختفى باكس داخل الغرفة، واتخذ راندولف موقعه في الخارج. بعد فترة، تعب من الوقوف وذهب إلى الطابق السفلي ليحضر كرسيًا. وبمجرد أن جلس، أسند مرفقيه على ركبتيه وشبك أصابعه، مستندًا بذقنه عليها. أبقى نظره مثبتًا على الدرج والنافذة التي تقع خلفه مباشرة. كان الأمر كما لو أنه يريد حفر ذلك المشهد—نظرة باكس الأخيرة على المدينة التي حكمها—في ذاكرته.
تمتم راندولف وهو يغمض عينيه ببطء: “بصراحة، أتمنى لو أنك لا تموت”.
عن المؤلف:
ريفوجين نا ماغونوتي
يقيم في محافظة غيفو. يحب ألعاب القتال وفطائر الكريمة. مستلهمًا من أعمال أخرى منشورة على موقع “لنكن روائيين”، أنشأ رواية الويب “موشوكو تينسي”. نال دعم القراء فورًا، حيث وصل إلى المركز الأول في تصنيفات الشعبية المجمعة للموقع في غضون عام واحد من النشر.
ينصح المؤلف بحكمة: “لا تضع صورتك العامة أبدًا قبل سعادتك الشخصية”.

شكرًا لك على القراءة!
—
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
معكم ناروتو.
انتهى المجلد التاسع عشر، الذي أخذنا إلى مملكة شيرون، حيث تتشابك المصالح السياسية والصراعات على السلطة مع مصائر الشخصيات التي عرفناها من قبل.
لم تكن هذه الرحلة مجرد عودة إلى مكان قديم، بل كانت محطة مليئة بالقرارات المصيرية والمواجهات غير المتوقعة، وصولًا إلى أحداث ستترك أثرًا واضحًا في حياة زانوبا ومستقبله.
أتمنى أن تكونوا قد استمتعتم بهذا المجلد، وأن تكون إعادة الترجمة قد وفّرت لكم تجربة قراءة أفضل وأكثر سلاسة.
شكرًا لكل من يواصل القراءة ويدعم المشروع. ملاحظاتكم وتشجيعاتكم محل تقدير، وهي تساعدني على الاستمرار في تحسين العمل من مجلد إلى آخر.
نلتقي في المجلد العشرين بإذن الله، حيث تنتقل الأحداث إلى مملكة ميليس، وتبدأ مشكلات عائلية قديمة في الظهور من جديد.
إلى اللقاء، وقراءة ممتعة!
— ناروتو
—
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.